Tag: أزمة

  • معلّق | Suspended

    معلّق
    رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
    كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣

  • مذهبان | Two Doctrines

    مذهبان
    أحدهما يذهب إليه الناس في البلاد المتحضرة كافة منذ ابتدأ عصر الديمقراطية، على أقل تقدير. والآخر يذهب إليه فريق من الناس في هذا البلد العزيز السعيد، ويتباينان أشد التباين.
    ومذهب المصريين أصحهما من غير شك، وأدناهما إلى الصواب من غير جدال، لأن مصر قد أصبحت منذ ثلاثة أعوام أقوى بلاد الأرض، وأرقاها، وأحقها أن تتولى زعامة الرقي، وقيادة الشعوب إلى تحقيق المثل العليا في الحرية والكرامة والاستقلال.
    وقد أصبح حقًّا على كل شعب يحب الرقي ويطمع فيه أن ينظر إلى مصر، فيتأثرها ويسير على نهجها، وهو إن فعل بلغ ما يريد من الكمال بإذن الله.
    فأما المذهب الأول الخاطئ الذي يأخذ به الناس في أقطار الأرض، وفي أقطار الأرض المتأثرة بفلسفة الفلاسفة وأصول الثورة الفرنسية، فهو أن الحكومة إنما توجد لإقرار الأمن في البلد الذي توجد فيه.
    والأمن عند هؤلاء الناس الخاطئين، الذين يملأون أقطار الأرض غير مصر، إنما هو أمن الشعب جملة: على حياته، ومرافقه، واطمئنانه إلى أن شعبًا أجنبيًّا، مهما يكن، لن يغير عليه، ولن يمسه بأذى، ولن ينتقص من أرضه، ولن يعتدي على حقه، ولن يغض من كرامته، ولن يناله بمكروه في أي نحو من أنحاء حياته.
    وأمن الأفراد على أنفسهم، وأموالهم، وعلى كرامتهم، وحرماتهم، وعلى عقائدهم، وآرائهم، وعلى أخلاقهم، وأعراضهم.
    وثقة هؤلاء الأفراد، مهما تكن منازلهم، ومهما تكن مذاهبهم في السياسة والدين، بأن نفوسهم معصومة بحكم القانون وقوته، إلا أن يجرموا فيجعلوا للقانون عليهم سبيلًا، وأن حريتهم مكفولة بحكم القانون وقوته، إلا أن يأثموا فيجعلوا للقانون على حريتهم سبيلًا، وبأن أموالهم محفوظة عليهم، لا يؤخذ منها إلا بالحق، ولا تمس إلا بما يأمر به القانون.
    هذا هو مذهب الناس عامة في فهم الحكومات، وفهم واجبها، وفهم الصلة بينها وبين الشعب.
    ولكن المذهب الآخر، الذي يراه فريق من المصريين، والذي هو أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الصواب، ينحو نحوًا غير هذا النحو في الحكم والفهم والتقدير.
    فالحكومة عند هؤلاء المصريين وجدت لإقرار الأمن، ولكن لإقرار أمنها هي قبل أمن الشعب. ووجدت لحماية النفس والأموال، ولكن لحماية نفسها هي وأموالها من قبل أنفس الشعب وأمواله.
    وهي لا تكره أن تؤمن الشعب، ولكن تأمين الشعب نافلة لا فريضة، أو هو فرض ثانوي يأتي بعد الفرض الأول، وتتفرغ له الحكومة بعد أن تتفرغ من هذا الفرض الأول.
    وهي لا تكره أن تحمي أنفس الشعب وأمواله، ولكن بعد أن تحمي نفسها ومالها، وتطمئن أشد الاطمئنان إلى أنها لا تخاف بأسًا، ولا تخشى مكروهًا.
    ولعلك لن تفطن بعد إلى الفرق العظيم بين هذا المذهب الخاطئ الذي يمعن فيه العالم المتحضر كله، وهذا المذهب المصيب الذي يحبه فريق من المصريين.
    فأما في غير مصر، فإن الناس يرون أن الوزارة إذا أحست بالحاجة الشديدة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها أن تستقيل؛ لأن الوزارات لم تنشأ لحماية نفسها، وإنما أنشئت لحماية الشعب، وهي لم تخلق لخدمة نفسها، وإنما خلقت لخدمة الشعب.
    وهي إذا أحست حاجة إلى الحماية، فمعنى ذلك أن الشعب لا يحميها بحبه لها، وثقته بها، واطمئنانه إليها. وإذن فهي لا تريد أن تخدم الشعب رغم أنفه، وإذن فهي مضطرة إلى أن تستقيل، ليوجد الشعب لنفسه الوزارة التي يرضاها، ويثق بها، ويحميها بحبه وعطفه وثقته.
    أما أصحاب المذهب المصري الحديث، فهم يرون أن الوزارة إذا أحست حاجة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها ألا تستقيل، بل أن تتعلق بالحكم أشد التعلق، وأن تشد نفسها إلى كراسيها بالحبال والأمراس، وأن تسخر جند الدولة وبأسها، وقوة الدولة وبطشها، ومال الدولة وثروتها، لحماية نفسها حتى من الوهم الطارئ، والخيال الذي يلم في الأحلام.
    وجائز عند أصحاب المذهب المصري الحديث، بل واجب، أن تقدم الوزارة حماية نفسها على حماية الشعب. فإذا أحست من خصومها السياسيين خطرًا على نفسها، وأحست من خصوم النظام الاجتماعي، وأعداء الأمن العام، والمجرمين الذين يفسدون في الأرض، خطرًا على حياة الأفراد والجماعات، وحماية أنفسهم وأموالهم، كان من حقها، بل من الحق عليها، أن تقدم حماية نفسها، والتفكير فيها، وقهر خصومها السياسيين، على حماية الشعب، وقهر المجرمين.
