أصداء النيل
للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
طه حسين
جريدة الأهرام
١٣ مارس ١٩٥٧
أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.
هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.
بدوي النشأة
ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.
وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».
الجزء الأول
وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.
كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.
هذا الجهد
وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.
واقرأ معي هذه الأبيات:
طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
القافية التامة
وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:
قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.
وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.
شطره الأخير
وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.
وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.
يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:
ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.
وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.
مر الليالي
وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.
كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.
والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.
وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.
الشعراء يرضون
فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»
وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.
بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
وفيها يقول:
اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:
أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.
وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.
ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.
وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.
فاسمع له كيف يقول:
مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.
ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.
وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.
واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.
وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟
فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.
والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:
على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!
وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.
وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.
أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.
وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.
وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.
وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.
ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.
ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.
والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.
والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:
وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:
إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.
Tag: الأسلوب الشعري
-
أصداء النيل | Echoes of the Nile
-
ابن الرومي وشعره | Ibn al-Rumi and His Poetry
ابن الرومي وشعره – النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور طه حسين بقاعة بورت التذكارية
طه حسين
كوكب الشرق
١٨ مارس ١٩٣٣
محاضرة الدكتور
أيها السادة:
كنتُ أود لو استمر الحال على ما كان عليه، ومضى الأستاذ جيفري في حديثه عن ابن الرومي، فقد يكون من الخير لي أن أستفيد مما كان يُلقِيه، وقد يكون من الخير لكم أن تستمعوا أيضًا إليه؛ فقد كان يأتيكم من غير شك بخير مما ستسمعون. الحديث عن ابن الرومي يخالف الأحاديث عن غيره من الشعراء حاشا أبا تمام، ومصدر هذا ما قاله الأستاذ جيفري، وما تجدونه في الكتب العربية قديمها وحديثها من أنَّ أصل هذا الشاعر يوناني صريح، لا يحتمل شكًّا ولا خلافًا، وأنَّ ابن الرومي كان قريبًا جدًّا من أصله اليوناني، لم يبعد العهد به فلم تضعف وراثته، ولم يتأثر كثيرًا بوراثات أخرى، فهو إذن بطبيعته وفنه مخالِف كل المخالفة لكثرة الشعراء الذين عرفناهم في القرون الأولى للهجرة.
حياة ابن الرومي كحياة غيره من الشعراء المعاصرين مجهولة أو كالمجهولة، فنحن نعلم أنه وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وأنه مات بين سنة ست وسبعين ومائتين، وسنة أربع وثمانين ومائتين، ونحن نعلم أنه مات مسمومًا، وأنَّ الذي سمَّه أو أمر مَن سمَّه هو القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يكرهه ويشفق منه، فأغرى به مَن أطعمه شيئًا فيه السم. ونحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، لم يكن محبَّبًا إلى الناس، وإنما كان بغيضًا إليهم، وكان محسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سُوء حظه، بل ربما كان سُوء حظه من سُوء طبيعته؛ فقد كان حادَّ المزاج مضطربه، معتلَّ الطبع ضعيفَ الأعصاب، حادَّ الحس جدًّا يكاد يبلغ من ذلك الإسراف، وكان هذا كله قد أعطاه عن الحياة صورة رديئة من ناحية، ومحبَّبة من ناحية أخرى؛ كان اضطراب مزاجه يبغض فيه الناس ويسيء رأيه فيهم، ولكن قوة حسه ورِقَّة طبعه كانت تحبِّب إليه كل اللذات، فكان يجمع بين الخصلتين، فهو رجل يحب اللذة ويسرف فيها ويتهالك عليها، فهو إذن محبٌّ للحياة أشد الحب، وهو في الوقت نفسه مبغض للأحياء قبيح الرأي فيهم، يتبرم بهم أشد التبرم، ويود لو استطاع أن يتخلص منهم. أما الأحياء فكانوا يبغضونه كما كان يبغضهم، وأما الحياة فلست أدري أكانت تحبه أم كانت تبغضه، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه أخذ من اللذات بحظ لا بأس به، ولعله أسرف في ذلك، فضاعَفَ ما كان يجده من ألم، وضاعَفَ ما كان في أعصابه من اضطراب وفي مزاجه من فساد.
وكلكم يعلم ما يتحدث به الناس عن ابن الرومي، من أنه كان يتطيَّر ويسرف في الطيرة، حتى كان ذلك يؤثِّر في حياته ومزاجه تأثيرًا شديدًا، وكان يضطره إلى أن يلزم بيته أيامًا لا يخرج؛ إما لأنه رأى جاره الأحدب، أو لأنه سمع صاحبًا له هو علي بن سليمان الأخفش عبث به مرة كعادته، فمرَّ عليه في الصباح فدَقَّ الباب، فإذا قيل: مَن الطارق؟ أجاب مرة: ابن حنظلة، فتشاءم بهذا الاسم، وأقسم لا يخرج، وكان هذا يضطره أن يعذب نفسه ويعذب مَن معه.
هذا أكثر أو كل ما نعرفه عن ابن الرومي، وهو — كما ترون — ليس بالشيء الكثير، بل نحن نعرف شيئًا آخَر، وهو أنَّ سوء حظ ابن الرومي لم يلزمه في حياته فحسب، بل لزمه بعد ذلك، فديوان ابن الرومي من أكبر دواوين الشعر العربي، بل لعله أكبرها وأضخمها، وهو أقلها انتشارًا، ولعله لم يُطبَع إلى الآن، بل لم يُطبَع منه إلا جزء صغير ومختارات اختارها كاتب أديب من هذا الديوان، فهو إذن سيئ الحظ في حياته وبعد موته. ويقال إنَّ تشاؤمه وتطيُّره قد أصاب ديوانه أيضًا، فلم يعرض له أحد إلا أصابه شيء، فبعض الناس يتندر بذلك لأن الأستاذ العقاد أراد أن يكتب عنه فسُجِن، وأرجو ألا تكون محاضرتنا عنه مصدرَ شيء من هذه الأشياء التي أعيذكم منها أنتم، أن لم أعِذْ منها نفسي.
