Tag: إنجلترا

  • حمى | Fever

    حمى
    مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
    وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
    وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
    ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
    وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
    فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
    وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
    والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
    وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
    وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
     كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. 


  • دائرة | A Circle

    دائرة حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
    والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
    ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
    والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
    والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
    فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
    فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
    فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
    والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
    وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
    لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
    وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
    ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
    فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
    كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣

  • كلام | Talk

    كلام. [1] لن تتغير السياسة الإنجليزية في مصر برغم هذا النقل الذي فوجئ به المندوب السامي القديم على غير انتظار، أو الذي طُبخ له طبخًا، وأنضج له إنضاجًا، لا منذ أسابيع، بل منذ شهور. لن يكون لهذا النقل أثر في تغيير السياسة المصرية الإنجليزية. على ذلك أجمعت الصحف الإنجليزية إجماعًا مريبًا، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه إجماع مقصود، متكلف، قد صدر الوحي به والدعوة إليه.
    وسواء أصدق هذا الإجماع أم لم يصدق، فإن في حديث بعض الصحف الإنجليزية ما يدل على أنه إجماع مزيف، ليس أقل تزييفًا من الحياد الذي أعلنه الإنجليز، وكرروا أنهم سيلزمونه ولا يعدونه. فهذه «الديلي تلغراف» — وما أكثر أعاجيب «الديلي تلغراف» في هذه الأيام الأخيرة — تتحدث أمس عن عودة السير برسي لورين ليقيم في مصر أسابيع قبل أن يذهب إلى أنقرة، فتزعم أن إقامته القصيرة في القاهرة ستكون عظيمة النفع إذ غُيِّرت الوزارة المصرية، لأن تغييرها أمر لا بد منه بسبب هذه العلة المقيمة التي لن تسمح لرئيس الوزراء بأن يمضي في تصريف الأمور. فقد نحب أن نعلم فيم تدخل المندوب السامي الجديد في شئون الوزارة المصرية ما دام الإنجليز قد أعلنوا حيادهم، وما داموا مصممين على لزوم هذا الحياد، مصرين على ألا يعنوا من شئون مصر إلا بما يتصل بالتحفظات المعروفة. وحتى كان مرض «صدقي باشا» واضطراره إلى الاستقالة، واضطرار مصر إلى أن تختار مكانه رئيسًا آخر للوزارة، متى كان هذا كله أو بعضه من التحفظات التي قصر الإنجليز عنايتهم عليها منذ أعلنوا حيادهم البديع؟
    إن الذي يعلمه الناس جميعًا، ويسرف في تأكيده أنصار الوزارة، ونتمنى نحن مخلصين أن يتحقق، هو أن إقالة الوزراء وتعيينهم وإبقاءهم في مناصبهم ليس من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها. ولكن الصحف الإنجليزية لا ترى هذا الرأي لأن الإنجليز لا يرون هذا الرأي، أو هم يرونه في الجهر ويأبونه في السر، فيعلنون إلى الناس أنهم على الحياد، ويأبون في الوقت نفسه إلا أن يدخلوا، أو يشرفوا على الأقل من قريب على شئون مصر حين يعتل وزير فيستقيل، وتختار مصر مكانه وزيرًا آخر.
    إجماع [2] الإنجليز إذن على أن تغيير المندوب السامي لن يستتبع تغييرًا في السياسة الإنجليزية، كلام لا يدل على شيء كإجماع الإنجليز منذ أعوام على أنهم قد نفضوا أيديهم من شئون مصر الداخلية، ووقفوا منها موقف الحياد. وأظرف من هذا الكلام الذي لا يدل على شيء كلام آخر لـ «الديلي تلغراف» نفسها في هذا الفصل نفسه. فقد زعم مكتب هذه الصحيفة أن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي دليل واضح على أن الحكومة البريطانية لا تريد تغيير سياستها، وعلى أن المفاوضة ستظل مرجأة مؤجلة، ولكنه دليل واضح كذلك على أن الحكومة البريطانية ستحتفظ بهذا الموقف الحازم المعتدل المشوب بالعطف الذي لا يسمح للخارجين على النظام بالقيام في سبيل التقدم المطرد المنظم يعترضون تقدم مصر.
    والذين حالت إنجلترا وستحول بينهم وبين إفساد النظام وتأخير الرقي المصري المطرد هم الأمة المصرية، لا أقل ولا أكثر. هم هذه الأمة التي قاومتها إنجلترا ومندوبها السامي مرة ومرة، حتى إذا خُيِّل إلى إنجلترا ومندوبها السامي أن هذه المقاومة قد أَلانت من قناتها، وفلت من حدها، تقدمت إليها إنجلترا وتقدم إليها المندوب السامي بغصن الزيتون وراية السلم يبتغيان خداعها عن حقها، فإذا لم يظفرا عادا إلى المقاومة العنيفة وقتًا يقصر أو يطول، وما يزالان كذلك حتى تقوم أوضح الأدلة — إن لم تكن قد قامت الآن — على أنهما يبغيان أمرًا لا سبيل إليه.
    هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم إنجلترا هم الأمة التي قاومتها بـ «اللنبي» حتى إذ أعيتها المقاومة سالمتها بـ «جورج لويد»، حتى إذا أيأستها المسالمة ولم تحقق لها ما كانت تريد، قاومتها بـ «جورج لويد» نفسه، حتى إذا لم تظفر من المقاومة بشيء عزلت «جورج لويد» وأرسلت «برسي لورين» يحمل العافية والسلم، ويتقدم بالصلح والمودة، وهمت أن تستفيد من هذا كله، فلما عرفت أن السلم لا يخدع مصر كما أن الحرب لا تخيفها حوَّلت «برسي لورين» من سلم إلى حرب، ومن لين إلى عنف، وأقامته على حرب هذه الأمة ثلاثة أعوام كاملة، ثم استيأست من الحرب أو ملتها، وأشفقت من عواقبها، فهي تريد الآن أن تعود إلى طريق المسالمة لتسلكها من جديد.
    هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم الحكومة الإنجليزية ولا تريد أن تشجعهم على إفساد النظام وتأخير الرقي هم الذين نهضوا بالحكم مرة ومرة، فلم يفسد في أيامهم نظام، ولم يتأخر في أيامهم رقي، ولم يذق الناس في أيامهم جوعًا ولا حرمانًا، ولم تُخَضَّب أرض مصر في أيامهم بدم المصريين، ولم يعتدِ بعض الناس في أيامهم على بعض كما يعتدون الآن، ولم يُصرَع الناس في أيامهم جهرة على الطريق العام، ولم تفسد أداة الحكم في أيامهم كما فسدت الآن، ولم تصبح مرافق البلاد ومصالحها كما هي الآن مظاهر ليس وراءها شيء، وصورًا ليس وراءها حقيقة، وفنونًا للإعلان ونشر الدعوة.
    هؤلاء الخارجون على النظام الذين [3] يقاومهم الإنجليز لأنهم يؤخرون الرقي المصري المطرد لم يفسدوا نظامًا، وإنما أصلحوه، ولم يؤخروا رقيًّا، وإنما قدموه، لكنهم على ذلك، أو قل لذلك، ملومون مبغضون، لأن إنجلترا — فيما يظهر — لا تريد لمصر نظامًا صحيحًا، ولا رقيًّا صحيحًا. وإنما تريد هذا النظام الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يبسط يدها ويد الأجانب على كل شيء في الجهر حينًا، وفي السر أحيانًا. وتريد هذا الرقي الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يجعل استقلال مصر ألفاظًا لا معاني لها، ويمسك مصر في نوع من القصور تشتد معه حاجتها إلى الموظفين من الإنجليز والأجانب، ويضطر مصر إلى إحدى اثنتين: فإما أن تريد الإصلاح فتلجأ إليهم وإلى الأجانب، وإما أن تستقل بأمورها فتفسدها وتفتح لهم باب التدخل والاحتجاج. وهؤلاء الخارجون على النظام ملومون مذنبون مسرفون في الإثم، لأنهم لم يقروا خزان جبل الأولياء، ولم يقطعوا على أنفسهم عهدًا بتغذية الحكم الإنجليزي في السودان على حساب مصر، ولم يأخذوا في التمهيد لخزان تانا، ولم يصانعوا الشركات الإنجليزية والأجنبية، ولم ييسروا لها السبل، ولم يفتحوا عليها أبواب الأمل، وهم لهذا كله خارجون على النظام، وهم لهذا كله مؤخرون للرقي.
    على أن الأمر لا يعدو — كما قلنا — أن يكون كلامًا لا يدل على شيء، فإن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي لا يدل بحال من الأحوال على أن الإنجليز يميلون إلى تأجيل المفاوضة أو إرجائها، فهم قد اختاروا السير برسي لورين من رجال السلك السياسي، لا ليؤخروا المفاوضة، بل ليعجلوها، ولا ليرجئوا المعاهدة، بل ليسبقوا إليها. فلما أعياهم ذلك وآثروا مقاومة الشعب على إرضائه، وعلموا أنهم لن يظفروا بمفاوضة منتجة، ولا بمعاهدة مستقرة ما داموا يغاضبون الشعب ويؤيدون حكمه على غير ما يهوى، أجلوا المفاوضة كارهين، وأرجؤوا المعاهدة راغمين. فاختيار المندوب السامي بين رجال السلك السياسي أو بين غيرهم من الناس لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئًا. إنما هو كلام يقوله مكتب «الديلي تلغراف» السياسي، لأنه يريد أن يقول شيئًا مهما يكن، لا لأنه يريد أن يصور الحق كما ينبغي أن يكون.
    ولم يمضِ أسبوع واحد على هذا الفصل البديع الذي أكدت فيه هذه الصحيفة نفسها أن السير برسي لورين مقيم في مصر، غير مصروف عنها ولا منقول منها، ولم يكد الناس يبدءون في قراءة هذا الفصل حتى أذاعت فيهم وزارة الخارجية أن السير برسي لورين قد نُقل من مصر.
    فخليق بالمصريين ألا يحفلوا بما تكتبه «الديلي تلغراف» [4] أو غيرها من الصحف الإنجليزية أكثر مما ينبغي، فقد ظهر أن العبث والاستهانة بالحق، والميل إلى تلهية القراء، قد أصابت كل شيء، حتى الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت فيما مضى من الزمان أشد إيثارًا للجد، واحتياطًا في القول، ووزنًا لما تذيع من الأنباء وما تعلق به عليه من التفسير، فأصبحت الآن كغيرها من الصحف تثبت اليوم وتنفي غدًا، وتؤكد اليوم وتشك غدًا. وإذ لم يكن بد من أن يصور المصريون لأنفسهم موقف الإنجليز منهم الآن، فلعل أصدق تصوير لهذا الموقف أن يقال إن الإنجليز حائرون، يعلمون حق العلم أنه لا أمل في توثيق الصلة بينهم وبين مصر إلا إذا لجؤوا إلى مصر نفسها. ويخاف فريقٌ منهم مصرَ هذه؛ لأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على الاتفاق الشريف. وتضطرب سياسة الإنجليز بين هذا العلم بالحق، وهذا الخوف من الحق، وهذا الإيثار بالمنافع العاجلة الضئيلة. ولولا ذلك لما علّقوا مندوبهم أشهرًا ثم نقلوه، ثم كلفوه العودة إلى مصر ليقيم فيها أسابيع.
    كل هذا دليل على حيرة في لندن، تشبهها حيرة أصدقاء الإنجليز في مصر. فأما الذين لا يعرفون الحيرة ولا يخافونها ولا يشفقون من الاضطراب ولا من التخبط، وإنما يثبتون في موقفهم أو يمضون أمامهم في طريق مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، فهم هؤلاء الخارجون على النظام، الذين يقاومهم الإنجليز، ولا بد من أن يعودوا إليهم سواء أرضوا ذلك أم كانوا له كارهين.
    [1] كوكب الشرق في ٢٢-٨-١٩٣٣. [2] ظلت سياسة الإنجليز في مصر مدة سنة تقريبًا لم تتغير ولم يبدُ أنها ستتغير. فاستقالة إسماعيل صدقي باشا كانت لخلاف بينه وبين الملك فؤاد حول تدخل القصر في توجيه الوزارة عن طريق ناظر الخاصة الملكية زكي الإبراشي باشا. فوزارة عبد الفتاح يحيى باشا امتداد للنظام الصدقي، فقد ظل مجلسا البرلمان قائمين، وظل دستور سنة ١٩٣٠ معمولًا به. [3] المراد حكومة الوفد. [4] كانت «الديلي تلغراف» تُعَدّ لسان حال حزب المحافظين في ذلك الوقت.

