مثلث …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٨ أكتوبر ١٩٤٦
هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير. وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه. ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت. وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة. وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به. والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور. أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط. والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان. أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد. هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز. رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء. أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل. أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟! ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال: إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي
Tag: الأزمة السياسية
-
براءة | Innocence
حديث الوادي
براءة . . .
براءة لا بد منها إذا كان يراد بهذا البلد أن يطمئن الناس فيه إلى أن الحق مكفول، وإلى أن العدل مضمون، وإلى أن لكل إنسان أن يأمن على نفسه وماله وكرامته، ومنافعه على اختلافها.
براءة لا بد أن تثبت في نفوس الناس جميعاً واضحة لا يشوبها الشك، ناصعة لا يكدرها الريب، براءة يجب أن تكون قواماً لحياة الأفراد والجماعات وجزءاً من هذا اليقين الذي تمتلئ به القلوب، وتستريح إليه الضمائر، وتمكن الناس من أن يعيشوا أحراراً، مؤمنين بالحرية، ومن أن يعيشوا متحضرين واثقين بأن الحضارة وسيلة إلى الخير، والرقي، لا وسيلة إلى الشر والفساد.
براءة نطالب بها، ونلح فيها، ونرجو بل نحرص كل الحرص على أن تدل الحقائق الواقعة على أنها ثابتة جلية، وعلى أن الذين أثاروا حولها الشكوك، وسلطوا عليها الريب، قد دفعوا إلى ذلك مخطئين لا مصيبين ومتكلفين لا مصورين للحق الواقع المخيف، قد كثر الكلام في هذه الأيام حول ما يقال من اقتحام النائب العام لشؤون السياسة ودخوله فيها، واشتراكه في مشكلاتها التي تتعسر حيناً، وتتيسر حيناً آخر، وتتأثر على كل حال بالمنافع والطبائع، وبالأهواء والميول، وبهذه المؤثرات التي يجب أن يقتنع الناس أشد الاقتناع بأنها بعيدة كل البعد عاجزة كل العجز عن أن تبلغ النيابة والقضاء.
فالصحف كلها أو أكثرها على الأقل تتحدث بأن النائب العام قد أفتى في الأزمة القائمة حول وزيرين يراد إخراجهما من الوزارة، لأن إخراجهما لا يحسن أو لا تجوز قبل أن يصدر فيهما حكم القضاء، وليس النائب العام وزيراً، ولا شيئاً يشبه الوزير في مصر وهو من أجل ذلك ليس عضواً في مجلس الوزراء، وليس هو مستشاراً ملكياً لمجلس الوزراء أو لوزارة من الوزارات، فليس له إذن أن يشير فيما يعرض للدولة من المشكلات السياسية، وطبيعة منصبه تفرض عليه، وتفرض على الوزارة مهما تكن، أن يظل بعيداً كل البعد عن السياسة ومشكلاتها، وإذن فقد كنا ننتظر، بل لم نكن نشك لحظة، في أن هذه الأنباء التي سبقت المقطم إلى إذاعتها يوم الثلاثاء، ثم أذاعتها الصحف بعد ذلك إذاعة متصلة، ستكذب في أسرع وقت أشد تكذيب وأصرحه وأقطعه، وأبلغه في إزالة الريب. ولكن يوم الثلاثاء مضى وتبعه يوم الأربعاء، وتبعهما يوم الخميس، ولم يكذب النائب العام هذا الحديث، ولم يكذبه رئيس الوزراء ولم يكذبه وزير الحقانية، ولم يكذبه أحد من الناس، بل نشرت الصحف وما زالت تنشر أن قضية السياسة التي تقع فيها الخصومة بين الوزيرين وبين الأستاذ حفني بك محمود لم تكن مثبتة بين القضايا التي تنظر في شهر نوفمبر، فأثبتت بينها.
