Tag: الأحكام العرفية

  • مواعيد | Appointments

    مواعيد

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣٠ أغسطس ١٩٤٥

    يجب أن يعترف المصريون بأن الله قد أتاح لهم في هذه الأيام سادة كرامًا يسودونهم بالرفق، وقادة عظامًا يقودونهم إلى المجد، وأطباء بارعين يطبُّون لنفوسهم وقلوبهم من هذه الأمراض الخطيرة التي تعرض للشعوب في أوقات الخطر والخوف والاضطراب. ونظرة يسيرة إلى ما يحدث من حولهم في أقطار العالم القريبة والبعيدة، تبيِّن لهم ذلك في وضوح، وتظهره لهم في جلاء.

    فالعالم كله خائف وهم آمنون، والعالم كله مضطرب وهم هادئون، والعالم كله متردد بين الجزع واليأس وهم مطمئنون، قد مُلئت قلوبهم ثقة، وفُتحت لهم أبواب من الأمل المشرق المضيء. وليس لهذا كله مصدر إلا أن سادتهم كرام يسودونهم بالرفق، وقادتهم عظام يقودونهم إلى المجد، وأطباءهم بارعون يردون عنهم أمراض النفوس والأجسام جميعًا.

    وقد عرف هؤلاء السادة الذين يحكموننا على خير ما تُحكم الشعوب، أن الأحكام العرفية مرض خطير ينهك الأجسام، ويفسد القلوب، ويضعف النفوس، وأن علاجه لا يكون بالأدوية العنيفة، وأن الإقلال منه لا ينبغي أن يأتي فجأة، ولا أن يلم دون تمهيد له متصل، وانتظار له طويل، وأن الخير كل الخير في أن يعالج هذا المرض الخطير شيئًا فشيئًا؛ يؤخذ الطب له باللين والرفق، ويكون السعي له بالأناة والمهل. ذلك أحرى أن يكون الدواء ناجعًا، والشفاء قاطعًا، واسترجاع الصحة والقوة مقطوعًا به، وذلك أحرى أن يأمن المريض النكسة، وينفذ من هذه العقابيل الخطرة التي توشك أن ترده إلى شر مما كان.

    وقد أحس سادتنا وقادتنا وأطباؤنا منذ أوائل هذا العام أن حمَّى الحرب قد أخذت تخف شيئًا فشيئًا، وأن مرض الأحكام العرفية يجب أن يخف شيئًا فشيئًا، فاصطنعوا في علاجنا رفقًا لا يشبهه رفق، واحتياطًا لا يعدله احتياط. عللونا بالوعود أول الأمر، وهم صادقون إذا قالوا، منجزون إذا وعدوا، وافون إذا عاهدوا؛ فصدقناهم واطمأننا إلى وعودهم وعهودهم. وأخذت الآمال تتراءى لنا من بعيد، تبسم لنا عن ثغور كأنها اللؤلؤ المنضود، وترمقنا بعيون كأنها السهام النافذة، ولكنها سهام الحب والرحمة والأمن والسلام. وجعلت قلوبنا تخفق لذلك رضًا وابتهاجًا، وجعلنا ننظر إلى هذه الآمال التي تتراءى وتتناءى، مشغوفين حراصًا عليها.

    وجعل سادتنا وقادتنا وأطباؤنا ينظرون إلينا من بعيد، يبسمون حين يرون ما تبعث الآمال في نفوسنا من الحياة، ويضحكون حين يرون ما تشيع الثقة فينا من الغرور، ويقول بعضهم لبعض: ألا ترى إلى هذا الشعب النحيل الضئيل العليل! إن الحياة قد أخذت تدب فيه قليلًا قليلًا، ولكنه أضعف من أن يحتملها إلا إذا تقدمت إليه بمقدار؛ فلنبالغ في الرفق به، والاحتياط له، ولنمنحه الحرية، قطرة قطرة، وقطرتين قطرتين، وقطرات قطرات؛ حتى نعوده الحرية بعد أن بعد عهده بها ونمرنه على القوة بعد أن طال فراقه لها، وكذلك عشنا على الوعود أيامًا وأيامًا، وأسابيع وأسابيع.

    ثم أحس قادتنا وأطباؤنا أننا أصبحنا قادرين على أن نحتمل القطرة الأولى من قطرات الحرية، فخففوا الرقابة على الصحف تخفيفًا يسيرًا ظاهرًا، وأقاموا ينظرون إلينا ويرقبون ما نأتي وما ندع. ثم قال بعضهم لبعض: يظهر أن المريض ما زال ضعيفًا لا يحتمل هذه القطرة التي قدمت إليه، فلنرده إلى الأمل، ولنداوه بالرجاء، ولنعلله بالوعود؛ مخافة أن ينتكس. وإذا الرقابة ترد كأعنف ما كانت أيام البأس، وإذا الآمال تعود فتتراءى للمريض باسمة، وتتناءى عنه معرضة، والمريض راضٍ بالأمل، قانع بالوعود، واثق بروح الله ورحمة الأطباء.

    ثم تضع الحرب أوزارها في أوروبا، وتسترد الشعوب حرياتها كاملة، ويعبث الغرور بنفس الشعب المصري المريض، فيظن أن حريته سترد إليه كما رُدَّت إلى غيره. ولكن سادته يعلمون من أمره ما لا يعلم، ويقدرون قوته على الاحتمال خيرًا مما يقدرها هو. فهم يمسكون الحرية على عنف، ويمنعونها من أن تسعى إلى هذا الشعب المريض؛ مخافة أن تقتله، وهم يمسكون الشعب على عنف مخافة أن يسعى إلى الحرية فيقتل نفسه. وهم يكتفون بأن يأذنوا للشعب وللحرية في شيء من تبادل اللحظ على بعد، ومن تبادل الإشارة في أناة وحذر وتحفظ؛ حتى إذا مر شهر وشهر وتبيَّن لسادتنا الكرام، وقادتنا العظام، وأطبائنا البارعين، أن تبادل اللحظ، وتقارب الإشارة، وطموح أحد العاشقين إلى صاحبه لا يؤذي ولا يُعرِّض لمكروه؛ قال بعضهم لبعض: نستطيع الآن أن نعيد إلى المريض قطرة الحرية تلك التي قطعناها عنه، ذلك أجدر أن يرضيه ويلهيه، وأحرى أن يريحنا ويريحه من هذا الصياح المزعج الطويل.

