تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.
Tag: الإصلاح الإداري
-
تفصيلات | Details
-
العدل | Justice
حديث الوادي
العدل
ليقرأ رئيس الوزراء
كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.
طه حسين
الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤. -
صبريات٢ | Sabri-isms 2
حديث الوادي
صبريات. . .
نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
طه حسين
حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤. -
تنفيذ | Execution
حديث المساء: تنفيذ
طه حسين
كوكب الشرق
٢٤ أبريل ١٩٣٤
أما أن أحكام القضاء تصدر لتنفذ، ولتنفذ في غير هوادة من السُّلطان الذي يجبُ عليه التنفيذ، وفي غير مَطْلٍ من الذين صدرت عليهم الأحكام، فذلك شيءٌ لَا شَكَّ فيه ولا مراء، ولا ينبغي أن يتناوله بالبحث رجل مُثقف أو غير مثقف ما دام يعيش في بلد مُتحضر، تحكمه النظم والقوانين.
وأما أن هذه الأحكام تصدر أثناء الساعة الثالثة، ثم تنفذ قبل أن تنتهي الساعة السابعة مع أنَّها لا تقضي بالسجن ولا بشيء يُشبه السجن، وإنما تفرض غرامة من الغرامات وتفرضها على جماعة معروفين، لم يتحدث الناس عنهم في يوم من الأَيَّام ولم يَأْخُذهم السُّلطان نفسه في وقت من الأوقات بِأَنَّهُم ماطلوا الحكومة بدَين أو التووا عليها بحق من الحقوق، فهذا هو الذي يحتاج إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الشرح والتفسير، لا ندري كيف يكون الوصول إليه.
فمن المحقق أنَّ الكُتَّاب الذين قَضَتْ عليهم محكمة الجنايات أمس بالغرامة قوم مَعْرُوفون، ونظن أَنَّهُم قوم لا يخشى منهم أن يهربوا من مصر، ولا أن يُهاجروا من الأرض؛ فرارًا بهذه الغرامات التي فرضها عليهم القضاء، وإِشفاقًا من تأديتها إلى السلطان أو التواء بها عليه.
ومن المُحَقَّق أيضًا أنَّ هؤلاء الكُتَّاب يكتبون في صحيفتين لكل واحدة منهما تأمين في يد الحكومة، يعدل أضعاف ما فرضه القضاء من الغرامة. فهم إن ساءت أخلاقهم فجأة، وفسدت ذِمَمُهم فورًا وهيئوا لأنفسهم الهرب من وجه النِّيابة التواء بهذه الغرامات مُضمونون بهذا التأمين الذي أودعته الصحف خزانة الحكومة. ونظن — ولعَلَّنا نقطع — بأنَّ هذا التأمين إِنَّما اقتضته الحكومة من الصحف لمثل هذه الظروف، فقد يُقَالُ — وعلم هذا عند الحكومة وعند النيابة وعند أساتذة القانون — قد يُقال: إنَّ هُنَاك نَصًّا في قانون المطبوعات يَقضي بأنْ تستوفى مثل هذه الغرامات من التأمين على أنْ تُكمله الصحف التي قضي عليها في خمسة أيام، فإن لم تفعل حيل بينها وبين الصدور.
وإذن، فقد يظن أيضًا أنَّ الأَحْكَام التي أَصْدَرَها القَضَاءُ أمس على كتَّاب «السياسة» و«الكوكب» لم يكن شك في إمكان تنفيذها دون تقصير من السلطة ودون تلكؤ من الكتاب؛ لأنَّ شخصية هؤلاء الكتاب أولًا تعصمهم من أن يلتووا بأحكام القضاء، ولأن لدى الحكومة من أموال الصحيفتين ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام. ومع ذلك فَقَد كَانَ أمس ما لم يكن يقدره أحدٌ من هؤلاء الكتاب، وما لم يكن يقدره أحد من الناس.
