لعب ٠٠٠
لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلى لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذى يصيب كليتين من كليات الجامعة : هما كلية الآداب والحقوق ، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة ، لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل فى برامج الدراسة ومناهجها ، وفى نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة مايمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه . ولكن مالذى يمنع أن تمس البرامج والمناهج ، والنظم والآماد ، وقد غير القانون نفسه ، وصورت اللوائح العامة تصويرا يلائم هذه المثل العليا ، التى وضعتها الوزارة القائمة أمامها ، واتخذتها أصولا للحكم !
كانت الجامعة مستقلة بعض الشئ ، فمحى هذا الاستقلال ا كما كان الدستور واسعا بعض الشئ ، فضيقت هذه السعة ا وكان التعليم فى الجامعة حرا بعض الشئ ، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة ، فيجب أن تمحى هذه الحرية ، وأن تصبح شكلا من الاشكال ، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير فى وزارة المعارف ، أى من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية ، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية ، وأبغض البيئات للحياة الجامعية ! !
يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير، من وزارة المعارف ، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، وتنظم هذه الفكرة فى وزارة المعارف ، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات ، فتسمع وتطيع ، وتؤمن وتذعن ، وإذا نظم تبدل ، وبرامج تحول ، ولوائح تصاغ فى صورة غير التى كانت عليها ، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت ونمت ، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء ، ثم يصدر المرسوم ، ثم يضطرب أمر الطلاب ، وتفسد نظمهم ، لافى الدراسة وحدها ، بل فى الدراسة وفى الحياة أيضا ، لان وزارة المعارف ، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، لن يدعوا الجامعة حتى يردوها إلى مايحبون هم ، أو إلى مايستطيعون أن يحبوا ، وحتى
يجعلوها مدرسة كالمدارس ضيقة الحدود ، محصورة الآفاق ، تخرج موظفين وأشباه موظفين ، كما كانت المدارس تفعل من قبل !!
ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى ان الرقى انما يكون بالسير إلى أمام ، لا بالرجوع إلى وراء ، لانهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا فى الرقى ، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ! وغلونا فى التقدم فيجب أن نتأخر ولو قليلا !
نعم ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى أن الاسراف فى تغيير البرامج والمناهج والآماد ، يفسد شؤون التعليم ، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد ، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة ، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد فى الدرس ، وانصراف عنه ، وتبرم به .
لاتفكر وزارة المعارف والذين يوحون اليها فى شئ من هذا ، وانما نحن فى عصر ديكتاتورية ، يجب أن يمس التغيير فيه كل شئ ، وأن يحيط العبث فيه بكل شئ ، وأن تقص أجنحة التعليم كما قصت أجنحة الحرية ، وأن تتسلط فيه على التعليم عقول لم تخلق للتعليم ، وانما خلقت لاى شئ آخر غير التعليم .!
لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة ، حتى انبسط سلطان الوزارة عليها ، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها ، يعبثون بها ، ويضيقون عليها ، ويقلبون نظام الدرس فيها راسا على عقب ، فيلغون أقساما ، ويضغطون أقساما أخرى ، ويداورون بين قسم وقسم ، ليردوا هذه الكلية إلى شئ يشبه مدرسة المعلمين التى الغيت منذ أعوام ، لان رقى مصر كلها يقتضى الغاءها ، بعد أن أدت مهمتها ، وعجزت أن تؤدى المهمات الجديدة التى دعت اليها الحياة الجديدة .
ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الالغاء ، وقد طالما ضاقت به ، وشكت منه ، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل ! فلما لم توفق إلى ذلك ، صبرت على مضض ، ودبرت كيدها فى إتقان وإحكام ، حتى أمكنتها الفرصة ، فهى تريد أن تعيد مدرسة المعلمين ، وأن تسميها كلية الآداب! وهى ترد الدراسة فى هذه الكلية إلى أبسط صورها ، وأيسر أشكالها ! فاللغة العربية وآدابها ، يجب أن تدرس فيها كما تدرس فى دار العلوم ! واللغات السامية والشرقية اللاسلامية يجب أن تصبح فيها ثانوية
كما هى فى دار العلوم ! واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليا لاينتج ولا يفيد ! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ تلحق به الجغرافيا ! وقسم للجغرافيا يلحق به التاريخ إلى اشباه هذه الصيغ الدائرة السخيفة ، التى لايمكن أن تنشأ ولا أن تنمو ، الا فى مكاتب وزارة المعارف ا ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئا واحدا عاما شائعا لايظهر فيه تخصص ولاتمايز ، يجب أن نتواضع فقد كنا غلونا فى الكبرياء .
يجب أن تكون لنا كلية آداب من الطراز الذى يرضاه الانجليز، ويقبلونه فى مستعمراتهم ، من هذا الطراز الذى يخرج عمالا وموظفين ، لا أدباء ومفكرين ! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة فى وزارة المعارف ، لا فى الجامعة ، وفى لجنة يرأسها رجل لم يدرس فى الجامعات قط ، ولم يذق الحياة الجامعية قط ، ولم ينفق حياته إلا فى هذا النوع من التعليم المتواضع الذى تضيق به مصر ، وتريد أن تخلص منه ، حتى إذا تم وضع هذا النظام ، أقرته الكلية ، وأقره مجلس الجامعة ، وصدر به المرسوم ، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة .
وليس للجامعيين أن يناقشوا فى ذلك أو يجادلوا فيه ، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنتين : إما الاذعان ، واما الحرمان . !
رحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ، ليدرسوا أمرا من أمور الجامعة ، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا فى الجامعة ، وعند مدير الجامعة ، ورحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ، ليناقشوه فى برامج التعليم الثانوى، ويأبون إلا أن ينتقل اليهم وكيل الوزارة فى مكتب مدير الجامعة، ليعرض عليهم مايريد .
رحم الله تلك الايام والعهود ، فقد مضت وانقضت ، وأصبحت أحلاما أو كالاحلام ، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التى تصلح نظام الدرس فى كلية الأداب
وأمر كلية الحقوق ليس خيرا من أمر كلية الآداب ، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل ، وقالت وزارة المعارف للاهرام انها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة ، بعد أن تصدر لائحتها الاساسية الجديدة ، وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية
الحقوق ، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع ، ان وزارة المعارف لاشأن لها بالجامعة ، وانما أمور الجامعة اليها ، والى الوزير باحدى صفتيه ، فانت تعلم ان له صفتين
صنع الله لوزير التقاليد أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئا ، وأن يحدث فى وزارة المعارف غير مايقول !
مسكينة كلية الحقوق ، لايريد الله أن يصلح بالها ، ولا أن يقر أحوالها ، ولا أن يجعل لها نظاما لتطمئن اليه .
هذه لأئحتها الاساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة ، فى أقل من عشر سنين ! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين ، يقضى الطالب منها اثنتين فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم أصبح أربع سنين . يقضى الطالب منها سنة فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم ظل أربع سنين تقضى كلها فى كلية الحقوق ، على أن تكون احداها اعدادية تهيئ الطالب لدراسة القانون ، ثم يراد أن تعود خمس سنوات ، تقضى كلها فى كلية الحقوق واحدة منها للاستعداد ، وأربع لدراسة القانون . وأنا زعيم لك بانها سترد إلى أربع سنوات ، بعد أن تعود الامور إلى نصابها ، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال ! وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة ، ولن يكون هذا كله بعيداً .
ولكن مارأيك فى أمد الدراسة هذا الذى يزاد . ثم ينقص ، ثم يزاد ، ومارأيك فى مكان الدراسة هذا الذى يكون حينا بحذوى وحينا بالعقيق؟! ومارأيك فى الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته ، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟! وهل تدرى فيم زيد أمد الدراسة ؟
زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجى كلية الحقوق ، ضعاف الحظ من الثقافة القانونية ! وقد يكون هذا حقا ، ولكن هناك حقا آخر لاشك فيه ، وهو أن المصالح لاتأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم ، ولعلها تأخذ أواخرهم ، لان الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل مالا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء ، أو المقربين إلى الوزراء ! وهناك حق آخر ، وهو ان اطالة أمد الدراسة لاتضمن حسن الدراسة ، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وانما هى مسألة دراسة جيدة أو رديئة ، مسألة أستاذ كفء أو غير كفء ، مسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح! وهناك
حق ثالث لاشك فيه ، وهو أن كلية الحقوق ، فيها قسم للدكتوراه ، كان ينبغى أن تحسن فيه الثقافة القانونية ، ولعلها تحسن فيه بالفعل ، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجى هذا القسم؟ وهناك حق رابع لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو ان كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لاتمام الدراسات العملية القانونية ، بعد درجة الليسانس ، ولعل هذه المعاهد أن تقوى الثقافة ، فلما لاتأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟ وهناك حق خامس لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو أن فساد الامر فى كلية الحقوق لايرجع إلى طول الوقت أو قصره، وانما يرجع إلى أمرين اثنين : فساد التعليم الثانوى الذى يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفا أشد الضعف ، والثانى تقسيم الدراسة فى كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس ، وآخرين أوروبين يدرسون لطلاب الدكتوراه ، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائما ، محدودة الآفاق دائما .
كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشؤون الجامعة ، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين ، لعدلوا عن اطاله امد الدراسة فى غير نفع قليل أو كثير ، والامتحان وما أدراك ما الامتحان ، لقد شدد وحدد وأصبح تحريريا فى كا . شئ ، شفويا فى كا شئ ، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الادنى ، والحد الاعلى ، لدرجات النجاح ، إلى آخر ما تحسنه وزارة المعارف ولاتحسن غيره ! ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسا مالاينبغى الغلو فيه والاسراف فى تشديده وتحديده ولكنها كما ترى فكرة ابتدائية ساذجة ، ترى ان الوقت إذا طال حسنت الدراسة ، وان الامتحان إذا اشتد عظم خطر التخرج من الثقافة وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هى التى غيرت نظام كلية الحقوق ، وتغير الآن نظام كلية الآداب . ومن يدرى ، لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب ، وهل غيرت قوانين الجامعة الالهذا؟!
نعم . لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة كصورة فى مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف ، فقد فتحت لها النوافذ والابواب ، فانتشرت كما ينتشر الوباء ! تبسط ظلها المهلك على كل شئ ! وكانت محصورة فى التعليم الا بتدائى والثانوى ، فامتدت إلى التعليم العالى واخذت تظل الأزهر بجناح ، والجامعة بجناح ، وويل لمصر ولحياتها العقلية ، ان استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجه ، ان تفرح فتخرج من الأزهر والجامعة شبابا يشبهونها فى الابتدائية والسذاجة .
ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين ، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة ، ومافيها من هواء نقى ، وضوء جميل فلن تكون حياة مصر لعبا دائما .
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٢ مايو ٩٣٣ ١.
Tag: أعضاء هيئة التدريس
-
لعب | A Game
-
استقلال | Independence
استقلال
ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