Tag: إصلاح

  • عبث | Futility

    حديث الوادي
    عبث…

    تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.

    ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.

    ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.

    كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.

    هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.

    وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟

    ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».

    فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.

    وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.

    نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.

    وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟

    ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.

    ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟

    إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.

    ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥.

  • لغز | A Puzzle

    لغز
    حله[1] عند رجلين، أحدهما «رئيس الوزراء»، والآخر «وزير الداخلية». ويزعم طوال الألسنة أن رجلًا ثالثًا من كبار الموظفين قد يستطيع مشاركة الوزيرين الخطيرين في حل هذا اللغز، ولكنهما يأبون أن يسموه ويكتفون بالإشارة إليه. أما نحن فلا نطلب الحل إلا عند القادرين الرسميين عليه، أي عند «رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية».
    وهذا اللغز يحيط بصاحب العزة «أحمد كامل بك»، مدير «الأمن العام»؛ فقد نهض الرجل بحماية الأمن كما لم ينهض به أحد من قبله إلا «وزير الداخلية» حين كان مديرًا للأمن العام. وكانت نتيجة هذه الكفاية الباهرة في حماية «أحمد كامل بك» للأمن العام أن أخذت الجنايات تنقص ثم تنقص، وتقل ثم تقل، حتى انعدمت انعدامًا. ومضت الأيام والأسابيع والشهور، ومصر لا تقع في أرضها جناية ما، حتى أشفق الناس من ذلك؛ فبعض العلماء من أصحاب الاجتماع يرون أن وقوع الجرائم ظاهرة من الظواهر الطبيعية، لا يمكن ولا ينبغي أن تخلو منها جماعة منظمة. فلما رأى الناس أن مصر قد برئت من الإجرام والمجرمين، أصابهم خوف لا يشبهه خوف، وظنوا أن جماعتهم مريضة؛ لأنها لا تؤدي عملها الاجتماعي كما ينبغي.
    ولكن الوزارة أعلم بشؤون الاجتماع والسياسة من الناس، فحمدت لـ«مدير الأمن العام» كفايته وبراعته؛ لأنه حقن الدماء، وعصم النفوس، وحفظ على الناس أموالهم وأعراضهم، ومكنها من أن تعلن مطمئنة أنه قد ظفرت بما لم تظفر به وزارة في أقطار الأرض، فمحت الجرائم محوًا. ولذلك اعترفت لمدير الأمن بالفضل، وسجلت له هذه المآثر، وعجزت عن أن تكافئه كما ينبغي، فأشارت إلى مكافأته إشارة موجزة يسيرة ضئيلة حين منحته ثلاثمائة جنيه علاوة في كل عام.
    وبينما الناس يلومون الوزارة لأنها لم تحسن مكافأة المدير الكفء، ولم تبلغ من ذلك رضا الأمة الآمنة المطمئنة، اجتمع مجلس الوزراء لأول مرة بعد عودة الرئيس العظيم، ولم يجتمع في دار من دور الحكومة، ولا في يوم من أيام العمل، وإنما اجتمع في دار «وزير الداخلية»، وفي يوم من أيام الراحة، واتخذ قرارًا كان وقعه بين المصريين كوقع هذه الفرقعة التي روعت «نادي الشعب»، وجريدة «الشعب»، وأزعجت الشرطة مساء أمس. وكان هذا القرار يقضي بإبعاد «مدير الأمن العام» عن إدارة الأمن العام، وندبه للعمل في مجلس الوزراء. وقد ذهب الناس بعد أن هدأت الثائرة، واطمأنت القلوب، بين الظنون مذاهب مختلفة في تأويل هذا القرار الخطير، سيظل أمرًا مستورًا، وحجرًا محجورًا، لا ينبغي لأحد أن يعرفه أو يظهر عليه.
