Tag: الأزمة الاقتصادية

  • إعتراف | A Confession

    حديث الوادي
    اعتراف
    نسجل به للمرة الأول أو الثانية بعد الألف ، أو بعد الألفين ، أن رئيس وزرائنا رجل طيب ، رجل طيب لاحد لطيبته . رجل طيب . لم يعرف الزمن رجلا طيبا مثله ، وما نظن أنه سيعرف ، رجلا طيبا مثله في يوم من الأيام ، رجل طيب ، يسبغ المتناقضات ويهضمها ، ويريد غيره على أن يسبغ المتناقضات ويهضمها ، لا يرى بذلك بأسا ولا يجد في ذلك مشقة ولا يحسب لآثار ذلك حسابا .
    كان أخص ما يمتدح به منذ نهض بأعباء الحكم ، أنه ليس كصدقي باشا يقول ما لا يفعل ، ويعد بما لا يقدر عليه ، ويقنع بما لا يقنع به أولو الحزم والعزم من هذه الحلول النصفية التي لا تحل شيئا بل تعقد كل شيء، والتي لا تنفع المصريين ولا خزانتهم، وإنما تنفع الأجانب ومصارفهم ، والتي تفسد على المصريين أمورهم لأنها توهمهم أن مشكلاتهم قد حلت ، حتى إذا ظهر لهم الحق بشعا مخيفا رأوها قد ازدادت عسرا وتعقيدا . فساء ظنهم بأنفسهم وساء ظنهم لحكامهم ، وساء ظنهم بضيوفهم الأجانب أيضا . .
    تلك كانت سياسة صدقي باشا التي لم يكن يحبها الرجل الطيب ، ولا يرضاها والتي كان يعلن ازدراءها ، والاستهزاء بها في مجالسه الخاصة وفى أحاديثه إلى الصحف ، وفى خطبه التي كان يلقيها في الأندية ، وبياناته التي كان يهديها إلى البرلمان ، ويجب أن نعترف لأنفسنا بشيء من الفطنة ، فنحن لم نؤمن لرئيس الوزراء في يوم من الأيام ولم نطمئن إلى ما كان يقول ، ولم نصدق أنه كان قادرا أو سيكون قادرا ، على أن يصل إلى الحلول الكاملة الحاسمة . لا لأننا نشك في أنه رجل طيب ، بل لأننا نؤمن بأنه رجل طيب ، ونؤمن بأن الوزير الذي يستطيع أن يجد الحلول الكاملة الحاسمة ، إنما هو الوزير الذي يظفر من الأمة بالتأييد الكامل الحاسم ، ويثق من الشعب بالحب الذي لا غبار عليه، والثقة التي لا حدلها، والإخلاص الذي لا شك فيه.
    ورئيس وزرائنا بعيد كل البعد ، كما يعلم ، وإن كان رجلا طيبا . ، عن أن يظفر من أمته بهذا التأييد وهذه الثقة ، وهذا الحب، فهو إذن بطبعه عاجز عن أن يصل إلى حل حازم أو حاسم . ولكنه كان يقول ذلك ويردده ويتمدح به ، ويستعلى بتكراره على صديقه
    وخصمه الدكتاتور العظيم ، ولم يكن وزير المالية النابغة أقل منه أعلانا لذلك، ولا إلحاحا فيه . ولا تمدنا به .
    ومضت أشهر طوال والحلول الحاسمة تعلن ولا تجيء ، وتنتظر ولا تصل، وتدعى ولا تجيب ، حتى كان الاستجواب الذي قدمه النواب ، فأما وزير المالية فقد قام منذ أيام وألقى إلى النواب كلاما هو جهد المقل وقوة الضعيف ، وقدرة العاجز، ثم أراح واستراح! وأما رئيس الوزراء فقد قام ضحى الأمس ، مؤمنا بنفسه كما كان يؤمن بها منذ نهض بالحكم واثقا بكفايته كما كان يثق بها منذ ألف الوزارة أو الفت له ، فلما قام شخصت له الأبصار ، وهي تشخص إليه دائما ، وتعلقت به القلوب وهي تتعلق به دائما ، واتصلت به الآذان وهي تتصل به دائما وتهيأت النفوس المجدبة لاستماع الكلمة التي تحمل الخصب ، والدعة ، والسعة والرخاء ، وصدرت هذه الكلمة الساحرة ، ولكنها لم تسخر أحدا ولم تحمل الخصب إلى نفس مجدبة ولا السعة إلى نفس ضيقة ولا الدعة إلى قلب مضطرب، ولا الرجاء إلى رجل محروم.
    قال رئيس الوزراء كلمته فإذا هي تسجل في كل سذاجة ، ويسر ، وطيبة قلب ، وصفاء نفس ، وراحة ضمير إنه كصدقي باشا لا ينقص عنه ، ولا يزيد عليه ، ولا يصل إلى الحلول الحاسمة ، وأن وعد بها ، ولا يستطيع أن يصل إليها ، وإن طمع فيها، وما أكثر ما يطمع الناس، في أن يرقوا إلى السحاب، وينالوا بأيديهم النجوم، ولكن رئيس الوزراء ، سجل على نفسه هذا الاعتراف راضيا به ، مطمئنا إليه ، وأعلنه كما يعلن أن الحر شديد في الصيف ، وإن البرد شديد في الشتاء ، ونسى كل ما قدم من إعلان وتمدح ، ومن طمع، وطموح، ومن عيب لصدقي باشا، وغض من حلوله الناقصة ، أتريد دليلا أوضح من هذا الدليل ، على أن رئيس وزرائنا رجل طيب حقا بأوسع ما لهذه الكلمة من حدود؟ وطيبة رئيس الوزراء معدية، لم تقف عنده، ولم تقصر عليه، بل تجاوزته إلى وزير المالية ، فهو أيضا كان يريد الحلول الحاسمة ، ولا يرضى إلا بها ، ثم قبل الحلول الناقصة ، وحمد الله على السلامة والعافية ، بل طيبة رئيس الوزراء معدية ، تجاوزت الوزراء إلى النواب ، فقد كان النواب ، وأصحاب الاستجواب منهم خاصة لا يقنعون إلا بالحلول الحاسمة ، ولا يرضون إلا أن تكون لازمتنا العقارية فرجة كحل العقال ، ولكن طيبة رئيس الوزراء مستهم أمس بجناحها الرقيق فقبلوا الحلول الناقصة ، وانتقلوا إلى جدول الأعمال