كان أن ذهبت الشرطة في شكل رائعٍ رَهِيبٍ إلى دار الأستاذ حفني بك محمود تطالب بالتنفيذ وبالتنفيذ السَّريع، تُطَالِبُ بِأَدَاءِ الغَرَامَةِ فَورًا في غير تَرَيُّث ولا انْتِظَارٍ، قبل أن تتم الساعة السابعة. وكان أنْ خُوطِبَ كَاتِبُ هذا الفصل بالتليفون يطالب بتأدية هذه الغرامة فورًا قبل أن تتم الساعة السابعة، فإن لم يفعل اتخذت الإجراءات.
وقد أُدِّيتِ الغراماتُ قبل الساعة السابعة كما أرادت النيابة، ولم يقضِ واحد من هؤلاء الكُتَّاب ليلة في السجن، ولم تقتحم على واحد من هؤلاء الكتاب داره، ولم يرَ الناس واحدًا من هؤلاء الكتاب تقوده الشرطة إلى السجن؛ لأنَّه أَبْطَأَ في تنفيذ أحكام القضاء أو تلكأ في هذا التنفيذ، أو التوى من هذه الغرامات بقليل أو كثير.
أعترف بأني حملت نفسي كثيرًا من الجهد في فَهْم هذا النوع من أنواع الاستِعْجَال، وهذا اللون من ألوان التنفيذ، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، ويظهر أَنِّي لم أكن وحدي أحتمل هذا الجهد، وأتكلف هذا البحث، وإنما كان يُشاركني فيهما كثيرون. وهب واحدًا من هؤلاء الكتاب لم تكن قد تهيأت له الظروف في هذه الساعات القليلة ليستحضر مقدار الغرامة والأزمة قائمة والحمد لله، لم يفرجها وزير المالية، ولم يحلها الرجل الطيب ببركته وكفايته النادرة، والمصارف مُغْلَقَةٌ بَعْدَ الظهر إلا ساعة واحدة هي التي تلت صدور الحكم.
هَبْ هؤلاء الكتاب جميعًا أو واحدًا منهم لم يتهيأ له مقدار الغرامة مساء أمس، ماذا كانت تصنع به النيابة؟ أكانَتْ تَقْذِف به في غيابات السجن ليلة؛ ليذوق هذه اللذة التي لم يفرض عليه القضاء في هذه المرة أن يَذُوقها؟ أم كانت تأمر باقتحام داره، وعرض متاعه للبيع في جنح الظلام، وفي غير إنذار ولا شيء يُشبه الإنذار؟ أم كانت تأمر باقتحام داره وأن تظل الشرطة فيها طول الليل تأخذ أبوابها ونوافذها حتى لا يفلت الكاتب أثناء الليل، فإذا تنفس الصبح لَزِمَه رجال السلطان حتى يؤدي الغرامة؟ أم كانت النيابة تصنع ماذا؟ أسئلة ألقيها على نفسي ويلقيها بعض الناس على بعض، فلا أظفر ولا يظفرون لها بجواب.
وإذا كانت النيابة تَسْلُك هذه الطريق مع محمد حسين هيكل بك وحفني محمود بك والأستاذ عبده حسن الزيات وطه حسين، فأي طريق تسلك مع قوم آخرين لا يعرفهم أحد، ولا يضمنهم أحد، ولا يكفلهم شيء، وليست لهم مكانة ما بين مواطنيهم من المصريين؟! أَظُنُّ أَنَّ النِّيَابَة لا تغضب ولا يضيق صَدْرُها حرجًا حين نلفتها إلى أنَّ سيرتها أمس كانت غريبة حقًّا، وأَظُنُّ أنَّ النيابة لا تغضب ولا يضيق صدرها حرجًا إن سَمِعَتْ ما كان يتحدث به الناس أمس، وما يتحدثون به اليوم وما سيتحدثون به غدًا، من أمر هذا الاستعجال الغريب! وصاحب العزة النائب العام، والأُستاذ رئيس نيابة القاهرة، يعرفان حق المعرفة هؤلاء الكتاب، ويعرفان حق المعرفة مع من يحسن أنْ تكون الشدة البالغة المُسرفة ومع من يحسن أن تكون المعاملة الحازمة، التي إن لم تخلُ من الحزم فلا ينبغي أن تخلو من المُجاملة ومراعاة الأوضاع.