ونشرت الصحف وما زالت تنشر أن محكمة الجنايات كانت ستجلس للقضاء في الثالث عشر من شهر نوفمبر. فتقرر أن تجلس في الخامس من هذا الشهر، وصرح رئيس الوزراء بأن أمر هذين الوزيرين سينجلي بعد أن يصدر حكم القضاء. ومعنى ذلك أنهما سيبقيان إذا أدين المتهم، وسيخرجان من الحكم إذا برئ المتهم. ومعنى ذلك أن القضاء لن يفصل في خصومة بين الوزيرين وكاتب من الكتاب فحسب، بل سيفصل في خصومة سياسية خالصة بين الوزراء والإنجليز، ومعنى هذا كله أن ما نشرته الصحف من اشتراك النائب العام في حل المشكلات السياسية، أو معالجة حلها من حيث هو نائب عام صحيح أو راجح، أو محتمل ما دام لم يكذب إلى الآن. وإذن فمن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق السياسة وبعيد عنها ومن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق الأحزاب، وبعيد عنها، لأن السياسة في مصر الآن هي سياسة أحزاب فمن اشترك فيها واحتمل أثقالها فهو حزبي والناس يعلمون أن النائب العام أمين على الدعوى العامة، والدعوى العامة ليست، ولا ينبغي أن تكون ملكاً لحزب من الأحزاب، وإنما النائب العام يمثل الجماعة كلها، حين يحمل أمانتها وليس يعنينا الآن أن يكون من الخير أو من الشر، في رأي أصحاب السياسة والقانون والفقه، أن يشترك النائب العام في السياسة الحزبية فليست الصحف موضع هذا البحث أثناء هذه الأزمة، وإنما الذي يعنينا هو أن الأمر المقرر في مصر إلى الآن، بعد النائب العام عن السياسة ومشكلاتها وعن الأحزاب وما تثير من الخصومات. فيجب أن نعلم هل تغير الأمر وهل أصبح مقرراً أن النائب العام عضو من أعضاء الوزارة أو شريك للوزارة في السياسة يحتمل معها تبعات السياسة، ويذهب معها مذاهبها السياسية المختلفة؟
نحب أن نعلم هذا ليطمئن المعارضون إلى أنهم قد يشقون اليوم، ولكنهم قد يسعدون غداً فيكون لهم نائب عام حين يطوق الحكم يشاركهم في السياسة ويذهب معهم مذاهبهم فيها وإذن فستنقل الدعوى العامة بين الأحزاب كما تنقل الوزارات، وإذن فستجري أمور النيابة كما تجري أمور الوزارات، وما دامت الأيام دولاً فليشق خصوم الوزارة اليوم ليسعدوا إذا كان الغد، وليشق أنصار الحكومة يوم تدور عليهم الدائرة. وما نظن أن هذا الأمر يستقيم وما نظن أن النائب العام يرضاه، وما نظن أن ضميره القضائي وثقافته الفقهية يبيحان له السكوت عليه، وما نظن أن النائب العام يستطيع أن يمضي فيما مضى فيه من الصمت إلى الآن، وهو الدقيق في كل ما يمس النيابة. وإذن فما زلنا ننتظر أن يصدر النائب العام بياناً صريحاً ينفي ما يقوله الناس وتذيعه الصحف، من أنه اشترك في السياسة وعالج مشكلاتها؟
وشيء آخر لا نتصور أن يسكت النائب العام عليه نشرته السياسة أمس وعادت فأشارت إليه اليوم وهو يمس مستشارين من أعضاء محكمة الجنايات زعمت السياسة أن النائب العام قاله للأستاذ الكبير الهلباوي بك، وكنا واثقين بأن ظهر أمس لن يأتي حتى يكون بيان النائب العام قد صدر بإنكار هذا الذي نشرته السياسة بل كنا نعتقد موقنين أن النائب العام لن يكتفي بالإنكار بل قد يتجاوزه إلى شيء آخر، وهو الذي حقق مع نقيب المحامين، ثم حقق مع رئيس الوفد ونقيب المحامين، ثم حقق مع الأستاذ قاسم، لأنهم عرضوا له بالنقد وما نظن أن شخص النائب العام آثر عنده وأكرم عليه من قدس القضاء. وإذن فالنائب العام يعذرنا من غير شك حين نلح عليه في أن يقنع الناس جميعاً ببراءته الساطعة الناصعة من اقتحام السياسة من جهة، ومما حمل عليه في شأن بعض المستشارين من جهة أخرى. والنائب العام يوافقه على أن لا يتجاوز القصد والاعتدال، وتأدية أيسر ما يجب علينا للعدل حين نطالبه بأن يرد إلى الناس ما ينبغي من الثقة والاطمئنان إلى أن الدعوى العمومية لا تزال مصرية للمصريين لا حزبية للأحزاب.