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان، كما يقبل الطبيب ذات يوم على المريض باسمًا متكلفًا إشراق الوجه، ورشاقة الحركة، وطلاقة اللسان. وقال رئيس الوزراء للبرلمان في مزاح يشبه الجد، وفي جد يشبه المزاح: لقد قررنا رد الحريات إلى الشعب فله أن يقول ويكتب، ويخطب ويجتمع وينتقل، ولكنه يحسن به أن يكون في هذا كله معتدلًا مقتصدًا رفيقًا بنفسه شفيقًا عليها. كما يقول الطبيب للمريض: أمَّا اليوم فقد جئتك بنبأ عظيم؛ سآذن لك في قليل من حساء، وفي شيء من حركة، وفي أن تجلس في سريرك، أو على مقربة منه ساعة من نهار، ولكن احذر أن تتجاوز الحد الذي رسمته لك، فتشق على نفسك، وتضطر إلى النكسة، ثم إلى ما كرهت من مرض طويل، وألم ثقيل ودواء بغيض.

    وقد فرح الشعب بجرعة الحرية التي أذن له بها رئيس الوزراء، كما يفرح المريض بقدح من الحساء الذي يأذن به الطبيب. ولكن رئيس الوزراء كان مازحًا يتكلف الجد، أو كان جادًّا يضمر المزاح، فلم يكد الشعب يذوق الحرية؛ حتى نطق وهمَّ أن يتحرك. وخاف رئيس الوزراء على الشعب حريته الضئيلة، وحركته اليسيرة، فنظر إليه مشفقًا عاطفًا رحيمًا، ثم أمر به فرد إلى حيث كان ينبغي أن يستقر؛ لأنه تبيَّن أنه لم يبلغ من القوة بعد ما يمكِّنه من الكلام في غير رقابة، فقامت النيابة مقام الرقابة. وليس المهم أن تستقر الرقابة في وزارة الداخلية، وهي ما زالت مستقرة فيها، وليس المهم أن يختلف الرقباء إلى دور الصحف وهم ما يزالون يختلفون إليها، وإنما المهم أن يعاقب المتكلم إذا تجاوز الحد المرسوم، وهو والحمد للَّه يعاقب على سعة، ويضايق في رخاء إن أمكن أن يجتمع الضيق والرخاء. فتحقيق في الضحى، وسجن في المساء، وإطلاق من السجن اليوم، وعودة إلى السجن غدًا، وحرية تُمنح على أن يرتهن في سبيلها هذا المقدار القليل أو الكثير من المال، وتفتيش لدور الصحف، وتفتيش في دور الصحفيين. كل ذلك لأن الشعب ما زال مريضًا، لم يسترد قوته بعد، ليستمتع بالحرية كما تستمتع بها الشعوب التي برئت من المرض، وتم لها الشفاء.

    والإقليم المصري معتدل فيما يقول الناس، يستمتع أهله بصحو الجو، وصفو السماء، وبهذا الليل الذي يخفف من قيظه، وبهذا البحر أو بهذين البحرين اللذين يجعلان الحياة فيه نعيمًا مقيمًا، كذلك يقول الناس إذا تحدثوا عن إقليم مصر، وكذلك يكتبون في الكتب، ولكنهم واهمون كل الوهم ما في ذلك شك، وآية ذلك هذا الشقاء الذي يتجرعه المصريون في هذا القيظ المهلك، وهذا الصيف الممض.

    وكذلك الحال بالقياس إلى الشعب المصري، يُقال: إنه صحيح قوي ذكي نشيط، وتقول الحقائق الواقعة: إن حظه من المرض أعظم من حظه من الصحة، وإن نصيبه من الضعف أضخم من نصيبه من القوة، وإن قسمته من الغفلة أكثر من قسمته من الذكاء، وإن ما اضطر إليه من الفتور أشد مما أتيح له من النشاط. فهو شعب خامد هامد، وخامل ذابل، لا يحتمل الخطوب حين تلم، ولم ينفذ من المشكلات حين تشتبك، وإنما ينظر إليها قائمًا واجمًا ساهمًا كأنما يتخبطه الشيطان من المس، وقد عرف سادتنا وقادتنا وأطباؤنا خصائص الإقليم المصري، وخصائص الذين ينعمون بالحياة في هذا الإقليم، فساسوهم كما ينبغي أن يساسوا بكثير من الرفق، وقادوهم كما ينبغي أن يقادوا في كثير من التمهل، وعالجوهم كما ينبغي أن يعالجوا في كثير من الاحتياط.

    فلا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الأحكام العرفية تُلغى في أقطار الأرض كلها، وتبقى في مصر؛ لأن مصر لا تحسن الإسراع إلى الشفاء من مرض الأحكام العرفية، ولأن الشفاء لا يحب الإسراع إلى مصر، فمصر معتدلة تؤثر السيطرة على السرعة، وتكره العجلة؛ لأنها من الشيطان. ولا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الإنجليز يضيقون بتلكؤنا وإبطائنا فيفاوضون حكومتنا في إنهاء الأحكام العرفية بالقياس إلى رعاياهم على الأقل، إذا كنَّا نحن نحب الأحكام العرفية ونحرص عليها! لا ينبغي أن ندهش لذلك؛ فالإنجليز يقيمون في إقليم بارد لا تأخذه الصحراء من الشرق والغرب، ولا تصب الشمس عليه حرَّها، كأنه ذوب الرصاص المصهور. بل لا ينبغي أن ندهش إذا رأينا السودان يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على الصحف، ثم يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على البريد، ثم يسبقنا إلى استئناف الحياة التي كان يحياها قبل الحرب! فالذين يشرفون على أمور السودان أعلم بشئونه وطاقته، وحسن استعداده للحرية منَّا نحن إخوانه المصريين. وحلفاؤنا الإنجليز الذين يدبرون أمر السودان سواء رضينا أم كرهنا، إنما يدبرونه بعقولهم، وطبائعهم الإنجليزية التي لا تتأثر بالإقليم الأفريقي، وإنما تتأثر بالإقليم البريطاني، والتي تعالج الأمراض على أصول الطب الإنجليزي، لا على أصول الطب المصري.

