Tag: استقالة الوزراء

  • استقالة٢ | Resignation 2

    حديث الوادي
    استقالة…
    لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
    كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
    أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
    كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
    أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
    فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤.

  • تعديل | A Reshuffle

    حديث المساء: تعديل

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ يناير ١٩٣٤

    هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

    ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

    وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

    فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

    هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

    وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

    وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

    ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

    صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.

  • مفاوضة | Negotiation

    مفاوضة
    ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
    والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
    نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
    وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
    كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
    وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
    وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
    ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
    وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
    كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.

  • مفاوضة٢ | Negotiation (2)

    حديث اليوم: مفاوضة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٧ يوليو ١٩٣٢

    وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.

    وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.

    وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.

    ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.

    يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟

    زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.

    يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.

    أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟

    إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.

    وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.

    لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.

    وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.

    ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.

    أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.