  • سؤال | A Question

    سؤال
    لا[1] يكاد يلقيه أحد على أحد، لأن جوابه مرسوم في القلوب، ماثل أمام العيون، يحسه الناس جميعًا، لا يختلفون فيه إلا أن يكونوا صحفيين تدفعهم الضرورات الصحفية إلى أن يكتبوا فصلًا من الفصول.
    وهذا السؤال متصل بالمندوب السامي الذي أُقصي عن مصر منذ أيام: أنجح هذا المندوب في مهمته التي أقام لها في مصر أعوامًا؟ أم قضى الله عليه بالفشل والإخفاق؟ ألقِ هذا السؤال على من شئت من المصريين فيجيبك في غير تردد ولا اضطراب، إلا أن يكون صحفيًا تلزمه الضرورات أن يكتب فصلًا من الفصول، أو تضطره ظروفه السياسية الخاصة إلى أن يرى لنفسه رأيًا يؤمن به، وللناس رأيًا آخر يعيش منه. سيجيبك هذا المصري بأن المندوب السامي المنقول لم يظفر بقليل ولا كثير من النجاح.
    فنجاح المندوب السامي في مصر يُنظر إليه فيما يظهر من وجهين اثنين لا ثالث لهما: أحدهما مصري، والآخر إنجليزي. فهو ينجح عند المصريين إذ استطاع أن يزيل ما بين مصر وإنجلترا من أسباب الخلاف والخصومة، أو يقرب ما بينهما من أمر هذا الخلاف وهذه الخصومة، فيقضي على ما يثور في نفوس المصريين من عواطف السخط على الإنجليز والتنكر لهم، وسوء الظن بهم، أو يخفف من هذه العواطف بما يثير في النفوس بسيرته من أن الإنجليز ليسوا من الاعتداء والطغيان بحيث كان الناس يظنون، وإنما هم أنصار العدل والداعون إليه، وحماة الإنصاف والحريصون عليه، وأصحاب السلم والصلات التي تقوم على المودة والاحترام، لا على القوة والبأس، ولا على البطش والعدوان.
    هنالك قد لا يطمئن المصريون كل الاطمئنان إلى هذه الآمال، ولا يثقون بها كل الثقة، ولكنهم لا يجحدونها ولا يلحون في إنكارها والنفور منها. وهنالك تجري الأمور بين المصريين والإنجليز في طريق معتدلة مستقيمة خليقة أن تؤدي إلى الاتفاق الذي يعتمد على المودة والحب، وعلى التقدير والاحترام.
    وهو ينجح عند الإنجليز بنفس هذه السيرة التي ينجح بها عند المصريين، لأنه يريحهم من بغض المصريين لهم، وسوء ظن المصريين بهم، ويمكنهم من أن يتموا ما أرادوا غير مرة من الانتهاء إلى الاتفاق الشريف بينهم وبين هذه البلاد.
    وقد ينجح عند غلاة المستعمرين من الإنجليز إذ استطاع أن يقهر المصريين ويذلهم، ويمحو من أنفسهم عاطفة الكرامة والعزة، وينسيهم الاستقلال والسعي إليه، ويصرفهم إلى الطاعة المطلقة والخضوع في غير مقاومة ولا محاولة للمقاومة. هنالك يأمن الإنجليز أمر البلاد، ويحكمون المصريين بالقهر، لا بالحب، ولكنهم يأمنونه على كل حال. وأهم ما يحرص عليه الإنجليز إنما هو أن يأمنوا أمر المصريين ويستريحوا منهم، ويفرغوا لغيرهم من الشعوب. فسل من شئت من المصريين بعد ذلك: أي لون من ألوان النجاح وُفِّق إليه المندوب السامي القديم في مصر؟ أتراه قد قرّب الأمر بين المصريين والإنجليز، أو خفف ما بينهم من خلاف وخصومة، أو محا ما في النفوس من السخط والبغض، ومن الريبة وسوء الظن؟ أو جعل الإنجليزي إذا اتصل بالمصريين وتحدث إليهم يشعر شعورًا واضحًا قويًا بأنه يتحدث إلى قوم أصدقاء يحبونه ويكلفون به؟ أو يتصل بقوم لا يحبونه ولكنهم لا يبغضونه، لا يأمنون إليه ولكنهم لا يخافون منه، لا يثقون به ولكنهم لا يرتابون فيه؟
    نظن أن الجواب على مثل هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير، فلم يبلغ سوء ظن المصريين بالإنجليز في يوم من الأيام ما بلغه الآن، لا نستثنى من ذلك إلا أيام الثورة حين كانت الدماء تُسفك والنفوس تُزهق بأيدي الإنجليز. وإذن فلم يستطع المندوب السامي أن يقرب بين المصريين وبين مواطنيه، وإنما استطاع أن يباعد بين مصر وإنجلترا، فيمعن في هذه المباعدة وينتهي بها إلى أقصاها. وهو من هذه الناحية لم ينجح عند المصريين، وهو من هذه الناحية لا يستطيع أن يقول إنه يشعر بأسف المصريين لفراقه، أو حزنهم على أن تنقطع بينه وبينهم الأسباب. ولعلمنا على العكس من ذلك يستطيع أن يلاحظ أن المصريين لم يقفوا من نقله موقف المحايد، وإنما وقفوا منه موقف من يرضى عن هذا النقل ويبتهج به، لأنهم يحملونه تبعات ما أصابهم من هذه الآلام الثقال التي ألحّت عليهم في هذه الأعوام الثلاثة.
    وإذا كان المندوب السامي لم ينجح عند المصريين من هذه الناحية، فهو لم ينجح عند الإنجليز من هذه الناحية أيضًا. فالإنجليز لا يستطيعون أن يقولوا اليوم إنهم يشعرون بحب المصريين لهم أو ميل المصريين إليهم، ولعلهم لم يستطيعوا أن يروا نفور المصريين منهم واضحًا عنيفًا على هدوئه الظاهر كما يرونه الآن، لا نستثنى من ذلك أيضًا إلا أيام الثورة.
    أخفق المندوب السامي إذن في التقريب بين مصر وإنجلترا، فلم يرضَ أصحاب هذا التقريب هنا، ولم يرضهم هناك. وهو كذلك قد أخفق عند المستعمرين الذين يغلون في بسط السلطان الإنجليزي، فهو لم يصل إلى شيء مما يحرص عليه هؤلاء الغلاة. لم يُخفِ المصريين من الإنجليز، وآية ذلك أن المصريين ما زالوا اليوم في موقفهم الذي كانوا فيه منذ أربعة أعوام، لم يتأخروا عنه قيد شعرة، وأكبر الظن أنهم تقدموا عنه كثيرًا. ولم يُخضع المصريين لسلطان الإنجليز، ولم يصرف المصريين عن الاستقلال ولا عن السعي إليه، ولم يقوِّ النفوذ المعنوي للإنجليز، ولم يُقنع أحدًا في الأرض بأن السلطان الإنجليزي قد تغلب على ما كان يعترضه من المصاعب في وادي النيل، حتى أصبح من اليسير بعد زمن طويل أو قصير أن تصبح مصر مستعمرة من مستعمرات التاج.