    مهما يكن من شيء فقد وضعت الحرب أوزارها في الشرق بعد أن وضعت أوزارها في الغرب، وردَّت الحرية إلى الشعوب، وأسرعت الشعوب إلى الحرية. وظل الشعب المصري مريضًا ينظر إلى سادته وقادته وأطبائه، ويقول بعضهم لبعض: أتظن أنه يستطيع أن يحتمل جرعة أخرى من الحرية؟! فيرد بعضهم على بعض: إن الأناة خير من العجلة، وإن الاحتياط خير من المغامرة. ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غرة زلجا

    يقول قائلهم: ولكن الإنجليز يطالبون بإعفاء رعاياهم من الأحكام العرفية، وما يستقيم لنا أن نعفيهم من دون المصريين. فيرد قائل آخر: سنعفيهم جميعًا، ولكن بعد أن نأخذ للأمر أهبته، ونعد له عدته. والغريب أنهم لم يأخذوا للأمر أهبته، ولم يعدوا له عدته في هذه الأشهر العشرة التي أنفقوها في الحكم، وإنما بدا لهم أن من الممكن اتخاذ الأهبة وإعداد العدة، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب جميعًا، وبعد أن أُعفي السودان من الأحكام العرفية.

    والشعب المصري المريض يصيح ويصيح، ويملأ الجو صياحًا، ويكاد يؤرق ليل السادة والقادة والأطباء. ولا بد من أن يستريح سادتنا وقادتنا وأطباؤنا في الليل على الأقل؛ لأنهم يشقون في النهار بالأعمال الكبرى.

    لا بد إذن من أن يعلل الشعب لعل صياحه أن ينقطع، ولعل السادة أن يستريحوا. وما أيسر تعليل الشعب!

    نظرة أخرى من الحرية تُهدى إليه في كثير من الاحتياط، وقد فعل مجلس الوزراء فتفضل — وله الشكر كل الشكر، وعليه الثناء كل الثناء — فوقف الرقابة على البريد. ولا نقول ألغاها؛ لأنه لم يلغها كما أنه لم يلغِ الرقابة على الصحف، وإنما وقفها وقفًا يمكن الرجوع فيه إلى أن تُلغى الأحكام العرفية في شهر سبتمبر بعد عيد الفطر إن شاء الله. وشهر سبتمبر يمكن أن يحتمل إلغاء الأحكام العرفية في آخره وفي أوله وفي وسطه، ويمكن ألا يحتمل هذا الإلغاء، وأن يلقي حمله الثقيل على شهر أكتوبر، فلا بد من اتخاذ الأهبة، وإعداد العدة، والاحتياط لطوارئ التموين، وطوارئ غير التموين، ومن الممكن أن يستأنف المريض صياحه، ويؤرق السادة، والقادة، والأطباء، ولا بد لهم من أن يناموا بعد طول اليقظة، ومن أن يستريحوا بعد طول العناء.

    وإذن، فالدواء قريب يسير: كلمة تُقال فتستقيم الأمور، وتجري على خير ما يحب الحاكمون والمحكومون.

    أتذكر القصيدة التي قالها المتنبي منذ ألف عام، والتي استعرت مطلعها في حديث الأحد الماضي؟ يحسن أن تقرأ هذه القصيدة، فستجد فيها بيتًا وصف المتنبي فيه نفسه، وأؤكد لك أن المصريين المعاصرين لم يوصفوا قط بأصدق، ولا أروع، ولا أبعث للحزن والأسى من هذا البيت:

    أمسيت أروح مثرٍ خازنًا ويدًا أنا الغني وأموالي المواعيد

  • في الوقت الملائم | In Due Time

    في الوقت الملائم

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٣ أغسطس ١٩٤٥

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.

    أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.

    ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.

    واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.

    نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.

    وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.

    كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.

    إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.

    ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.

    في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.

    في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.

    فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.

    إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.

    لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.

    على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.

    أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.

    وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.

    إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.

  • الديمقراطية المنتصرة | Victorious Democracy

    الديمقراطية المنتصرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٦ أغسطس ١٩٤٥

    يُقال إن الديمقراطية قد كسبت الحرب، وأدركت ما جاهدت في سبيله ستة أعوام من النصر المؤزر والفوز المبين، فمحقت الدكتاتورية في الشرق والغرب مَحْقًا، وسحقتها في أوروبا وآسيا سحقًا.

    والظاهر أن هذا كله صحيح؛ فقد استسلمت ألمانيا منذ ثلاثة أشهر، واستسلمت اليابان منذ يومين، وقد قُتِل موسوليني عظيم إيطاليا، ومثَّل به الإيطاليون تمثيلًا قبيحًا، وضاع هتلر فلم يقطع الناس في أمره بشيء، فهو تائه بين الحياة والموت، وبقي إمبراطور اليابان على أن يتلقى أوامر المنتصرين وينفذها في غير تردد ولا تلكؤ، وأصبحت كلمة الديمقراطية هي العليا في جميع أقطار الأرض، ولم يبقَ للدكتاتورية كلمة يمكن أن يُقال إنها أصبحت السفلى، بل خفت صوت الدكتاتورية خفوتًا تامًّا وانقطع انقطاعًا كاملًا، وجعلت الشعوب التي كانت حرة تتشوق إلى مزيد من الحرية، وجعلت الشعوب التي كانت مستعبدة تطمح إلى روح من الحرية يشيع فيها الحركة والنشاط، ويتيح لها الاستمتاع بالحياة في ظل الأمن والدعة والهدوء.