والناسُ يتحدثون بأنَّ الأَحْكَامَ قد تصدر بالغرامات على قومٍ لَا تَتَهَيَّأُ لهم الأَمْوال فورًا فتمهلهم النيابة الأهلية، وتمهلهم النيابة المُخْتَلطة، وقد تُنَجِّمُ غراماتهم تنجيمًا، وقد تأخذها منهم أقساطًا، وليسوا هم بمكانة هؤلاء الكتاب، فقد أراد الله أن تكون لهؤلاء الكتاب مكانة سواء أرضي خُصُومُهم بذلك أم أنكروه. والناس يتساءلون: ما بال النِّيَابَةِ لم تنتظر بهؤلاء الكتاب صباح الغد، فإن أبطئوا أو التووا اشتدت عليهم، إذا كانت مُصِرَّةً على أَلَّا تنفذ قانون المطبوعات وتقتضي الغرامة أولًا من تأمِينِ «السِّيَاسَةِ» و«الكوكب»؟ والناس يتساءلون: ما بال النِّيابة تعجلت إلى هذا الحد مع أنَّ الخزانة كانت مُغْلَقة بعد الظهر، ومع أن الموظف الذي دفعت إليه الغرامات لم يستطع أن يعطي دافعيها أوراقًا رسمية تثبت أنهم دفعوا، وإنما أعطاهم أوراقًا عرفية، وطلب إليهم أن يعودوا من الغد في ساعات العمل؛ ليَأْخُذوا هذه الأوراق الرَّسمية؟ والناس يتساءلون عن أشياء أخرى غير هذا، أَمَّا أنا فقد سألتُ وتساءلتُ، فَلَمَّا لم أظفر بالجواب، أعرضت عن السؤال، وتركتُ الأمرَ لصَاحِبِ العِزَّة النائب العام وللأستاذ رئيس النيابة يقدرانه، كما يقضي بتقديره العرف المألوف، والقانون الذي يجب أن ترعى حرماته في غير هوادة ولا لين، ولكن في غير إسراف.
على أني أعترف بأنَّ لسيرة النيابة هذه معنا مغزًى قيمًا ظريفًا لا يتجه إلينا وحدنا، وإنما يتجه إلى قوم آخرين؛ هم الوزراء. فقد يظهر أنَّ في إسراع النيابة بتنفيذ الأحكام وأخذها بهذا الحزم العَنِيفِ الذي لا إهمال فيه ولا إمهال، درسًا يَحْسُن أنْ تستفيد منه الوزارة، فتقضي في مصالح مصر الكبرى بهذه السُّرعة الحَازِمَة التي لا إبطاء فيها ولا ريث. فما زال الناس ينتظرونَ أَنْ تحل طائفة من الأزمات كان ينبغي أن تحل منذ أمد بعيد؛ أزمة الدَّين العام التي أجلها صدقي باشا وأجلها، وانصرف عن الحكم وهي قَائِمَة لم تحل، أزمة الدين العام التي أجلها الرجل الطيب وأجلها، والتي قد ينصرف عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي لا تزال قائمة لم تحل، أزمة الدَّين العقاري التي ما زال وزير المالية يلتمس لها حلًّا حاسمًا، دون أن يظفر به حتى على سواحل البحر الأحمر في رحلته تلك الميمونة المُباركة، والتي قد ينصرف وزير المالية عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي قَائِمَةٌ لَم تُحَل، أزمة الكورنيش، أزمة الاستبدالات، وما شئت من هذه الأزمات التي تقدم الحكومة عليها، ثم تحجم عنها، وقد نسيت أزمة المَحَاكم المُختلطة التي كان وزير الحقانية يرى أنها محلولة بحكم القانون، ثم أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، كما تقول الأسَاطِيرُ، فإذا رَئيسُ الوزراء يرى أَنَّها عسيرةٌ تَحْتَاجُ إلى التأجيل والوقت الطويل لتحل من طريق المفاوضات.