    وإخفاق المندوب السامي عند المصريين، وإخفاقه عند أنصار الاتفاق وعند غلاة المستعمرين، هو الذي جعل نقله من مصر أمرًا محتومًا، وهو الذي اضطره إلى هذا الموقف الغريب الشاذ الذي لم يقفه مندوب سامٍ قبله، فألزمَه أن يسافر إلى إنجلترا في مارس ويبقى فيها معلقًا، لا هو بالثابت ولا هو بالمنقول، جزءًا من الشتاء وفصل الربيع كله وجزءًا غير قصير من الصيف، تختلف عليه عواطف الأمن والخوف، ويختلف عليه المرض والشفاء، وتختلف به الظنون وتُذاع حوله الأنباء المتناقضة: أَيَعود أم لا يعود؟ أَيُنقل أم يُعزل؟ والمصريون يرون هذا كله، ويردون هذا كله إلى مصدره الصحيح، وهو أن المندوب السامي قد أخفق، وأن مركزه في مصر قد أصبح مستحيلاً، وأن مركزه في إنجلترا نفسها قد أصبح سخيفًا، وأن الحكومة الإنجليزية لا تبرأ من الحيرة، لأنها لا تريد أن تُظهر رأيها في إخفاق مندوبها السامي فيطمع فيها المصريون، ولا أن ترده إلى عمله فيفسد عليها في مصر كل شيء.
    وأنت تستطيع أن تثق بأن شيئًا من الأشياء لم يُسئ إلى موقف الإنجليز في مصر وهيبتهم في الشرق بمقدار ما أساء إليها تعليق المندوب السامي بين الأمل والرجاء من مارس إلى أغسطس. ثم لم يكن بدٌّ آخر الأمر من أن تتخذ الحكومة الإنجليزية قرارًا حاسمًا، فقد أخذ الصيف ينقضي، وأخذت الأنباء تصل إليها بأن مصر لم تشهد في يوم من الأيام منذ ألغيت الحماية عصرًا ضعفت فيه الوزارة، وضعفت فيه هيبة السلطان في نفوس الناس، وانتشر فيه الفساد في الحياة المادية والاجتماعية والخلقية والسياسية كهذا العصر.
    لم يبقَ بدٌّ إذن من أن تعترف الحكومة الإنجليزية أمام الناس بما كانت تعترف به أمام نفسها منذ زمن بعيد، بأن مندوبها السامي في مصر قد أخفق، وأن عودته إلى مصر ليست شيئًا مرغوبًا فيه. وإلا فقد نحب أن نفهم فيمَ نُقل المندوب السامي إن كان قد نجح أو أصاب شيئًا من التوفيق؟ وما الذي يضطر الحكومة الإنجليزية إلى أن تقطع على مندوبها الموفق سبيل التوفيق إلى إرضاء المصريين إن كان قد وفق إلى إرضائهم؟ أو قهر المصريين إن كان قد وفق إلى هذا القهر والإذلال؟
    زعموا أن المندوب السامي قد نجح، وهذا النجاح له صورتان مختلفتان: إحداهما يظهرها بعض الإنجليز، والأخرى يذيعها بعض المصريين. فأما الصورة الإنجليزية لهذا النجاح فهي هذه التي تراها في مقال لـ «الفايننشال تايمس» من أنه قد رفع مكانة المندوب السامي ومهابته في نفس الحكومة المصرية بعد أن كانت هذه المكانة وهذه المهابة قد تعرضتا من قبل لخطر شديد. ونحن لا نشك في أن مكانة المندوب السامي قد ارتفعت وغلت في الارتفاع، وامتازت وأسرفت في الامتياز في نفس الوزارة المصرية القائمة. وآية ذلك أن الإنجليز لم يريدوا من هذه الوزارة شيئًا إلا ظفروا به ووفقوا إليه.
    ولكن المهم هو مكانة المندوب السامي ومكانة الوزارة، اللتان ارتفعتا في نفس هذه الوزارة، ولم ترتفعا في نفس الشعب المصري، وإنما تعرضتا لهذا الخطر الذي اضطر الإنجليز إلى أن ينقلوا مندوبهم، والذي سيضطر الوزارة المصرية التي كانت ترفعه وتميزه إلى أن تتخلى عن الحكم غدًا أو بعد غد، لأنها لم تبقَ قادرة عليه. ولعل من أهم الأسباب التي تضطرها في هذه الأيام المقابلة إلى الاستقالة أنها قد أسرفت في إكبار مكانة المندوب السامي والاستماع له حتى تجاوزت مصالح المصريين وعرضتها للفساد والاضطراب.
    أما الصورة الأخرى التي يذيعها بعض المصريين، فهي أن المندوب السامي قد نجح في إحداث الفرقة في الكتلة الوطنية المصرية، وليست هذه الصورة أقل إثارة للابتسام من تلك. فلو أن المندوب السامي قد فرّق المصريين حقًا لما نقله الإنجليز، لأن التفريق الصحيح للمصريين هو الذي تكون فيه في مصر هيئة قوية حقًا، تستطيع أن تقف على قدميها، وأن تعتمد على نفسها، وأن تتقدم إلى الإنجليز لتنفذ لهم ما يريدون، مطمئنة إلى أن لها أنصارًا من المصريين أقوياء، يستطيعون أن يؤيدوها ويمكنوها من البقاء.
    فنحب أن نعرف أين هذه الهيئة المؤتلفة التي تعتمد عليها الوزارة القائمة؟ وإذن فلم نُقل المندوب السامي؟ ألم يُنقل لأن اعتماده على هذه الهيئة لم يُغنِ شيئًا؟ أم هي هيئة أخرى همّت أن توجد وأن تأتلف فلم توفَّق، لا إلى الوجود ولا إلى الائتلاف، لأن أحدًا لم يستجب لها، ولم يستمع لدعائها. ولو قد وُجدت هذه الهيئة حقًا، ولو قد استجاب الناس لهذه الهيئة، لبقى المندوب ليستغلها كما استغل الهيئة التي تؤيد الوزارة القائمة.
    يجب ألا يخدع الناس أنفسهم، فإن الإخفاق المطلق الذي أصاب المندوب السامي عند المصريين وعند الإنجليز جميعًا هو الذي قضى بنقله، وهو حين قضى بنقله قضى بشيء آخر ستظهر بوادره في المستقبل، وفي وقت قريب جدًا، وهو تغيير السياسة الإنجليزية التي أنفقت هذه الأعوام الثلاثة جادّةً كادّةً، باذلةً ما تستطيع من الجهود الظاهرة والخفية، ثم ظهر في وضوحٍ وجلاءٍ أنها كانت عبثًا من العبث، ومحاولةً ضائعةً لم تُنتج شيئًا.
    [1] كوكب الشرق في ١٨-٨-١٩٣٣.