    وعلى ذلك يفسر أصحاب المذهب المصري الحديث كثرة الجرائم واتصالها في مصر، وهذه الألوان من العدوان التي تقع على النفوس والأموال، وتعجز الوزارة القائمة، لا نقول عن منعها قبل وقوعها، بل نقول عن أخذ المقترفين لها، والمتورطين فيها؛ لأن الوزارة مشغولة بمخاصمة الوفد، ومطاردته، ومراقبة رئيسه وأعضائه، وبث الأرصاد والعيون عليهم، عن مراقبة المجرمين، وأخذهم، والضرب على أيديهم.
    وعلى هذا النحو أيضًا يمضي أصحاب المذهب المصري الحديث حين يطالبون الوزارة بأن تشرع القوانين الاستثنائية الصارمة لإرهاق خصومها السياسيين، وإفحامهم، وأخذهم بالصمت والهدوء؛ لأن حماية الوزارة لنفسها من هؤلاء الخصوم أوجب من حماية الوزارة للشعب من أعداء الأمن والنظام.
    ولذلك يطلب أصحاب المذهب المصري الحديث إلى الوزارة أن تشرع هذه القوانين الصارمة الاستثنائية لتعقبهم، والقضاء عليهم، في غير إمهال ولا أناة.
    وقد نحب أن نعرف مذهب وزارتنا في هذه المسألة ذات الخطر: أهو مذهب العالم المتحضر، أم هو مذهب المبتكرين من المصريين؟
    فإن تكن الأولى، فإنا نرى وزارتنا تسرف في العناية بنفسها، وتغلو في وقف جهودها على ما تنصب لخصومها من الحرب.
    وإن تكن الثانية، فإنا نحب أن تلائم الوزارة بين ما لها من مذهب وسيرة، وما يلقى إلى الشباب في المدارس، وفي كلية الحقوق، حتى إذا أخرجت هذه الكلية من طلابها من سيكون إليهم الحكم في يوم من الأيام، أخرجتهم وهم يعلمون ما يجب عليهم أن يعملوا.
    والأمر ليس مقصورًا على الأمن الداخلي، فمن المحقق أن وزارتنا تعنى بما تكتبه الصحف الأجنبية عن بقائها الطويل أو القصير أكثر مما تعنى بمسائل لها أبعد الأثر في حياة مصر.
    فلم يخطب وزراؤنا في مسألة الدين كما خطبوا في مسألة «الديلي تلغراف»، ولم يجزع وزراؤنا لحبوط المفاوضات في مسألة الدين كما جزعوا لرسالة الديلي تلغراف، ولم ينشط وزراؤنا في مسألة التبشير والمبشرين كما نشطوا في رسالة الديلي تلغراف.
    فهم إذن أسرع إلى التفكير في حماية الوزارة من خصومها السياسيين المصريين، ومن الذين قد يخاصمونها بين الأجانب، منهم إلى التفكير فيما يصيب الأمن والنظام من الفساد والاضطراب، وفيما يصيب منافع الناس ومرافقها، وحرية مصر وكرامتها، من العدوان الخارجي، أو إسراف الدول الأجنبية في الاستهانة بالحقوق المصرية.
    أفنستطيع أن نفهم من هذا أن المذهب المصري الحديث قد وفق إلى الفوز الرسمي، فأصبحت وزارتنا تؤمن به، وتطمئن إليه، وتتخذه لها مذهبًا، وترى أنها وجدت لنفسها قبل أن توجد للشعب؟
    سؤال يحتمل جوابين:
    أحدهما يراه الناس، ويحسونه، ويشهدونه في كل يوم، وهو: نعم.
    والآخر يكتب في الصحف، ويقال في الأحاديث الرسمية، والشبيهة بالرسمية، وهو: لا.
    والناس أحرار في أن يقبلوا ما شاءوا من هذين الجوابين.
    أما أنا فأقبلهما معًا، وأصدق وزراءنا إذا ساروا سيرة المؤمن بالمذهب الحديث، وأصدقهم إذا قالوا مقال المؤمن بالمذهب القديم.
    وأرى أن الوزارة من المهارة والكفاية، ومن البراعة والنبوغ، بحيث تستطيع الجمع بين المتناقضات، والتوفيق بين المتباينات، وبحيث تستطيع أن تؤثر نفسها على الشعب حين تعمل، وأن تؤثر الشعب على نفسها حين تقول.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٧ – ١٩٣٣

  • مأزق | An Impasse

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

  • قلق | Anxiety

    قلق
    لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
    أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
    جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
    وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
    ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
    زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
    وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
    ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
    ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
    أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
    ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
    ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
    فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