Tag: الأمن الإقليمي

  • التبعة الكبرى | The Greater Responsibility

    التبعة الكبرى
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٨ أكتوبر ١٩٦١

    يحتملها أولئك المتمردون في دمشق والذين أيَّدوهم بالجاه والذين أمدُّوهم بالمال والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا ومن داخلها.
    يحتملها هؤلاء جميعًا؛ لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة وإطماع العدو وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه.
    يحتملها هؤلاء جميعًا وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة والمآرب الخاصة، غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم.
    يحتملها هؤلاء جميعًا ويصطلي نارها أولئك العرب الذين يُسامون الخَسْف في فلسطين ويحيون حياة البؤس والذل والشقاء، والعرب الآخرون الذين أُخرجوا من ديارهم واضطُرُّوا إلى حياة هي إلى التشرد أقرب منها إلى شيء آخر. ثم يصطلي نارها كل عربي يشعر بالكرامة ويأبى الضيم ويملأ قلبه حب النجدة لهؤلاء البائسين الذين ظُلموا بغير الحق وعُرِّضُوا لألوان الذلة والهوان. أجل هي تبعة كبرى تنوء بالعصبة أولي القوة، لولا أن الذين يحتملونها الآن قد قست قلوبهم فهي الحجارة أو أشد قسوة، وتبلدت ضمائرهم فهي لا تحس لذع المذلة ولا تشعر بمرارة الضيم ولا تعطفها على البائسين عاطفة ولا تعرف لرحمة المعذبين طعمًا؛ وإنما تفكر في أنفسها وفي أنفسها وحدها.
    هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات وتنشرها الصحف ويخفق بها البرق من أقطار الأرض بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحول مجرى نهر الأردن، أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد؛ لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها، وأحست القوة والبأس بعد أن أذن لها أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنيتها العزيزة عليها بأن تنعم على حساب البائسين وتسعد على حساب الأشقياء وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا وغير راجية لأحد وقارًا.
    ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى نهر الأردن مقدَّس لا يمسه إلا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها، وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر. وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمسِ وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل تعبث به كيف شاءت وتغيره كما أرادت. والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه ويمدونها بالمال ويتهيئون لحرب الوطن السوري نفسه وإذلال الشعب السوري نفسه إذا تعرض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي.
    وكذلك يرى العرب الآن ويرى الجيش السوري نفسه ويرى أعوانه وأنصاره جراءة إسرائيل وعبثها بنهر الأردن، لا يجدون لذلك لذعًا في قلوبهم أو ألمًا في ضمائرهم أو عطفًا على إخوانهم من الذين يُسامون الذل في فلسطين والذين يشقون بالجوع والخوف من اللاجئين الفلسطينيين. هان عليهم كل شيء إلا تمردهم، ومن يدري لعلهم أغروا إسرائيل بما تفعله الآن إغراء ودفعوها وأدوا إليها نهر الأردن ثمنًا لانصرافها عنهم ومنحهم شيئًا من المعونة والتأييد.
    ومن يدري لعل ما تفعله إسرائيل الآن ليس إلا الخطوة الأولى من خطوات الاستعمار، ولعل خطوات أخرى تتبعها غدًا أو بعد غد، فالاستعمار ليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه أن يضعف العرب، وليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه قبل كل شيء أن يشقى العرب، بل ليس يكفيه أن تنعم إسرائيل وتكثر هجرة اليهود وتزداد إسرائيل قوة إلى قوة وأمنًا إلى أمن؛ وإنما يهمه أن تشقى الشعوب العربية وأن تُظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار، وأن يمكِّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية، يستغلونها غدًا كما كانوا يستغلونها أمس، ويستذلون شعوبها غدًا كما كانوا يستذلونها أمس، وينعمون بخيرات الوطن العربي كما كانوا ينعمون به أمس.
    كل هذا ممكن وكل هذا دليل على أن تمرد المتمردين في سوريا لم يصنعه المتمردون وحدهم ولم يصنعه أعوانهم من العرب وحدهم، وإنما شاركهم فيه المستعمرون بمالهم وتحريضه وتأييدهم.
    فليهنأ قادة هذه الحركة بالذلة بعد العزة والهوان بعد الكرامة، وليتهيئوا لمطامع الطامعين لا في سوريا وحدها ولكن في غيرها من الأقطار العربية، وصدق أبو الطيب حين قال:
    منْ يَهُن يسهُل الهوانُ عليهما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ
    وصدق الله حين قال للمسلمين: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
    ثم لا تتحرج أبواق المتمردين في صحفهم وإذاعتهم من أن تملأ الدنيا ضجيجًا وصياحًا كأننا نتجنى عليهم ونقول فيهم غير الحق، فهم قد جادلوا حين قلنا إن تمردهم قد مزَّق الوحدة العربية وفرَّق كلمة العرب وأوقع بينها من الريبة وسوء الظن ما لا ينبغي أن يكون بين الإخوان، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إنهم كفروا بنعمة الله عليهم وبطروا حين أتاح الله اليسر والسعة للشعب السوري في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إن الوحدة أمَّنت الشعب السوري في وطنه وحمت حدوده من العدوان وأشاعت فيه الأمن والاطمئنان.
    جادلوا في هذا كله وأسرفوا في الجدال، فهل يجادلون الآن في أن نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر، قد عرَّض سورية للخطر وجرَّأ عليها إسرائيل فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه ويؤثرون الألفة مع إسرائيل على الألفة مع شعب عربي مثلهم، ويسخرون من اللاجئين المشردين ويستهزئون بالعرب الذين يُضطهدون في وطنهم وتُصب عليهم المحن في بلادهم، ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل، ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيُسيرهم كما يشاء ويصرف أمرهم كما يحب لا لشيء إلا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم. ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين، ولكن المثل لا يكذب حين يقول: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت.»

  • إلى مجلس الشيوخ | To the Senate

    إلى مجلس الشيوخ
    طه حسين
    النداء
    ٣٠ مارس ١٩٤٨

    يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

    قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
    وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

    فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

    فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

    ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

    والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

    من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

    وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

    والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

    نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

    ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

    فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

    فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

    بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

    والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

    فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

    وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

    فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

    فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!