    وقال بعض المتأولين إن مصدر هذا الندب إنما هو مذهب أولئك العلماء من أصحاب الاجتماع، وعلى رأسهم «دوركيم»، من أن الإجرام ظاهرة طبيعية في حياة الجماعات، كما أن المرض ظاهرة في حياة الأصحاء. وكما أن الناس لا بد لهم من أن يمرضوا ليصحوا من جهة، وليعمل الأطباء من جهة أخرى، وليعيش الصيادلة من جهة ثالثة، ولتكون لـ«كلية الطب» حياتها وواجباتها من جهة رابعة، وليختلف إليها الطلاب، وليدرس فيها الأساتذة، وتُشترى لها المعامل، وتقام لها الأبنية من جهة خامسة، وليعيش الممرضون والممرضات من جهة سادسة، ولتشتغل المعامل في صنع العقاقير وتركيبها من جهة سابعة، ولغير ذلك من الجهات التي لا تكاد تُحصى؛ فلا بد للجماعات أن تقع فيها الجرائم لتنشأ إدارة «الأمن العام» من جهة، وليكون لها مدير ووكيل يرتقيان إلى الدرجات العالية ويقبضان المرتبات الضخمة من جهة ثانية، وليكون فيها المفتشون والعمال من جهة ثالثة، وليعيش المديرون والمأمورون والملاحظون والمعاونون والشرطيون من جهة رابعة، ولتحقِّق النيابة، وترافع النيابة، ويترافع المحامون، ويقضي القضاة، ويكتب الكُتّاب من جهة خامسة، ثم لتنشر الصحف ويتحدث الناس، وتظهر كفاية الوزراء في ضبط الأمن وحماية النظام من جهة سادسة، ثم لغير هذا كله من الجهات التي ليس إلى إحصائها من سبيل دون اضطرار إلى الإسهاب والتطويل.
    وكان مدير الأمن قد ألغى الجرائم إلغاءً، ومحا الجنايات محوًا، فكاد يقيم الدليل — نستغفر الله، بل أقام الدليل — على أن عضوًا بل عضوين، بل أعضاء في الجسم الإداري للحكومة قد أصبحت زوائد لا غناء فيها، ولا حاجة إليها. وإذن فقد تردد مجلس الوزراء: أيمضي مع «مدير الأمن العام» فيلغي إدارة الأمن العام، ويلغي الشرطة، ويضيق من اختصاص المديرين، ومن اختصاص النيابة، ومن اختصاص القضاء؟ أم يبعد «مدير الأمن العام» عن عمله لتعود الحياة المصرية سيرتها الأولى؟ وفي مجلس الوزراء رحمة بالمصريين، وعطف عليهم، ورعاية لهؤلاء الموظفين الذين يعيشون للأمن العام، ومن الأمن العام، فآثر مجلس الوزراء نقل «مدير الأمن العام»، أو ندبه إذا أردت التعبير الدقيق.
    وقال قائلون آخرون: كل هذا ممكن، ولكننا نرجح تأويلًا آخر؛ فلم تكذب الحكومة الحكمة السائرة حين قالت: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول». ومن حق الوزارة أن تفكر في نفسها قبل أن تفكر في الناس. وقد رأت الوزارة أن «مدير الأمن العام» قد أصلح الإدارة إصلاحًا لم يسبق إليه، وضبط الأمن ضبطًا لا يُجارى فيه، فغارت الإدارات من إدارة الأمن العام، وغارت الوزارات من وزارة الداخلية، وطلبت كل إدارة أن تجعل أمورها إلى «مدير الأمن العام»، وطلبت كل وزارة أن يمر بها «مدير الأمن العام». وكثر في ذلك الخصام بين الإدارات والوزارات، وأراد مجلس الوزراء أن يكون منصفًا عدلًا، وأن يقبل مطالب الإدارات والوزارات، ولكن على أن يبدأ بأولاها بالعناية، وأحقها بالرعاية، وأجدرها بأن تكون المبدأ والنهاية، فقرر أن يندب «مدير الأمن العام» للعمل في مجلس الوزراء، حتى إذا ضبط أمور هذه الإدارة الممتازة وأصلحها كما ضبط أمور الأمن العام وأصلحه، نُقل بين الإدارات والوزارات، مؤثرًا الأهم على المهم، حتى إذا دار دورته كان قد أتم للأداة الحكومية كل ما تحتاج إليه من الإصلاح.
    وقال أصحاب هذا الرأي في تأويل هذا القرار: ألم يبلغكم ما تتحدث به الصحف من أن همَّ مجلس الوزراء — أو رئيسه على الأقل — متجه إلى أن يرقّي «مدير الأمن العام» في الدرجة بعد أن زاده في المرتب، فيصبح وكيل وزارة بعد أن كان مديرًا عامًا؟ هذه الترقية توطئة لم يكن منها بد، حتى إذا ذهب المصلح العظيم إلى الوزارات كان أكبر رأس فيها بعد الوزير، واستطاع أن يتناول إداراتها كلها بالإصلاح جماعات لا أفرادًا، وجملة لا تجزئة، ذلك أدعى إلى الاقتصاد في الوقت، والإسراع في العمل، وتحقيق الإصلاح الشامل في أقصر وقت ممكن.
    قال قائلون آخرون: إنما هذا كله رجم بالغيب، وتحدث بما لا علم لكم به، وما ينبغي أن نلتمس التأويل ونغلو فيه. وقد أشارت الوزارة أو ألسنتها في أحاديث غير رسمية ولكن لها قيمتها إلى أن «رئيس الوزراء» متعب مكدود، محتاج إلى العناية بصحته، والترفيه عن نفسه؛ فهو محتاج إلى رجل ثقة يقوم معه في مجلس الوزراء، يصرف له هين الأمر، ويعرض عليه في رفق ما قد يكون عسيرًا يحتاج إلى عنايته ورعايته وكفايته. و«رئيس الوزراء» واثق بـ«مدير الأمن العام» لكفايته أولًا، ولمكانه منه ثانيًا. وليس على «رئيس الوزراء» بأس أن يؤثر نفسه بهذه الكفاية النادرة بين كبار الموظفين؛ فالأمر في مصر كلها رهين بصحة «رئيس الوزراء» من جهة، وبصلاح الأمر في مجلس الوزراء من جهة أخرى.
    قال قائلون آخرون: إنكم لتلتمسون الظهر في الساعة الرابعة والعشرين، وتشطرون الشعرة شطرين، وتكلفون أنفسكم شططًا. وما بالكم لا تسلكون إلى التفسير أقرب الطرق، ولا تتخذون إليه أيسر الأسباب، ولا تقولون إن «وزير الداخلية» لم يرضَ عن «مدير الأمن العام»؛ لأن «وزير الداخلية» ممتاز في شؤون الأمن امتياز المدير، وفي مصر مثل له قيمته، وهو أن السفينة تغرق إذا وُكِّلت أمورها إلى ربانين. فقد آثر «وزير الداخلية» — على مرضه — أن تكون إليه أمور الأمن العام، وتخفف من مديره الكفء، فطلب ندبه للعمل في مجلس الوزراء. ومن يدري؟ لعل العلاوة التي أُهديت إلى «مدير الأمن العام» كانت تمهيدًا لهذا الندب، ولعل الترقية التي يقال إنها ستهدى لـ«مدير الأمن العام» تكون تتويجًا لهذا الندب.
    قال أصحاب الجد: مهما تفكروا وتقدّروا، ومهما تحللوا وتعللوا، ومهما تذهبوا المذاهب في التفسير والتأويل، فإن في الأمر غموضًا لا يجلوه إلا بيان من «رئيس الوزراء»؛ فمن حق الناس أن يعلموا كيف تُترك إدارة الأمن العام وليس لها مدير، مع ما نعلم من حاجة الأمن إلى عناية لم يحتج إلى مثلها في يوم من الأيام. ومن حق الناس أن يعرفوا طبيعة العمل الجديد الذي سينهض به المدير المندوب في مجلس الوزراء؛ فليس من المعقول، ولا من الأشياء التي تستقيم مع طبيعة الاقتصاد وحاجة مصر إليه، واعتراف الوزارة بهذه الحاجة، أن يُكلَّف موظف من كبار الموظفين عرض الأوراق على «رئيس الوزراء»، وأن يتقاضى على ذلك ألفًا ونصف ألف من الجنيهات. وعند «رئيس الوزراء» مكتبه، ولهذا المكتب رئيس وفيه موظفون، وعند «رئيس الوزراء» السكرتير العام لمجلسه، ومن وراء هذا السكرتير العام جيش لا بأس به من الموظفين.
    ففي الأمر سر يحتاج إلى أن يُحل، و«رئيس الوزراء» و«وزير الداخلية» وحدهما قادران على إظهار هذا السر وحل هذا اللغز، والخير ألا نرجم بالغيب، وأن ننتظر البيان من القادرين عليه. ثم تفرق المتحدثون، وكلهم ينتظر هذا البيان، ولكني أخشى أن يطول انتظارهم، ويطول دون أن يظفروا بشيء.
    [1] كوكب الشرق في ١٢-٩-١٩٣٣.

  • دعوة | An Invitation

    دعوة
    قلوب الوزاريين خفيفة لطيفة، يهيجها أيسر الأشياء فتطير في الهواء ويطمئنها أيسر الأشياء فتستقر في الصدور. سمعت حديث الأزمة الوزارية فطارت مع الريح، وذهبت من الهلع والفزع كل مذهب. ثم سمعت أن رئيس الوزراء آثر رئاسة الوزارة على زعامة الكثرة البرلمانية فعادت إلى الصدور، واستقرت بين الضلوع. وأخذت منذ أمس تخفق خفقاناً هادئاً منظماً بعد أن انجلت عنها نشوة الفرح والمرح، بهجة الرضا والسرور. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء أثبت وأثقل من قلوب الوزاريين، لا تطير للشيء اليسير، ولا تستقر للأوهام والأحلام. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء لهذا لم تهدأ بعد، ولم تستقر كما هدأت قلوب الوزاريين واستقرت. فالوهم يكفي لإرضاء الوزاريين ولكنه بعيد كل البعد عن أن يرضى الوزراء. والوزراء يعلمون حق العلم إذا خلوا إلى أنفسهم أن الأزمة لم تحل ولم تنفرج، وإنما افتتحها رئيس الوزراء وهي ماضية في طريقها تشتد من يوم إلى يوم وتتعقد من حين إلى حين، حتى تنتهي إلى هذا الحرج الذي لا يدع سبيلاً للأخذ والرد، ولا التعلل بآراء الأطباء حيناً في سبيل الاستقالة، وحيناً في سبيل البقاء.
    ومع ذلك فقلوب الوزاريين هادئة مستقرة منذ أمس، وقد أخذوا يعودون إلى دعوة لا بأس بالوقوف عندها قليلاً، لا لأنها تستحق الوقوف، بل لأنها خليقة أن تثير الضحك وأن تلهي الناس ولو قليلاً عما يشغلهم من أهوال الأزمة وأوجالها، فصحيفة الوزارة تدعو اليوم إلى العمل بعد أن انتهت الأزمة، وصحيفة الوزارة تعترف بأن الحياة المصرية مملوءة بالشر والخطر، تحتاج إلى أن يتعاون الناس جميعاً على إصلاحها ودفع الكوارث الملمة والكوارث التي تريد أن تلم. وصحيفة الوزارة بعد هذا كله تطلب إلى الناس جميعاً أن يقترحوا على الوزارة ما يرون من دواء لهذه الأدواء، وهي تؤكد — ولعلها تصدر في هذا التأكيد عن بعض الوحي — أن الوزارة ستعنى بهذه الاقتراحات وتوفيها حقها من الدرس ولا تتردد في أن تقبل النافع منها. فنحن نقبل هذه الدعوة، ونستجيب لها، ونتقدم إلى الوزارة بالاقتراح الذي نراه نافعاً كل النفع، مفيداً كل الفائدة لرفع ما تشقى به الحياة المصرية الآن من الشر، ودفع ما تتعرض له الحياة المصرية غداً من الكوارث والخطوب.
    ونؤكد للوزارة والوزاريين أنا مخلصون كل الإخلاص، ناصحون كل النصح، مؤمنون كل الإيمان بصدق ما نقول ونفع ما نقدم من اقتراح ونؤكد للوزارة والوزاريين أن قبول هذا الاقتراح أيسر جداً مما يظنون وأنهم إن قبلوه الآن أراحوا أنفسهم، وأراحوا الناس من أعباء ثقال لن تقوى أكتافهم الضعيفة على حملها، وأنهم إذا لم يقبلوه الآن راضين فستضطرهم الظروف إلى أن يقبلوه وهم كارهون.
    وهذا الاقتراح هو أن يرفع رئيس الوزراء استقالة الوزراء إلى جلالة الملك، فبقاء الوزارة وحده فيما نعلم وفيما يعلم المصريون جميعاً إلا الوزراء وأنصارهم — وهم قليلون ولعلهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم — هو مصدر ما تشقى به مصر الآن من خطوب واقعة وخطوب تريد أن تقع. وليس إلى محو الشر من سبيل إلا أن تمحا الأسباب التي دعت إليه وفرضته على البلاد فرضاً.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم وأنصاره يعلمون معه حق العلم أن الوزارة القائمة قد أخفقت في كل شيء: أخفقت في تدبير السياسة، وأخفقت في تدبير الاقتصاد، وأخفقت في حماية الأمن والنظام. قامت تتمحو الوفد فلم تزده إلا قوة وتأييداً. ومهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره للناس أن الوفد قد ضعف وأشرف على الفناء، فإن رئيس الوزراء وأنصاره يقولون في كل لحظة أن إضعاف الوفد — فضلاً عن إفنائه ومحوه — شيء لا سبيل إليه، تهلك في سبيله القوى مهما تكثر، وتفنى في سبيله الجهود مهما تشتد، وتسقط في سبيله الوزارات مهما يكن أنصارها، ومهما تطل أعمارها. ذلك شيء يعلمه رئيس الوزراء، ويعلمه غير رئيس الوزراء من خصومه وأصدقائه، ما يشكون في ذلك قليلاً ولا كثيراً.
    وقامت لتمضى المعاهدة بين مصر وإنجلترا فأبعدت الأمد بين مصر وإنجلترا ما استطاعت، وأرجأت المعاهدة راضية أو كارهة، وبسطت للإنجليز على مصر سلطاناً لم يكن لهم، وحققت للإنجليز في مصر مأرب ما كانوا يحلمون بتحقيقها. وقامت لتدبير الاقتصاد والمال تدبيراً لم يوفق إليه غيرها من الوزارات فوفقت من ذلك إلى ما لم يوفق إليه غيرها من الوزارات، وبسطت للجوع والحرمان والفقر على حياة الناس سلطاناً لا يشبهه إلا سلطان الإنجليز على الحياة السياسية. وقامت تَمحو الفوضى وتحمي النظام وتحقن الدماء وتعصم النفوس، فوفقت من ذلك إلى حيث أصبحت الجنايات، وجنايات القتل خاصة تحصى بالعشرات في كل أسبوع، وإلى حيث تكافيء مدير الأمن العام رغم ذلك بالعلاوة ثم تنقله مضطرة أو مختارة إلى حيث تنقطع الصلة بينه وبين الأمن.
    لهذا كله وفقت الوزارة وبهذا كله أفسدت الوزارة آراء الناس في السياسة والاقتصاد والأمن. وأساءت الوزارة ظن الناس بقدرة السلطان على تدبير السياسة الاقتصاد والأمن. وملأت الوزارة قلوب الناس شكاً في قيم الأشياء، وزهداً فيما كانوا يحرصون عليه، ودفعت الوزارة أهل مصر جميعاً إلى هذه الحياة السيئة التي لا يطمئنون فيها إلى شيء ولا يثقون فيها بشيء، ولا ينتظرون من ورائها إن طالت إلا شراً ونكراً.
    فإذا كان هذا حقاً — وليس بين المصريين من يشك في أنه حق — فإن الاقتراح الوحيد الذي يقدمه المصريون إلى الوزارة لإصلاح الحال إنما هو أن تستقيل الوزارة، وأن يرد إلى مصر أمرها لتدبره كما تريد، حرة مختارة محتملة تبعة ما تأتي من الأمر، لا مذعنة لذلك إذعاناً ولا خاضعة لذلك وهي كارهة راغمة بقوة الحديد والنار.
    فإن كانت صحيفة الوزارة صادقة فيما تزعم من أن الوزارة ستلقى بالعناية ما يرفع إليها من اقتراح لإصلاح الحال فها نحن أولاء نرفع إليها هذا الاقتراح ناصحين لها وللأمة، مخلصين لها وللبلاد. وسنرى أتقبله أم ترفضه، نستغفر الله، بل نحن واثقون بأنها سترفضه حتى تكرهها الظروف على قبوله وتلجئها إليه إلجاء إن لم يكن بعد أيام فبعد أسابيع.
    كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.