طه حسين
الوادي، ٢٦ أكتوبر ١٩٣٤. -
كارثة … | Catastrophe…
حديث المساء: كارثة …
طه حسين
كوكب الشرق
١٦ نوفمبر ١٩٣٣
يجب أن يتنبَّه لها الغافلون، ويفيق الذاهلون، ويستيقظ النائمون، وأن يأخذ المصريون حذرهم؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو يسعون إليها، وقد أصبح الأمد بينهم وبينها قصيرًا، حتى إن صوتها المنكر ليبلغ الآذان، وحتى إن شبحها القبيح المخيف ليؤذي العيون، وحتى إن ريحها الخانق ليفسد الجو، وحتى إن حركتها لتوجب على كل مصري أن يتأهب لردها، ويتهيأ لصدها، ويستيقن أن الغفلة قد أصبحت جناية، وأن التنبيه قد أصبح فرضًا، وأن النوم قد أصبح إثمًا، وأن اليقظة قد أصبحت واجبًا محتومًا.
يجب أن ينتبَّه المصريون؛ فإن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا ثلاثة أعوام، بل أكثر من ثلاثة أعوام قد أخذت تتكشف عن نتائجها المنكرة، وتتمخض عن آثارها السُّود، وإذا لم يتنبَّه المصريون الآن، ولم يفرقوا، فقد يتنبهون حين لا ينفع التنبه وقد يندمون حين لا ينفع الندم، وقد يحتملون من الجهد والمشقة ما يستطيعون اتقاءه منذ الآن.
إن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا أكثر من ثلاثة أعوام قد انتهت إلى ما لم يكن منه بد، فأفسدت الإدارة حتى اتُّهِم الموظفون في ذممهم وضمائرهم، وحتى أصبحت أمانتهم موضع الشك ونزاهتهم موضع البحث، وحتى أخذ المصري المخلص يستحي لنفسه ولوطنه من هذه المخزيات التي يتقاذف بها زعماء الحكم في هذه الأيام. هذا يثير فضيحة الكورنيش وهذا يثير فضيحة القطن، وهذا يدافع عن نفسه فيتهم وزيرًا قائمًا، وهذا الوزير القائم يدافع عن نفسه فيتهم رئيس الوزارة المستقيلة، وهذا الوزير القائم يقذف وزيرًا سابقًا، وهذا الوزير السابق يذعن ويستخذي، ويلزم الصمت ويؤثر الهرب ويلوذ بالسكوت، وهذا النائب يتهم المديرين بأنهم يحاولون تسخير النواب لما تحب الوزارة، وهذا النائب الآخر يتهم وزير الداخلية بأنه يرغب في تسخير النواب لما تريد الوزارة، وهذه الصحيفة تتهم وزيرًا بالامتناع عن دفع الضرائب وتتهم وزيرًا آخر بمواطأته على ذلك ورفع الحجز عنه على غير ما يقضي به القانون، وهذا النائب يسأل وزير المالية عن هذه القصة فلا يجيب، وهذه الصحيفة تتهم موظفًا كبيرًا بأنه يستخدم أدوات الحكومة لإصلاح ملكه الخاص، وهذه الصحيفة تتهم وزير المعارف بمخالفة القانون، جهرة في أمور الجامعة، وبكتابة مذكرة إلى مجلس الوزراء لا تلائم الحق. والوزارة مضطربة مرتبكة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف ماذا تقول.
أفسدت محنة صدقي باشا إذن الإدارة حتى ظهر الفساد من كل وجه وشاعت كلمة السوء في كل مكان، وساء ظن الناس بحكامهم، وذهبت ثقة الناس لسلطان الدولة، ونتج عن هذا كله فساد منكر في الأخلاق، فكثر الدس والكيد، وفشت السعاية والوشاية، وعم النفاق والكذب، وأصبح المصري يلقى المصري فلا يتحدث إليه إلا عن هذه المخزيات، وأصبح الموظف يلقى الموظف، فلا يجادله إلا في هذه المنكرات، وأصبح الناس لا يأمن بعضهم بعضًا، ولا يطمئن بعضهم إلى بعض، وأصبح الرجل إذا تحدَّث إلى الرجل، لا يأمن أن يكون ساعيًا به وجاسوسًا عليه. وانتهى أمر المصريين إلى حياة فاسدة مُسمَّمة، لا يثمر فيها الجهد الصالح، ولا يُغْنِي فيها الميل إلى الخير، وإنما هي شياطين زرق العيون، سُود الوجوه، كاشرات عن أنياب حداد، باسطات أيديًا آثمة ظالمة، تدفع الناس دفعًا إلى الشر لا هوادة فيه، ولا راحة منه، فهم ينحدرون وينحدرون، وهم يوشكون أن ينتهوا إلى الحضيض.