    فما عسى أن تكون هذه الديمقراطية التي انتصرت؟ وما عسى أن يكون فهمنا لها واستمتاعنا بها؟ وما عسى أن ننتظر من نتائج انتصارها المؤزر وفوزها المبين؟ وإلى أي حد نستطيع أن نقول ونحن صادقون فيما بيننا وبين أنفسنا — وفيما بيننا وبين الناس — إن مصر التي جاهدت مع المجاهدين لتنتصر الديمقراطية قد فازت مع الفائزين بما أُتِيحَ للديمقراطية من انتصار؟

    هذه أسئلة يلقيها المصري على نفسه إذا خلا إليها، ويلقيها بعض المصريين على بعض إذا التقوا وأخذوا في الحديث، وهم يستطيعون أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، ولكنهم يعجزون العجز كله عن أن يجيبوا على بعضها الآخر. يستطيعون أن يجيبوا عن الأسئلة العامة التي لا تمسهم من قريب أو بعيد، فإذا اتصلت هذه الأسئلة بحياتهم أدركهم شيء من الحيرة والوجوم، فلم يعرفوا كيف يقولون أو أخذهم شيء من السخرية والعبث فاندفعوا في ضحك مر عريض، أو أخذهم شيء من الحزن والأسى وطرقوا صامتين يؤثرون الصمت على الكلام، ويودون لو آثروا الجهل على العلم، والغفلة على التنبه، ويودون بنوع خاص لو حُجِبَتْ عنهم حقائق الأشياء، فلم يروا ولم يسمعوا ولم يفهموا ما يرون ويسمعون ويفهمون.

    هم جميعًا يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، لا يحكمه غيره من الأجانب، ولا تحكمه قلة من أبنائه دون الكثرة، ولا تدبر حكومته أمره على غير ما يحب ويرضى، ولا توجه الحكم فيه لمصلحة الأجنبي دون المواطن، ولا لمصلحة القلة دون الكثرة، ولا لمصلحة الذين يريدون أن يستأثروا وحدهم بالخير والنعمة والرخاء، وأن يتركوا لغيرهم الشر والبؤس والضنك والشقاء. هم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يضمن للشعب حريته وسيادته، بالقياس إلى الأجنبي مهما يكن، وبالقياس إلى المواطن مهما يكن. هي هذا النظام الذي يكفل للشعب حرية صادقة واستقلالًا صحيحًا في داخل الوطن وخارجه، وهم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي لا يكتفي بضمان الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح في الداخل والخارج, وإنما يضمن معهما عدلًا اجتماعيًّا يعصم الناس من بأس الأقوياء كما يعصمهم من بؤس الحرمان، ويمحو من بينهم الأثرة والاستعلاء؛ أي يمحو من بينهم الاستبداد والامتياز. يجعلهم سواء أمام القانون، ويجعلهم متقاربين في الاستمتاع بالحياة الهادئة المطمئنة، متقاربين في القدرة على أن يصلحوا حياتهم ويرقوها ويرتفعوا بها من طور إلى طور، ويسعوا بها إلى الكمال المادي والمعنوي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

    هم يعلمون هذا كله حق العلم؛ لأنهم قرءوه في الكتب والصحف وسمعوه في الراديو. تحدث به إليهم الزعماء والقادة، وتحدث به إليهم الملوك أنفسهم، وهم يرون ذلك رأي العين. يرون بريطانيا العظمى وقد حوَّلت ثقتها عن زعيمها العظيم المستر تشرشل الذي قادها إلى النصر، ونفذ بها من أشد الخطوب نكرًا إلى خصمه المستر آتلي، لا لشيء إلَّا لأنها أشفقت من سياسة المحافظين، وخافت ألَّا تحقق هذه السياسة إلى جانب الحرية السياسية في الداخل والخارج. هذا العدل الاجتماعي الذي لا تتم الديمقراطية الحديثة إلَّا به.

    فالشعب البريطاني قد قال للعالم كله جهرة وفي غير تحفظ ولا التواء إنه يريد أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، وإنه قادر على تحقيق ما يريد. وقد افتتح برلمانه الجديد أمس، وأعلن ملكه العظيم فيما أعلن أن حكومته ستبذل ما تستطيع من جهد لِتُحقِّق للشعب البريطاني في أرضه، ولِتُحقِّق لشعوب الإمبراطورية أعظمَ حظٍّ ممكن من هذا العدل الاجتماعي الذي يقوم على النظام الاشتراكي الذي تؤمن به حكومة العمال، والذي أراد الشعب البريطاني أن يجرِّبه وأن يذوق ثمراته.

    والمصريون يرون ذلك ويقرءونه ويسمعونه، ويرون أن الشعوب الأوروبية الأخرى — سواء منها المنتصرة والمحررة والمغلوبة — تذهب كلها هذا المذهب، فتطمح إلى الحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وتحرص على العدل الاجتماعي، وتُضحِّي بكل شيء في سبيل هذا العدل وفي سبيل تلك الحرية. ففرنسا تسرع إلى اليسار، وليست إيطاليا وبلجيكا واليونان ويوجوسلافيا بأقل منها إسراعًا إلى اليسار. فأمَّا البلاد البلقانية الأخرى فقد اندفعت إلى اليسار اندفاعًا، ومن يدري أتقنع بالاشتراكية أم تياسر إلى أبعد منها؟

    وليس المهم أن يُسمَّى النظام ديمقراطية أو اشتراكية أو شيوعية، وإنما المهم أن يحقق النظام للشعب حرية سياسية صحيحة في الداخل والخارج، وعدلًا اجتماعيًّا صحيحًا يكفل للناس حياة كريمة، ويطهر قلوبهم من الحسد والحقد، ومن العداوة والبغضاء.

    إلى هذه المُثُل العليا يتجه العالم كله، وهو لا يتجه إليها بالقول وحده، وإنما يتجه إليها بالقول والعمل، ويخطو إليها خطوات حاسمة حازمة واسعة، لا تحتمل إبطاءً ولا تلكؤًا ولا ريثًا.

    والمصريون يرون هذا كله ويعلمونه كما يعلمون أخص ما يتصل بها من الشئون، فإذا سألتهم عن الديمقراطية المنتصرة ما هي؛ أجابوك على هذا السؤال في غير تردد ولا اختلاف، ولكنك حين تسألهم عن المقدار الذي يستمتعون به من هذه الديمقراطية المنتصرة؛ رأيت منهم الحزين المطرق واليائس والضاحك من اليأس، والذي يسمع منك السؤال ثم يعرض عنك؛ لأنه لا يريد أن يضيع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد.