أرجو أن تستفيد الوزارة من هذا الدرس القيم الخصب الذي ألقته النيابة أمس حين أنفذت أحكام القضاء في سرعة صارمة، ولما تمضِ على صدورها ساعات، فقد يكونُ من الشرِّ العظيم أنْ يَمْضِي هذا الدرس القيم، ولا تنتفع به الوزارة في تصريف الأمور العامة التي يحتاج الناس إلى الإسراع في تصريفها، أكثر مما كانت تحتاج النيابة إلى الإسراع في تنفيذ هذه الأحكام والتي يخافُ الناس من الإبطاء في تصريفها أكثر مما كانت تخاف النيابة من الإبطاء في تنفيذ هذه الأحكام. -
بواعث | Motives
حديث المساء: بواعث
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ مارس ١٩٣٤
قصة يسيرة جدًّا في ظاهر الأَمْرِ هذه التي تشغل الصُّحف الآن والتي يكثر فيها الأخذ والرد حول المَعَاشَات، واستبدال المعاشات، وحول الذين انتفعوا من هذه القصة أو نفعوا غيرهم أو تقارضوا الانتفاع.
قِصَّةٌ يَسِيرَةٌ في ظاهرِ الأَمْرِ تنحل إنْ أَرَدْتَ تَفْسِيرَهَا إلى أن قومًا من الموظفين أثيرت حولهم شكوك وشبهات تمس استبدال المعاشات، فجدَّتِ الوَزارة في تحقيق هذه الشكوك، وتمحيص هذه الشبهات، وظهر لها أنَّ اثنين من المُوَظَّفين قد تَوَرَّطَا في مُخَالَفَاتٍ لا يُمْكِنُ الجمع بين التورط فيها، والنهوض بأعمال الدولة، فقررت فصلهما من الخدمة وإحالتهما على المَعَاش كما يقولون.
وما أَكْثَرُ القِصص اليَسِيرَة في هذه الحياة، وما أكثر ما يقبلها النَّاسُ ويطمئنون إلى يُسرها وسُهولتها ويفسرونها كما تُفَسِّرُها ظواهر الأمور! ولكنَّ الناسَ جَمِيعًا ليسوا من السَّذَاجَةِ وَسَلَامَة الذوق واستقامة المنطق بحيث يفهمون الأمور دائمًا على وجهها، ويُفسرونها كما تفسرها طبائع الأشياء. وإنما يوجد بينهم المكابرون وأصحاب العناد، والذين يغلون في التحليل والتَّعليل ويلتمسون الظهر في الساعة الرَّابعة عشرة، ويقسمون الشعرة أرباعًا وأخماسًا وأسداسًا. وهؤلاء الناس يسمون أنفسهم فلاسفة حينًا ومُحَقِّقين حينًا آخر، وهم يُعَقِّدُون الأمور ويُعَسِّرُون الميسور، ويُفسدون منطق الأشياء على كل حال.
هؤلاء المعقدون رَاعَتْهُم قصة المعاشات واستبدالها، فأنكروا أن يُستهان بحقوق الدولة إلى هذا الحد، وأنْ يَعْبَثَ خُدَّام الدولة بأموالها ومنافعها، وأن يكتنزوا لأنفسهم من هذه الأَمْوَالِ والمَنَافِع ما وسعهم الاكتناز. ثم أَنْكَرُوا أنْ يَكُون الفصل من المنصب هو كل الجزاء الذي يَلْقَاه من يعبث بأموال الدولة، ويسرف في حقوقها ومنافعها، وسألوا أنفسهم، وسألوا الوزارة، وسألوا الناس: لماذا يشرع التأديب؟ ولماذا أنشئت مجالس التأديب؟ ولماذا شرع القضاء، وأُنْشِئَت المَحَاكِمُ والنِّيَابَةُ؟ وبينما هم في ذلك يُنْكِرُون ويفكرون، ويلتمسون الحلول لهذه المُشْكِلَات والتَّفسير لهذه المُعْضِلَاتِ، إذا الأمور تُعَقِّدُ نفسها تعقيدًا شديدًا، فيكثر الكلام في الصحف، وتنشر فصول طوال وقصار، لا شك في أنها لم تكتب عفوًا، ولم تنشر سدًى، وإنما هبط بها وحي من بعض المصادر التي يهبط منها الوحي إلى بعض الصحف. وفي هذه الفصول الطوال والقصار التي يلح الوحي بها على الصحف والتي تلح الصحف في نشرها وإذاعتها غمز ولمز، وإظهار للخفي وتجاوز لهذين الموظفين إلى غيرهما من الناس إلى صدقي باشا مثلًا؟ وإخبار بأنَّ تِلْكَ القِصَّة كادت تهمل، وتَلْقَى ما ينبغي لها من الإهمال والإعراض؛ لَولَا أَنَّ صدقي باشا تحدث بالتليفون إلى وكيل المالية؛ فأمره بأنْ يتم الصفقة ويُهيئ العقد.