  • إنذار | A Warning

    إنذار
    كانوا[1] يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه — وكانوا كثيرين — إلا رجل واحد ألحّ في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلن السمك، وليشربن عليه اللبن، وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجن منه موفور العقل، متزن الطبع، معتدل المزاج.
    ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية، ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا، قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، أفترون عليّ أثرًا من آثار الجنون أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب؟
    والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك وشرب اللبن ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا رأوا «الاتحاد» التي ظهرت أمس، و«الشعب» التي ظهرت اليوم.
    فالاتحاد والشعب آمنتان كل الأمن، مطمئنتان كل الاطمئنان، واثقتان كل الثقة، تقضيان النهار في راحة المطمئن الآمن، وتقضيان الليل في نوم المستريح الهادئ، لأن الوزارة القائمة لا تتعرض لبأس، ولا تستهدف لمكروه، ولا تأتيها الاستقالة من بين يديها ولا من خلفها، ولا من يمين ولا من شمال، ولا تهبط من السماء، ولا تنجم لها من الأرض. هي مستقرة كاستقرار المقطم، ثابتة كثبات الأهرام. ولهذا لا تحفل «الاتحاد» ولا تحفل «الشعب» بهذيان المعارضين الذين يحلمون باستقالة الوزارة، ثم يخيل إليهم أن أحلامهم قد أصبحت حقًّا لا شك فيه.
    لا تحفل «الاتحاد» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه أربعة فصول، ولا تحفل «الشعب» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه ثلاثة فصول. لا تحفلان جميعًا بهذا الهذيان ولكنهما لا تشغلان إلا به. فإن زعمت بعد ذلك أن قصتهما لا تذكر بقصة هذا الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام ثم خرج كامل العقل، موفور الذكاء، مستقيم الطبع، معتدل المزاج، يثبت ذلك للناس بهذا البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا، فيجرد جسمه ويستر رأسه، إن زعمت أن ليس بين القضيتين شبه فأنت في حاجة إلى أن تستأنف النظر في أصول علم البيان وما أُحصي من شروط التشبيه الصحيح.
    وهذه الفصول السبعة التي كُتبت في هذين اللسانين الرسميين من ألسنة الوزارة، فيها الطويل والقصير، وفيها الضيق والعريض، ولكنك على كل حال، وأياً كان كاتبها، وفي أي وقت ظهرت، لن تجد فيها ما يُغني وما يفيد، وما يُقنع بأن الوزارة ثابتة مستقرة آمنة مطمئنة، إلا إذا كان ذلك الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام قد أقنع الناس بأنه عاقل موفور العقل، ذكي موفور الذكاء. فلك أن تقرأ هذه الفصول إن أردت أن تلهو، ولك أن تهمل هذه الفصول إن كان وقتك أعز عليك من أن تنفقه في لهو الحديث، ولكن في جريدة «الشعب» فصلًا لم يُكتب لك ولم يُكتب لي، ولذلك ينبغي أن تقرأه كما قرأته أنا، أو ينبغي على كل حال أن تعرف خلاصة هذا الفصل، فهو خليق أن يُدرس وأن يُفكر فيه. لم يُكتب هذا الفصل لك ولا لي، وإنما كُتب للإنجليز.
    فإذا وجب عليك أن تقرأه متطفلًا، وجب عليّ أن أقرأه متطفلًا، فقد يجب على الإنجليز أن يقرؤوه مرة ومرة، وأن ينظروا فيه فيطيلوا النظر، وأن يتعمقوا فيه فيطيلوا الإمعان، فقد فتح الإنجليز على أنفسهم بابًا لست أدري أيستطيعون إغلاقه؟
    وبدأ الإنجليز يسلكون طريقًا لست أدري أيستطيعون المضي فيها؟ نقلوا مندوبهم السامي لأنهم راضون عنه، فهم يريدون ترقيته، أو ساخطون عليه، فهم يريدون تنحيته عن العمل في هذه البلاد. هذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولا يدافعهم عنه إنسان، ولكن الناس يتحدثون بأن الإنجليز قد تأمرهم نفسهم — والنفس أمّارة بالسوء — أن يتخذوا نقل المندوب السامي وسيلة إلى التغيير في سياستهم المصرية، وأن يكون هذا التغيير سببًا إلى استقالة الوزارة. وهذا هو الباب المنكر الذي فتحه الإنجليز على أنفسهم، ويجب أن يسارعوا إلى إغلاقه.
    وهذه هي الطريق المنكرة التي بدأ الإنجليز يسلكونها، ويجب أن يتحولوا عنها مسرعين، فإن الوزارة المصرية ليست من هذه الوزارات الهينة اللينة التي يقول لها الإنجليز: قومي فتقوم، أو اقعدي فتقعد، أو اصعدي فتصعد، أو انزلي فتسرع إلى النزول. إنما هي وزارة حرة مستقلة، ووزارة قوية عزيزة، ووزارة أبية منيعة، قد عرف رئيسها كيف يوقف الإنجليز عند حدودهم، ويضطر «مكدونالد» إلى السكوت والسكون. وما زال رئيسها هو «صدقي باشا» لم يتغير ولم يتبدل، ولم يسعَ إليه ضعف ولم يأخذه وهن، ولن يعجزه غدًا كما لم يعجزه أمس أن يقول لـ «مكدونالد»: مكانك، لا تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، فإني لا أسمح لك بذلك ولا آذن لك فيه.
    وإذن فخليق بالإنجليز أن يتدبروا وأن يتفكروا، وأن يغيروا مندوبهم السامي ما أحبوا، وينقلوه إلى حيث أرادوا، ولكن بشرط ألا يمسوا السياسة المصرية ولو من بعيد، وألا يعرضوا ببقاء الوزارة المصرية أو ذهابها، فذلك ليس من شأنهم وإنما هو من شأننا. وكل أجنبي يعرض لشؤوننا فلا يلومن إلا نفسه حين تنزل به النوازل، وتطيف به النوائب، وتحدق به الأخطار من كل مكان. والإنجليز أعقل من أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وهم أحرص على كرامتهم أن تُهان، وعلى دمائهم أن تُراق، وعلى قوتهم أن تضعف، من أن يعرضوا للوزارة المصرية فيشيروا إليها بالاستقالة من قريب أو من بعيد. هم أعقل من هذا كله لأنهم يعلمون أنهم إن طلبوا ذلك لم يُجابوا إليه، وإن ألحوا في ذلك ففي مصر قوة تثبت لقوتهم، ولعلها أن تردهم خاسئين.
    وليس من شك في أن هذا المقال فيه شيء من ريح الحرب، ومن يدري؟ لعل الذي كتبه أن يكون مجاورًا لوزارة الحربية أو كثير التردد عليها والإلمام بها، فهو لذلك مستشعر القوة والعزة، مقدر حظ مصر من البأس والبطش، ومن الاستعداد للطوارئ والقدرة على رد المغيرين. وليس من شك في أن هذا المقال خليق لهذا كله أن يقرأه الإنجليز وأن يتدبروه ويتفكروا فيه قبل أن تحدثهم أنفسهم بالتعرض للشؤون المصرية والتلميح إلى تغيير السياسة المصرية.
    ثم ليس من شك في أن من الواجب علينا نحن المصريين أن نقرأ هذا الفصل ونتدبره؛ فالإنجليز قوم مغرورون، أظهر عيوبهم الصلف والكبرياء والاعتداد بالنفس، ومن يدري؟ لعل هذا التحدي الذي تتقدم به إليهم صحيفة من صحف الوزارة، بل صحيفة رئيس الوزراء، أن يغيظهم ويحفزهم ويدفعهم إلى قبول المعركة التي تُعرض عليهم، وإلى اقتحام الهول الذي يُردّون عنه. ومن يدري؟ لعلهم أن يشيروا إلى الوزارة بالاستقالة، فتأبى الوزارة، فيلح الإنجليز، فتغضب الوزارة، فتشب الحرب بين البلدين، وليست حرب الإنجليز سهلة ولا هينة. والمصريون قادرون عليها إن دعتهم الوزارة إليها، ولكن الحرب على كل حال خليقة أن يحتاط لها الناس. وإذن فينبغي أن نحتاط لنضمن الفوز ونأمن الهزيمة.
    أما الوزارة فمقال كاتبها يدل دلالة قوية على أنها متأهبة محتاطة، لا تخاف أن تؤخذ على غِرّة ولا أن تزول عن مواقفها، ولكن الأمة لم تُنبّأ بهذه الحرب ولم تُهيّأ لها، فلا بد من أن تحتاط منذ الآن، ولا بد من أن تستعد لآلام الحرب وآثامها. ونحن واثقون بشجاعة الأمة وصبرها على البأساء والضراء، واستعدادها لتأييد الوزارة وحمايتها بالأنفس والأموال.
    أرأيت أني لم أخطئ حين لخّصت لك هذا الفصل ودعوتك إلى التفكير فيه؟ فليس ينبغي أن يقرأه الإنجليز وحدهم فيستعدوا للهجوم، وأن يجهله المصريون وحدهم فلا يستعدوا للدفاع. والآن وقد قرأ الإنجليز هذا الفصل، وعرف المصريون خلاصة ما فيه، فالعالم بين اثنتين: إما أن يثوب الإنجليز إلى رشدهم فيؤثروا العافية ويجنحوا إلى سلم، ويدعوا الوزارة تصرف أمور مصر على أحسن حال في حرية واستقلال، وإذن فالعالم مطمئن راض، وإما أن تأخذهم العزة والكبرياء فيدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، وإذن فأربعون قرنًا أو تزيد تنظر إلى المصريين من أعلى قمم الأهرام، ولن يكذب المصريون ظن هذه القرون. ولكن ويل للعالم من هذه الحرب المنكرة، وهل فرغ العالم من تلك الحرب الكبرى وآثارها ليتورط في حرب أخرى أعظم منها شرًا وأقبح آثارًا؟
    وبعد، فحديث مطمئنين هذا الكلام الذي نشرته صحيفة الوزارة، أم حديث قوم فقدوا الاطمئنان وفقدوا مع هذا الاطمئنان شيئًا آخر؟ وبعد، فحديث صحيفة تعبر عن وزارة قائمة هذا، أم حديث قوم يهذون ولا يقدرون ما يقولون؟ وبعد، فهل بلغ من ضعف الوزارة واستسلامها وإذعانها للأحداث وتصاريف الخطوب أن تدع كتابها يدافعون عنها بمثل هذا اللغو، ويذودون عنها بمثل هذا الهذيان؟ وبعد، فقد آثرت الوزارة الصمت، وهو خير ما تؤثره، فهلا أمرت كتابها أن يؤثروا الصمت عن هذا الموضوع وأن يخوضوا في غير هذا الحديث؟ فإذا لم يكن بد من أن يقولوا فيه، فهلا أمرتهم الوزارة أن يقولوا ما لا يضحك وما لا يدعو إلى هز الرؤوس ورفع الأكتاف؟
    وبعد، فماذا تخاف الوزارة وماذا يخاف أنصارها؟ وأي بأس عليها وعليهم من أن يصيبها ما يصيب الوزارات كلها؟ فكل وزارة ذائقة الاستقالة، والمناصب — كما تقول «المقطم» — تقليد لا تخليد. وما دام في الناس رمق من الحياة فلهم حظ من أمل، فلتصبر الوزارة على ما يمكن أن يلم من خطوب، ولتأمل الوزارة فيما يمكن أن يتاح من خير، فلم يقل أحد من خصومها ولا من أنصارها — بالطبع — إن الإنجليز سيأمرونها بأن تستقيل، ومتى أمر الإنجليز وزارة مصرية بأن تستقيل؟ لم يفعلوا ذلك قط، لا في أيام الاحتلال، ولا في أيام الحماية، فهم أجدر ألا يفعلوه في أيام الاستقلال. لم يكن إليهم في يوم من الأيام إقالة الوزارات المصرية أو توليتها، فلتطمئن الوزارة وليطمئن أنصارها، فلن يكون عليها — إن شاء الله — بأس من الإنجليز، ولن يأمرها الإنجليز بأن تستقيل، ولن تحتاج إلى أن تقاوم الإنجليز، ولا أن تأبى الإذعان لهم.
    ولكن من الذي زعم أن الوزارات المصرية لا تستقيل إلا إذا صدر إليها بذلك الأمر من الإنجليز؟ ما أسخف هذا الإنذار الذي ازدانت به «الشعب» صباح اليوم!
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٨-١٩٣٣.
    [2] قالت صحيفة الأهرام (١٨ – ٨ – ١٩٣٣) ما نصه: جاء في التصريح الذي فاه به المستر مكدونالد رئيس الوزارة البريطانية في لندن أن الحكومة البريطانية أرسلت تعليمات إلى السير برسي لورين المندوب السامي في مصر، يطلب منه فيها أن يبلغ صدقي باشا رئيس الوزراء أنها تعدّه مسؤولًا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم في مصر. وأن السير برسي كُلِّف أيضًا بإبلاغ النحاس باشا أنه يجب حل مشاكل مصر الداخلية بدون أن تتعرض أرواح الأجانب ومصالحهم للخطر، وأنها تعدّه مسؤولًا مع الحكومة إذا تعرضت تلك المصالح والأرواح للخطر. وقد أبلغ فخامة المندوب السامي هذا التصريح لحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء، وقد دُعي دولته وسعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا لتناول الغداء في دار المندوب السامي. وفي هذا اللقاء تم وضع رد الوزارة على تصريح مستر مكدونالد، ومما جاء فيه: ترى الحكومة المصرية — ولم يكن يسعها إلا أن ترى — في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله أن الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية أخيرًا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة بأنها «ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية مقتضيات الحياد الدقيق». فإذا كانت الحكومة البريطانية تقف على الحياد، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فكيف نوفق بين هذا الزعم وتصريح إسماعيل صدقي باشا المنشور في صحيفة البلاغ (٢ – ٩ – ١٩٣٣) وهو: «كل ما أرجوه أن يتابع المندوب السامي الجديد سياسة السير برسي لورين، ألا يحدث أي تبدل في السياسة الإنجليزية، لأن السياسة الحاضرة توافق مصر»؟