    ذلك لأنهم يعلمون جميعًا أنهم جاهدوا مع المجاهدين لتنتصر هذه الديمقراطية، وشاركوا فيما تكلفت الشعوب من عناء، وفيما احتملت من آلام وفيما قدمت من تضحيات، وكانوا يظنون أنهم سيشاركون فيما سينتهي الجهاد إليه من نصر، وفيما سيؤتي من ثمرات، ولكنهم نظروا فإذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل بالقياس إليهم. فالديمقراطية بمعناها السياسي التقليدي القديم — وهي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه — لم تُتَح لهم، وإنما رُدَّتْ عنهم أو رُدُّوا عنها.

    فليس من الحق أنهم ينعمون بالحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وآية ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقضوا وحدهم في كثير من شئونهم التي تمس السياسة والاقتصاد، وآية ذلك أنهم لا يستمتعون حتى بحريتهم الشخصية؛ فهم لا يكتبون كما يريدون أن يكتبوا، ولا يخطبون كما يحبون أن يخطبوا، ولا يجتمعون إذا أرادوا أن يجتمعوا، تمنعهم من ذلك كله الأحكام العرفية التي تتراءى لهم، قريبة منهم بعيدة عنهم، منغصة لحياتهم على كل حال، ويمنعهم من ذلك حكم لم يختاروه ولم يحبوه، يرفق بهم وإن لم يحبوا هذا الرفق، ويعطف عليهم هذا العطف.

    والناس يُدفَعون — رغم أنوفهم — للخير، ويُكرَهون على الرقي وعلى صلاح الحكم إكراهًا، وصلاح الحكم هذا معنى يختلف فيه الناس اختلافًا شديدًا، يقدره الأجنبي على غير ما يقدره الوطني، وتقدره القلة على غير ما تقدره الكثرة، والشيء المحقق هو أن ألسنة المصريين معقودة، وأقلامهم معقولة، وحقوقهم في الحرية السياسية محدودة بإرادة الحاكم العسكري العام، وبإرادة المسئولين عن شئون الحكم. أولئك الذين يرضون فتُيسَّر الأمور ويغضبون فتعسر الأمور. فكيف تريد المصريين على أن يعتقدوا أن لهم نصيبًا قليلًا أو كثيرًا من هذه الديمقراطية المنتصرة، وهم قد حُرِموا أيسر معانيها وأهون مظاهرها؟!

    فإذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزُّوا رءوسهم، وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك، وفي بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث أعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

    ذلك لأنهم ينظرون، فيرون امتيازًا آثمًا وحرمانًا آثمًا أيضًا، يرون قومًا ينفقون بغير حساب حتى يتبعهم الإنفاق، ولا يبلغون بعد ذلك لا أقول رءوس أموالهم، بل أقول أيسر ما تغل عليهم رءوس أموالهم، ويرون قومًا يجمعون الألوف إلى الألوف، والمئات إلى المئات، والقصور إلى القصور، والضِّياع إلى الضِّياع، ويبخلون مع ذلك حتى يعذبهم البخل عذابًا شديدًا.

    ويرون قومًا آخرين يجدون ويجهدون ويكدون ويكدحون، ثم ينظرون، فإذا هم وعيالهم لا يظفرون من ثمرات هذا الجد والجهد، وهذا الكد والكدح بما يقيم الأود ويكسو الجسم ويقيه شر العاديات.

    ويرون قومًا قد أصبحوا صائمين، وهم لا يدرون أيَصِلون صوم الليل بصوم النهار أم يجدون ما يقطعون به هذا الصوم؟

    يرون قومًا قد يُسِّر لهم كل شيء حتى كأن الدنيا قد خُلِقت لهم، ويرون قومًا قد عسر عليهم كل شيء حتى كأنهم خُلِقوا ليكونوا وقودًا لهذه النار المضطرمة التي تُسمَّى البؤس والحرمان.

    فأي غرابة في أن يرفع المصريون أكتافهم، ويهزوا رءوسهم، ويشيحوا بوجوههم إن سألتهم عن نصيبهم في الديمقراطية المنتصرة؟!

    كلا؛ ليس للمصريين من الديمقراطية المنتصرة نصيب قليل ولا كثير، إنما انتصرت الديمقراطية لغيرهم ولم تنتصر بالقياس إليهم، قد يذوقون ثمرة هذا النصر في يوم من الأيام، وسبيلهم إلى ذلك — فيما أظن — أن يترقبوا ليلة القدر؛ فإنها تأتي في رمضان من كل عام، وأن يضرعوا إلى الله في ليالي رمضان كلها مخلصين أن يتيح لهم نصيبًا من الديمقراطية المنتصرة.

    وأنا أوصيهم مخلصًا أن يبتهلوا بهذا الدعاء في ليالي رمضان كلها، لا يستثنون منها ليلة؛ فإنهم لا يدرون أيها ستكون ليلة القدر.

  • هل أزفت ساعة الوداع؟ | Has the Hour of Farewell Arrived?

    هل أزفت ساعة الوداع؟

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٤ أغسطس ١٩٤٥

    يُقال إن مجلس الوزراء قد نظر في إلغاء الأحكام العرفية أثناء اجتماعه الأخير، ويقال إنه لم يكتفِ بالتحدث في ذلك، وإنما أخذ يمهد له تمهيدًا عمليًّا لا أعرف كيف يكون، ولكن يظهر أن الحكومة المصرية تنتظر أن يصل إليها نبأ الاستسلام الياباني بغير شرط ولا قيد؛ لتعلن إلغاء الأحكام العرفية.

    وهذا شيء حسن من غير شك، فستُرَدُّ مصر إذن إلى حياتها الطبيعية التي لا تخضع للحكم العسكري، والتي لا تُحَدُّ فيها حريات الأفراد والجماعات إلا بالحدود التي رسمها القانون العام.

