رخص الحياة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٣ نوفمبر ١٩٥٤
لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.
كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.
فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.
وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.
كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.
ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»
يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:
غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح
فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح
ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح
ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح
ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح
فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح
مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح
فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.
وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»
وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.
وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.
تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.
وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.
وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.
وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.
وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.
ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.
فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.
ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.
كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.
كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.
واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.
ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟
يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.
هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.
جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.
وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.
لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.
والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.
بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
Tag: الأخلاق الإسلامية
-
رخص الحياة … | The Cheapening of Life…
-
ثقل الغنى | The Weight of Wealth
ثقل الغنى
طه حسين
النداء
١١ نوفمبر ١٩٤٧
كان عبد الرَّحمن بن عوف — رحمه الله — كثير المال، عريض الثراء في جاهليته، وقد أسْرَع إلى الإسلام حين ظهرت الدَّعوةُ إليه فيمن أسرع إليه من السابقين الأولين، لم يُبْطِرْهُ الغِنَى ولم يصرف الثراءُ قلبَه عن الخير، ولم يخفْ كما خاف الأغنياء المُترفون من قريش ما كان الإسلام يدعو إليه من التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الأحرار والعبيد.
وإنما شرح الله صدره للإسلام؛ فأقبَلَ عليه مَشْغُوفًا به، مُضَحِّيًا في سبيله بما جمع من مال، وما ضخَّم من ثروة، وما اكتسب من سؤدد، مُستعدًّا لمُشاركة أصحابه في التعرض للأذى واحتمال المَكْرُوه، ولم يتردد — كما لم يتردد غيره من أصحابه — حين اشتدت المِحْنَةُ، وثقلت الفِتْنَةُ، وعَظُم البَلاءُ في أنْ يَفِرَّ بدينه إلى حيث يأمن على رأيه وعقيدته وعبادته لرَبِّه، تاركًا وراءه ماله الكثير، وثراءه العريض، ومكانه الرَّفيع، وقومًا من أهله وذوي قرابته كان يحبهم أشد الحب، ويعطف عليهم أرق العطف، ويمنحهم صفو ما كان يفيض به قلبه من الرِّفق والبِرِّ والحَنَانِ، فهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشة الهجرتين جميعًا، ثم هاجر إلى المدينة حين اتخذها النبي ﷺ للإسلام دارًا، فانتهى إليها وهو لا يملك إلا قلبه الذكي، وضميره النقي، وأنفه الحمي، وإيمانه الذي ملأ نفسه ثقة ويقينًا.
وقد آخي النبي ﷺ بينه وبين رجل من أغنياء الأنصار، هو سعد بن الربيع الخزرجي — رحمه الله — فقال له سعد: انظر إلى مالي فخذ نصفه، ولي زوجتان أُطلِّق لك أيتهما أعجب إليك؛ فتتخذها لنَفْسِك زَوجًا! قال عبد الرحمن: بارك الله لك، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم. فلما أصبح ذهب إلى السوق فأنْفَقَ فيه وجه النَّهار، ثم عاد وقد باع واشترى واكتسب ما يُقيم به الأود، ثم أقبل بعد حين على مجلس النبي ﷺ وقد لبس الجديد، واتخذ من الزِّينة ما كان يُباح للمسلمين في ذلك الوقت.
فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك، أنبأه بأنَّه قد اتخذ لنفسه زوجًا من نساء المدينة، وبأنَّه قد أمهر زوجه وزنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أنْ يُولِمَ لأَصحابه، ففعل.
ولم تمض أعوام حتى كان عبد الرحمن بن عوف من أغنياء المدينة، قد اكتسب ثروة مكان ثروة، وكثر مالًا مكان مال، واستطاع أن يتزوج فيمهر امرأته ثلاثين ألفًا، وكانَ يقولُ: لقد رأيتني وما أرفع حَجرًا إلا ظننت أنِّي سأجدُ تحته ذهبًا أو فضة!
كان عبد الرحمن إذن من كبار الأغنياء قبلَ أنْ تُفْتَح مكة، فلمَّا تم فتح مكة ضَمَّ إلى ثرائه الجديد ثراءَه التليد، ثم استثمر هذا كله كأحسن ما يُستثمَر المال، وكأحسن ما كانت قريش تستثمر المال، حتى أصبح ذات يوم وإنه لمن أغنياء العرب كافة، ولعله أن يكون أغناهم كافة لا يُستثنى منهم إلا عُثمان بن عفان — رحمه الله.
ورُبَّما كان من المُمكن أن يُقال: إن عبد الرحمن بن عوف كان أغنى من بيت مال المسلمين أيام النبي ﷺ، فلم يكن بيت المال في ذلك الوقت يدخر شيئًا، ولم تكن تُجْبَى إليه الضرائب، ولم يكن يحمل إليه فيء ذو خطر، وإنما كانت تُصَابُ الغنائم اليسيرة في الغزوات فتُقَسَّم بين الغُزَاة، ويُحفظ خُمسها للمَرَافق العامة ولوجُوه الإحسانِ والبِرِّ.
وكانت الصدقات تُؤخذ من الأغنياء فتقسم بين الفقراء، ولا يَصِل منها إلى المدينة إلا أقلها، فإذا وصَل حُبِس على المصارف التي بيَّنها الله في القرآن الكريم، فكانَ بيتُ المال فقيرًا. وليس أدَلَّ على فقر بيت المال من إلحاح النبي ﷺ على الأغنياء من الناس في أن يُعينوه على بعض غزواته بأموالهم: يخرجون له عن بعض فضولها، أو ينزلون له عن بعض أصولها.
ولم يكن النبي ﷺ يكره شيئًا كما كان يكره اجتماع المال، ولم يكن يشفق على نفسه وعلى أصحابه من شيء كما كان يُشفق على نفسه وعلى أصحابه من اجتماع المال، وتضخم الثراء، فنَظَر ذاتَ يومٍ إلى عبد الرحمن، وقال له: يا ابن عوف، إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زَحفًا، فأقرِضِ اللهَ يُطلِق لك قدميك، قال عبد الرحمن بن عوف: وما الذي أُقرضُ اللهَ يا رسول الله؟ قال: تبدأ بما أمسيت فيه، قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم! فخرج ابن عوف وهو يَهمُّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ جبريل قال: «مُر ابن عوف فليُضف الضيفَ، وليُطْعِم المِسكين، وليُعط السائل، ويبدأ بمن يعول؛ فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه.»
وأحب قبل كل شيء أن يقفَ القارئ معي عند ما في هذا الحديث من سذاجة رائعة، أو روعة ساذجة في لفظه ومعناه، وفي قصته كلها، فرَسُول الله يُشفق على عبد الرحمن من غناه الواسع، وماله الكثير، ويُصور هذه الثروة ثقيلة، مُبهظة، يحملها صاحبها على كاهِلِه فتمنعه من السعي، وتعسر عليه الحركة حتى كأنه مُقيد لا يستطيع أن يمشي إلى الجنة مع الساعين، أو يعدو إليها مع العادِينَ، وهو لا يشير عليه بأن يتخفف من هذا الثقل يلقيه عن كاهله إلقاء، وإنما يُشير عليه بأن يثمر هذا المال ولا يُضيِّعه، وذلك بأن يقرض الله قرضًا حسنًا، فلا يضيع عليه ماله وإنما يزيد عليه يوم القيامة أضعافًا مُضاعفة.
وعبد الرحمن يسأل عما ينبغي أن يُقرض الله من ماله، فيُقال له: ابدأ بما أمسيت فيه؛ أي قم فتَصَدَّق بكل ما اجتمع لك من مال حين استقبلتَ المَساء، واعلم أنك حين تفعل ذلك لا تزيد على أن تبتدئ، وأنك ستُمْتَحن فيما سيجتمع لك من المال في مُستقبل أيامِكَ بمِثل ما امتُحنت به فيما اجتمع لك من المال في أيامك الماضية.
وقد ثقل الامتحان على عبد الرحمن بعض الثقل، فهو يسألُ النبي ﷺ: أبِكُلِّ ما اجتمع لي من المال؟ فيُجيبُه النبي ﷺ: نعم! وينهض عبد الرحمن مُصَمِّمًا على أن يُمضي أمر الله ورسوله في هذا المال الذي يَجْبِيهُ، والذي أنفق في جمعه وتثميره ما أنفق من الجهد والوقت، واحتمل في تثميره ما احتمل من المشقة والعناء، ولا بأس عليه من أن يحب المال، وإنما البَأسُ كُل البأسِ، والجناح كل الجناح، أن يمنعه حب المال من أن ينفقه ليبرَّ به اليتامى والمساكين وذوي القربى وأبناء السبيل.
أليْسَ الله قد بيَّن البرَّ للمُسلمين بأنَّه ليس التوجه إلى الشرق أو الغرب، وإنَّما هو الإيمانُ بالله، وإيتاء المال على حُبِّه للذين يَحْتَاجون إليه؟
ينهض عبد الرحمن إذن مُصممًا على أن يُمضي في ماله أمر الله ورسوله، ولكن النبي ﷺ يُرسل إليه أنَّ الله ورَسُوله يَرْفُقان به بعد أنْ امتحناه ومحَّصاه، فيأمرانه بأنْ يُضيف الضيف، ويُطعم المسكين، ويُعطي السائل، ويبدأ بأهله وعياله؛ فإن فعل فقد زكَّى نفسه تزكية، وطهَّر ماله تطهيرًا.