أفسدت محنة صدقي باشا أمور الإدارة وأمور الأخلاق، وأفسدت أمور السياسة أيضًا فشُغِل الناس عن غدهم بيومهم، وشُغِل الناس عن مسائهم بصباحهم، وشُغِل الناس عن الاستقلال بالتماس القوت، وساء ظن الأجنبي بهؤلاء الناس الذين فسدت أمورهم كلها، واضطربت أمورهم كلها، وشغلتهم صغائر الأمور عن عظائمها، وألهاهم طلب المنافع العاجلة عن التفكير في الآمال القومية.
ومتى فكر الإنجليز في أن يفاوضوا قومًا وصلت أمورهم من الفساد إلى هذه الحال؟!
أفسدَتْ محنةُ صدقي باشا أمورَ الإدارة، والأخلاق، والسياسة. فأما أمور الاقتصاد فقُلْ في فسادها ما شئت، فلن يستطيع أحد أن يجادلك أو ينازعك، وإن أبى وزير المالية إلا أن يزعم للإجيبشين غازيت أن أمور الاقتصاد بخير، وإن أبى وزير المالية إلا أن يعلن إلى الإجيبشين غازيت، أنه لن يساعد المدينين، ولن يكف عنهم أيدي المصارف حتى يؤدوا بعض ما عليهم.
كل شيء قد فسد وانتهى من الفساد إلى طور مزعج مخيف، ولم يكن بد بعد هذا من أن يظهر الإنجليز من وراء الستار، ومن أن يخرج الإنجليز من حيادهم المزيف الموهوم، وكل شيء يدل الآن على أنهم يريدون أن يفعلوا أو يوشكون أن يفعلوا أو هم قد بدءوا يفعلون.
هذه أنباء تُذاع في صحف اليوم يمر بها الناس سراعًا، ومن حقهم أن يقفوا عندها فيطيلوا الوقوف يقرؤها الناس متعجلين، ومن حقهم أن يقرءوها في تمهل وأناة يهز الناس لها رءوسهم، ويرفع الناس لها أكتافهم، من حقهم أن يتدبروها فيُمْعِنوا التدبر، ويفكروا فيها فيطيلوا التفكير، ويقدِّروا عواقبها، ويتقوا هذه العواقب فإنها الكوارث المنكرة لا أكثر ولا أقل.
هذا رئيس الوزراء يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعتين في الصباح، وهذا رئيس حزب الشعب يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعةً في المساء، أفنستطيع أن نفهم هذه المصادفة الغريبة، ونُؤَوِّل هذه المفاجأة المدهشة؟! رجلان يختلفان أشد الاختلاف ويختصمان أشد الاختصام، أيهما يظفر بالكثرة في حزب الشعب، ثم يتقاذف أنصارهما بأشنع التهم، وأقبح الفضائح، ثم يسعى الساعون بينهما في الصلح، فلا يزداد الأمر بينهما إلا فسادًا، ثم تُذاع أنباء التحقيق، ويتحدث الناس عما قد يكشف عنه التحقيق، ثم تذيع الصحف في أثناء هذا كله أن أحدهما لقي المندوب السامي في الصباح وأن الآخر لقيه في المساء!
أكانت مصادفة هذه الزيارة التي كانت في المساء، بعد تلك الزيارة التي كانت في الصباح، أم هو المندوب السامي قد أصبح حكمًا بين الرجلين المختصمين؟! ومن الذي جعله حكمًا؟! أهما المختصمان؟! فيا له من نكر ليس بعده نكر! أم هو المندوب السامي نفسه قد حرج من الحياد، وفرض نفسه فرضًا، أو تطوع بالسعي ليمحو الخلاف، ويضع مكانه الوفاق؟!
والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهذه الأهرام لا تتحرج من أن تنبئنا بأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى المندوب السامي صباح أمس في تعديل الوزارة وفي نقل وزير المالية إلى وزارة الخارجية، ونقل نفسه إلى وزارة المالية.
