حديث الوادي
عطاش
هم هؤلاء الإنجليز الذين يعملون في خدمة الإدارة المصرية مع رجال الشرطة المصريين. فقد يظهر أن القيظ اشتد عليهم في بلاد القيظ، وأن أكبادهم تتحرق عطشاً، وأن أفواههم قد جفت من الظمأ، وأنهم في حاجة إلى أن يبلوا هذا الظمأ، ويروو هذا الصدى، وينسوا هذا الغليل الذي لا يستطيعون الصبر عليه، ويظهر أن ماء النيل يستطيع أن يبل ظمأ المصريين لا ظمأ الإنجليز، وأن يشفي غلة المصريين لا غلة الإنجليز. ويظهر أن في مصر شيئاً واحداً هو النافع الناجح، في بل الظمأ، وشفاء الغليل إذا تحرقت لهما أو بهما أفئدة الكونستبلات الإنجليز، وهو دم المصريين.
فقد سمعنا أمس، وقرأنا اليوم نبأً لا نستطيع أن نشك فيه، لأن الذي حدثنا به أصدق من أن يرقى إلى كلامه الشك، وأنزه عندنا وعند الإنجليز أنفسهم من أن يسعى إلى إخباره الريب.
سمعنا أن هؤلاء الكونستبلات من الإنجليز كانوا قساة أمس إلى أقصى حدود القسوة، حين انصرف رئيس الوفد من صلاة الجمعة. وكانوا مترفين في قسوتهم يفتنون فيها افتناناً، ويصطنعون فيها أناةً لا تصدر إلا عن المترفين، الذين يفكرون قبل أن يقدموا، ويقدرون قبل أن يعملوا، ويستبقون اللذة ما وسعهم استبقاؤها. كانوا لا يفرقون الناس حين يستقبلون رئيس الوفد، وإنما يفرقونهم بعد أن يمر رئيس الوفد. وكانوا لا يفرقونهم بالقول، ولا بالإشارة، وإنما يفرقونهم بالمقارع والعصي، يهوون بها إلى الرؤوس، ويصبونها على الأبدان، ولو أنهم صبروا عليهم بعض الوقت لتفرقوا بعد أن رأوا زعيمهم وحيوه.
ولكنهم فيما يظهر لم يكونوا يريدون تفريقاً ولا محافظة على الأمن، ولا حماية للنظام، وإنما كانوا يريدون صب العذاب، وإنزال العقاب، وشفاء الغليل الذي تتأجج ناره في الصدور.
لقد حدثنا محدثنا الذي لا نشك في صدقه، أنه رأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز يصب عصاه الغليظة صباً على رجل من الناس بعد أن مضت سيارة رئيس الوفد فيسقط هذا الرجل على الأرض، وقد شق رأسه شقاً، وتفجرت منه الدماء، كما يتفجر الماء من الينبوع. والإنجليزي لا يعنيه ولا يشفق عليه، وإنما يمضي في ضربه وإيذائه، كأنما يريد المزيد من هذا الدم الذي يتفجر فيصبغ الأرض ويتطاير بعض رشاشه إلى الثياب. وحدثنا هذا المحدث الذي لا نرتاب في صدقه أنه التفت مرة ينظر إلى هذه المعركة الآثمة فرأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز وقد اصطبغت مواضع من ثيابه، بهذا الدم المصري البريء. وكانت "الأجيبشيان جازيت" قد أنبأت قراءها صباح أمس بأن تدبيراً خاصاً سيدبر لصلاة الرئيس فقد رأينا إذن هذا التدبير وهو مضاعفة القوة المحشودة والإكثار من الإنجليز القساة لأن المصريين لا يحسنون القسوة على المصريين، وإعمال العصي والسياط في الناس، لا صرفاً لهم عن استقبال الرئيس، بل عقاباً لهم على هذا الاستقبال بعد أن تم، وفرغ الناس منه.