وإن هذه القِصَّةَ الأُخْرَى كادت تُرْفَضُ لولا حديث تليفوني آخر من صدقي باشا أمر بقبولها فقبلت، ولا يكاد ينشر هذا الكلام حتى يعنى به صدقي باشا ويهتم له، ويتصل بصحيفة من الصحف فيتحدث إليها بالتليفون مكذبًا بعض الأمر مُصَدِّقًا بعضه الآخر مُقدمًا محجمًا ساكنًا مُتَحَرِّكًا، نَافيًا مُثبتًا، دائرًا على كل حال كما تعود أن يدور.
ثم ينهض الموظفان للرَّدِّ والدفاع عن أَنْفُسهما فيُحَاوِلان وضع الأمور في نصابها، ولا يعفيان رُدودهما من الإشارة والتلميح، ومن الرَّمز والتَّعْرِيض. وما هي إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ هَذِه القِصَّة شكل فضيحة كبرى تهلع لها نفوس وتضطرب لها قلوب، ويكثر فيها الحديث، وينشط لها الصحفيون، وتشغل الناس — أو تكاد تشغلهم — عن أمور أخرى كان لها خطرها، وكانت شغلًا للذين تعنيهم أمور الدولة من قريب أو بعيد.
ولعلك تُوافقني على أنَّ حياتنا تجري على هذا النحو منذ نهضت الوزارة القائمة بأعباء الحُكم، لا يكاد يمضي أسبوعٌ حَتَّى تظهر فضيحة أو فضيحتان أو فضائح، يضطرب لها الناس، ويشغل بها الرأي العام. ثم تظهر فضيحة أو فضائح أخرى، حتى أصبح تفكيرنا السياسي أو كاد يُصبح موقوفًا على تعرف هذه الفضائح وفهمها، والتنبؤ بما تنتجه من جهة وبما سيظهر بعدها من جهة أخرى.
وقُلْ مَا شِئْتَ، فقد فَرَغْنَا وَفَرَغَ النَّاس، وفرغ زُعَمَاء هذا العهد السعيد أنفسهم من الثقة بأنَّ هذه الفضائح المُتَّصلة أدلة صارخة على أن هذا العهدَ لَمْ يكن عهد خير، ولا ينتظر منه أن يكون عهد خير، ولا ينبغي لبلد له حظ من الحضارة ونصيبٌ من الكرامة يطمئن له أو يعتمد عليه في تحقيق ما يسمو إليه من الآمال، أو في تدبير ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن المنافع والمرافق. ولكن الشيء الذي لم نفرغ منه ويظهر أننا لن نفرغ منه حتى نفرغ من هذا العهد السعيد نفسه، هو أنَّ الحق ليس هو الذي يُرَادُ فيما يظهر من كشف هذه الفضائح وإثارتها، وَإِنَّما هي هذه البواعث السياسية الخفية تضطرب من وراء ستار، وتتفاعل في الظلام؛ لأنَّ قومًا يُحاربون قومًا، ولأنَّ فريقًا يكيد لفريق، ولأنَّ نفرًا يغرى بنفر، ولأن جماعة تريد أن تنتقم من جماعة.
وهذا هو الذي يُردد اسم صدقي باشا كلَّما ظهرت فضيحة، وهذا هو الذي يشعر الناس بأنَّ هذه الفضيحة إنما ظهرت لتمس صدقي باشا وأصحابه من قرب أو بُعد. وهذا هو الذي يجعل صدقي باشا حساسًا قوي الحس، نشيطًا شديد النشاط، شاعرًا دقيق الشعور، لا يُهاجم إلا رد الهجوم، ولا يشار إليه إلا رد على الإشارة بالتصريح، ولا يعرض به إلا لقي تعريضًا بتعريض.