حزم في الامتحانِ حتى تستبين العَزيمة الصَّادقة المَاضِية على الإذعان مَهْمَا يكُن شَاقًّا، وعلى التَّضحية مَهْمَا تكن عزيزة، وعلى الجهد مهما يكن ثقيلًا، فإذا استبانت العزيمة الجازمة، وظهرت النية الصادقة؛ فالله ورسولُه ما يحتملون من الثقل.
وقد اختار الله نبيه لجواره، وانقطع خبر السماء، وحُرِمَ المسلمون هذا الوحي الذي كان يُصاحبهم ويُواسيهم، وأصبَحَ النَّاسُ ذاتَ يومٍ وإذا رجة عنيفة تتجاوب أصداؤها أرجاء المدينة كلها، وتسأل عائشة أم المؤمنين — رحمها الله — عن هذه الرجة، فيُقال لها: هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدِمَت … فتقول عائشة: أمَا إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط يميلُ به مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت ولم يكد!
ويبلغ حديث عائشة عبد الرَّحمن، وكانت هذه العيرُ خمسمائة راحلة تحملُ نفائس العَرَض من الشام، فإذا سمع هذا الحديث قال: هي وما تحملُه صدقة! لم يكتف ببعض ما كانت تحمل، ولم يكتف بكل ما كانت تحمل، ولم يكتف بها دون ما كانت تحمل، وإنما تصَدَّق بها وبأحمَالِها. ولو قد امتدت الحياة برسول الله ﷺ واتصل نزول الوحي وتنزل أخبار السماء إلى الأرض؛ لكان من المُمكن أن يقبل النبي ﷺ من عبد الرحمن التصدق ببعض تجارته، والإبقاء على بعضها الآخر، ولكن عائشَةَ لم تزدْ على أن رَوت ما سمعتْ من رسول الله ﷺ، وأشفق عبد الرحمن من أن يميلَ به الصراط مرة ويستقيم به أخرى حتى يبلغ الجنة بعد جهد.
وحرص عبد الرحمن على أن يستقيم له الصراط، فلا يكون فيه ميل ولا اضطراب حتى يبلغ الجنة في غير تعثر ولا جهد ولا عناء.
وكان عبد الرحمن — رحمه الله — من أكثر المسلمين تَصدُّقًا، ومِنْ أسخاهم بمَالِهِ، ومِنْ أوْصَلهم للرحم، ومن أبرهم بالناس. أنفق حياته كلها مُستثمرًا لماله مُتصدقًا به، وكان تصدقه لا ينقص من ماله، وإنما يزيد فيه ويُضاعفه أضعافًا وأضعافًا كأنَّما قضى اللهُ ألا يجزيه عن صدقته في الآخرة وحدها، وألا يُضاعف له قرضه في الجنة وحدها، وإنَّما يكفل له ثواب الدنيا والآخرة جميعًا.
هذا حديث قديم، ولكن الأيام التي نعيش فيها تجعله جديدًا كل الجدة، وأنا أسوقه إلى الذين أُتيح لهم من الغنى والثراء مثل ما أتيح لعبد الرحمن، أو أكثر مما أتيح لعبد الرحمن، وأحبُّ أن يستقرَّ في قلوبهم أنَّ الثراء إنْ ثقل على عبد الرحمن مع أنَّه كان من السابقين الأولين، ومع أنَّه جاهد بنفسه وماله مع رسول الله ﷺ، ومع أنه لم يُنفق يومًا من أيامه إلا تصدق فيه بالكثير.
أحِبُّ أن يستقر في قلوبهم أن الثراء إن ثقل على عبد الرحمن، مع أنَّ النبي ﷺ قد ضَمِنَ له الجَنَّة في نفر من السابقين الأولين، فهو عليهم أثقل؛ لأنهم لم يسبقوا إلى الإسلام، ولم يُجَاهِدُوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يضمن النبي ﷺ لهم شيئًا، إلا إنهم إنْ أحسنوا طاعة الله في أنفسهم وأموالهم لم يضع عليهم مما قدموا شيئًا.
وإذا خاف النبي على عبد الرحمن ألا يبلغ الجنَّة إلا زحفًا، وألا يَعْبُر الصراط إلا بعد جهد؛ فنحنُ أجدر أن نخاف على أغنيائنا ألا يبلغوا الجنة زاحفين أو غير زاحفين، وألا يعبروا الصراط جاهدين أو غير جاهدين.
فلينظر أغنياؤنا إلى ما حولهم من بؤس وشقاء ووباء وموت، وليفكروا في أنَّ أموالهم عارِيةٌ مَرْدُودة، وفي أنَّ الذين يُقْرِضُون الله قرضًا حسنًا يُضاعف لهم قرْضُهم يوم القِيَامَة، وفي أنَّ الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قد بُشروا بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وظهورهم وجنوبهم، ويُقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم؛ فذوقوا ما كنتم تكنزون! -
عيسويات٣ | Issa-isms 3
حديث الوادي
عيسويات
تعذيب
ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.
ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».
نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.
وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.
تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟
أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…
طه حسين
الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