Tag: استقلالية الجامعات

  • في الجامعة المصرية | On the Egyptian University

    في الجامعة المصرية

    طه حسين

    جريدة المصري

    ١٣ مارس ١٩٣٧

    الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!

    قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.

    وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.

    وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.

    قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:

    أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.

    فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.

    وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!

    أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.

    لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.

    والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.

    وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.

    وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!

    والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!

    وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.

    فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.

    وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!

    أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.

    والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.

    فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.

    يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.

    ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.

    وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!

    أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!

    الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!

    إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.

    فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.

    وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون!

  • عيسويات | Issa-isms

    حديث الوادي
    عيسويات…

    ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.

    وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.

    ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
    لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.

    ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.

    ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.

    وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.

    ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

    وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.

    ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.

    طه حسين
    الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.