وصدقي باشا وخصومه من رجال السياسة الحاضرة عندنا سواء، فكلهم عندنا قوم ما كان ينبغي أن ينهضوا بأمور مصر، ولا أن يشرفوا على تصريفها، وكلهم عندنا قد جربتهم مصر فلمْ تجنِ من تجربتهم خيرًا، وإِنَّما جنت منها شرًّا ونكرًا. ولكن الذي نريد أن نلفت إليه الناس هو أنَّ صدقي باشا وخصومه لا يُريدون إلا أن يمضوا فيما بينهم من الخلاف، وألوان الكيد. فهم كما ترى يأتمر بعضهم ببعض ويحرض بعضهم على بعض، وتظهر سيئاتهم من ثنايا هذا التحريض وذلك الائتمار؛ فكيف لو وجدت وزارة لا تفكر في صدقي باشا، ولا في خصومه، وإنما تُفَكِّر في مصر وفي مصر وحدها، وتفكر في الحق وفي الحق وحده، وتفكر في الإصلاح وفي الإصلاح وحده؛ إذن، لرأيت العجب، وإذن، لشهدت من الفضائح والسيئات ما لا تذكر إلى جانبه هذه الفضائح والسيئات التي تملأ الجو المصري فسادًا ونكرًا في هذه الأيام.
وهذا هو الذي يفسر هذا الموقف الغريب أو هذه المواقف الغريبة التي نَشْهَدُها الآن، فقصة استبدال المعاشات ليست مقصورة على هذين الموظفين اللذين أخرجا من الحكومة، فما بال الوزارة قد عُنيت بهما أول الأمر دون غيرهما؟ وما بال الوزارة لم تعنَ بغيرهما قبل أن تعنى بهما؟ وما بالُ الوزارة لم تُحِلْهُمَا على مجالس التأديب لعل التحقيق والمُحَاكَمة أن يظهرا من الأمر ما لا ينبغي أن يخفى؟ ثم ما بال مصادر الوحي تتبعهما بهذه الفصول القصار والطوال، وما فيها من تشهير وتشنيع، وما فيها من غمز ولمز، وتضطرهما إلى أن يلقيا فصولًا بفصول، وهجومًا بهجوم، وقد تضطرهما إلى أن يُذِيعَا ما نتمنى نحنُ أَنْ يُذيعاه، وما قد يكره قومٌ أَنْ يُذَاع.
ألم يكن خيرًا من هذا كله أن تقف الوزارة منهما ومن غيرهما في هذه القصة المُخزية موقف الصراحة والحق والحزم وإيثار المصلحة؛ فتُحَاكِم كل من أُثِيرَتْ حوله الريب والشكوك؟!
ثم ليستْ قِصَّة المعاشات واستبدالها كل شيء، فهناك قصة المقاولات التي تتصل بجبل الأولياء، ما بال الوزارة لم تحققها، ولم تظهر جلية الأمر فيها للناس؟ وقصة الكورنيش وقصة تطهير الأفنية وقصة الذين يلتوون بالضرائب، وقصة الذين أريدت مُحَابَاتُهم بأرض الدولة وليسوا من الموظفين، وقصة القطن، وقصة الوزير السابق الذي قذفه الوزير القائم، وكل هذه القصص التي لم يبقَ إلى إحصائها من سبيل، ما بال الوزارة لم تواجهها في صراحة وحزم، ولم تكشف لمصر عن وجه الحق فيها جليًّا واضحًا؟!
على أنَّ لهذه السيئات والفضائح مَظْهَرًا آخر مُؤْلِمًا حَقًّا لا يمس أموال الدولة، ولا مَنَافِع الشَّعْب ومَرَافِقِهِ، وَإِنَّمَا يمس أخلاق هؤلاء الأبطال الذين اشتركوا أو يشتركون فيها.