ماذا؟! أين نحن وفي أي زمن نعيش؟! أبلغ الأمر بنا أن تُعرَض الأمور في الصحف على هذا النحو؟! أحقٌّ أن رئيس الوزراء تحدَّثَ إلى المندوب السامي في نقل وزير من وزارة إلى وزارة؟! فإن كان هذا حقًّا، فهل بدأ رئيس الوزراء هذا الحديث ليعرض الأمر على المندوب السامي؟ أم هل بدأ المندوب السامي هذا الحديث ليفرض الأمر على رئيس الوزراء، أو ليوحي بالأمر إلى رئيس الوزراء؟ وكيف جال في الصحف أن رئيس الوزراء تحدَّث في شيء كهذا إلى المندوب السامي؟ أقبل الحرب نحن أم بعد الحرب؟ أفي أيام الاحتلال نحن أم في أيام الاستقلال؟ يجب أن يقول رئيس الوزارة في هذا شيئًا، بل شيئًا صريحًا واضحًا يزيل اللبس ويمحو الغموض ويحفظ الكرامة، فقد يظهر أن الكرامة المصرية تؤذيها مثل هذه الأنباء إن لم تكن حقًّا، فكيف بها إذا كانت حقًّا؟!
وتزعم الأهرام أن الأمر قد تحرج بين وزير المالية وبين رجال وزارته من المصريين والأجانب حتى انقطع التعاون بينهم وبينه، وحتى لم يبقَ بد من نقل الوزير. ماذا؟! أين نحن؟! من الذي يُنقَل إذا وقع الخلاف بينه وبين الوزير؟ أهو الموظف المسئول أمام الوزير أم هو الوزير المسئول أمام البرلمان؟! ومن الذي يقضي فيما يقع بين الوزير وموظفيه من خلاف، أهو مجلس الوزراء أم هو المندوب السامي؟!
هل يسمع المصريون؟! هل يفهم المصريون؟! هل يرى المصريون إلى أين انتهت أمور الحكم فيهم؟!
والأمر لا يقف عند هذا الحد، فهذه السياسة تنبئنا صباح اليوم بأن وكيل المالية، صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا قد لقي المستشار المالي أمس، وقضى معه وقتًا طويلًا. ثم تنبئنا بعد ذلك مباشرة بأن وكيل المالية لم يستقِل، ولم يفكر في الاستقالة، رغم ما بينه وبين وزير المالية من خلاف، ولم يستقِل وكيل المالية! والتعديل الذي تحدث فيه رئيس الوزراء إلى المندوب السامي أمس وسيعرضه على جلالة الملك غدًا — فيما تقول الأهرام — سيريحه من التفكير، ويرد الأمر إليه في وزارة المالية كما كان من قبل.
ووزير المالية نفسه يتحدث إلى الإجيبشين غازيت لا إلى غيرها من الصحف العربية، فيقول إنه قد نبَّه الموظفين في وزارة المالية إلى أن على رأسهم وزيرًا، وهل كان الموظفون قد نسوا أن لهم وزيرًا؟ ومن الذي أنساهم أن لهم وزيرًا؟
وهل أحسن الوزير أم هل أساء حين نبَّه الموظفين إلى أنه موجود؟ وهل قَبِلَ الوزير أم هل لم يَقْبَلْ ما يُقال من أنَّه سيُنقَل إلى وزارة الخارجية نقلًا؟ وهل هذه الخاتمة هي الثورة المالية الخطيرة التي تحدثت بها الصحف عن وزير المالية في الداخل والخارج، قبل أن يرقى إلى منصب الحكم؟ وهل يُراد أن نفهم من كل هذه الأحداث أن الإنجليز قد اقتنعوا، أو قد أقنعوا أنفسهم بأن المصريين لا ينبغي أن يتركوا لأنفسهم، ولا أن يفلتوا من السيطرة الإنجليزية الدقيقة على الصغير والكبير من أمورهم؟ وهل يرضى المصريون أن تعود الصلة بينهم وبين الإنجليز إلى ما كانت عليه قبل إعلان الاستقلال؟
يجب أن يتنبه المصريون؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو هم يسعون إليها، وإن جهودهم وضحاياهم توشك أن تضيع. -
حلول | Solutions
حلول
لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣ -
مفاوضة | Negotiation
مفاوضة
ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣. -
شئون | Affairs
حديث اليوم: شئون
طه حسين
جريدة السياسة
١٢ يوليو ١٩٣٢
كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!
وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.
وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.
وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.
كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.
ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.
وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.
وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.
وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!
نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.
كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!
أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.
وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.
الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.
الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.
نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.
هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.
نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.
ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!