  • آمال | Hopes

    آمال
    بدا لرئيس الوزراء فاستبدل سفينة بسفينة، وقدم عودته يومين بعد أن قدمها نصف شهر. ولعل رئيس الوزراء أن يبدو له مرة أخرى فيستبدل سفينة بسفينة، ويقدم عودته ساعات أو يقدمها يوما أو يقدمها يومين أو أياما. فقد يظهر أن الحاجة إلى الإسراع ملحة، وقد يظهر أن الضرورة إليه ماسة، وقد يظهر أن صحة الرئيس لو سمحت له أن يطير بجناح أو جناحين أو أجنحة لما تردد في العودة على متن الهواء مكان العودة على متن الماء.
    والناس لا ينتظرون من هذا الإسراع والرغبة فيه والإلحاح في هذه الرغبة خيرا، ولا يلقون هذا النحو من التعجل بما ينبغي من التفاؤل والاستبشار. فهم كانوا يعلمون أن وزيرهم الأكبر مستريح إلى الجو الأوروبي، محب للاستمتاع بما فيه من هواء وماء، ومن اعتدال يبعث النشاط ويدعو الشفاء. فلما علموا أنه قد كره هذا الجو فجأة وزهد فيه على غير انتظار، لمسوا لذلك العلل، وبحثوا عن الأسباب فلم يجدوا شيئا في حياة مصر، ولا في حياة الوزارة يدعو إليه أو يبعث عليه.
    وقد قال قائلهم إن الرئيس كان شديد الرغبة في العودة إلى مصر منذ وقت طويل لأسباب منها ما يمس الحياة المصرية، ومنها ما يمس الحياة الدولية. فقد راعته قصص التبشير والمبشرين، وكأن سياسة الوزارة في هذه القصة لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فهو حريص على أن يشرف عليها بنفسه من كثب، لتنبت الملاجئ في الأرض كما ينبت الزرع، ولكن في غير ريث ولا إبطاء، ولتغلق بعض المعاهد التي لم تستطع الوزارة إغلاقها إلى الآن.
    وقد عرف رئيس الوزراء أن اضطراب الأمن قد ازداد حتى أصبح مقلقا مزعجا، وأن سياسة الوزارة في إقراره وتهدئة نفوس الناس هؤلاء لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فأراد أن يشرف على هذه السياسة بنفسه من كثب، لتستقر قلوب الناس في صدورهم، وعقول الناس في رؤوسهم، ولتجري دماء الناس في عروقهم دون أن تخاف أن تنشق عنها هذه العروق.
    وعرف رئيس الوزراء فيما يظهر قصة هذه السحابة التي خرجت من بلاد اليمن فأظلت بلاد العرب كلها، وأخذت بروقها ورعودها تنذر بالويل في النهار والليل، وتنبئ الناس بأن حربا ضروسا قد تشب بين الملكين العربيين، فتذيق المسلمين من آثارها شرا عظيما، ونكرا شديدا ونكدا مقيما. فأثر رئيس الوزراء أن يسرع في العودة إلى مصر، لتسعى الوزارة المصرية بين الملكين بالصلح كما سعى هرم بن سنان بين عبس وذبيان، أو لتدبر الوزارة المصرية لمصر حيادا حازما صارما شريفا بين الملكين المختصمين إن لم توفق إلى فرض التحكيم والسلام.
    ورأى رئيس الوزراء فتنة الآشوريين في العراق وما نجم عنها من الخلاف بين العراق وفرنسا، فأزمع العودة السريعة إلى مصر ليدخل بين الخصمين مدخلا حسنًا ينتهي بهما إلى الوفاق، ويريحهما من مشقة الاحتكام إلى عصبة الأمم في جنيف.
    قال قائل من الناس هذا الكلام وأشباهًا لهذا الكلام ليرد عن الناس هذا الخوف الذي غشيهم من تعجل الرئيس في الرجوع إلى مصر، وليلقي في روع الناس أن الرئيس مقبل عليهم بالخير كل الخير، والأمن كل الأمن، والبقاء في منصب الحكم إلى أن تمحى المعارضة محوًا، ويصبح الوفد حديثًا من حديث التاريخ. ولكن الناس كانوا يسمعون هذا الكلام بأذن ويخرجونه من أذن أخرى، ويقولون إن قصة التبشير قد طال عليها العهد، وبعد بها الأمد، وإن فساد الأمن قد طال عليه العهد وبعد عليه الأمد، فلو قد شاء الرئيس أن يعود لهذين الأمرين أحدهما أو كليهما لعاد منذ أمد بعيد.
    وما علمنا أن لمصر في جزيرة العرب ناقة ولا جملا، وما علمنا أن الوزارة المصرية تدخل بين المختصمين وغير المختصمين من المسلمين أو غير المسلمين. إنما مصر مقصورة على نفسها، مشغولة بهمومها الطارئة والمقيمة. فلن يعود رئيس الوزراء ليسعى بالصلح بين نجد واليمن، أو ليحمل الوفاق بين فرنسا والعراق. إنما يعود رئيس الوزراء ويسرع في العودة لأن حادثًا حدث لا ينبئ بخير.
    وهذا الحادث لم يأت من قبل الشرق ولا من قبل الجنوب، وإنما جاء من بلاد الإنجليز. وأي حادث جاء من بلاد الإنجليز إلا نقل المندوب السامي من القاهرة إلى أنقرة؟ فالناس إذن ملحّون في أن عودة رئيس الوزراء موصولة بنقل المندوب السامي، لا يريدون أن يغيروا رأيهم في ذلك، ولا أن يقبلوا فيه نصحًا ولا مشورة. ويظهر أن الوزارة، أو البيئات الوزارية على أقل تقدير، قد أحست خوف الناس هذا وأشفقت منه عليهم وعليها، فهي آمنة مطمئنة، لا تتعرض لخوف ولا تستهدف لمكروه.
    أحست خوف الناس وأشفقت عليهم منه، فأرسلت طيرًا تحمل إليهم الهدوء وتظلهم بأجنحة فيها الأمن والدعة، وفيها الطمأنينة والرضا. وقد أخذت هذه الطير تظهر في جو مصر منذ أمس، فتحدثت صحيفة من صحف المساء بأن المندوب السامي قد نقل، ولكن نقله ليس تامًا ولا كاملًا، وأنه سيذهب إلى أنقرة ولكن بعد أن يمر بمصر ويقيم فيها شهورًا ينهض في أثنائها بأعماله كلها كأن لم يكن نقل ولا ما يشبه النقل.
    فالمندوب السامي منقول ولكنه ثابت، مرتحل ولكنه مقيم، مفوض عند الترك، ولكنه مسلط على مصر. ومعنى هذا أن أمام الوزارة التي يحبها الناس ويفتدونها بالأنفس والأموال فسحة من الوقت وسعة من الحياة، فهي لن تدع الناس فجأة، ولن تخطف من بينهم كما خطف رئيس الوفد من بين أهل الصعيد في قطار سريع، ولكنها ستودعهم فتطيل الوداع، وستقدم إليهم وتقبل منهم من الهدايا ما تدوم به الذكرى ويتصل به الود.
    ومن يدري؟ لعل هذه الأشهر التي سيقيمها المندوب الثابت المنقول بيننا أن تكون فيها المفاوضة التي لا ريب فيها، وتمضي فيها المعاهدة التي لا بد منها. ثم يفترق الصديقان، رئيس الوزراء ومندوب الإنجليز، وقد أتما في آخر عهدهما بحياة أخرى ما لم يستطيعا أن يتمّاه حين كان السعد مقبلًا، والنشاط موفورًا، وأسباب القوة والبأس والسلطان ممدودة إلى أقصى غاية وأبعد مدى.
    وتحدثت صحيفة أخرى من صحف الصباح اليوم، نظنها «الأهرام»، وهل يصدر مثل هذا الحديث إلا عن «الأهرام»؟ تحدثت بأن رئيس الوزراء لا بأس عليه من مرض، ولا بأس عليه من استقالة، وبأنه قد اتصل دائمًا بالوزارة في مصر، وصرف دائمًا أمورها من بعيد، وأنه قد اشتاق إلى أن يدنو منها حتى يصبح قاب قوسين أو قاب إصبعين، ولهذا تعجل العودة، وهو مصمم على أن يمضي في طريقه بعد عودته، لا ينحرف عنها إلى اليمين ليستريح، ولا ينحرف عنها إلى الشمال ليستقيل، ولا يعنيه أن يذهب مندوب ويجيء مندوب، فالمندوبون كلهم عنده سواء.
    نشرت صحيفة أخرى من صحف الصباح، نظنها صحيفة «الشعب»، شيئًا آخر أجلَّ خطرًا، وأبعد أثرًا، وأدلَّ على ثبات القلوب واستقرار النفوس من هذا الذي أشرنا إليه ونشرته «المقطم» أمس و«الأهرام» اليوم. فقد زعمت «الشعب» أنها تحدثت إلى وزير، نعم إلى وزير، وإلى وزير مختص لا ينبغي التحدث إلى غيره في مثل هذا الموضوع، وهو وزير الخارجية الجديد. تحدثت إليه «الشعب» وتحدثت إليه «الاتحاد». فرأت «الشعب» ورأت «الاتحاد» أن وزير الخارجية لا يعلم من أمر المندوب السامي ونقله شيئًا أكثر مما تعلم «الشعب» وتعلم «الاتحاد» ويعلم مثلك ومثلي من قراء الصحف.
    وكان هذا الحديث من أشد الأحاديث نشرًا للاطمئنان السياسي في الجو المصري. وكيف لا نطمئن على بقاء الوزارة وثباتها، وعلى أن نقل المندوب السامي أمر عادي هين يسير ضئيل لا خطر له؟ وقد ظهر أن علم الوزراء به كعلم قراء الصحف، لا ينقص ولا يزيد. ولو قد كان له خطر ولو يسير لاستشيرت فيه الوزارة قبل أن يحدث، وهل رأيت دولة تغير ممثلها في بلد من البلاد دون أن تتفق مع الوزارة القائمة في هذا البلد؟ ولو قد كان له خطر ولو ضئيل لأنبئت به الوزارة بعد حدوثه. وما دامت الوزارة لم تُسأل فيه ولم تُنبَأ به فهو أمر لا خطر له ولا شأن.
    وأحمد من هذا في نشر الاطمئنان وتأمين الناس على بقاء الوزارة المحبوبة أن «الشعب» سألت وزير الخارجية، وسألته معها «الاتحاد»: هل صحيح ما تقوله بعض الصحف الإنجليزية من أن نقل المندوب السامي لا يدل على تغيير السياسة الإنجليزية في مصر؟ فأجاب الوزير بهذا الجواب الطريف الذي لا يصدر إلا عن وزراء الخارجية، والذي يصور الثقة كل الثقة، والأمن كل الأمن، والاطمئنان كل الاطمئنان. أجاب: ولم لا يكون صحيحًا؟
    وكان جواب الوزير سؤالًا، وكان من الحق أن تجيب عليه «الشعب» وأن تجيب عليه «الاتحاد»، ولكنهما لم تفعلا، لأن علم هذا السؤال وجواب هذا السؤال ليس عندهما ولا عند وزير الخارجية، ولا عند الصحف الإنجليزية، وإنما هو عند قوم آخرين لم يفصحوا عنه بعد، ولعلهم يفصحون عنه بعد أن يعود رئيس الوزراء.
    ومهما يكن من شيء فقد مضت هذه الطير التي أخذت تُرسل في الجو منذ أمس لتطمئن الناس على بقاء الوزارة وتملأ قلوبهم هدوءًا واستقرارًا. وأكبر الظن أن طيرًا أخرى سترسل في أثر هذه الطير. وأنك لن تسمع بعد أيام إلا صيحة تملأ الجو المصري وتصم الآذان المصرية، وهي أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في هذه الأيام. وكذلك يصدق الشاعر القديم حين يقول:
    وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
    وتصدق الشاعرة القديمة حين تقول:
    ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
    وكل ما نرجو هو أن يخلص الجو المصري، ولو أيامًا، لطير الأمل هذه، وألا تظهر فيه طير أخرى ترسلها صحف الإنجليز أو وزارة الخارجية الإنجليزية، منذرة باليأس، وداعية إلى القنوط، ومهيبة ببعض الأنصار والأولياء لينجو من استطاع النجاة.
    كوكب الشرق في ١٦-٨-١٩٣٣.