فأقل مما تدل عليه هذه القصص هي أنَّ جماعة من المصريين يُحِبُّون الكيد ويحرصون عليه؛ ويألفون السعاية ويكلفون بها، ويتفوقون في طائفة من الأخلاق يَجِبُ أَنْ يبرأ منها كرام الناس وأحرارهم؛ يطيعون هذا الوزير ما واتته الظروف واجتمعت له القوة، حتى إذا ضعف؛ مكروا به وكادوا له، حتى إذا هوى كانوا له أعداء وخصومًا، وكانوا به مؤتمرين وعليه مؤلبين، وكان خيرًا لَهُم وَلِأُمَّتِهم لو أنهم كانوا رجالًا حقًّا فأبوا طاعة الوزير السابق في مُخَالَفَة القانون، وأبوا طاعة الوزير القائم في مخالفة القانون، وقدروا أنهم خُدَّام لمصر لا للوزراء، وأَنَّهُم يؤجرون من مصر لا من الوزراء وأنهم مدينون بالوفاء والإخلاص والصدق في القول والعمل لمصر لا للوزراء، وأنَّ الذين يعملون في مناصب الدولة لا يؤجرون لا ليذعنوا اليوم، ويتمردوا غدًا، وليطيعوا اليوم، ويكيدوا غدًا؛ وإنما هم يؤجرون ليخدموا مصر مخلصين سواء أرضي الوزراء أم لم يرضوا.
هذا الحوار الغريبُ الذي أُثِير في هذه الأيام بين صدقي باشا وأحد وكيليه في وزارة المالية يدل على حال خُلقية سيئة حقًّا، فهل من الحقِّ أنَّ هذا الوكيل قد شهد على صدقي باشا بأنه أمر بإتمام الصفقة؟ وإذن، فكيف وافق صدقي باشا على إتمام صفقة كان يرى فيها عبثًا بحقوق الدولة؟ وما باله لم يَعْصِ صدْقِي باشا، وما باله لم ينصح لأمته، ولم يحتمل ما ينبغي أن يحتمله الناصح لأمته من التضحية؟ أم هل لم يشهد هذا الوكيل ولم يقل ما نسب إليه؟! وإذن، فما باله لا يُكَذِّب الذين يقحمونه في هذا الأمر إِقْحَامًا ويَقُولون عليه غير الحق، ويُظهرونه للناس في هذا المظهر الغريب المُريب؟! وإذا كان قد شهد فهل من الحق أنَّ صدقي باشا لم يأمره؟ وإذن، فويل للأخلاق! أم هل من الحق أن صدقي باشا أمره؟ وإذن، فما له لا يَرُدُّ على صدقي باشا قوله، ولا يُبَيِّن للناس أنه لم يقل في شهادته إلا ما كان ضميره يأمره أن يقول؟! وتستطيع أن تذهب إلى جميع الوزارات والدواوين فسترى موظفين كثيرين منهم الكبار ومنهم الصغار؛ يُنَفِّذُون أَمْرَ رُؤسائهم فيما يخالف القانون، لا ينكرون ذلك ولا يحتجون عليه حتى إذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال انقلبوا حربًا على هؤلاء الرؤساء.
أرأيت إلى هذين الأمرين الخطيرين اللذين تدعو هذه القصص إلى التفكير فيهما، وهُمَا أَنَّ البواعث التي تثير هذه القصص وما فيها من الفضائح ليست هي مصالح مصر، وإنما هي الخصومات بين الأشخاص، وأنَّ الأخلاق قد فسدت في هذا العهد فسادًا قبيحًا حقًّا، حتى أَصْبَحَ من العَسِيرِ على الرَّجُل المُستقيم أنْ يَعْرِفَ كيف يطمئن أو يستريح ضميره إلى أكثر مما يعمل وما يقال في الدواوين؟!
لقد فسد كل شيء واختلط كل شيء، وأصبح من المحنة لأي وزارة تأتي بعد هذا العهد أن تُحاول الإصلاح أو شيئًا يُشبه الإصلاح. ما أثقل الأوزار التي يحتملها ضمير صدقي باشا؛ فهو مصدر هذا كله! ولكن الغريب أن ضمير صدقي باشا يحتمل هذا كله في غير مشقة ولا عناء! -
لقاء | A Meeting
حديث المساء: لقاء
طه حسين
كوكب الشرق
٦ مارس ١٩٣٤
لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.
وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!
وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.
فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.
ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد.