أدبنا العربي أدب عالمي … من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
طه حسين
مجلة الهلال
مارس ١٩٥٧
عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.
ما هو الأدب العالمي؟
أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟
أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.
فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.
ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.
الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.
فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟
وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.
الأدب العربي القديم عالمي
فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.
هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.
وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.
وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.
فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.
وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.
وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.
لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.
وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.
أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.
وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.
وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.
تفوق اللغة العربية
أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.
فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.
ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.
والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.
وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.
أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.
وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.
ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.
الغرب مدين للثقافة العربية
ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.
كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.
مزاعم وأخطاء
بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.
يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.
واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.
والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.
والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.
الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.
والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.
وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.
أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …
أدبنا الحديث أدب عالمي
أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟
من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.
هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.
أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.
وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.
يجب أن نكون عربًا
وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.
هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.
يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.
برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …
أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …
مقاومة الغرب لنا
إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.
وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.
وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.
يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.
Tag: الأدب العربي الحديث
-
أدبنا العربي أدب عالمي … | Our Arabic Literature Is World Literature…
-
الأدب العربي والتمثيل | Arabic Literature and the Theatre
الأدب العربي والتمثيل
طه حسين
مجلة المصور
١ يونيو ١٩٣٤
وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟
فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.
وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.
وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.
وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.
ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.
نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.
ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟
والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون. -
إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره | The Revival of Arabic Literature — Its Necessity and Some of Its Forms
إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
طه حسين
مجلة الهلال
فبراير ١٩٣٤
في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.
ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.
كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»
فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.
وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.
ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.
فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.
وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.
ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.
وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.
والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.
فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.
وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.
هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟! -
نهضتنا الأدبية وما ينقصها | Our Literary Renaissance and What It Lacks
نهضتنا الأدبية وما ينقصها
طه حسين
مجلة الهلال
نوفمبر ١٩٣٣
لست أخاف على نهضتنا الأدبية شيئًا كما أخاف عليها الغلو في إكبارها، والإعجاب بها، والاطمئنان إليها، ولعلي من أجل هذا الخوف أكره التفكير فيها، والوقوف عندها، وتناولها بشيء من الدرس والتحليل، فهي نهضة قوية من غير شك، لها من الخصب حظٌّ عظيم، تناولت آدابنا القديمة فأحيتها، ثم لم تقف عند هذا الإحياء بل أضافت إلى تلك الآداب القديمة آدابًا حديثة لم يعرفها القدماء، ولم يفكروا فيها، وهي ماضية في إحياء الأدب القديم، وإنشاء الأدب الحديث، يُصيبها الفتور من حين إلى حين، ويدركها الضعف من وقت إلى وقت، ولكنَّها لا تلبث أن تخلص من هذا الفتور، وتبرأ من هذا الضعف، وتمضي في طريقها نشطة قوية لا تلوي على شيء، وهي من هذه الجهة خليقة بالإكبار والإعجاب حقًّا.
فليست قصيرة هذه الطريق التي قطعناها منذ أواسط القرن الماضي، وليس قليلًا هذا الجهد الذي بذلناه منذ أول هذا القرن، وليس يسيرًا هذا التوفيق الذي ظفرنا به منذ وضعت الحرب الأخيرة أوزارها. وليس من شك في أنَّ هذا كله خليق أن يُثير فينا شيئًا من الرضى يوشك أن يبلغ التيه، وأن يدفعنا كارهين إلى أن نلقي على المرآة نظرة لا تخلو من حب للنفس وثقة بها.
ولكني على ذلك — أو قل لذلك — أكره هذه النظرة؛ لأنِّي أخاف أن تفتننا، وتستهوينا، وتضطرنا إلى حب المرآة، وإطالة النظر فيها، والانصراف إلى هذه الصورة التي تعكسها لنا عن الطريق البعيدة التي لا بد من أن نمضي فيها حتى نصل إلى غايتها إن كانت، وما أظن أنَّ لها غاية تنتهي إليها. ومن ذا الذي يستطيع أن يحد الطريق التي يسلكها الطامحون إلى مُثلهم العليا؟ ثُمَّ إنِّي لست واثقًا بأنَّ الصورة التي ستعكسها لنا المرآة — إنْ نظرنا فيها — جميلة كل الجمال، محببة إلى النفوس من جميع نواحيها، ولعلي واثق بأنَّ بعض نواحيها لا يخلو من عيب شديد بغيض، وأنا أخشى إنْ وقفت أبصار الناظرين في المرآة عند هذه العيوب أن تسوءهم، وتلقي في نفوسهم شيئًا إلا يكن يأسًا فليس بعيدًا من اليأس. لذلك أحببت، وما زلت أحب للأدباء أن يمضوا في طريقهم محيين للأدب القديم، منشئين للأدب الحديث، دون أن يقفوا، أو دون أن يُطيلوا الوقوف، ودون أن ينظروا في المرآة، أو دون أن يُطيلوا النَّظر في المرآة، لعلهم يأمنون شرَّ الفتنة بقوتهم، وشرَّ اليأس من ضعفهم، فهم في حقيقة الأمر مُعرضون لهذين الشرَّين جميعًا.
ولكنَّ «الهلال» تُحبُّ دائمًا أنْ تتعرف إلى أيِّ حد بلغت النهضة، وإلى أي حد انتهى نشاط الأدب والأدباء، وهي بذلك تضطرنا إلى هذا الوقوف الذي لا أحبه، وإلى هذا النظر في المرآة الذي أكرهه للأدباء، ولكن إذا طلبت «الهلال» إلينا أن نقف، أو أن ننظر في أنفسنا، فهل نستطيع أن نأبى عليها، أو أنْ نُخالف ما تريد؟
ومن يدري لعل «الهلال» موفقةٌ إلى الصواب حين تطلب إلينا من وقت إلى آخر أن ننظر إلى الطريق التي قطعناها لعلنا نجد من طولها وعرضها وخصبها ما يبعث فينا قوة، ويجدد فينا نشاطًا، ويدفعنا إلى أن نمضي أمامنا لا كسلين ولا يائسين.
ولست أدري لماذا طلبت «الهلال» إليَّ أن أُبيِّن ما ينقص نهضتنا من أسباب القوة، ولم تطلب إليَّ أن أُبَيِّن ما يُزيِّن هذه النهضة من مظاهر الكمال. بل لست أدري لِمَ اختارت الهلال أن تجعلني ترجمانًا عن العيب مصوِّرًا لمواضع الضعف، وآثرت غيري من الكتَّاب بموضوعات أخرى يسرهم أن يدرسوها، ويكتبوا فيها، ويسر غيرهم من النَّاس أن يقرءوا درسهم إياها وتصويرهم لها؟ أهو مكر من «الهلال» بي وكيد لي، أم هو ثقة وحسن ظن؟ فإن تكن الأولى فإني خليق أنْ ألقى مكرًا بمكر وكيدًا بكيد، وإنْ تكن الثانية فإني خليق أنْ أشكر للهلال حسن رأيها فِيَّ وحسن ظنها بِي.
وأكبر الظن أنَّ «الهلال» قد جمعت بين المكر وحسن الظن، فلأمكر بها كما مكرت بي، ولأجزل لها الشكر كما أحسنت بي الظن.
ولأسجل قبل كل شيء لأردَّ على «الهلال» مكرها أنَّ نهضتنا آية من آيات هذا العصر الحديث يكاد فهمها وتفسيرها يكون أبعد من أن تناله العقول، ويظفر به التفكير الطويل، فقد خلقنا أنفسنا خلقًا جديدًا، وأكرهنا العالم الأوروبي لا على أن يعترف بنا، ويؤمن لنا بالحياة الخصبة المنتجة فحسب، بل على أن يحسب لنا حسابًا، ويستيقن بأنَّ العالم الحديث لن يستطيع أن يعيش بغير جهودنا، ولا أحد يستغني عن مشاركتنا في احتمال هذه الأعباء الثقال التي تفرضها الحضارة على الشعوب الراقية.
ويكفي أنْ نقرأ ما يكتبه المستشرقون عن جهودنا في الإحياء والإنشاء لتوافقني على أنَّنا لم نبقَ كما كنَّا من قبل شعوبًا لا يُفكر فيها الغربيون إلا من حيث إنَّها أدوات تستغل، وتستذل، وتسخر في سبيل المنافع والمآرب التي يسعى إليها الاستعمار، وإنَّما نحن شعوب قد استيقنت الأمم الغربية بأنَّها قد أفلتت من يدها، وآمنت بنفسها وحقها. فهذه الأمم الغربية لا تكاد تتعزى عن إفلاتنا من يدها، ولكنَّها مع ذلك تُحاول ما استطاعت أن تجد الوسيلة لا لإذلالنا واستغلالنا، فلم يبقَ إلى هذا من سبيل؛ بل لتنظيم الصلة بينها وبيننا على أحسن وجه يلائم منافعها وأغراضها وآمالها في الحياة. كل ما تقرؤه في كتب المستشرقين وفصولهم الطوال التي تنشرها المجلات، والتي تتناول حياتنا الحديثة، وآدابنا الحديثة، إنَّما تُمهد لهذا اليوم الذي لا بد من أن يجيء، ومن أن يجيء في وقت أقصر مما نظن ويظنون، والذي سيجد الغرب فيه نفسه أمام شرق قوي عزيز كله خصب، وكله إنتاج، وكله أمل، وكله عمل، ولا بد من أن تنظم معه صلات قوامها الاحترام والسلام.
فمن ظنَّ أنَّ هذه النهضة التي انتهت بنا إلى هذه المنزلة، والتي ستنتهي بنا بعد قليل إلى حيث ينظر إلينا الغرب كما ينظر الند إلى الند، والنظير إلى النظير؛ أقول من ظنَّ أنَّ هذه النهضة يسيرة، أو ضئيلة، فهو مسرف في الطمع لا يعرف لآماله حدًّا تقف عنده أو تنتهي إليه. وأنا أحد هؤلاء المسرفين الذين يرضون عمَّا وصلنا إليه من الرقي، ولكنَّهم مع ذلك يأبون أن يقنعوا به، أو يطمئنوا إليه، أو يروه لائقًا بما نستحق وبما نستطيع من التقدم والرقي، فأنا راضٍ ساخطٌ معًا! ومن هذا الرضى وهذا السخط يأتلف لي مزاج فيه الابتسام والعبوس، وفيه التفاؤل والإشفاق. ولعلك إنْ سألتني عمَّا يسخطني ويبعث في نفسي الخوف والإشفاق بعد أن عرفت ما يرضيني ويبعث في نفسي الأمل والرجاء، لم تجد عندي جوابًا يقنعك، ولكنَّه يقنعني أنا، ويدعوني لا إلى اليأس ولا إلى الوقوف، بل إلى الأمل وإلى الجهاد الذي لا يعرف مللًا ولا فتورًا.
فنهضتنا على كل هذا الفوز الذي ظفرت به تنقصها أشياء أساسية لا بقاء للنهضة من دونها. وليس الغريب أننا لم نكمل هذا النقص أو لم نتبينه، وإنَّما الغريب أنَّنا نهضنا ومضينا في نهضتنا برغم هذا النقص حتى انتهينا من الرقي حيث نحن الآن، ولكننا فيما أظن قد بلغنا طورًا من حياتنا الأدبية لا يمكن أن نعدوه إلا إذا تبينا مواضع الضعف في حياتنا، وبذلنا ما نملك من قوة وجهد لإصلاحها والتخلص من آثارها السيئة.
وأظهر مواضع الضعف في نهضتنا الأدبية الخالصة أربعة فيما أظن:
الأول: أنَّ اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة، فكثير جدًّا من أدبائنا يعرفون من الأدب الأجنبي أكثر مما يعرفون من الأدب العربي. فالذين يأخذون بحظ من الثقافة اللاتينية يحدثونك في تفصيل دقيق، وإطالة ممتعة عن الأدباء اللاتينيين، وآثارهم، وخصائصهم، فإذا سألتهم عن أدبائنا القدماء فقليل منهم — أستغفر الله — قليل جدًّا بينهم من يستطيع أن يُطيل معك الحديث. وقل مثل ذلك في أدبائنا الذين تثقفوا بالأدب السكسوني، وقد فرغ الناس من إثبات أنَّ كل حديث لا قيمة له ولا غناء فيه إذا لم يعتمد أصدق الاعتماد على الأدب القديم، فنحن في هذه الحال التي نحن فيها الآن نبني في الهواء، ونقيم أدبنا الحديث على غير أساس، ولا بد من مضاعفة النشاط في إحياء الأدب القديم ونشره وتوثيق الصلة بينه وبين الأدباء المحدثين حتى يشعروا شعورًا قويًّا بأنَّه أدبهم لا أدب آبائهم وأجدادهم، وبأنَّهم محتاجون إلى أن يستمدوا منه القوة والحياة. الثاني: أنَّ أدباءنا لم يوفقوا إلا إلى ثقافة محدودة من الأدب الأجنبي نفسه، فهم بين متأثر بالأدب اللاتيني لا يكاد يعدوه إلى غيره، ومتأثر بالأدب السكسوني لا يكاد يعدوه إلى غيره، وذلك نقص قبيح لا بد من إكماله والتخلص من شرِّه؛ هو نقص؛ لأنَّه يضيِّق أفق الثقافة والمعرفة، وهو نقص؛ لأنَّه يوشك أن يفني شخصية الأديب وقرائه في هذا الأدب اللاتيني أو السكسوني الذي يتأثره ويكاد يفنى فيه. والأديب الخليق بهذا الاسم جدير أن يأخذَ بأعظم حظ ممكن من الثقافات الأدبية المختلفة؛ ليتم بذلك شخصيته، ويوسع بذلك أفقه، ويعصم بذلك نفسه من الفناء والغلو في التقليد. الثالث: أنَّ أدباءنا الذين يُحسنون الأدب الأجنبي يُحسنونه طولًا وعرضًا، ولا يحسنونه عمقًا — إن صح هذا التعبير الغريب — فهم يجهلون الآداب القديمة التي أنشأت هذا الأدب الأجنبي الحديث. يجهلون الأدب اليوناني واللاتيني كما يجهلون الأدب العربي، أو أكثر مما يجهلون الأدب العربي. فهم يستطيعون على كل حال أن يقرءوا آثار العرب في لغتها، ولكنَّهم لا يستطيعون أن يقرءوا آثار اليونان والرومان إلا في التراجم، وقليل منهم من يقرؤها في التراجم. ولست أدري لماذا أعجز كل العجز عن أنْ أصدق أنَّ إنسانًا يستطيع أنْ يُتقن شيئًا من الأشياء إذا لم يتقن أصله الذي نشأ منه، وينبوعه الذي فاض منه. وأنا أعلم حق العلم أنَّ في أوروبا قومًا ممتازين لا يحرصون على درس الأدب القديم، ولكنِّي أحبُّ ألا يخدع أدباؤنا بهذا الميل الظاهر عند هؤلاء الأوروبيين، فهم لا يريدون أن تكون الآداب القديمة، واللغات القديمة فرضًا على كل المثقفين، كما كانت من قبل. ولكنَّهم لا يستطيعون أن يتصوروا أديبًا خليقًا بهذا الاسم إلا إذا أحسن هذه الآداب القديمة، وأتقن درسها والعلم بها. وأنا أبعد الناس عن أن أفكر في فرض الآداب القديمة على طلابنا جميعًا، أو على المثقفين عندنا جميعًا، ولكنِّي أحرص النَّاس على أن يأخذ أدباؤنا المنتجون من هذه الآداب القديمة بحظ معقول. الرابع: أنَّ أدباءنا لا يحفلون بالعلم، ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة حسنة منه — ومن جهل العلم — ولا سيما بعض العلم — فقد جهل الحياة. ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يكون أديبًا حقًّا دون أن يكون أدبه صورة من صور الحياة، ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يُصوِّر الحياة وهو يجهلها ولا يعرف من أسرارها ودقائقها ولا من ظواهرها وقوانينها شيئًا.
ولعل هذه الأنواع التي أشرت إليها من الضعف هي التي تعلل ما نشكو منه جميعًا، وما يأخذنا به المستشرقون من أنَّ أدبنا الحديث مصنوع غير مطبوع، ومتكلف غير مصور لحياتنا. فلو قد عظم حظنا من العلم بالأدب العربي القديم، ولو قد عظم حظنا من العلم بأنواع الأدب الحديث على اختلافها، ولو قد عظم حظنا من العلم بالأصول الأولى لهذا الأدب الحديث، ولو قد أخذنا من العلم الخالص بحظٍّ معقول، لو قد كمل لنا هذا كله؛ لما استطاعت الحياة أن تمر بنا — أو لما استطعنا نحن أن نمر بالحياة — ونحن عنها غافلون، لو كمل لنا هذا كله؛ لحيينا حقًّا، ولتأثرنا بالحياة حقًّا، فأحسسنا ما فيها من لذة وألم، ومن عظة وعبرة، وما يدعو إلى البحث والتفكير. ولو قد أحسسنا هذا كله؛ لما استطعنا أنْ ننصرف عن تصويره، وأن نبلغ من ذلك ما نُريد.
فأنت ترى أنَّنا رغم هذه العيوب القبيحة قد استطعنا أن ننهض، وأن نحدث لأنفسنا أدبًا معاصرًا خليقًا بالإكبار والإعجاب! فكيف بنا لو محونا هذه العيوب، وأكملنا هذا النقص، ووضعنا أنفسنا من أدباء الغرب بحيث وضعوا أنفسهم وأبينا أن نلقاهم فنعجز عن فهمهم إذا قالوا، وعن التحدث إليهم إذا انتظروا منا الحديث؟
بديع أن نبلغ ما بلغنا على نقص الأسباب، وضعف الوسائل، وقصور الأدوات، ولكن أبدع من هذا وأروع أن نشعر بما في نهضتنا من الضعف فنزيله، ونضع مكانه القوة والخصب والنشاط. وكم أتمنى أن نأخذ في أسباب ذلك منذ الآن، وكم أتمنى بعد أن تمضي أعوام غير طوال أن تعود الهلال فتعرض عليَّ مثل هذا الموضوع، إذن لا أتهمها بالمكر، ولا أخاف منها الكيد، ولا أتحرج من أن أجيبها إلى ما تريد سعيدًا بإجابتها إليه مغتبطًا بتسجيل ما نكون قد وفقنا إليه من فوز لا يذكر بجانبه ما نسجله الآن. -
في النقد | On Criticism
في النقد
للدكتور طه حسين
سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
«مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