    وقد ذاقت مصر مرارة الأحكام العرفية وحلاوتها منذ ١٩٣٩. فمن الطبيعي أن تسأم مصر هذه المرارة وهذه الحلاوة، وأن تطمح إلى حياتها الأولى التي لا تبلو فيها إلا صرامة القانون، والتي لا يخشى الأفراد فيها على حريتهم ما يكون من تقدير الحاكم العسكري العام أو الحاكم العسكري الخاص، وما يتأثر به تقدير الحاكم العسكري من اختلاف الأمزجة بين حكامنا العسكريين، ومن اختلافهم في التأثر بالأشياء، وفي فهمهم لها وحكمهم عليها، واستخلاصهم لما يستخلصون من النتائج.

    وقد يكون من الغريب أن يُقال إن مصر قد ذاقت حلاوة الأحكام العرفية؛ فالمستقر في نفوس الناس أن الأحكام العرفية شر لا بد منه، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الشر مُرٌّ كله، وأنه يخلو من بعض الخير؟!

    ومن الخير الذي قد يشتاق إليه الذين يشكون من الأحكام العرفية الآن، ويتمنون أن تُزال وتُلغى، هذه الرقابة السعيدة التي نَعِم المصريون بها أعوامًا، والتي أتاحت لهم أن يعيشوا عيشة راضية مريحة لا جهد فيها ولا عناء، لا يعلمون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يعلموا، ولا يجهلون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يجهلوا.

    قد بُسِطَ عليهم ظل ملؤه العطف والحب والرحمة والحنان، يحميهم من تهويل الشركات التي تنشر أنباء السوء في أوقات الخطر فتملأ النفوس جزعًا وهلعًا، والتي تنشر الأنباء المترددة بين الخير والشر فتملأ النفوس قلقًا وفرقًا، وتحميهم من هذا الراديو الذي يذيع ما يذيع، ويشيع ما يشيع، فيسر قليلًا ويسوء كثيرًا ويقلق دائمًا، وتحميهم من هؤلاء الصحفيين الذين يندسون هنا وهناك، يضعون أصابعهم في آذانهم ولكنهم يسمعون؛ كأن الطبيعة قد ركَّبت لهم آذانًا سرية لا تُرى ولكنها تسجل كل شيء! ثم يعودون بأخبارهم هذه المقلقة المخيفة أو المثيرة للخواطر كما يقول أصحاب القانون؛ فينشرونها في صحفهم، وإذا النفوس قلقة، وإذا القلوب مضطربة، وإذا الحياة جحيم أو شيء يشبه الجحيم.

    في ظل هذه الرقابة السعيدة كانت مصر ناعمة سعيدة راضية البال، تصبح راضية وتمسي راضية، وتجهل ما تجري به الأقدار من الأحداث والكوارث، وكان الناس فارغين لأعمالهم، مشغولين بذوات أنفسهم، يعكفون على منافعهم مصبحين، ويفكرون في منافعهم ممسين، قد تركوا عواقب الأمور وضمائر الأيام للحكومة التي تستأثر بها، وتحتجزها احتجازًا، وتظهر للناس منها ما تريد، وتخفي على الناس منها ما تريد.

    ثم كانت مصر سعيدة راضية تجهل حقائق الأشياء، فيُتاح لخيالها أن يخترع من الحوادث والخطوب ما يُغْنِي عن تلك الحقائق التي تجهلها. وأي شيء ألذ من أن يفوتك الحق فتكلف الخيال أن يخترع مكانه شيئًا تنكره أول الأمر، ولكنك ما تزال تفكر فيه حتى تطمئن إليه؟! وإذا أنت تصدقه وتراه حقًّا، ثم تذيعه وتقنع الناس بأنه الحق، وإذا أنت تعيش، وإذا الناس يعيشون من حولك عيشة ملؤها الوهم وقوامها الاختراع، عيشة تأتلف من الأحلام كما تأتلف من الأحلام عيشة الأطفال السعداء.

    كل هذا كان من الآثار السعيدة التي كانت الرقابة تمن بها علينا، والتي انكشف عنها بعضها منذ وقف مجلس الوزراء هذه الرقابة في يونيو الماضي، فابتأسنا أشد الابتئاس وشقينا أعظم الشقاء. عبثت بنا أنباء الشركات البرقية، ولعبت بعقولنا مهارة الصحفيين، وظهرت لنا الحقائق بغيضة بشعة لا تؤدي إلى القلب راحة، ولا إلى النفس أمنًا، وإنما هي تخيف حينًا وتتعب حينًا آخر، ولا تسر بحال من الأحوال.

    في أيام الرقابة السعيدة، كان الوزراء يخطئون ويصيبون، وكانوا يسيئون ويحسنون، وكانوا يظلمون ويعدلون، ولكن الرقابة كانت تخفي علينا خطأ الوزراء وتظهر لنا صوابهم، وكانت تطوي عنَّا إساءة الوزراء وتنشر لنا إحسانهم، وكانت تلقي بيننا وبين ظلم الوزراء أستارًا كثافًا، وتنشر بيننا وبين عدل الوزراء أنوارًا وهَّاجة رائعة؛ فكنَّا مطمئنين ناعمين واثقين بأن أمورنا تجري على خير ما يمكن أن تجري عليه أمور الناس: صواب دائم، وإحسان متصل، وعدل شامل كامل.

    فلما وقفت الرقابة رأينا وزراءنا وأعوانهم كما يرى الناس بعضهم بعضًا، فرأينا الخطأ الذي كان يُخفى علينا، ورأينا التورط في الإساءة حينًا والتجاوز عن العدل حينًا آخر؛ فضقنا وأنكرنا، وغضب الوزراء لضيقنا وإنكارنا، وساءت الصلات بيننا وبين حكامنا، وكانت خليقة ألا تسوء لو لم يعلن رئيس الوزراء في يوم من الأيام أمام البرلمانيين أنه قد قرر وقف الرقابة إلا فيما يتصل بالشئون العسكرية.

