ناد
أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣
Tag: ائتلاف
-
ناد | A Club
-
أحلام | Dreams
أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