  • مفاجأة | A Surprise

    مفاجأة
    لم تقع اليوم، ولم تقع أمس، وإنما وقعت مساء السبت فيما يقول الناس؛ فقد زعموا أن بعض البيئات المصرية قرأت في وقت واحد خلاصة الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف»، ونفت فيه نفيًا قاطعًا نقل المندوب السامي، وأنباءً خاصة وصلت إليها وأثبتت لها إثباتًا قاطعًا أن المندوب السامي قد نُقل بالفعل إلى أنقرة. وكذلك لم يُرد الله لهذه البيئات أن تجني ثمار هذا الجهد العنيف الذي بُذل في لندرة لكسب رضا «الديلي تلغراف» بعد جورها القديم؛ فقد ثابت «الديلي تلغراف» إلى الرضا بعد الغضب، وعادت «الديلي تلغراف» إلى الإنصاف بعد الجور، وعطفت «الديلي تلغراف» على الوزراء وأنصار الوزراء وعلى الحزبين المؤتلفين ومن يدور حول الحزبين المؤتلفين. وأكدت «الديلي تلغراف» أن المندوب السامي عائد إلى مصر ومستأنف عمله فيها، وأن الوزارة قد تُحرم رئيسها المريض ولكنها ستبقى كما هي إجمالًا، وسيُضاف إليها رجلان أو ثلاثة لتمضي في تصريف الأمور على هذا المنهاج البديع الخصب المنتج الذي ثبّت الأمن وأقرّ النظام، والذي استنقذ مصر من الفقر والبؤس، ووفّر عليها أعظم حظ ممكن من العزة والمجد، ومن الثراء والسعادة والنعيم. وكان رأي «الديلي تلغراف» مخالفًا لهذا كله منذ أسبوعين، وكان رئيس الوزراء وزملاؤه يرونها جائرة ظالمة، فيطلب بعضهم إليها الإنصاف والعطف، ويعلن بعضهم عنها أنها لا تستحق عناية ولا التفاتًا.
    فلما أجابت «الديلي تلغراف» إلى ما طُلب إليها من عطف وإنصاف، فرحت صحف الوزارة، وظهرت إحداها في صباح الأحد سعيدة مبتهجة، قد زيّنت صدرها بحليتين كريمتين هما صورة المندوب السامي المقيم في منصبه، لأن الله قد قدّر له الشفاء التام، وصورة رئيس الوزراء الذي سيعتزل منصبه لأن صحته تحتاج إلى الراحة وفراغ البال.
    وبينما كانت الصحف الوزارية سعيدة بعودة «الديلي تلغراف» إلى الوصل بعد الصد، وإلى القرب بعد الهجر، وإلى الصفو بعد الجفاء، كان الراسخون في العلم من الوزاريين يذوقون حلاوة هذا الخيال مشوبة بمرارة اليأس الذي لا حظ له من عذوبة. وكانوا يقرءون مع هذا الفصل الحلو أنباء بأن المندوب السامي سيسافر ولكن لا إلى مصر، وسيعبر البحر ولكن لا إلى وادي النيل، وسيستقر في الشرق ولكن لا في القاهرة، بل في أنقرة، لأن جو مصر قد يكون جميلًا معتدلًا، وقد يكون صفوًا سمحًا، وقد يكون ملائمًا للنقاهة في الخريف والشتاء بعد المرض الطويل في الربيع والصيف، لولا أن في جو مصر سحابة عظيمة مقيمة، تزول السحب كلها ولا تزول، وتحول بين مصر وبين الصفو الذي تبغيه، والاعتدال الذي تريده وتشتهيه، وتتحول الأحداث والأشياء كلها ولا تحول.
    وهذه السحابة العظيمة المقيمة يسميها الناس الوفد، ويحاول الإنجليز وغير الإنجليز أن يردّوها عن هذا الجو الصفو، ويصدّوها عن هذا الإقليم المعتدل ليخلص لهم صفو ذلك واعتدال هذا، ولكنهم لا يجدون إلى ردّها ولا إلى صدّها سبيلًا؛ فهي عظيمة دائمًا، مقيمة دائمًا، تظلّ المصريين بالصبر والثبات، وتحمي المصريين من اليأس والقنوط. وهذه السحابة يستطيع المندوب السامي أن يحتمل ظلّها المُحرِق عامًا وأعوامًا، ولكنه لا يستطيع أن يحتمله إلا بمقدار، ولا أن يثبت له إلا بمقدار. وقد رأى الإنجليز أن مندوبهم السامي قد احتمل ظلّ هذه السحابة العظيمة المقيمة حتى احترق به أو كاد، فأنقذوه ونقلوه إلى أنقرة حيث لا وفد ولا شيء يشبه الوفد، وحيث لا يحتاج إلا إلى أن يسير سيرة غيره من الوزراء والسفراء في هدوء شامل، واستقرار كامل، وتصريف للعلاقات السياسية المألوفة بين الدول التي تستمتع بالاستقلال الصحيح.
    والإنجليز يحبون العدل للإنجليز، ويكرهون الجور عليهم والإلحاح عليهم بالظلم؛ فهم قد أشفقوا على السير برسي لورين فنقلوه، كما أشفقوا على اللورد لويد فعزلوه. وهم يريدون أن يرسلوا إلى مصر مندوبًا ساميًا جديدًا يستقبل من أمر العلاقات الإنجليزية المصرية ما استقبل أسلافه، ويجرّب فيها ما منحه الله من الذكاء والفطنة، ومن الدهاء والحذق، ومن المرونة واللباقة، لعله أن يُبلي فيحسن البلاء مع هذه السحابة العظيمة المقيمة التي تظلّ المصريين بالصبر وتحمي المصريين من اليأس، وتأبى أن تدع مكانها من جو مصر إلا أن تتمّ لها الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح والسيادة التي لا تقبل شكًا ولا جدالًا، ولا تتعرض لعبث ولا لعب. وقد يكون المندوب السامي الجديد موفقًا كما وُفِّق جورج لويد فيُعزل، وقد يكون موفقًا كما وُفِّق برسي لورين فيُنقل. وقد يكون الله قدّر له توفيقًا من طراز جديد، لأنه قدّر له خطة جديدة غير خطة صاحبيه؛ فقد أراد أحدهما أن يأخذ مصر بالبطش فانتهى إلى العزل، وأراد الآخر أن يأخذ مصر باللين والدهاء فانتهى إلى النقل. فلعل المندوب الجديد أن يُلهمه الله أخذ مصر بالصراحة والصدق ومواجهة الحقائق الواقعة، مخلصًا لها ولأمته، ناصحًا لها ولأمته، لا متجبرًا فقد مضى زمن التجبر، ولا ملتويًا فقد مضى زمن الالتواء، وأصبحت الأمم لا تُساس كما يُساس الأطفال، ولا تُؤخذ كما يُؤخذ الأغرار والضعفاء. والأيام وحدها هي التي ستكشف عما قدّر الله للمندوب الجديد من توفيق أو إخفاق.
    مصر تعلم حق العلم أن الله قد كتب لها الفوز، لأن الله قد كتب الفوز للحق دائمًا، وقدّر الانتصار للعدل دائمًا. وأيّ حق يشبه حق مصر في أن تعيش حرّة آمنة لا تعتدي على أحد، ولا يعتدي عليها أحد؟! وأيّ عدل يشبه حرص مصر على أن تكون أمورها إليها هي، لا إلى غيرها من الأفراد، ولا من الشعوب؟ فسينظر المصريون إذن إلى انتقال المندوب السامي القديم باسمين، وسينظرون إلى مقدِم خلفه باسمين كما تعوّدوا أن ينظروا إلى الأحداث كلها باسمين، لا يعرفون هذا الفرح الذي يُنسي الناس أحلامهم، ولا يعرفون هذا الحزن الذي يصرف الناس عن الجهاد، وإنما يعرفون الثقة بالحق والثبات على المطالبة به والسعي إليه في حزم وعزم، وفي عزة وإباء.
    ولكن أمر هذا الحادث الفجائي لا يخلو من شيء طريف. فلم نكن نقدر ونحن نكتب ما كتبناه أمس أن نبوءتنا ستتحقق بهذه السرعة، وأن الذين ساءتهم أنباء «الديلي تلغراف» سيسرّون عن قريب بما يسوء الذين استكتبوا «الديلي تلغراف». وكنا نظن أن خطط الصراع والنزاع، وأساليب النضال والنزال، تقتضي شيئًا من التمهل، وأن الثأر لن يظفر به طلابه إلا بعد أسبوع أو ما يزيد على الأسبوع. ولكن القوم كانوا فيما يظهر قد تأهبوا فأحسنوا التأهب والاستعداد، فلم يكد ينتصر الموحون إلى «الديلي تلغراف» ويظفرون برضاها حتى انتصر خصومهم، وحققت لهم الظروف ما يريدون.
    وفي هذا الأمر عبرة خليقة بالتفكير، وهي أن كل شيء ممكن، حتى أن تقول «الديلي تلغراف» وتؤكد، وتصطنع الحزم والجزم فيما تقول وتؤكد، ويشيع الناس أنها لم تقل ولم تؤكد إلا عن وحي من المصادر العليمة، ثم يظهر في اليوم نفسه أنها قد قالت وأكدت، وحزمت وجزمت، ولكن الظروف والحقائق الواقعة قالت شيئًا آخر.
    فما أجدر المصريين أن يعتبروا، وما أجدر المصريين ألا يغلوا في تصديق الصحف والإيمان لها، حتى ولو كانت «الديلي تلغراف» وأشباه «الديلي تلغراف».
    كوكب الشرق في ١٤-٨-١٩٣٣.

  • خطر | Danger

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.
    كوكب الشرق ٢٢ – ٧ – ١٩٣٣

  • حديث | A Statement

    حديث
    ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض .
    ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول .
    ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟
    بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟
    للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟
    ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث .
    وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء .
    وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف .
    ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق .
    هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟
    زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة .
    كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣

  • أنباء | News

    أنباء
    يجب أن يعترف خصوم رئيس الوزراء وأصدقاؤه بأنه رجل جلد، طويل الجلد، صبور طويل الصبر، لا يعنيه يأس ولا أمل، ولا يؤثر في نفسه قنوط ولا رجاء. وإنما همه الحكم، والحكم وحده؛ قد أراده فظفر به، حتى إذا استقر فيه أقسم ليتعلقنّ به ما قدرت يده على أن تمسك الأزمة، وتقبض على الأعنة. فمهما تنحت عليه الدواعي إلى الاستقالة فلن يسمع لها، ومهما تنح عليه البواعث على الاعتزال فلن يحتفل بها!
    وقد برّ بقسمه؛ فهو قائم في مكانه لا يبرح، يفسد كل شيء من حوله في مصر فلا يجفل، وينعكس عليه كل شيء في إنجلترا فلا يؤبه. وتأتيه النذر من كل مكان وكأن شيئًا لم يأته، وكأن نذيرًا لم يصل إليه! لم يكد يستقر في الحكم حتى حاول المفاوضات؛ قيل له حتى تمنحك الأمة ثقتها، وتنصبك معبرًا عنها، متحدثًا بلسانها.
    واجتهد في أن يظفر بهذه الثقة فلم يجد إليها سبيلًا! فكانت قصة الانتخاب، وما أدراك ما قصة الانتخاب. حتى إذا تهيأت الأسباب واجتمع الشيوخ والنواب، سعى الرجل إلى المفاوضة، فأخذ الإنجليز يرجئونه من شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، حتى إذا أسرف في الإلحاح وأغرق في الإلحاف، أرجأوه إلى أجل غير مسمى، وهم يعتذرون بكثرة العمل عندهم حينًا، وبسوء الحال عندنا حينًا آخر. وهم يبينون له في كل حال، وهو يفهم عنهم وكأنه لا يفهم، أن ليس إلى المفاوضة معه من سبيل؛ لأنه لا يمثل مصر، ولا يستطيع أن يتحدث عنها، ولا يستطيع أن يلتزمها إذا التزم، ولا يستطيع أن يأخذها بتنفيذ ما يقبل من معاهدة، وإبرام ما يمضي من اتفاق. ولكن رئيس الوزراء ذكي ماهر، يفهم وكأنه لم يفهم، ويسمع وكأنه لم يسمع!
    فالإنجليز يرفضون وهو يطلب ويستأنف الطلب، والإنجليز يأبون وهو يلح ويسرف في الإلحاح! وما يزالون في إبائهم، وما يزال في إلحاحه حتى تهِن قواه، وتنقطع به الأسباب. وإذا هو مريض لا يقدر على العمل، ولكنه على ذلك يقدر أن يطلب المفاوضات، ويجدّ في الطلب، ويصوغ اقتراحات يقدمها إلى المندوب السامي، ويسافر بها هذا المندوب إلى لندرة ليعرضها على رؤسائه في وزارة الخارجية.
    ويلح المقربون إلى رئيس الوزراء عليه في أن يؤثر نفسه بالصحة والعافية، ويدع الحكم لمن يستطيع النهوض به، ولكن بين رئيس الوزراء وبين لندرة أسبابًا من الأمل تحمله على ألا يسمع لنصح الناصحين، وعلى أن يبقى في الحكم لعل اقتراحاته أن تُقبل، ولعله أن يمضي معاهدة مع الإنجليز، ولعله أن يخرج من الحكم مخرجًا حسنًا، ولعله أن يسجل في كتاب استقالته أنه أتم مهمته، فأحدث للبلاد نظامًا جديدًا، وعقد للبلاد اتفاقًا مع الإنجليز.
    ولكن اقتراحاته تُرفض في لندرة، وتعلن وزارة الخارجية – كما يحدثنا مكاتب الأهرام صباح اليوم – أن نبأ المفاوضات مع صدقي باشا لا أصل له مطلقًا. ويفسر مكاتب الأهرام هذا الإعلان بأن وزارة الخارجية قد رفضت اقتراحات صدقي باشا في أدب وظرف، كما تعودت دائمًا!
    ومن الحق على وزارة الخارجية لصديقها المريض أن ترفق به وتعطف عليه، فلا ترده في عنف، وإنما تأتي ما يريد، وتعلن أن لم تكن بينها وبينه مفاوضات ما. ومهما يكن من شيء فقد فشل رئيس الوزراء فيما كان يريد من مفاوضة الإنجليز للمرة السابعة أو الثامنة، أو العاشرة إن شئت! ولم يبق له أمل ما في أن يعيد الكرة ويستأنف الطلب، ويأمل في المستقبل القريب أو البعيد؛ لأن كل شيء حال بينه وبين الأمل.
    فقد ضعف مركزه السياسي في مصر كما لم يضعف في هذه الأيام، وصحته – مع الأسف – لا تمكنه من أن يحاول تقوية مركزه واسترجاع قوته السياسية. ندّ عليه كل شيء، وأفلت من يده كل شيء، وأصبح بقاؤه في الحكم لغوًا من اللغو، وفنًا من فنون العبث. وأكبر الظن أنه إنما يبقى في الحكم حتى تتهيأ الأسباب للذين كانوا يؤيدونه أمس، لعلهم يجلون من يخلفه اليوم أو غدًا.
    ومهما يقل أصدقاء رئيس الوزراء، ومهما تقل أبواقه، فلن يستطيع أحد أن يخدع المصريين عن أن بقاء صدقي باشا في الحكم الآن إنما هو تعلّة ليس غير. وقد تبقى هذه التعلة أيامًا، وقد تطول أسابيع، وقد تزول فجأة؛ ولكن نزول رئيس الوزراء عن الحكم في وقت قريب أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأنه النتيجة المحتومة الملائمة لطبيعة الأشياء في مصر وفي بلاد الإنجليز.
    كل شيء مضطرب حول رئيس الوزراء في مصر. الشعب منصرف عنه منذ نهض بالحكم، ولكن انصراف الشعب عنه قد اشتد حتى انتهى إلى أقصاه. وآية ذلك أن وزارته تفزع من كل شيء، وتعبئ الجيش والشرطة استعدادًا لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. والإنجليز قد نفضوا أيديهم منه، وأكدوا أنهم لن يفاوضوه، وأكدوا مرة أخرى أنهم سيعدّون للمفاوضة، ولكن مع الوزارة التي تمثل مصر، وتعبر عن إرادتها، وتتحدث بلسانها، وتعاهد فتنفذ مصر ما عاهدت عليه.
    وإذن فأمر الوزارة القائمة مفروغ منه، رغم ما ستقوله حاشية صدقي باشا غدًا وبعد غد، وإلى أن يتقدم رئيس الوزراء باستقالته إلى صاحب الجلالة الملك. وكل يوم من الأيام المقبلة خليق أن يُغلق فيه باب، ويُفتح فيه باب آخر، وأن تُطوى فيه صفحة، وتُنشر فيه صفحة أخرى. وسيودّع المصريون غدًا أو بعد غد وزارة أذاقتهم ألوان الألم وصروف المحن. وسيذكرون، وسينسون، ولكنهم على كل حال سيطوون صفحة أمس، وسينظرون في صفحة غد. سيودّعون عهدًا، ويستقبلون عهدًا آخر.
    وإذا كان التذكير ينفع، فإن التحذير ليس أقل منه نفعًا.
    وأكبر الظن أن هذا النبأ الذي أذاعته الأهرام صباح اليوم سيوقظ آمالًا نائمة، ويجدد نشاطًا قد فتر بعض الشيء. وستتهيأ الأحلام وتأخذ زينتها، وتتشكل بأشكال مختلفة أشد الاختلاف، لكنها مغرية أشد الإغراء على كل حال. وستلمّ هذه الأحلام ببعض البيوت، وستتراءى هذه الأحلام لبعض النفوس. وسيتهيأ قوم لوزارة وإن لم تسعَ إليهم بعد، وسيستعد قوم لحكم وإن لم يدعهم الحكم إليه بعد. وستكثر الأحاديث، وسيشتد الجدل.
    فمن الحق أن نذكر المصريين، ومن الحق أن نحذرهم، ومن الحق على المصريين أن يحذروا. فمهما يكن ضيقهم بالوزارة القائمة شديدًا، ومهما يكن احتمالهم للوزارة القائمة ثقيلًا، فإن من الحق عليهم لأنفسهم ألا يتعجلوا زوال الشر ليقعوا في شر آخر قد يكون أشد منه نكرًا وأقبح منه أثرًا. وخير لهم أن تطول المحنة على ما هي فيه من ضعف ووهن واضطراب، من أن يخيل إليهم أنها زالت فإذا هي تتجدد، وأنها انجلت فإذا هي تستأنف نشاطها قويًا عنيفًا.
    يجب أن يذكر المصريون ماذا ينكرون من وزارة صدقي باشا، ويجب أن يعرفوا ماذا يريدون حين يتمنون أن تستقيل هذه الوزارة. فهم ينكرون تغيير الوزارة القائمة للدستور، وهم يريدون أن يعود إليهم هذا الدستور. وهم ينكرون بطش الوزارة القائمة بالحرية، ولسنا نريد حرية الأفراد وحدها، وإنما نريد حرية الأمة كلها. نريد الحرية البرلمانية، نريد الحياة النيابية كلها. وهم يريدون أن تُرفع عن الحرية هذه الأغلال والقيود، وأن تعود حياتهم السياسية كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء فألف وزارته.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا يخدعهم عنه الأمل في زوال المحنة، وألا تلهيهم عنه الأحاديث والأماني. هذه الأهرام قد عادت تذيع تفكير الإنجليز في الوزارة القومية، وأخذت تتحدث عنها، وتعلن أنها لا تريد منذ الآن أن تدعو إليها، لأنها – مع إيمانها بأنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الآن – تكره تزيينها والترغيب فيها بعد أن دعت إلى ذلك فساءت بها الظنون. وهذا نوع من الدعوة إلى الوزارة القومية فيه شيء من المهارة واللباقة، وفيه شيء من الاحتياط والاستحياء.
    ومن المحقق أن صحفًا أخرى ستذكر الوزارة القومية، وستدعو إليها، وستلح في ذكرها والدعوة إليها. ومن المحقق أن أحدًا لن يرفض هذه الوزارة القومية، ولكن بشرط أن تكون نتيجة لإرادة الأمة حرة طليقة، لا شرطًا يمليه الإنجليز لتغيير الموقف السياسي الذي نحن فيه.
    لن يرفض أحد فكرة الوزارة القومية إذا استُفتيت فيها الأمة فأفتت بها، وإذا دُعيت إليها الأمة فأجابت إليها. فأما أن تُملَى هذه الوزارة القومية على الأمة إملاءً من ناحية من النواحي، أو نادٍ من الأندية، أو من حزب من الأحزاب، فلن يبتسم لها أحد، ولن يستجيب لها أحد، ولن يقبل عليها إلا الذين يفكرون فيها ويدعون إليها.
    يجب أن يذكر المصريون أنهم ليسوا هم الذين أنشأوا هذه الأزمة السياسية القائمة، وإنما أنشأها غيرهم، فيجب على من أنشأها أن يحلها. وليس لها حل إلا أن تُرد الأمور إلى ما كانت عليه يوم نهض صدقي باشا بأعباء الحكم. هنالك، وهنالك فحسب، يمكن أن تُستشار مصر في الوزارة القومية، وأن يجري الأمر في هذه الوزارة القومية على حكم الدستور، لا على شيء آخر.
    نظن أنه ليس في هذا الكلام لبس ولا غموض، ونعتقد اعتقادًا لا سبيل إلى الشك فيه أنه يصور تصويرًا صادقًا رأي كثرة المصريين الذين سيرد إليهم الأمر كله اليوم أو غدًا.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٤ – ١٩٣٣