قلتُ: إنَّ ابن الرومي يخالف غيره من الشعراء الذين عاصروه أو جاءوا قبله، إلا واحدًا هو أبو تمام، وذلك أنَّ طبيعة أبي تمام الشعرية مشبهة لطبيعة ابن الرومي من وجوه؛ فهما متفقان من حيث إنهما يعتمدان اعتمادًا شديدًا جدًّا على العقل في شعرهما، وهما لا يستسلمان للخيال وحده، وإنما يتخذان الخيال وسيلةً إلى تحقيق ما يريده العقل، وهما يتفقان في أنهما حريصان كل الحرص على تعمُّق المعاني، وعلى استيفائها منها واستقصائها والمبالغة في هذا الاستقصاء، حتى يأتيا بالأشياء الغريبة التي يضيق بها الناس الذين تعوَّدوا أن يقرءوا المألوف من الشعر، وهما لا يرضيان أن يكون أحدهما عبدًا للغة، وإنما يبيحان لنفسيهما تصريفها كما يريدان وكما تريد المعاني، دون أن يخضعا للتشدد في أصولها ومراعاة قواعدها، يتفقان في هذا كله، ويختلفان بعد ذلك بعض الاختلاف؛ فأبو تمام أحرص جدًّا من ابن الرومي على متانة اللفظ وروعته في أغلب شعره، لا يعدل عن هذه المتانة، ولا ينصرف عن هذه الروعة إلا حين يضطره المعنى إلى ذلك اضطرارًا لا مخرج له منه، أما ابن الرومي فهو سهل في شعره، لا يريد أن يشق على نفسه ولا على سامعيه، وهو يرسل لسانه على سجيته كما يرسل نفسه على سجيتها، فهو من أقل الشعراء كلفًا بالغريب وإيرادًا له، وعنايته بالجمال اللفظي قد تُحَسُّ أحيانًا، ولكنها تُلتمَس فلا توجد في كثير من الأحيان، وقد تروعك سهولة اللفظ في البيت أو البيتين، ولكنك لا تستطيع أن تقرأ قصيدة كاملة دون أن تجد في هذه القصيدة من الألفاظ ما يغيظك أحيانًا، ويضيق به صدرك أحيانًا أخرى. ثم هما يختلفان من ناحية أخرى في أنَّ أبا تمام كان شديد الحرص على البديع والمحسنات البديعية، أو بعبارة أصح كان شديد الحرص على جمال الصنعة الفنية في الشعر؛ فهو كان يتتبع الاستعارة ويسرف في تتبُّعها، ويجدُّ ما استطاع في طلب الجناس والمطابقة وما إلى هذه الأنواع من المحسنات البديعية، وهو كان يجد في هذه الأشياء جمالًا لا بدَّ منه، وكان يحرص على أن يلائم بين جمال الألفاظ وجمال المعاني.
أما ابن الرومي فهو لا يتحرج من البديع، ولكنه لا يتهالك عليه، وكما أنه لا يكلف بالغريب ولا يتكلف متانة اللفظ ولا جزالته ولا رصانته، فهو كذلك لا يكلف بهذا الطباق أو الجناس، إن وُفِّقَ إلى هذه الأشياء فذاك، وإن لم يُوفَّق فلا يعنيه.
وهما يختلفان من ناحية ثالثة؛ فأبو تمام شاعر كغيره من الشعراء، قصائده متوسطة لا تسرف في الطول وله مقطوعات، أما ابن الرومي فشاعر مطيل ومطيل جدًّا، يبلغ بقصيدته المئات من الأبيات، وهذا الاختلاف بين الشاعرين في إطالة القصيدة مصدره واضح جدًّا، وهو أنَّ الشاعرين وإن اتفقا في الغوص على المعاني، فهما يختلفان في مقدار هذا الغوص، أو بعبارة أدق في مقدار البسط والتفصيل في المعاني التي يظفران بها، أما أبو تمام فهو يبحث عن المعنى، ويجدُّ في التماسه، ويظفر به ويعرضه عليك عرضًا متوسطًا لا يطيل فيه ولا يسرف، بل في نفسه شيء من الاحترام لك، والاعتراف بأن لك عقلًا يستطيع أن يتمَّ ما لم يتمه هو، والاطمئنان إلى أنك ستتم هذا المعنى اتمامًا حسنًا، دون أن تقصر أو دون أن تغلو، فهو إذن يفصِّل المعنى، ولكنه لا يسرف في التفصيل، ويهمل الزوائد ويتجافى عن الأطراف.