فلنسجل أن "الأجيبشيان جازيت" قد أصبحت فيما يظهر لساناً من ألسنة الإدارة تنطق باسمها، وتعرب عما أرادت أو تريد. أو فلنسجل أن العناية برئيس الوفد، وتفريق الناس عنه وعقاب الناس إذا أحاطوا به والتفوا حوله قد خرجت من أيدي الإدارة المصرية، إلى أيدٍ إنجليزية خاصة تستطيع "الأجيبشيان جازيت" أن تعلم علمها وتتلقى عنها الوحي، وتذيع أعمالها في الناس قبل أن تتم هذه الأعمال. ثم لنهنئ "الأجيبشيان جازيت" بهذه المكانة الجديدة التي ظفرت بها عند الإدارة المصرية، أو عند هذه الإدارة الإنجليزية الخاصة ثم لنسجل بعد ذلك على الإنجليز غير شاكين – فالمصريون بحمد الله أكبر من الشكوى – لنسجل على الإنجليز أنهم يظهرون في هذه الأيام كما أظهروا في بعض الأيام الماضية ميلاً إلى القسوة والعنف، وظمأ إلى الدم المصري، ورغبة جديدة في صبغ الأرض المصرية، بدماء أبنائها المصريين على حين لا يثور المصريون بالإنجليز ولا يتحدونهم ولا يخاصمونهم إلا في حدود السلم، ولا يجادلونهم إلا بالحق، وبالتي هي أحسن.
ثم لنسأل بعد ذلك وزير الداخلية القيسي باشا رأيه في هذا؟ أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه، أهو الذي أمر به، وتقدم فيه، وإذن فهو يسلط عصي الأجانب وسياطهم وقسوتهم وعنفهم على مواطنيه؟ أم لم يأمر به، وإذن فماذا يصنع بسلطان الوزير، وما بقاؤه في الوزارة إذا كانت الأمور تجري على غير ما يريد، وإذا كانت الأحداث تحدث والدماء تراق، وهو لم يأمر بذلك ولم ينه عنه؟
ثم لنسأل النائب العام ما رأيه في هذا، وما موقفه بإزائه؟ أيرى النائب العام أن الشرطة إن كانت تملك تفريق الناس محافظة على النظام فهي لا تملك عقاب الناس، إذا خالفوا النظام، وإنما عقاب الناس إذا تجاوزوا الحدود رهين بتحقيق النيابة وحكم القضاء؟ وإذا كان النائب العام يرى هذا وما نظنه يرى غيره، فهل يرى النائب العام أن من الحق على النيابة أن تسأل عن هذا الدم المصري كيف أريق؟ وعن هذا العقاب كيف صبه على الناس، من لا يملك صب العقاب؟
أيرى النائب العام أن إراقة الدم المصري في هذه القسوة وبهذا العنف خليقة أن تكون موضوعاً للتحقيق؟
أيوافقنا النائب العام على أن إراقة الدم المصري على هذا النحو ليست أقل استحقاقاً للعناية واستلزاماً للتحقيق من سرقة تقترف، أو صدام يقع، أو خطبة تلقى، أو فصل يكتب، أو كلمة تقال؟ وإذن فهل نستطيع أن نرجو من النائب العام سؤالاً عما كان أمس، وتحقيقاً فيما كان أمس، فقد يكون لهذا السؤال إن صدر عن النائب العام، وقد يكون لهذا التحقيق إن أمر به النائب العام، أثر من الآثار، يمنع قساة الإنجليز من ضرب المصريين، ويمنع عصي الإنجليز من تفليق هامات المصريين، ويمنع أيدي الإنجليز من إراقة دماء المصريين؟
لقد سمعنا أن النيابة تسأل عن تحطيم الإنجليز للعلم المصري، فأرضتنا عناية النيابة بكرامة العلم المصري. فهل نسمع أن النائب العام يسأل عن إراقة الإنجليز للدم المصري؟ لننتظر، فمن يدري؟ لعل النائب العام يجيبنا إلى ما نريد.
طه حسين
الوادي،١٢\٨\١٩٣٤.
Tag: الأمن العام
-
عطاش | The Thirsty
-
تحريض٢ | Incitement 2
حديث الوادي
تحريض…
نبأ تحدث به إلينا من تحدث، وكتب إلينا فيه من كتب، وهو أن صح كان خطيرًا حقًا، وكان جديرًا بالعناية والتفكير العميق، وأكبر الظن أنه صحيح. فالذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون، متباعدون لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يكونوا قد التقوا، وائتمروا ودبروا كيدًا بليل أو بنهار، وألخص هذا النبأ ليظهر عليه القراء وليعلمه الذين يشرفون على تصريف الأمور في مصر، والذين ينبغي أن يسألوا عن حماية الأمن والنظام. كان ذلك يوم الجمعة الماضي، وكان في مسجد من مساجد المسلمين، هو مسجد الرفاعي، وكان على منبر من منابر المسلمين، وهو منبر هذا المسجد، وكان على لسان خطيب من خطباء المسلمين، وإمام من أئمة الصلاة فيهم، هو هذا الذي خطب الناس وصلى بهم، في ذلك المسجد وفي هذا اليوم.
وقف هذا الخطيب ليعظ الناس ويذكرهم بأيام الله ويحدثهم بنعم الله عليهم، وحسن بلائه فيهم، ويخوفهم ما أعد الله للأثمين من عذاب ولكنه لم يصنع من هذا كله شيئًا، وإنما هاجم كتابًا من الكتب، وكاتبًا من الكتاب ولسنا نسمي هذا المؤلف ولا ذلك الكاتب فقد يكون أمرهما أيسر من أن يُعنى به الناس، ونحن لم نكتب لتسميتها، وإنما نمضي في رواية النبأ كما تحدث به من تحدث، وكما كتب فيه من كتب. أخذ هذا الخطيب إذن يذم الكتاب وصاحبه، ويكذب على الكتاب وصاحبه ويضيف إلى الكتاب ما ليس فيه، وإلى صاحب الكتاب ما لم يقل. وكان زياد يقول «إن كذبه المنبر بلقاء مشهورة» ونحن نظن، ولعل شيخ الأزهر يوافقنا على ما نظن، أن المنابر لم تقم لتكون مصدرًا للكذب، وإشاعة الإثم عن الأبرياء.
ولكن لنمضِ في رواية النبأ كما تحدث به المتحدثون وكما كتب فيه الكاتبون. ومضى الخطيب في ذم الكتاب وصاحبه حتى زعم للناس أن الكتاب دسيسة على الإسلام، وأن صاحب الكتاب يعمل متأثرًا بيد خفية تمنحه المال، ليفسد على المسلمين دينهم. ثم لم يقف الخطيب عند هذا الحد، ولو وقف عنده لكان آثمًا في دينه، لأنه قال بما لم يعلم، وأذاع من منبر المسلمين غير الحق، ودعا إلى الفتنة،
والمنابر لم تقم للدعوة إلى الفتنة، ولكنه مضى إلى أبعد من هذا فزعم للناس أن من ألف مثل هذا الكتاب، وسعى مثل هذا السعي، يجب قتله. ثم استدل للناس على ذلك بآية من القرآن لم تُرْوَ لنا فيما كتب إلينا الكاتبون.
فنحب أن نعلم قبل كل شيء أصحيح هذا النبأ أم غير صحيح. وقد قلنا إنما نرجح صحته، لأن الذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون لا يعرف بعضهم بعضًا، وتواطؤهم على الكذب مأمون. ويقال أن مسجد الرفاعي من مساجد الأوقاف الخصوصية، فنحب أن نعلم رأي صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا في خطبائه هؤلاء الذين يختارهم ليدعوا الناس إلى الخير، ويصرفوهم عن الشر، وليأمروا الناس بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، فلا يتحرج بعضهم أن يمعن في الشر والفتنة إمعانًا، ويدعو إلى الإثم والمنكر دعاءً صريحًا.
ونحب بعد هذا أن نعرف رأي صاحب العزة النائب العام في رجل يقف على منبر من منابر المسلمين في مسجد من مساجد المسلمين، في جمع من جموع المسلمين، وفي يوم مشهود من أيام المسلمين فيُغري بالقتل، ويرغب فيه، ويصوره للناس على أنه تقرب إلى الله. أخليق هذا الرجل أن يُسأل أم غير خليق؟ أهو أجدر بالسؤال والتحقيق أم كتاب الصحف، الذين يخاصمون الحكومة، فيما أباح الله لهم أن يخاصموها فيه. ومتى كان من حق أئمة المساجد وخطبائها أن يتحدثوا إلى الجماعات في القتل، وأن يبيحوا للجماعات وللأفراد أن يقتصوا بأنفسهم وبأيديهم الدين، حتى من الذين تقوم الأدلة الواضحة القاطعة على أنهم يسيئون إلى الدين؟ وماذا يصنع السلطان في بلد منظم، وماذا تصنع النيابة والقضاء إذا أبيح للناس أن يأخذوا الآثمين بآثامهم ويعاقبوهم على خطاياهم دون أن يلجأوا للنيابة والقضاء.
ثم نحب أن نعرف رأي صاحب السعادة وزير الداخلية، الذي يقال إنه حفيظ على الأمن، وإنه أبرع الناس وأمهر الناس في حماية هذا الأمن، وإنه أقدر الناس وأحرص الناس على حماية هذا الأمن. ما رأيه في خطباء المساجد الذين يتخذون منابر المسلمين أداة للإغراء بالقتل والتحريض على الإخلال بالأمن؟ وأي الأمرين أشد خطرًا على السلام والنظام في هذا البلد، أن يطوف رئيس الوفد في بعض الأقاليم فيتحدث إلى الناس في شؤون وطنهم، ويذاكرهم حقوق هذا الوطن، لا يدعوهم إلى إثم، ولا يغريهم
بفتنة، ولا يحرضهم على فساد، أم أن يقف خطيب من خطباء المساجد ترزقه الدولة ليدعو إلى الله، فإذا هو لا يدعو إليه، ترزقه الدولة ليأمر بالمعروف، فإذا هو يأمر بالمنكر، ترزقه الدولة ليصرف الناس عن الإجرام، فإذا هو يفتح لهم أبواب الإجرام.
ثم نحب أن نعرف آخر الأمر رأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس هيئة كبار العلماء في رجل من رجال الدين، يدعو جهرة إلى ما ينهى عنه الدين، ويمعن جهرة وعمدًا، فيما يكرهه الله ورسوله وصالح المؤمنين. أخليق هو أن يبقى في زمرة العلماء، وأن يشرف بالانتساب إلى الدين، وأن يعيش بالانتساب إلى الدين أيضًا، أم خليق هو بأن يُمحى من زمرة العلماء محوًا ويُقصى عن جماعات رجال الدين إقصاءً، لأن دين الله أكرم على الله وأطهر في نفوس المسلمين، وأرفع عند رجال الدين أنفسهم من أن ينتسب إليه ويعيش على حسابه رجل يسلك مثل هذه الطريق. نظن أن صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا، وصاحب السعادة محمود القيسي باشا وصاحب العزة لبيب عطية بك، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ الظواهري يوافقوننا في غير مشقة على أن هذا النبأ في حاجة إلى تحقيق، وعلى أن صاحب هذه القصة إن صحت في حاجة إلى تأديب، وعلى أن مساجد المسلمين، في حاجة إلى أن تُحمى من هذا الفساد، وعلى أن قلوب المصريين في حاجة إلى أن تُعصم من هذا التحريض.
طه حسين
الوادي، ٦ أغسطس ١٩٣٣.