    هذا العنف الذي شبَّتْ ناره بين الحكومة والصحف المعارضة كان بعيدًا عنَّا أشد البعد، وكانت نفوسنا بريئة منه كل البراءة؛ حتى إذا خطر هذا الخاطر الغريب لمجلس الوزراء رُدَّت نفوسنا إلى عنفها، وإذا الصحفيون يبحثون وينقبون وينشرون، وإذا نحن نقرأ فنغضب كثيرًا ونضحك قليلًا، ونطالب أحيانًا باستقالة هذا الوزير وأحيانًا باستقالة ذاك، ونلح دائما في استقالة الوزارة كلها. وإذا الوزراء مثلنا يغضبون كثيرًا ويضحكون قليلًا، ويتمكنون من مجالسهم على كراسيهم مخافة أن تضطرب بهم هذه الكراسي فيسقط منهم من يسقط، ويُقال منهم من يُقال.

    ثم لم يقف الشر عند هذا الذي ثار بيننا وبين وزرائنا من سوء رأينا فيهم وسوء رأيهم فيهم، وإنما أصاب الشر فريقًا منَّا كان هادئًا مطمئنًا قبل أن تُلغى الرقابة. أصاب الصحفيين أولًا؛ فالوزراء ناس من ناس يستطيعون أن يحلموا عند الغضب، وأن يصفحوا عند الموجدة، ولكنهم ناس من الناس يخرجون عن أطوارهم أحيانًا، ويخطئهم الحلم بين وقت ووقت، ولا يواتيهم الصفح حين يجد الجد، وقد جردهم مجلس الوزراء من سلطان الرقابة، ولكنه لا يستطيع أن يجردهم من حق الشكوى إلى النيابة؛ فهم إذن يشكون والنيابة تنشط، والتحقيق يبدأ اليوم لينتهي أو لا ينتهي، وأبواب السجن تُفتَح للحبس الاحتياطي.

    وصوِّر أنت لنفسك ما ينشأ عن هذا كله من العناء، عناء الصحفيين الذين يرهقهم التحقيق ويؤذيهم السجن، وعناء النيابة التي يرهقها السؤال والجواب والأخذ والرد في أشياء لعلها لا تحب أن تشقى قليلًا أو كثيرًا، وعناء المحامين الذين يشهدون التحقيق إن أُذِنَ لهم بشهوده، ويتحرقون غيظًا إن رُدُّوا عن شهوده، ويقدمون المعارضات من الحبس، ويترافعون أمام القضاة فيطلقون المسجونين أحيانًا، ويعجزون عن ذاك أحيانًا أخرى، وعناء القضاة الذين يُضيِّعون أوقاتهم في قراءة أشياء لعلهم يؤثرون عليها قراءة أشياء أخرى.

    كل هذا؛ لأن رئيس الوزراء تأثر بما كتب له بعض الكُتَّاب، أو قال له بعض الشيوخ فوقف الرقابة، ولو أنه تركها يظلنا بظلها الوارف لأراح واستراح.

    ولكن الشر ليس مقصورًا على هؤلاء؛ فللصحفيين أسر تشقى بشقائهم وتسعد بسعادتهم، وكانت هذه الأسر راضية مطمئنة في ظل الرقابة، فقد أصبحت قلقة وَجِلة، ينصرف عنها عائلها أول النهار فلا تدري أيعود إليها آخر النهار أم لا يعود.

    وهناك طائفة من الموظفين في المصالح والدواوين علَّمتهم الرقابة أن يؤثروا فضيلة الصمت، وأن يكتموا أسرار الحكومة ويضنوا بها على غير أهلها. فلما وقفت الرقابة عادت ألسنتهم إلى الطول، ولعبت بهم مهارة الصحفيين، فصرَّحوا حينًا ولمَّحوا حينًا آخر، واستغل الصحفيون تصريحهم وتلميحهم، ثم اتهمهم الرؤساء فصبُّوا عليهم البلاء، وشقي بذلك الأبرياء من أبنائهم وبناتهم ونسائهم الذين كانوا آمنين مطمئنين، فلما وقف رئيس الوزراء هذه الرقابة السعيدة جعلهم جميعًا نهبًا للقلق والخوف.

    ومن المحقق أن رئيس الوزراء وزملاءه لم يكونوا يفكرون في هذا كله، وإنما كانوا يصدقون أولئك الكتَّاب الذين كانوا يقولون لهم أن الرقابة شر، ويطالبونهم بإلغائها. ولو أنهم فكروا في كل هذه العواقب، وتدبروا كل هذه النتائج؛ لأطالوا التروِّي قبل أن يُقْدِموا على هذه الخطوة الخطيرة، وبلغوا رقابتنا السعيدة.

    وقد تقول إن الرقابة شر هذا لا شك فيه، وإنها شر لا بدَّ منه حين تدعو إليه ضرورات الحرب، وإن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون الناس أحرارًا في نقد الوزراء والرؤساء. فإذا أراد الوزراء والرؤساء أن يتجنبوا النقد ويأمنوا شره، فما عليهم إلا أن يحسنوا الحكم، ويؤثروا العدل، ويتوخوا الإنصاف.

    قد تقول هذا كله، ولكنك تعلم أن هذا كله كلام لا غناء فيه؛ فالديموقراطية الصحيحة خيال لم يتحقَّق بعد في مصر على أقل تقدير، والوزراء الذين يُجنِّبون أنفسهم النقد بإيثار الحكم الصالح والعدل الشامل والإنصاف المتصل أشخاص قد نراهم في الكتب وأحاديث القصاص.

    والواقع أن الوزير لا يكون وزيرًا إلا إذا عرَّض نفسه للنقد بتجاوز هذا الحق أو كثيرًا. وما قيمة السلطان إذا لم يُتِحْ لصاحبه شيئًا من الاستبداد؟! والعاجز من لا يستبد، كما قال ابن أبي ربيعة!

    فليس على الوزراء بأس من أن يستبدوا، وليس على الصحفيين بأس من أن ينقدوا، وليس على النيابة بأس من أن تحقق، ولا على السجون بأس من أن تتلقى الكُتَّاب!