أما ابن الرومي فالأمر في شعره ليس كذلك، فهو يمضي مع أبي تمام في الغوص على المعنى والتفتيش والجد في طلبه حتى يبلغ المعنى الجيد، فإذا ظفر بهذا المعنى ساء ظنه بالناس في الأدب كما يسوء ظنه بهم في الحياة العملية، فكما أنه كان يعتقد أنَّ الناس ليسوا أخيارًا في معاملتهم، فهو كذلك كان يعتقد أنَّ حظ الناس من الذكاء ليس بحيث يمكنه من أن يطمئن إليهم في فهم المعاني، فهو إذن كان حريصًا على أن يتم هو معانيه، ويستقصي البحث والعرض حتى لا يتعرض لأي عبث من الذين يسمعونه أو يقرءونه، ومن هنا كان المعنى الذي يستطيع أبو تمام أن يعرضه في بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة على أكثر تقدير، يطيل فيه ابن الرومي في الأبيات التي تبلغ العشرة أو تتجاوزها، ومصدر هذا — كما قلت — هو أخذ أبي تمام بما لا بد منه وثقته بعقل الناس، وحرص ابن الرومي على أن يصل إلى كل شيء وعدم اطمئنانه إلى الذين يسمعونه أو يقرءونه.
هل أقول أيضًا إنَّ علم أبي تمام باللغة العربية والأدب العربي كان أوسع وأعمق من علم ابن الرومي بهذه اللغة وهذا الأدب؟ الواقع أنَّ القدماء قد اتهموا أبا تمام بالسرقة لأنه كان كثير الرواية للشعر، يطيل النظر فيه، وظنوا أنه أسرف في استغلاله، ولستُ أدري أكان هذا صحيحًا، ولكن الذي لا شك فيه أنَّ إطالة الرواية وإطالة النظر في أشعار القدماء قد أثَّرت في لفظ أبي تمام، فجعلته من أرصن ألفاظ الشعراء في عصره، بينما ابن الرومي لم يُعرَف عنه تَعمُّقٌ كتعمُّق أبي تمام في الرواية ولا في اللغة، وإنما كان حظه من هذا كحظ غيره من الشعراء الذين عاصروه، فهو إذن لا يمتاز بكثرة الرواية كما امتاز البحتري وأبو تمام؛ فليس غريبًا أن يظهر أثر هذا في شعره، وأن يكون شعره من أسهل الشعر الذي نعرفه في القرن الثالث للهجرة.
لفظ ابن الرومي غير متين، بل ربما كانت الجزالة والرصانة فيه نادرة، وشعره في هذه الناحية أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، قريب إلى النثر من ناحيتين: إحداهما تعمُّده التفصيل والبسط والإجادة في أداء المعاني التي يريد أن يؤديها، فالذي نعرفه — لا في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات على اختلافها — أنَّ الشعراء ليسوا في حاجة إلى الإطناب، ولا في حاجة إلى التفصيل الشديد، وأنَّ الجمال الشعري ربما اعتمد على الإيجاز دون التفصيل أو اللمحة الدالة كما يقولون، أما التفصيل والبسط والتطويل فهو من خصائص النثر ومن مزاياه، فمن هذه الجهة — جهة التفصيل والإطالة — ربما فسد شعر ابن الرومي بعض الشيء؛ لأن الشعر كما قلت لكم لا يحتاج إلى كل هذه الإطالة، ولا إلى هذا التفصيل الذي أمَلَّ القدماء، والذي أمَلَّ ابن الرومي نفسه واضطره أن يعتذر في بعض قصائده من الإطالة.
الشعر لا يحتمل هذه الإطالة في المعاني الغنائية، وهو إذا احتمله في القصص فقلَّ أن يحتمله في غيره.
وأما الناحية الأخرى التي تقرِّب شعر ابن الرومي من النثر، فهي هذه السهولة في اللفظ والإعراض عن التجويد اللفظي، فابن الرومي يبلغ من ذلك ما يريد أحيانًا، ولكنه لا يريد هذه الإجادة في كثير من الأحيان، ويكفي أن تقرءوا قصيدةً لابن الرومي، فسترون فيها متانة عارضة، ولكنكم سترون فيها شيئًا يشبه العلة الدائمة في شعر ابن الرومي، وهو هذا اللفظ الذي يقرب من أذهان الناس جميعًا حتى يكاد يبلغ حد الابتذال.
بعد هذه المقارنة السريعة بين شعر ابن الرومي وأبي تمام بوجه عام، أريد أن ألفتكم إلى الخصائص التي تميِّز شعر ابن الرومي من الشعر العربي عامة، والتي تظهر فيها آثار طبيعته اليونانية وآثار ثقافته اليونانية، فقد يكون من الحق علينا أيضًا ألَّا نغلو في إضافة خصائص ابن الرومي إلى طبيعته اليونانية أو إلى الوراثة اليونانية فيه، بل قد يكون من الحق أن نلاحظ أنَّ التأثير اليوناني في شعر ابن الرومي إن عاد إلى الوراثة، فهو في الوقت نفسه يعود إلى الثقافة اليونانية الإسلامية.
لسنا نعرف أكان ابن الرومي يحسن اليونانية أم لا، وليست هناك نصوص تدلنا على أنه كان يعرف هذه اللغة معرفة تمكِّنه من أن يتصل بالآداب اليونانية مباشرةً.
وابن الرومي ليس يونانيًّا خالصًا، ولكنه يوناني من ناحية، وفارسي من ناحية أخرى، فإذا كان أبوه أو جده يونانيًّا فأمه فارسية، وإذن فالطبيعة الخاصة التي تؤثِّر فيه ليست هي الطبيعة اليونانية الخالصة ولا الطبيعة الفارسية الخالصة، إنما هي الطبيعة المختلطة، وإنما الذي كوَّن عقله ومَلَكته الشعرية هي ثقافته، وهذه الثقافة — فيما يظهر — كانت ثقافة متأثِّرة جدًّا بما عرفه المسلمون من الثقافات الأجنبية والعربية، وكانت في الوقت نفسه ثقافة عربية إسلامية، فهو على حظٍّ لا بأس به من العلم بالعربية ولغتها، وهو على حظٍّ لا بأس به من الدين الإسلامي وأحكامه، وحظٍّ عظيم مما كان يعرفه الرجل المثقف من علوم اليونان غير الإسلامية.
وأنا أضيف تكوين عقل ابن الرومي إلى الثقافة الإسلامية اليونانية أكثر مما أضيفه إلى وراثته اليونانية، ومن المحقق أنَّ اجتماع الثقافة إلى تلك الوراثة هو الذي كوَّن هذه الطبيعة الخاصة التي نجدها في شعر ابن الرومي.
نظرة ابن الرومي إلى الأشياء، ونظرته إلى الطبيعة، وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني؛ كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين، إلا في شعر أبي تمام كما قلت لكم.
ابن الرومي كان قوي الخيال جدًّا، وكان خياله بعيدًا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدًّا، وكان قوي الشعور؛ فكان إذا أَلَمَّ بمعنًى من المعاني تأثَّر به تأثُّرًا واضحًا، وربما كان أحسن ما يصوِّر لنا خاصيةَ ابن الرومي أو خصائصه في الشعر أن نقف وقفة قصيرة عند شيء من شعره، لنرى أنه كان يمتاز من الذين عاصروه ومن الذين تقدموه.
قبل أن أقف عند شيء من هذا الشعر أريد أن ألفتكم إلى نوع من النقد وُجِّه إلى أبي تمام كما وُجِّه إلى ابن الرومي؛ ذلك النقد هو أنَّ أبا تمام كان يضيف إلى الأشياء صفات ليس من المعقول أن تضاف إليها، فهم ينكرون مثلًا على أبي تمام أنه كان يشخِّص، فهو كان يجعل للدهر أخدعين، وكان يجعل الدهر طويلًا عريضًا، وكان يجعل الدهر شيئًا يُركَب، وكان يصوِّر هذه المعاني كما تُصوَّر الأشخاص، كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى الأشخاص والكائنات الحية، ويضيف إليها من الأوصاف ما لا يُضَاف إلا إلى الأشخاص أيضًا. هذا النقد وُجِّه إلى أبي تمام، وأسرف الآمدي وغير الآمدي في أخذه به، وزعموا حين نقدوا أبا تمام أنَّ هذا النوع من الاستعارة وُجِد عند المتقدمين، ولكن أقل جدًّا مما وُجِدَ عند أبي تمام.
هذا العيب — إن كان عيبًا — يوجد عند ابن الرومي أكثر جدًّا مما يوجد عند أبي تمام للسبب الذي قدَّمْتُه، وهو أنَّ وقوف ابن الرومي عند المعاني أطول جدًّا من وقوف أبي تمام عند هذه المعاني، ومتى كان الأمر كذلك فطول وقوف ابن الرومي عند المعاني يضطره إلى أن يطيل النظر فيها، فهو يتصرف فيها ويعبث بها أكثر مما كان أبو تمام يتصرف في معانيه. وإذا كان أبو تمام قد استطاع أن يجعل للدهر أخدعين، وأن يجعله طويلًا عريضًا، فإن ابن الرومي قد فعل ما هو أكثر من ذلك، فابن الرومي قد تصوَّر هذه المعاني على أنها أشخاص، ووقف هذه الأشخاص منه موقف المتحدث الذي يخاصمه ويطيل معه الخصومة، فهو أجرى في معانيه حياة وحركة من شأنها ألَّا تجري إلا في الكائنات الحية، ثم لم يكتفِ بذلك، بل جعل لهذه المعاني عقولًا تفكِّر وتقاضي، فهو إذن قد جعل معانيه أشخاصًا من الناس، وجعلها تفكِّر وتناقش على أصول المنطق، وهو إذن قد جعل معانيه كأنها أشخاص من الناس، وجعل الحياة ملعبًا أو مسرحًا من مسارح التمثيل، وجعل هذه المعاني هي الأشخاص أو أبطال القصة، هذا النحو من التفكير وهذا النحو من معالجة المعاني وإجراء التفكير فيما ليس من شأنه أن يفكر وإطالة هذا التفكير وهذا الحوار، من الأشياء التي تدل على أنها نتيجة من نتائج الطبيعة والثقافة اليونانية عند أبي تمام وابن الرومي، وهي هذه الطبيعة التي أنشأت فن التمثيل عند اليونان، والتي لم تستطع أن نتصور الشعر الغنائي نفسه كما تصوَّره العرب على أنه مجرد التعبير عن الآراء المختلفة والميول المتباينة، وإنما اضطرت إلى أن تثبت الحركة، واضطرت إلى أن يكون غناؤها نفسه تمثيلًا، وأن يتكلف غير واحد إنشاد الشعر الغنائي، فالشعر الغنائي عند اليونان لم يكن في أول الأمر يستقل بإنشاده شاعر واحد، وإنما كان يشاركه في ذلك شاعر آخَر، ويستعين بالمغنين والموقعين.
هذا النوع من الكثرة، أو من التعديد، أو من إيجاد المغايرة الظاهرة جدًّا بين الفرد الذي يتأثَّر بالمعاني ويحس العواطف، هذا النوع من التفكير هو الذي يميز ابن الرومي وأبا تمام عن الشعراء الذين تقدموهما أو عاصروهما.
ويكفي لأجل أن تفهموا هذا النوع أن تنظروا إلى هذه القصيدة التي يعاتب بها صاحبه وصديقه أبا القاسم الشطرنجي، انظروا إليه كيف يبدأ هذه القصيدة، وكيف يكون من الخصال السيئة التي اكتشفها عند صاحبه جماعة من الأشخاص يتحدث إليهم ويتحدثون إليه:
يَا أَخِي أَيْنَ رَيْعُ ذَاكَ اللِّقَاءِأَيْنَ مَا كَانَ بَيْنَنَا مِنْ صَفَاءِأَيْنَ مِصْدَاقُ شَاهِدٍ كَانَ يَحْكِيأَنَّكَ الْمُخْلِصُ الصَّحِيحُ الْإِخَاءِكَشَفَتْ مِنْكَ حَاجَتِي هَفَوَاتٍغُطِّيَتْ بُرْهَةً بِحُسْنِ اللِّقَاءِ
هذه الهفوات التي كشفتها حاجته عند صاحبه، هي التي سيشخصها ابن الرومي، وسيتخذ منها جماعة يسبغ عليهن ثوب النساء وسيتحدث إليهن، وسيكون بينه وبينهن حوار لو اتسعت اللغة العربية له لكان كالحوار التمثيلي، ولكنها لم تكن تتسع له في ذلك العصر، لم يسعه إلا أن يقول «قلتُ، وقُلْنَ»، أي أن يحدث بينه وبينهن سؤالًا وجوابًا «قُلْنَ وقلتُ».
تَرَكَتْنِي وَلَمْ أَكُنْ سَيِّئَ الظَّنـْـنِ أُسِيءُ الظُّنُونَ بِالْأَصْدِقَاءِ
انظروا أولًا إلى «الظن» و«الظنون» وإلى تكرار هذا اللفظ مفردًا في الشطر الأول، وجمعًا في الشطر الثاني، فهو يُحدِث لنا موسيقى كالبحتري حين كان يكرر الألفاظ أو يرشح في الشطر الأول للقافية التي تأتي في الشطر الثاني، كقوله:
وَحَسْنَاءَ لَمْ تُحْسِنْ صَنِيعًا وَرُبَّمَاصَبَوْتُ إِلَى حَسْنَاءَ سِيءَ صَنِيعُهَا
يقول ابن الرومي:
قُلْتُ لَمَّا بَدَتْ لِعَيْنِيَ شُنْعًارُبَّ شَوْهَاءَ فِي حَشَا حَسْنَاءِ
يقول إنه لما رأى هذه الخصال التي ظهرت له أساء ظنه بأصدقائه، ولم يكن من شأنه ذلك، وقال ربما توجد المرأة السيئة في ظل المرأة الحسناء، إذ ربما توجد الخصلة السيئة في ظل الخصال الحسنة.
لَيْتَنِي مَا هَتَكْتُ عَنْكُنَّ سِتْرًافَثَوَيْتُنَّ تَحْتَ ذَاكَ الْغِطَاءِ
في البيت السابق كان يتحدث إلى نفسه، ثم انتقل الحديث إلى هذه الخصال.
وأحب أن ألفتكم إلى شيء من الإهمال في هذا البيت، وهو قوله «ذاك» كأنه يتحدث إلى مفرد، ولكنه يتحدث إلى الجمع، ولست أقول إنَّ هذا خطأ، فإنه مألوف شائع، ولكني أقول إنَّ فيه إهمالًا في الذوق، وستجدون هذا الإهمال كثيرًا جدًّا في شعر ابن الرومي:
إن تزولا انكشافنا ما تجلتعنك ظلماء شبهة قتماء
يقول: لولا إننا ظهرنا ما تجلت عنكَ هذه الشبهة المظلمة، التي تغشك في صاحبك أبي القاسم.
قُلْتُ أعجب بِكُنَّ مِن كَاسِفَاتٍكَاشِفَاتٍ غَوَاشِي الظَّلْمَاءِقَدْ أفدتني مع الخبرِ بِالصَّاحِبِ أنَّ رُبَّ كَاسِفٍ مُسْتَضَاءِ
هنا يلم ابن الرومي بالبديع؛ كاسفات كاشفات «جناس» كاسف مستضاء، ونوع من المعاينة:
فلَنْ أعجب بمُهْتَدٍ يتمَنَّىأنَّه لم يَزَلْ عَلَى عَمْيَاءِكُنْتَ فِي شُبْهةٍ فزَالَتْ بِنَا عَنـْـكَ فَأَوْسَعْتَنَا مِنَ الْإِزْرَاءِوَتَمَنَّيْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحِيــرَةِ تَحْتَ الْعمَايَةِ الطَّخْبَاءِ
الخصال هي التي تتحدث إليه فتقول: إنك عجيب مهتدٍ، ولكنك تتمنى أن تظل حائرًا مع أننا نكشف عنك الشبهة:
قُلْتُ تَاللهِ لَيْسَ مِثْلِيَ مَنْ وَدْدَ ضَلَالًا وَحِيرَةً بِاهْتِدَاءِغَيْرَ أَنِّي وَدَدْتُ سَتْرَ صَدِيقِيبَدَلًا بِاسْتِفَاضِةِ الْأَنْبَاءِقُلْنَ هَذَا هَوًى فَعَرِّجْ عَلَى الْحَقْقِ وَخَلِّ الْهَوَى لِقَلْبٍ هَوَاءِ
أظنكم تلاحظون أنَّ الهوى كثير في هذا البيت:
لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَوَدَّ لِخِلٍّأَنَّهُ الدَّهْرُ كَامِنُ الْأَدْوَاءِبَلْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تُنَقِّرَ عَنْهُنـْـنَ وَإِلَّا فَأَنْتَ كَالْبُعَدَاءِإِنَّ بَحْثَ الطَّبِيبِ عَنْ دَاءِ ذِي الدَّاءِ لَأسُّ الشِّفَاءِ قَبْلَ الشِّفَاءِدُونَكَ الْكَشْفَ وَالْعِتَابَ فَقَوِّمْبِهِمَا كُلَّ خِلَّةٍ عَوْجَاءِ
فأنتم ترون إلى هذا الحوار بين ابن الرومي وبين هذه الخصال من صاحبه، وقد كان مغرمًا به مسرورًا من حُسن العشرة، وما كان يظهر له من أنه مخلص صحيح الإخلاص، ثم عرضت له حاجة فتقدم فيها إلى أخيه فلم يسعفه ولم يواته، فاستكشف أنه ليس كله حسنًا، وبدت له هذه العيوب شنيعة قبيحة، فأسف لأنه فتَّش عن صاحبه فبدت له عيوبه، ووَدَّ لو لم تظهر هذه العيوب، ولكن هذه الخصال نطقت بنفسها وقد أزلنا عنك الشبهة وعرفناك حقيقة الصديق، وهذا النحو هو الذي نجده في القصص التمثيلية اليونانية عند اسكيلوس أو سوفوكليس أو ايروبيد.
ثم يتحدث ابن الرومي إلى صديقه وصاحبه أبي القاسم في عتاب، فانظروا كيف يستقصي المعاني ولا يطمئن إلى الإيجاز، وإنما يفصِّل ويسرف في التفصيل:
يَا أَخِي هَبْكَ لَمْ تَهَبْ لِي مِنْ سَعْــيِكَ حَظًّا كَسَائِرِ الْبُخَلَاءِأَفَلَا كَانَ مِنْكَ رَدٌّ جَمِيلٌفِيهِ لِلنَّفْسِ رَاحَةٌ مِنْ عَنَاءِأَجَزَاءُ الصَّدِيقِ إِبْطَاؤُهُ الْعَشـْـوَةَ حَتَّى يَظَلَّ كَالْعَشْوَاءِتَارِكًا سَعْيَهُ اتِّكَالًا عَلَى سَعـْـيِكَ دُونَ الصِّحَابِ وَالشُّفَعَاءِكَالَّذِي غَرَّهُ السَّرَابُ بِمَا خَيْــيَلَ حَتَّى هَرَاقَ مَا فِي السِّقَاءِ
أراد أن يقول لصاحبه: هَبْكَ لم تُرِدْ أن تجيبني إلى ما طلبت، وهَبْكَ لم تُرِدْ أن تسعى إلى هذه الحاجة التي كلَّفْتُك السعي فيها، أَمَا كان ينبغي أن تجيب جوابًا حسنًا أستطيع أن أطمئن إليه؟ هذا هو المعنى الذي كان يريد أن يقوله، وقد فصلته هنا تفصيلًا، ويمكن الكاتب المجيد أن يوجزه أكثر مما قلتُ أنا، ولكن ابن الرومي لا يطمئن إلى ذكاء كاتب أو سامع في أن يستكمل المعنى ويتمه إذا ظفر به.
ثم يقول بعد ذلك:
يَا أَبَا الْقَاسِمَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِدَهْرِي قَطَعْتَ مَتْنَ الرَّجَاءِبِكرُ حَاجَات مَنْ يَعُدُّكَ لِلشِّدْدَةِ طَوْرًا وَتَارَةً لِلرَّخَاءِنِمْتَ عَنْهَا وَمَا لِمِثْلِكَ عُذْرٌعِنْدَ ذِي نُهْيَةٍ عَلَى الْإِغْفَاءِقَسَمًا لَوْ سَأَلْتُ أُخْرَى عُوَانًالَتَنَمَّرْتَ لِي مَعَ الْأَعْدَاءِلَا أُجَازِيكَ مِنْ غُرُورِكَ إِيَّايَ غُرُورًا وُقِيتَ سُوءَ الْجَزَاءِبَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنْتَ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
تلاحظون أنَّ في هذه الأبيات من أول «يا أخي» إلى آخر بيت وقفنا عنده عذوبةً في اللفظ، ورفقًا في الحديث، نلاحظ فيه العتاب بمعناه الصحيح، هو شيء بين الرضا والسخط، بل هو سخط يلبسه صاحبه ثوب الرضا، هو شيء قريب من الهجاء، ولكنه ليس هجاء … وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادةً لا حدَّ لها، فهو شديد على صاحبه، ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول:
بَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنَتْ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين.
مَا بِأَمْثَالِ مَا أَتَيْتَ مِنَ الْأَسـْـرِ يَحُلُّ الْفَتَى ذُرَى الْعَلْيَاءِلَا وَلَا يَكْسِبُ الْمَحَامِدَ فِي النَّاسِ وَلَا يَشْتَرِي جَمِيلَ الثَّنَاءِلَيْسَ مَنْ حَلَّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي أَنـْـتَ بِهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَوَفَاءِبَذَلَ الْوَعْدَ لِلْأَخِلَّاءِ سمْحًافَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِفَغَدَا كَالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيـْـنِ وَيَأْبَى الْإِثْمَارَ كُلَّ الْإِبَاءِلَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إنَّ الذي يريد أن يبلغ العلى وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل مَن بلغوا مرتبة في السماحة، يَعِدُ ثم لا يَفِي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول:
لَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة، وغالى حتى آلمه وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:
يَا أَخِي يَا أَخَا الدَّمَاثَةِ وَالرِّقـْـقَةِ وَالظَّرْفِ وَالْحِجَا وَالدَّهَاءِ
انظروا إلى كل هذه الصفات التي جمعها ورتَّبَها في هذا البيت، بعد هذا التقريع العنيف هو مضطر إلى أن يخفف من حدة هذا التوبيخ، فيأتي بهذا البيت يجمع فيه كل هذه الصفات الحسنة، وهي هنا أشبه بالدش البارد، ثم لا يكتفي بهذه الصفات، بل يفصِّل فيقول:
رُبَّمَا هَالَنِي وَحَيَّرَ عَقْلِيأَخْذُكَ الْلَاعِبِينَ بِالْبَأْسَاءِوَرِضَاهُمْ هُنَاكَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبـْـعِ وَأَدْنَى رِضَاكَ فِي الْإِرْبَاءِوَاحْتِرَاسُ الدُّهَاةِ مِنْكَ وَإِعْصَافُكَ بِالْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِعَنْ تَدَابِيرِكَ اللِّطَافِ اللَّوَاتِيهُنَّ أَخْفَى مِنْ مُسْتَسِرِّ الْهَبَاءِبَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِ
انظروا إلى هذا البيت، فهو من أجمل تشبيهات ابن الرومي، فهو يريد أن يقول إنَّ نبوغ صاحبه في لعب الشطرنج نبوغ خفي دقيق، كأنه السر في ضمير المحب الذي أفشى سره مرة فعُوقِبَ على هذا الإفشاء.
بَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِفَإِخَالُ الَّذِي تُدِيرُ عَلَى الْقَوْمِ حُرُوبًا دَوَائِرَ الْأَرْحَاءِوَأَظُنُّ افْتِرَاسَكَ الْقِرْنَ فَالْقِرْنَ مَنَايَا وَشِيكَةَ الْإِرْدَاءِوَأَرَى أَنَّ رُقْعَةَ الْأَدَمِ الْأَحـْـمَرِ أَرْضٌ عَلَلْتهَا بِدِمَاءِغَلِطَ النَّاسُ لَسْتَ تَلْعَبَ بِالشَّطـْـرَنْجِ لَكِنْ بَأَنْفَسِ اللُّعَبَاءِأَنْتَ جديهَا وَغَيْرُكَ مَنْ يَلـْـعَبُ إِنَّ الرِّجَالَ غَيْرَ النِّسَاءِلَكَ مَكْرٌ يَدِبُّ فِي الْقَوْمِ أَخْفَىمِنْ دَبِيبِ الْغِذَاءِ فِي الْأَعْضَاءِأَوْ دَبِيبِ الْملَالِ فِي مُسْتَهَامِيــنَ إِلَى غَايَةٍ مِنَ الْبَغْضَاءِ
(أو مسير القضاء)
انظروا إلى هذا البيت جيدًا:
أَوْ مَسِيرِ القَضَاءِ فِي ظُلَمِ الْغَيـْـبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِالْتِوَاءِأَوْ سُرَى الشَّيْبِ تَحْتَ لَيْلِ شَبَابٍمُسْتَحِيرٍ فِي لِمَّةٍ سَمْحَاءِدَبَّ فِيهَا لَهَا وَمِنْهَا إِلَيْهَافَاكْتَسَتْ لَوْنَ رثَّةٍ شَمْطَاءِتَقْتُلُ الشَّاهَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الرُّقـْـعَةِ طَبًّا بِالْقِتْلَةِ النَّكْرَاءِغَيْر مَا نَاظِرٍ بِعَيْنِكَ فِي الدَّسـْـتِ وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى الرُّسَلَاءِبَلْ تَرَاهَا وَأَنْتَ مُسْتَدْبِرُ الظَّهـْـرِ بِقَلْبٍ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَكَاءِمَا رَأَيْنَا سِوَاكَ قِرْنًا يُوَلِّيوَهْوَ يُرْدِي فَوَارِسَ الْهَيْجَاءِوَالْفُؤَادُ الذَّكِيُّ لِلمُطْرِقِ المُعـْـرِضِ عَينٌ يَرَى بِهَا مِنْ وَرَاءِتَقْرَأُ الدَّسْتَ ظَاهِرًا فَتُؤَدِّيــهِ جَمِيعًا كَأَحْفَظِ القُرَّاءِ
هذه الأبيات من أجمل ما قيل في اللغة العربية في لعب الشطرنج، ولكن ابن الرومي من غير شك لم يكن يريد أن يمدح صاحبه، ولا أن يتملقه ببراعته في لعب الشطرنج من حيث إنه بارع ماهر، وإنما هو يتخذ هذا الوصف والثناء ذريعةً إلى أن يخفِّف عن صاحبه حدة هذا التقريع، فهو يريد أن يترضاه وأن يتملقه، فيصفه بأحب الأشياء إليه، وبالشيء الذي يجد فيه هذا الرجل رضى وراحة، وهو مهارته في لعب الشطرنج، ثم يمضي ابن الرومي فيصف صاحبه بالذكاء وبالذكاء النادر، ويصفه بهذا الذكاء الذي يجمع إلى البراعة استقامة في الخلق، ولا يتهالك على السلطان، ولا يتهالك على الثروة، وهو من أجل هذا أعرض عن صحبة الملوك وصحبة المترفين والأمراء، من أجل هذا أيضًا ابتعد عن التجارة وربحها، وهو يؤثر حياة هؤلاء الناس الذين يرضون الحياة السهلة اللينة، ولكن بما فيها من ضيق اليد مع الترف الميسور واللذة العقلية، يؤثر هذا على الثروة والجاه، ويمضي في هذا حتى يوقن أنه أرضاه.
فإذا بلغ ابن الرومي من ذلك ما أراد، بأن حمل صاحبه بأن يعجب بنفسه وخُلُقه وفلسفته، فإذا بلغ من ذلك ما أراد، وإذا نسي صاحبه ذلك التقريع والتعنيف عاد بغاية اللين والسهولة، وعاتبه وسأله أترى كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها مجتمعة فيك، ثم يعسر عليك بعد ذلك أن تفهم مودتي وصداقتي، وأن تسعى وراء هذه الحاجة التي كلَّفْتُكَ السعي فيها؟ حتى إذا بلغ من هذا العتاب مأربه اشتد مرة أخرى وعنَّف صاحبه، ولم يكتفِ بهذا العنف وهذا التقريع، بل يلتمس قاضيًا، هذا القاضي هو أخو أبي القاسم أبو بكر، فيعرض عليه القضية ويطلب إليه أن يمضي فيها رأيه، ولا يمكن أن يكون فيها إلا عدلًا، فيصوِّر صاحبه أشنع صورة أمام القاضي، فإذا فعل ذلك عاد إليه فاستعطفه بأرق لفظ حلو، وأكَّدَ له أنه لم يُرِدْ هجاءً، إنما يريد عتابًا، ثم تنتهي القصيدة عند هذا الحد.
فأنتم ترون أنَّ هذه القصيدة التي هي من أواسط قصائد ابن الرومي، وله كثير خير منها، لو اتسع الوقت لدرسها معكم درسًا مفصَّلًا، لكانت كافية في أن تعطينا فكرة واضحة عن ابن الرومي.
مع أنَّ هذه القصيدة لا تكاد تتجاوز ثلاثين ومائة بيت، فقد ألَمَّ فيها بفنون مختلفة؛ فهو مادح، وهو محاور، وهو واصف، وهو بالغ بعتابه حدًّا نستطيع أن نقول إنه الهجاء، ولكنه نفسه يقول إنه لا يهجو، وهو على هذا ملِمٌّ بطائفة غير قليلة من الفنون الشعرية، وهو على هذا حريص أن يرتِّب قصيدته وألَّا يرسلها إرسالًا، وإنما هو كأبي تمام يرتِّب قصيدته ترتيبًا منطقيًّا، فأنتم حينما تقرءونها لا تستطيعون أن تقدموا جزءًا على جزء، إنما تقرءونها كما رتَّبَها هو، وأنتم مضطرون إلى أن تنتقلوا معه من معنى إلى معنى، ومن فصل من فصول القصيدة إلى فصل آخَر.
وابن الرومي من أخص الشعراء الذين جعلوا شعرهم فصولًا كالنثر — وهذا ما يسميه أصحاب البيان من الفرنج واليونان (Perode) — فيقسم قصيدته إلى فصول، يبدأ الفصل ثم ينتقل إلى فصل آخَر فيستقصيه ويتمه، ومن حيث إنه يطيل فهذا أظهر في شعره منه في شعر أبي تمام.
إذن هذه القصيدة — كما ترون — على جمعها لكثير من فنون ابن الرومي، تصوِّر لنا الخاصة التي يمتاز بها، وهي إسباغه الحياة والحركة على الأشياء والمعاني.
آسَف أشد الأسف؛ لأن ساعة أو ساعات لا تكفي لأداء ما كنتُ أودُّ أن أؤديه، ولكن ما تخسرونه من ضيق الوقت ليس شيئًا، فإن ابن الرومي ظلَّ طولَ الوقت مضطهدًا، فلما جاء هذا العصر كُوفِئ عن صبره أحسن المكافأة؛ لأنه درس وفكَّر فيه أكثر ما درس غيره من الشعراء، لا أكاد أستثني إلا المتنبي وأبا العلاء، ودرس دراسة تلائم عصرنا درسه بنوع خاص الأستاذان العقاد والمازني.
أما العقاد فكتب عنه كتابًا، هو من غير شك أحسن ما كُتِب عن ابن الرومي إلى الآن، وله قيمة ذاتية خاصة، وإن كان الأستاذ العقاد عني بالشاعر أكثر مما عني بالشعر، ولكن هذا نفسه فوز كبير، فشخصية ابن الرومي من أحسن الشخصيات الإنسانية التي يجب أن تُدرس، وأنا حين أقول الإنسانية أعني ما أقول، فالباحثون يجب أن يعنوا بابن الرومي، لا أقول في الأدب وحده، بل في الأدب والفلسفة وعلم النفس، فالأستاذ العقاد في كتابه على عنايته بالشاعر قد أحسن إلى ابن الرومي، وأحسن إلى الأدباء المعاصرين إحسانًا لا حدَّ له.
وعني المازني في مقالاته عن ابن الرومي في كتابه حصاد الهشيم عنايةً أشهد أنها من أقوى العنايات، فلا أعرف أني قرأت شيئًا أروع ولا أمتع من هذه الفصول التي كتبها، والمازني قد يكون أكثر استشهادًا بشعر ابن الرومي من العقاد، ولكنه كالعقاد يقف عند شخصية ابن الرومي أكثر مما يقف عند الجمال والتحليل الفني، والظاهر أنهما يكلفان كلفًا خاصًّا بشخصيات الشعراء، أما أنا فربما عنيت بالشعر أكثر من عنايتي بالشاعر، وربما اتخذت الشاعر وسيلةً إلى فهم الشعر؛ ولذلك أرجو وألحُّ في الرجاء أن تتيح لي الأوقاتُ والظروفُ أن أدرس مع العقاد والمازني ابنَ الرومي، ولكن من ناحية شعره وفنِّه لا من ناحية شخصه، فأظن أنهما قد بلغا من ذلك فوق ما أريد.