    أليس يمكن أن تنتشر هذه العدوى إلى حدود أوسع وآماد أبعد، فتمس المعارضين أيضًا بجناحها الرقيق، وإذا هم جميعًا يقبلون الحلول الناقصة، ويستيأسون من الحلول الكاملة، ويؤمنون بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ وما بال المصريين يطمعون في الحلول الكاملة، وقد عجز عنها روزفلت برغم ما بذل وما سيبذلون من الجهود، وبرغم قوته وقدرته وسلطانه الواسع البعيد؟ المصريون معذورون إذا لم يبلغهم اليأس؛ فعجز روزفلت لا يعنيهم، ولا يقنعهم؛ لأن لهم وزير مالية هو أشد من روزفلت ذكاء، وأوسع منه كفاية، وأبعد منه نظرًا، وأقدر منه على إصلاح الأمور. وكيف يقرن صبري بك إلى روزفلت؟ وكيف تقاس مصر إلى أمريكا؟ وصبري بك هو زعيم الثورة في أمور المال، ومصر هي بلد الأعاجيب؟ بل كيف تقرن مصر إلى أمريكا، وأمور أمريكا تدبر بالعقل والمنطق، وأمور مصر تدبر بالبركة؟ ومن الذي يشك في أن البركة أنجع في حل الأزمات من العقل والمنطق وعلم الاقتصاد؟

    لا ينبغي أن ييأس المصريون، فستحل أزمة الدين العقاري، وستحل أزمة الدين العام، وستحل أزماتهم جميعًا، بإذن الله، ما دام الرجل الطيب على رأس الوزارة؛ فالله لم يخلق الرجال الطيبين عبثًا، وإنما خلقهم لتفيض بركاتهم على الناس، وكل ما يطلب من المصريين هو أن ينتظروا وأن يصبروا، وأن يحتملوا البؤس والضنك والجوع؛ فكل ذلك لا خطر له، ما دامت طيبة الرجل الطيب قد تمسهم بجناحها الرفيق ذات يوم، فتملأ أرضهم لبنًا وسمنًا، وحسبك من غنى شبع وري.

    وارحمتاه لمصر، إلى متى تظل أمورها لعبًا في أيدي اللاعبين؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ يونية ١٩٣٤ .

  • استقالة٢ | Resignation 2

    حديث الوادي
    استقالة…
    لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
    كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
    أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
    كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
    أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
    فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤.

  • يأس | Despair

    يأس…

    لا بأس على المصريين من أن يجوعوا، فقد تعودوا الجوع، وإن كانت أرضهم خصبة، كثيرة الثمرات. ولا بأس على المصريين من أن يظمؤوا، فقد تعودوا الظمأ، وإن كان نيلهم غزيرًا عذب الماء. ولا بأس على المصريين من أن يشقوا، فقد تعودوا الشقاء، وإن كانت بلادهم خليقة أن تجعلهم أسعد الناس.

    لا بأس على المصريين من الجوع والظمأ والشقاء، فهم قد تعودوا هذا كله وألفوه، وهم قوم عقلاء، يحسنون الصبر، ويتقنون الاحتمال، ويعرفون كيف يلتمسون العذر لسادتهم ومواليهم، إن لم يهيئوا لهم حياة سعيدة ناعمة، أو حياة تكفل لهم شيئًا من راحة وسعة، وقليلًا من نعمة ورخاء.

    وليس الرجل العاقل من يضيق بالخطب إذا نزل، ويجزع للكارثة إذا ألمت، فإن الضيق بالخطوب لا يدفعها، والجزع للكوارث لا يردها، إنما الرجل العاقل من يصبر ويحتمل، وينحني أمام الكوارث والملمات. وله أن ينتظر الموت صامتًا حتى يدركه الموت، وله أن يبعث من صدره المحزون أنات أليمة، يحملها الهواء فيملأ بها الفضاء، أو تحملها أشعة الشمس والقمر والنجوم فتملأ بها أجواء الكون، فمن يدري لعل هذا الأنين، إن عجز عن أن يؤثر في نفوس الناس من سكان الأرض، أن يؤثر في قلوب غير الناس من سكان الكواكب والنجوم.

    ولقد تعود المصريون أن يشقوا، ولقد تعودوا أن يشكوا، ولقد تعود الزمان أن يروي عنهم شكواهم الأليمة المرة، فيحملها أمس إلى اليوم، ويحملها اليوم إلى غد، وتتناقلها الأجيال فيما بينها، ويتعلم منها الأبناء كيف يرثون للآباء، وكيف يشفقون على الأحفاد.

    هذه الصحف تتحدث إلينا صباح اليوم بأن مجلس الوزراء قد اجتمع ثم اجتمع، وطار ثم وقع، وانتهى به الأمر إلى اليأس المريح من أن يجد الحل الحاسم، الذي طالما تمناه وزير المالية، ومني به الناس. فستظل إذن مشكلة الدين العقاري قائمة، لا تنفرج أزمتها، ولا تنجلي غمتها، ولا يكشف ضرها عن المصريين.

    ومع هذا، فما أكثر ما وعد وزير المالية، وأسرف في الوعد، وما أكثر ما تحدث رئيس الوزراء فأطال الحديث، وما أكثر ما تشدق الأنصار والأولياء، وما أكثر ما جلا أولئك وهؤلاء أمام الشعب آمالًا عذابًا، ظهر الآن أنها كانت كذابًا.

    كان وزير المالية يقول إنه سيحدث ما لم يحدث أحد من قبل، وهو لا يرضى أرباع الحلول، ولا أنصافها، وإنما يريد الحلول الكاملة الشاملة، التي ترضي المصريين وتريحهم، وتجدد نشاطهم وابتسامهم للحياة.
    وكان رئيس الوزراء يتعالى، في شيء من التواضع الغريب عن السياسة وأحاديثها، ويفاخر، في شيء من الكبرياء الظريفة، بحرصه على الاقتصاد، ورغبته في حل مشكلاته. وكان يمزج التواضع بالكبرياء، فيعلن أنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، وأنه سيبذل ما يملك، ويفعل ما يستطيع لإصلاح ما ليس من إصلاحه بد.

    وكان رئيس الوزراء يرتفع حتى يبلغ النجم، ثم يلقي من هناك نظرة ملؤها الازدراء والاحتقار على تلك الحلول العوجاء العرجاء التي استكشفها صدقي باشا، أو تكلفها، لمشكلات الدين العقاري، ويعلن في أناة تليق بعظماء الرجال، وفي هدوء يليق بالذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يصدرون إلا عن يقين، يعلن أنه لا يريد الحلول المضطربة التي لا تحل شيئًا، وإنما يريد الحلول الحاسمة، التي لا تدع شكًا ولا لبسًا، ولا خلافًا ولا خوفًا.

    ثم يمضي شهر، يتبعه شهر، ويتبعهما شهر وأشهر، والحلول الحاسمة الحازمة تلتمس. يغوص لها وزير المالية في البحر، ويهبط لها وزير المالية في أعماق الأرض، ويطير لها وزير المالية في أجواء السماء، ورئيس الوزراء ينتظر، والمصريون ينتظرون، والدائنون يلحون، والمدينون يستغيثون، والأيام تمضي، والأسابيع تتعاقب، والشهور يتبع بعضها بعضًا، والهموم تلح على المصريين، والخطوب تأخذهم من كل مكان، وأنينهم يتصل، وشكواهم يردد أصداءها الزمان.

    حتى إذا حان الحين، وآن الأوان، تمخض الجبل فولد فأرًا، وانجلت هذه الجهود الجبارة عن تقرير يقدمه وزير المالية إلى مجلس الوزراء، فلا يكاد المجلس ينظر فيه حتى يختلف في أجزائه، وفي تفصيلاته. ثم يكثر الحوار، ويشتد الخلاف، وتمطر السماء اقتراحات متضاربة متناقضة، وتنبع من الأرض اقتراحات أخرى، ويحمل الهواء اقتراحات جاء بعضها من المريخ، وبعضها من زحل، وتختلط هذه الاقتراحات كلها، ويضطرب الأمر، ويشتد الجدال.

    وفي أثناء ذلك يسافر من يسافر من رجال المال، ويتهيأ من بقي منهم للسفر، ويقبل الصيف، وتتهيأ الوزارة للراحة في الإسكندرية، ويتهيأ أعضاء البرلمان الحاضر للتفرق في أقطار الأرض، يستريحون من التعب، ويبتغون من فضل الله.

    وتظهر الحقيقة منكرة بشعة، مخيفة كريهة المنظر، مرة المذاق، ثقيلة الاحتمال، تظهر في أقبح مظهر، وأسمج منظر، وتبعث هذا الصوت المخيف العنيف:

    لا أمل في الحل الحاسم هذا العام، فانتظروا أيها المصريون، فقد يفتح الله على وزرائكم به في العام المقبل!

    ثم تستقر الأمور على اليأس، وتطمئن القلوب إلى القنوط، ويتهيأ مجلس الوزراء في دعة، وأمن ورضى، ليدرس حلًا من هذه الحلول المؤقتة التي كان يحبها صدقي باشا، على قاعدة من هذه القواعد المضطربة التي كان يؤثرها صدقي باشا.

    وإذن فأين نحن، وأين كنا، وإلى أين انتهينا، وإلى أين ندفع؟

    هل يستطيع رئيس الوزراء أن يحدثنا: فيم سقطت وزارة، وقامت وزارة؟ هل يستطيع رئيس الوزراء أن ينبئنا: فيم هوى صدقي باشا، وقام عبد الفتاح يحيى باشا؟

    لم تحل المشكلة السياسية، ولم تحل مشكلة الدين العام، ولم تحل مشكلة الدين العقاري، ولم تتغير خطة الوزارة بإزاء واحدة من هذه المشكلات. ثم نشأت مشكلات أخرى عالجتها الوزارة بنفس الخطط التي كان يعالج بها صدقي باشا ما كان يعرض له من المشكلات: الانتظار، والوعد، ثم الإسراف في الانتظار، والإسراف في الوعد، ثم الاعتماد على النسيان، وفعل الزمان!

    تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن ينظر سادته ومواليه إلى أموره نظرة الجد والنصح؟ تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن يقدم إليه سادته ومواليه عملًا لا قولًا، وطحينًا لا جعجعة؟

    تبارك الله! لن تحل مشكلة من مشكلات هذا الشعب إلا أن يكون هذا الشعب سيد نفسه، يعالج مشكلاته عن علم بها، واحتمال لتبعاتها، لا يعتمد في ذلك على قوم معصومين، ولا يلتمس في ذلك معونة قوم مستعمرين، يريدون به الشر، ويدبرون له الكيد، ويتربصون به الدوائر.

    تبارك الله! متى تنكشف الأيام لهذا الشعب عن حريته، وعزته، واستقلاله؟ فإنه لم يخلق ليكون عبدًا ذليلًا مستغلًا، وإنما خلق ليكون حرًا عزيزًا، مستقلًا، يريد فينفذ ما يريد، ويقول فيتم ما يقول.

    طه حسين

    (حديث الوادي، ٤ يونيه ١٩٣٤)

  • هدوء | Calm

    هدوء
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٩ أغسطس ١٩٣٢

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر؛ الجو صفو والسماء نقية، والإقليم معتدل، والسفينة تجري باسم الله وبأمره كأنما تنزلق على البحر انزلاقًا، لا يخاف عليها القبطان ولا المسافرون عطبًا ولا اضطرابًا. ورئيس الوزراء مطمئن إلى هذا الهدوء؛ فهو هادئ أيضًا يستشفي أو يستريح في فيشي بعد أن طوَّف في أرجاء مصر واضطرب في أقطار إيطاليا.

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر. ولكن من الهدوء ما يريح ومن الهدوء ما يخيف، ومن الهدوء ما يبعث الرجاء ومن الهدوء ما يتقدم اليأس. ولست أدري، أو لست أريد أن أدري، في أي هدوء نحن؟ أفي هدوء يسبق الأمل، أم في هدوء يلد القنوط؟

    نعم؛ لست أدري، أو لست أريد أن أدري، أعميق هذا الهدوء أم ظاهر؟ أمتصل هذا الهدوء أم منقطع؟ أطويل هذا الهدوء أم قصير؟ بل لست أدري، أو لست أريد أن أدري.

    أمستقر رئيس الوزراء في فيشي أم مضطرب؟ أمستريح هو أم متعب؟ أساكن هو أم متحرك؟

    كل شيء يدل في ظاهر الأمر على أن رئيس الوزراء مطمئن البال، يستمتع بالفاتر والبارد من مياه فيشي بعد أن استمتع بما أُدِيرَ على الموائد من أكواب وأقداح في مدينة القياصرة. ولكن هذا الهدوء الظاهر، وهذا الاطمئنان المسرف في الوضوح، ليس من شأنه أن يُهدِّئ، ولا من شأنه أن يُطمئن.

    ما أكثر ما اضطرب البرق وكثر وميضه بين القاهرة وروما، حين كان عظيم مصر ضيفًا على عظيم إيطاليا! وما أشد سكون البرق منذ اطمأن رئيس الوزراء في فيشي! وليس رئيس الوزراء من الذين يحبون أن يحيط بهم الصمت، ويُخيِّم عليهم السكوت؛ فما بالنا لا نقرأ في الصحف كيف أصبح رئيس الوزراء ولا كيف أمسى، ولا أين ذهب رئيس الوزراء ولا متى جاء؟!

    تقصير تُلام عليه الصحف! فحياة رئيس الوزراء علينا غالية، وصحته علينا عزيزة، وأخباره إلينا محببة، ومن الحق على الصحف أن لا تنساه، فهو ما زال رئيس الوزراء، وهو ما زال خليقًا أن يُذكَر في صحف الصباح وفي صحف المساء.

    أما أنا فأرى أن رئيس الوزراء لا يستريح وإنما ينتظر، وأرى أن رئيس الوزراء ليس هادئًا هدوء الحال في مصر، وليس مستقرًّا كما استقر فيها النظام، وإنما هو موزع النفس مفرق الهوى، ينظر وراءه إلى مصر، يريد أن يتبين ما يصنع فيها خصومه المعارضون، وينظر أمامه إلى إنجلترا يريد أن يتبين ما يصنع حلفاؤه المحايدون. وهو يخاف من أولئك ويشفق من هؤلاء، يفكر فيهم جميعًا وجه النهار ويحلم بهم جميعًا إذا جنَّه الليل، وينتظر في قلق واضطراب ما سينتهي إليه أولئك وهؤلاء.

    وهو في أثناء ذلك ينظر إلى نفسه وإلى أعوانه وأنصاره وإلى قوته على الثبات وأمله في البقاء، فيرى ضوءًا شاحبًا ضئيلًا تنتقصه الظلمات من أطرافه كما تُنتقَص ظلمة الليل من ضوء الشفق.

    هدوء مخيف هذا الهدوء الذي نحن فيه، والذي يُظِلُّ رئيس الوزراء في فيشي، وربما كان الفصل الذي نشرته التيمس لمكاتبها في القاهرة، وأذاعته الصحف بيننا في المساء، من أوضح الدلائل على هذا الخوف الذي يستره ما نحن فيه من هدوء، وعلى هذه الظلمات التي تحيط بما بقي من حياة الوزارة القائمة، وتنتقص من أطرافها شيئًا فشيئًا.

    وليس يعنينا الآن من هذا الفصل ما يقوله المكاتب عن الوفد والأحرار الدستوريين؛ فنحن نعرف مذهب الإنجليز في التحدث عن المعارضين وعن الحكومات القائمة، فما داموا لم يقلبوا للحكومة القائمة ظَهْرَ المجنِّ بالفعل، وما داموا لم يعلنوا إليها العداء الصريح ولم يشهروا عليها الحرب الواضحة الشعواء؛ فهم يظهرون نصرها ويظهرون أفكارهم لخصومها وتألبهم عليهم، وهم يأبون إلا أن يكرروا أن المعارضة ضعيفة لا حظ لها من قوة، وأنها قد فشلت فلا نصيب لها من التوفيق، يعيدون هذا ويبدونه في غير سأم ولا ملل، حتى يأتي اليوم الموعود؛ فإذا الضعف قوة، وإذا الإخفاق نجح، وإذا الفشل فوز وتوفيق.

    لِيَقُلْ إذن مكاتب التيمس في خصوم الحكومة ما يشاء؛ فنحن نعلم ما يريد ونفهم معنى ما يقول، ولا نشك في أن رئيس الأحرار الدستوريين قد أخطأ أشد الخطأ حين قال الحق في رئيس الوزراء وأذاعه، بينما يقول رئيس الوزراء فيه الباطل ويذيعه. ونعلم أن قد كان من الحق على رئيس الأحرار الدستوريين إذا أراد معارضة صدقي باشا أن يهدي إليه باقة من الزهر منسقة أحسن تنسيق، ليس فيها إلا ما يسره ويروقه ويرضيه. نعم؛ أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين أنكر وطلب إلى الأمة أن تنكر معه ألا يُولَّى أمر هذه البلاد خيارها وأبناؤها الذين يعرفون كيف يرفقون بها، ويشفقون عليها، ويتوخون منفعتها، ويجعلون أنفسهم قدوة صالحة، وأسوة حسنة في السياسة والإدارة، وفي السيرة والأخلاق.

    نعم؛ وأخطأ رئيس الأحرار الدستوريين كل الخطأ حين رفع إلى جلالة الملك؛ وهو صاحب الحق الشرعي في إبقاء الوزارات وإقالتها، وهو الحريص على مصلحة شعبه، الأمين على منافعه، الممثل لكرامته وعزته. أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين رفع إلى جلالة الملك كتابًا يلتمس فيه باسم حزبه إقالة هذه الوزارة؛ لأنها عجزت عن حل الأزمة الاقتصادية، ولم تقدم البلاد أصبعًا نحو استكمال استقلالها، ولم تستطع أن تصلح الإدارة بل أفسدتها.

    ونشأ عن هذا كله فساد عام شامل، ينذر بفساد أعم منه وأشمل إذا لم تُوكَل أمور البلاد إلى وزارة قومية لا تحكم بالهوى ولا تتعصب للشهوة الحزبية، وإنما تحكم مصر لمنفعة مصر، وتعتمد في حكمها على حب الشعب لها وثقته بها وتأييده إياها، لا على ما تعتمد عليه هذه الوزارة من الترغيب حينًا والترهيب أحيانًا، ومن الضعف المهين لبعض النواحي، والقسوة العنيفة على بعضها الآخر.

    أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين طلب هذا كله إلى جلالة الملك؛ لأنه لم يرفع إلى جلالته الأدلة، على ما وصف به الوزارة من ضعف وعجز، ومن تقصير وجور. كأن هذه الخصال لم تصبح واضحة كشمس النهار، وكأن جلالة الملك، لا يستطيع أن يعرف من أمر الحكومة ما يعرفه الناس جميعًا ومكاتب التيمس من بينهم، وكأن جلالة الملك لا ينبغي أن تُرفَع إليه العرائض الموجزة المقنعة، وإنما يجب أن تُرفَع إليه المجلدات المطوَّلة والأسفار المفصَّلة.

    لِيَقُلْ مكاتب التيمس في المعارضين ما شاء؛ فهم يعرفون ما يريد كما يعرفه هو، ولكن أي شيء أراد حين كتب عن الوزارة ورئيسها صدقي باشا؟ أأراد مدحًا أم أراد ذمًّا؟ أأراد تأييدًا وتثبيتًا أم أراد تشنيعًا وتشهيرًا؟

    أمَّا أن مصر هادئة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم فواضح لا شك فيه، ولكنها كانت هادئة قبل أن ينهض صدقي باشا بأعباء الحكم وكانت هادئة عن حب الهدوء ورغبة فيه، وهي الآن هادئة لما يسجله مكاتب التيمس من أن صدقي باشا قد أسكت المعارضة وقيدها؛ فهي لا تستطيع أن تنطق، وهي لا تستطيع أن تتحرك، وزعماؤها يحيط بهم الجند وأنديتها ترابط حولها الشرطة.

    وأي هذين النوعين من الهدوء أحب إلى مكاتب التيمس وإلى الإنجليز؟ أهذا الذي يصدر عن الرضا وهو خليق أن ينمو ويدوم أم هذا الذي يُرغَم الناس عليه إرغامًا وهو خليق أن يتحوَّل إلى ما لا خير فيه للمصريين ولا للإنجليز؟

    إذن؛ فقد نجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في إقرار النظام، ولكن بشرط أن يظل الجند والشرطة على ما هم فيه يراقبون ويرابطون، لا ينامون الليل ولا يهدءون في النهار. ونجح صدقي باشا في شيء آخر عند مكاتب التيمس؛ نجح في الاستكثار من الأولياء والأعوان والأنصار بهذا الترهيب من جهة وبما يسجله مكاتب التيمس نفسه من رشوة المأزومين وإغرائهم من جهة أخرى؛ فهم بين الإفلاس إن احتفظوا بآرائهم السياسية، واليسر إن أنكروا هذه الآراء وانضموا إلى صدقي باشا.

    وأي فوز يشبه هذا الفوز الذي يصل إليه صاحبه بالعنف والعسف، ويبلغه بالرشوة وإفساد الأخلاق؟!

    ونجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في الاحتفاظ بتوازن الميزانية، وإن كان مكاتب التيمس نفسه يسجل أن الموارد الأساسية للدولة قد نقصت نقصًا عظيمًا، وأن صدقي باشا سيضطر إلى تعويض هذا النقص لا بالاقتصاد والتدبير، ولكن بفرض الضرائب الجديدة وإرهاق الشعب الذي لم تَدَعْ له الأزمة شيئًا إلا أَتَتْ عليه!

    وأي فوز مالي يشبه هذا الفوز الذي لا يبلغه صاحبه بالاقتصاد والاعتدال في النفقات، وإنما يبلغه بالمضي في الإسراف والغلو في إرهاق دافعي الضرائب. ونجح صدقي باشا في أنه لم يفرض على الموظفين إلى الآن تضحيات شاقة، ولكنه سيضطر إلى فرضها عليهم بعد حين.

    ونجح صدقي باشا — وما أبدع ما نجح! — نجح في المفاوضات؛ فقد كان أول العام مستعدًّا للتحدث عنها والتهالك عليها، فلما انتصف العام أصبح حريصًا على ألا يذكرها، وأصبح يرى الخير في ألا يفكر فيها؛ حتى يثق بأنه يستطيع أن ينتهي بها إلى غايتها.

    ماذا؟! هو إذن غير واثق بأنه يستطيع أن ينتهي بالمفاوضات إلى غايتها! وما الذي يمنعه من هذه الثقة؟! أيمنعه منها فوزه بإقرار النظام عسفًا وعنفًا؟! أم يمنعه منها كسبه للناس بالرشوة والإغراء؟! أم يمنعه منها إقامته للميزانية على أساس الإسراف في الإنفاق والغلو في إرهاق الشعب؟! أم يمنعه منها أنه لم يُوفَّق في شيء مما تطمع الحكومات أن تُوفَّق فيه؟!

    أهو الذي لا يثق بنفسه، أم الإنجليز هم الذين لا يثقون به؟! أم الأمر مشترك بينه وبين الإنجليز؟! فلا هو يثق بنفسه، ولا الإنجليز يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وهم يعلمون من أمره أكثر جدًّا مما قال مكاتب التيمس.

    أما أنا، فأعترف بأني قرأت هذا الفصل، فوجدت في قراءته خير ما يجد القراء من اللذة والمتاع في فصل قوامه السخرية والعبث. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فربما كانت السخرية أظهر ما يمتاز به النقد الإنجليزي، والناس جميعًا يعرفون خطبة أنطوان في قصة يوليوس قيصر. وهم حين يقرءون فصل مكاتب التيمس عن صدقي باشا مضطرون إلى أن يسألوا أنفسهم: ألم يتخذ مكاتب التيمس هذه الخطبة مثالًا يحتذيه، فيمدح صدقي باشا كما مدح أنطوان بروتسن؟!

    أما بعد، فلست أشك في أن مكاتب التيمس وكثيرًا من الصحفيين الإنجليز في مصر وإنجلترا إذا خلوا إلى أنفسهم تحدثوا إليها في أمر وزارتنا القائمة بما أتحدث به أنا إلى نفسي وإلى الناس، وهو أن وزارتنا قد بلغت في حياتها الأصيل، وأن الأمد بينها وبين الغروب ليس بعيدًا، وأنها تجد مشقة وعناءً في الاحتفاظ بهذا النَّفَس الضئيل الذي يحتفظ لها بالحياة، وأن احتفاظها بهذا النَّفَس الضئيل رهين بسياسة الحياد الإنجليزي، وكل شيء يدل فيما يظهر على أن سياسة الحياد هذه قد آذنت بزوال.

  • معارضة | Opposition

    معارضة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١ يوليو ١٩٣٢

    براءة إلى القراء وإلى رئيس الوزراء وإلى النيابة والقضاء، من المعارضة الحُرَّة، والخصومة المُرَّة، ومن الحوار والجدال فيما قِيلَ ويُقال، ومن المراء والنزاع فيما أُشِيعَ ويُشاع؛ فقد فكرت وقدرت ثم خُيِّرت فاخترت، فإذا الطاعة الدائمة للحكومة القائمة أَقْوَم وأهدى، وإذا الخضوع والإذعان لمن إليهم السلطان أنفع وأجدى. فلألزمن الطاعة ولأوثرن الخضوع، ولأدعون إليهما من يحب لنفسه العافية ويؤثرها بالسلامة، وليعلمن الناس جميعًا أني للحكومة صديق، وبها رفيق، أضمر لها النصح الخالص والولاء المتين.

    ذلك أنَّا نعيش في أيام أخص ما تُوصَف به أنَّ قِيَمَ الأشياء فيها تغيرت ومقاييس الحكم فيها قد انقلبت رأسًا على عقب. فقد كنا نعلم (لأن آباءنا وأساتذتنا وأسلافنا علمونا) أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي يعرف لنفسه كرامتها ولشخصيته عزتها، فلا يميل مع الأهواء، ولا تتغير مذاهبه السياسية بتغير الحكومات، ولا يرتاع للقوة تنذره إذا كان يعتقد أنه على الحق، ولا يستجيب للمغريات إذا كانت هذه المغريات تكلفه ما لا يرى، وتضطره إلى ما لا يرضى، وتورطه فيما يستحي منه أمام الناس ويستخذي منه إذا خلا إلى نفسه أو استمع إلى ضميره حين يستمع الناس إلى الضمير.

    كنا نعلم هذا وما زلنا نسمعه من أصحاب الأخلاق، وما زال الأساتذة يدرسونه للتلاميذ والطلاب في المدارس ومعاهد العلم. ولكن حياتنا منذ عامين قد نهجت لنا في الأخلاق نهجًا جديدًا، ونشرت بيننا آراءً طريفة في الكرامة الشخصية والعزة القومية والحرص على أن يحسن في الفرد رأي أمثاله ومواطنه، والإشفاق من أن يستخذي الإنسان أمام الضمير إذ خلا إليه، كل أولئك معانٍ إضافية مرنة تتشكل بأشكال الظروف وتمتد إذا دعت المنفعة إلى الامتداد، وتنكمش إذا دعت المنفعة إلى الانكماش، وقد قام بنك التسليف الزراعي، وقامت مناصب الدولة وقامت مساعي خاصة خفية عند المصارف الأجنبية، وقام تسلل فريق من أعضاء الأحزاب السياسية من أحزابهم دليلًا واضحًا جليًّا على تحقق هذا التطور في حياتنا الخلقية والعقلية وفي صلاتنا الاجتماعية العامة والخاصة.

    ولست أدري «وما أرى أن غيري من القراء يدري» لِمَ أقاوم هذا التطور وأمتنع عليه. وهل أنا إلا فرد من الناس يجب أن يعيش كما يعيش الناس فيستقر إذا استقروا ويضطرب إذا اضطربوا، ويمعن في التطور إذا أمعنوا فيه؟!

    أنا اليوم من أنصار الحكومة. فإذا أراد لها من بيدهم أمرها أن تستقيل ونهضت بالسلطان وأعباء الحكم هذه الوزارة القومية التي يطلبها الأحرار الدستوريون فأنا من أنصار هذه الوزارة، فإذا استقل الوفد بالحكم فسيجدني وفديًّا صريحًا، فإن انفرد الأحرار الدستوريون بالسلطان فسيجدونني كأحسن ما عرفوا دفاعًا عن الحرية والدستور.

    وأنا أرجو حين أسلك هذه الطريق أن أُوفَّق إلى حياة راضية ناعمة بريئة مما يشقى بما أنصار المذهب القديم في السياسة والأخلاق.

    أرجو ألا تُباع أرضي وإن لم أملك أرضًا، وألا تتحكَّم فيَّ المصارفُ وإن لم يكن للمصارف عليَّ سبيل، وأن لا يعبس الوزراء في وجهي وإن لم أحفل بابتسامات الوزراء. وأرجو فوق هذا وذاك ألا تدعوني النيابة بين يوم ويوم إلى التحقيق وإن كنت قد جربت تحقيق النيابة؛ فأحببته ورغبت فيه.

    وقد أجد من نفسي بعض المقاومة فأحلم بمعارضة الحكومة ومخاصمتها؛ لأن الخروج على التقاليد والسنن الموروثة ليس بالأمر اليسير. يشهد بذلك وزير التقاليد الذي يشهد التمثيل ويحضر محافل لا تخلو من الرقص مجاراة للتطور، ولكنه يلغي معهد التمثيل ويحرم الرقص في قاعة التمثيل إذعانًا للتقاليد!

    كلنا نتطور من ناحية ونقاوم التطور من ناحية أخرى. ولعل التطور إن سألت الفلاسفة عن حدِّه وحقيقته ليس إلا هذا الموقف الذي نقفه جميعًا وعلى رأسنا وزير التقاليد. نشهد في الأوبرا قصة الكرسي ٤٧ وبائعة الشيكولاتة. ونرى في هاتين القصتين ما يحل وما يحرم. ونشجع الممثلين بأموال الدولة ليمعنوا في التمثيل ويُجوِّدوه، وليكثر المختلفون إلى ملاعبهم ثم نعقد لهم لجان المراقبة وننشئ بينهم أنواع المسابقة ثم ننشئ المسابقات، بين الكتاب والشعراء، أيهم يضع القصة التمثيلية الرائعة!

    كل ذلك مجاراة للتطور، ولكننا مع ذلك نقاوم التمثيل فنلغي معهده، ونرى الذين أنشئوه آثمين خارجين على العادات والآداب والدين. ونحن بهذا نرضي التقاليد!

    أنا إذن أريد أن أرضي التطور وأجاريه وأمعن فيه، فأنصر هذه الحكومة أعظم النصر، وإن كنت لها خصمًا وأؤيدها أشد التأييد، وإن لم تعجبني أساليبها في الحكم، وأنا أريد أن أُرْضِيَ التقاليد فأحتفظ بالكرامة والعزة والأخلاق وأقاوم الحكومة وأعارضها حين أنكر من أمرها شيئًا قليلًا أو كثيرًا. ولكني أؤكد أني لن أرضي التقاليد والأخلاق على حساب الحكومة القائمة، وإنما أدخر المعارضة العنيفة والخصومة القاسية لحكومة الوفد أو الأحرار الدستوريين أو الوزارة القومية. ذلك أن في هذه الحكومات شيئًا من السذاجة والعبط إن شئت، تمكن معارضيها من أن يقولوا لها ما يريدون دون أن يخشوا عنتًا أو إحراجًا. أما الحكومة القائمة فهي أحزم وأمهر وأذكى من أن تطلق للمعارضين ألسنتهم أو تدع لهم أقلامهم تجري بغير حساب!

    على أني قبل أن أعلن هذا الرأي لم أكتفِ بالتفكير والتقدير بل استشرت ألوانًا من الناس في الموقف الذي يجب أن يُتخَذ من حكومتنا هذه القائمة. وكلهم وافقني وأقرَّني على رأيي.

    بدأت بجماعة من الشيوخ فسألتهم في معارضة الحكومة القائمة أحلال هي أم حرام؟ فانقسموا وتفرقت آراؤهم.

    فأما المحافظون الجامدون منهم، وهم — والحمد لله — قليلون، فأباحوا معارضة هذه الحكومة إن أخطأت القصد، أو تجاوزت الحق، أو عرضت المنفعة العامة للخطر. ومن هؤلاء من غلا فأوجب هذه المعارضة محتجًّا بالحديث المأثور «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.»

    وأما المجددون من الشيوخ، وهم — والحمد لله — كثيرون، فحرموا هذه المعارضة تحريمًا قاطعًا، وقالوا إن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر ولم يقيد أمره بل أطلقه إطلاقًا.

    وإذن؛ فطاعة الحكومة واجبة، جارت أو عدلت، ولها وحدها أجر عدلها وعليها وحدها إثم ما تتورط فيه من جور. قالوا: ويُستحَب أن نستغفر للحكومة إن جارت أو ندعو لها ونثني عليها إن عدلت. قالوا: ولا بأس أن نخفي جور الحكومة ونصوِّره في صورة العدل؛ حتى لا يسوء ظن الناس بحكامهم فتُشَق عصا الطاعة ويتفرق أمر المسلمين!

    وأما المعتدلون من الشيوخ فأباحوا المعارضة إذا أدَّتْ إلى نفع ووَقَتْ من شر، وحرَّموها إذا عرضت صاحبها لغضب الحاكم أو سخطه.

    وواضح جلي أني سأمضي مع الكثرة المطلقة فأحرم المعارضة تحريمًا قاطعًا، وأستغفر للحكومة إن أخطأت أو جارت وما عرفت لها إلى الآن خطأ أو جورًا.

    فلما فرغت من الشيوخ وعرفت آراءهم عمدت إلى رجال الفقه الدستوري الحديث أستشيرهم في المعارضة: ما الحكم الدستوري فيها؟ وقد كانت هذه الاستشارة شاقة. فقد تجنبت أساتذة الحقوق ورجال أقلام القضايا لأنهم موظفون، وتجنَّب رجال النيابة والقضاء؛ لأن مناصبهم ترفعهم فوق هذه الأشياء. وهم بعد ينتظرون أنصار الحكومة وخصومها ليقضوا بينهم فيما يتعرضون له من خلاف، ونظرت في المحامين فإذا هم قد قسموا أنفسهم بين الأحزاب؛ فمنهم أولياء الحكومة ومنهم خصومها، وكل أولئك لا يُؤمَن جانبه في المشورة.

    ولكنني وُفِّقْتُ إلى شيخ من شيوخ القانون وفقيه من فقهاء الدستور اعتزل الحياة العامة وآوى إلى بيته لا يجد لذة إلا في القراءة والدرس. فلما عرضت عليه قضية المعارضة وضع كتابًا كان في يده وأرسل من صدره نَفَسًا طويلًا عميقًا ومدَّ بصره كأنما يريد أن يخترق به جدران الغرفة ليرى أَخَلْفَها متسمع من الأنصار أو الخصوم، ثم قال في صوت هادئ يملؤه الاقتناع: أنا أرى أن الحكومة القائمة واسعة الصدر عريضة الحلم شديدة الصبر؛ فإن المعارضة المشروعة هي التي تكون في البرلمان أو من أعضاء الأحزاب التي تتولى الحكم، هؤلاء وحدهم يمثلون الأمة وينطقون باسمها، فهم الأمة التي تكون منها الحكومة وتكون منها المعارضة، فأما الأحزاب التي قاطعت الانتخابات أو أخفقت فيها فليست من الأمة في شيء، وهي على هامش الأمة حتى يُتاح لها السلطان؛ فيجب عليها الصمت والخضوع لا أكثر ولا أقل. قلت: فإذا كانت الانتخابات مزيفة؟ قال: هذا كلام الفلاسفة والنقاد! فأما الفقهاء فلا يعرفون إلا الواقع، وما دامت هذه الانتخابات قد انتخبت برلمانًا، وما دام هذا البرلمان قد ألف وزارة، وما دام البرلمان والوزارة قد ثبتا لصروف الدهر فهما الأمة وغيرهما على الهامش! قلت: فإذا كان غيرهم هو الأمة كلها. قال: لا بأس. الأمة كلها على هامش، الأمة يجب عليها الصمت والخضوع والطاعة حتى يُتاح لها السلطان …

    وواضح جدًّا أني خرجت من عند هذا الفقيه الجليل مؤمنًا برأيه، مقتنعًا بأني على الهامش مع جميع المعارضين فيجب عليَّ الصمت أو تأييد الحكومة، ويجب عليَّ فوق هذا أن أقنع الوفد والأحرار الدستوريين والمستقلين بأننا جميعًا على الهامش؛ فيجب أن ننضم إلى رئيس الوزراء أو أن نلزم الصمت حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولرئيس الوزراء عليَّ أن أنفق في هذا الإقناع ما أملك من جهد؛ فسأكتب وأخطب إن أباح لي الخطابة، وسأزور الزعماء وغير الزعماء وأرجو أن أُوفَّق إلى راحته من إصدار القوانين الاستثنائية الجديدة.

    وبَعْدُ، فماذا ينقم خصوم الحكومة من الحكومة؟! ينكرون عليها أمرين أساسيين؛ الأول: أنها لم تحل الأزمة الاقتصادية الكبرى. ولست أدري كيف يُطلَب إلى الحكومة أن تحل الأزمة، والأزمة مصدر قوتها وحياتها؟! أليست الأزمة قد جعلت الناس جميعًا في قبضة الحكومة يرغبون إليها ويشفقون منها؟! هم مفلسون وهي غنية؛ فمن شاء منهم اتقاء الإفلاس انضمَّ إليها فنجى أو انفتح أمامه أمل في النجاة. وإذن؛ فالذين يطالبون الحكومة بحل الأزمة يطالبونها بإلقاء السلاح أو قُلْ يطالبونها بالانتحار! وما كان لحكومة عاقلة رشيدة أن تلقي بنفسها إلى التهلكة؛ فلتبقَ الأزمة إذن لتبقى الحكومة.

    الثاني: أنها لم تحل المسألة المصرية. وأمر المسألة المصرية كأمر الأزمة الاقتصادية بالضبط، فهَبْ حكومتنا فاوضت الإنجليز، فإما أن تخفق في المفاوضة؛ وإذن لا بد لها من الاستقالة كما استقالت الوزارات من قبل حين أخفقت في المفاوضات، وإما أن تنجح وإذن فسنستقل، وإذن فسيصبح الحياد الإنجليزي حيادًا صحيحًا، وإذن فسيُخلَّى بين الأمة وبين الوزارة، وإذن فما أعمق الهوة التي يُخشَى أن تتردى فيها الوزارة!

    فالذين يطالبون الحكومة بحل المسألة المصرية كالذين يطالبونها بحل الأزمة الاقتصادية إنما يريدونها على أن تنتحر أو تلقي السلاح.

    صدِّقْني يا دولة الرئيس، إن المعارضين يمكرون بك ليخرجوك فاحذر أن تفرج الأزمة أو أن تحقق الاستقلال، وخلِّ بيني وبين المعارضين؛ فإني أرجو أن أكفهم عنك أو أن أسوقهم إليك.