    ولا بد مما ليس منه بد. فقد جرت حياتنا على هذا النحو، فأما أن نقبل الأشياء كما أراد الله أن تكون، وإما أن نرغب إلى رئيس الوزراء مُلِحِّين عليه في أن يتفضل فيطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الرقابة ليريح ويستريح، فمصر قد ألفت الرقابة واطمأنت إليها، وهي كالمتنبي لا تسلو إذا ألفت وتسأم إذا أحبت، وكان المتنبي يزعم أنه ألوف لورد إلى الصبا آسف على الشيب. فنحن كالمتنبي، نُرَدُّ الحرية فنأسف على الرقابة! فليمسك علينا رئيس الوزراء رقابته فإنها أضمن للأمن وأكفل للعافية.

    وقد أعلن رئيس الوزراء أنه أباح الاجتماعات، والحمد لله على أنه قد أباحها في القول ولم يُبِحْها في العمل، الحمد لله على أن منع رئيس الوفد من السفر إلى بورسعيد فجنَّب جيوش الحلفاء خطرًا عظيمًا، وجنَّب مصر غضب الدول الثلاث الكبرى التي تحارب اليابان حربًا لا هوادة فيها، وجنَّب رئيس الوفد نفسه احتمال هذه التبعة الخطيرة، ثم جنَّب كثيرًا من المصريين تحقيق النيابة، والحبس الاحتياطي … إلى آخر هذه القصص التي لا تنتهي.

    ويُقال لنا اليوم إن مجلس الوزراء يُمهِّد لإلغاء الأحكام العرفية، ولإلغاء الأحكام العرفية كلها. هل يُقدِّر المصريون معنى هذه الجملة؟! هل يعلم المصريون أن إلغاء الأحكام العرفية كلها إلغاءً تامًّا صحيحًا سيرفع عن رئيس الوزراء صفة الحاكم العسكري، وسيحظر عليه إعادة الرقابة إن أراد أن يعيدها رحمةً لنا وبرًّا بنا وعطفًا علينا، وسيحرمه القدرة على منع رئيس الوفد من التنقل والزيارات وإلقاء الخطب والاستماع لها؟! هل يُقدِّر المصريون أننا مُعرَّضون لهذا الخطر الهائل، وأننا سنصبح أحرارًا نقول ما نشاء ونفعل ما نشاء، لا نتعرض إلا لأحكام القانون العام؟! ألا يشفق المصريون من هذا الخطر؟! أيجدون من أنفسهم الشجاعة في مواجهته؟!

    أمَّا أنا، فمشفق منه أشد الإشفاق، خائف منه أشد الخوف، ولو علمت أن رئيس الوزراء يقبل مني النصح لطلبت إليه ألا يتعجل في إلغاء الأحكام العرفية، كما أنه لم يتعجل في طلب الحقوق المصرية إلى الإنجليز، وأن يرى أن مصر تستطيع أن تصبر على انتقاص استقلالها الخارجي والداخلي حتى تسنح الفرصة؛ فمصر تستطيع أن تصبر على انتقاص حريتها، وبقاء الأحكام العرفية حتى تسنح الفرصة!

    وأؤكد لرئيس الوزراء أن المصريين لا يُطاقون حين ترد إليهم الحرية! فسيقولون ويكثرون القول، وسيصيحون ويكثرون الصياح، وسيجتمعون فيسرفون في الاجتماع، وسينتشر أعضاء الوفد في أقطار الأرض، هذا يخطب في الشرق، وهذا يخطب في الغرب، وكلهم يدعو إلى استفتاء الشعب ورد الحكم إلى الأغلبية الصحيحة، وكلهم يدعو إلى المطالبة بالاستقلال الكامل الشامل. فما نحن وهذا العناء؟! ولِمَ لا نغلق هذا الباب الذي إن فُتِحَ لم نَدْرِ من الذي يدخله، ومن الذي يخرج منه.

    عليَّ أن أجد في نفسي شيئًا من العزاء إن صمم رئيس الوزراء على إلغاء الأحكام العرفية؛ فلم تكن الأحكام العرفية قائمة حين وقف الدستور ثلاثة أعوام قابلة للتجديد، ولم تكن قائمة حين أُلْغِيَ الدستور ووُضِعَ مكانه دستور آخر، ولم تكن قائمة في عهود الانقلاب على اختلافها. ومع ذلك، عرفت الوزارات في تلك العهود كيف تعقل الألسنة، وتفلُّ الأقلام، وترسل الناس إلى السجون، وتمنع الخصوم من النشاط؛ فإذا لم يجد رئيس الوزراء بُدًّا من إلغاء الأحكام العرفية، فلا أقل من أن ينظر في تاريخنا القريب جدًّا، ولا أقل من أن يتأسَّى بالذين ساسوا مصر سياسة حزم وعزم، وضربوا على أيدي الذين يريدون أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. وصدقي باشا حيٌّ موفور الصحة والحمد لله، وهو يستطيع أن يسدي النصح، ويهدي المشورة القيمة.

    فأما إذا أبى رئيس الوزراء إلا إلغاء الأحكام العرفية، وإلا الإعراض عن سيرة صدقي باشا وأمثاله من أولي العزم والحزم، فإني لا أحتمل تبعة ما ستتعرض له الوزارة، وما سنتعرض نحن له من الأمور الجسام.

    فليختر رئيس الوزراء بين أمرين لا ثالث لهما: الحزم والعزم والقوة والبأس من جهة، أو الاختلاف والخصومة ثم الاستقالة، وما يكون بعدها من الخطوب.

    أما بعد، فإني أؤثر في غير مزاح هذه المرة أن تبقى الأحكام العرفية على ما فيها من شدة وحرج، على أن تُلغى الأحكام العرفية من القول، وتبقى في العمل. فإذا كان النقراشي باشا يريد أن يلغي الأحكام العرفية حقًّا، وليس له من ذلك بد، فليُعْطِ على نفسه عهدًا أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه بأنه لن يُغيِّر في أحكام الدستور، ولن يُكلِّف القوانين ما لا تطيق، ولن يسير في الحكم سيرة قوم يعرفهم حق المعرفة؛ لأنه ذاق من بأسهم وبطشهم ما لا نحب أن يذيقنا مثله حين صار الأمر إليه.

  • أجد أم مزاح | Earnest or Jest

    أجد أم مزاح
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
    كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
    وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
    فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
    إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.