جناية العصر الحديث على الأديب
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٥٣
إنَّ حياة الأديب في العصر الحديث عَسيرةٌ شَاقَّة، ولنْ يَكُون الحديث عنها يَسيرًا ولا سَهلًا، وقد كُنَّا نَقْرَأ — وما زلنا نقرأ — أخبار الأندية والمَجَالس التي كان الأدباءُ يتحدثون فيها عن مِهْنَتِهم، فنَجِدُ فيها لذة أي لذة، ومَتاعًا أي متاع.
أمَّا الآن، فأخشى كل الخشية أنْ يكون الحديث عن حياة الأديب شاقًّا عسيرًا لا يخلو من بعض الإظلام، ولا يخلو من إثارة شيء من التشاؤم وضِيقِ النَّفس؛ لأنَّ ظُروفَ الحَياةِ تغَيَّرت تَغيُّرًا شَديدًا، وأصبحَ الأدبُ أدنى إلى الجد الصارم منه إلى أي شيء آخر، وأصبحت حياة الأديب مُعَقَّدة تعقيدًا لم نَعْرِفه فيما مضى. ينشأ هذا التعقيد منَ الظروف التي نعيش فيها، فقد كانت الحرب العالمية الأولى؛ فتعقدت الحياة أشد التعقيد.
ولم يكد الإنسانُ يفيقُ من الحرب الأولى حتى تبعتها الحرب الثانية، وكانتْ أخطر وأشد هولًا، وقد نَشَأ عن هاتين الحربين اللتين ثارتا في أقل من نصف قرن أن اضطربت شئون الناس الاقتصادية، واضطربت شئون السِّياسة، وظَهَرتْ نَزَعات اجتماعية خطيرة لم تكن تخطر إلا للمُفكرين والفَلاسِفة الذين يُحِبُّون أنْ يُفلسفوا حياة النفس، وننظر فإذا العَالم قد انقسم إلى قسمين:
قسم يؤمن بالحرية، ويُحاول أن يُلائم بينها وبين العدل الاجتماعي، ولكن لا يُريد بحال أن يُضحي بالحرية في سبيل العدل، وقسم آخر يطلب العدل ويُضحي بكل شيء حتى بالحرية وبالشخصية الفردية والاجتماعية، وكذلك انقسم العالم إلى القِسْمَين اللذين يضطربان في السلم الآن، ويُخشَى أن يتجاوز السلم إلى الحرب.
وكذلك اضطربت آراء الناس في الحياة كلها: قلق من خوف الحرب، وقلق من الاضطراب الاجتماعي، وقلق من الاضطراب الاقتصادي وغيره في هذه الحياة المُعَقدة التي لا نعرف فيها كيف نُصبح حين نصبح، فإذا أمْسَينَا لم نعرف بما يُسفر عنه صبح الغد. في هذه الحياة المُضطربة، يقف الأدب مَوقفًا في حيرة، ورُبَّما كان مَوقِفُه أشدَّ حيرة من مواقف الناس؛ لأنَّ واجب الأديب الأوَّل هو أنْ يكونَ هاديًا ومُرشدًا. فهو لا يدري إلى أي وجه من وجوه الحياة يَضطرب، وهو لا يدري كيف يواجه المُشكلات التي ضَاقَتْ بها الإنسانية، وعجز التفكير الفلسفي عن حلها، ووقف الناس موقف المُرتبك الذي تأخذه الحيرة من جميع أقطاره.
وما أظن الأديب احتاج لأنْ يُلقي السؤال الذي ألقاه الفَلاسفة: من أين نحنُ؟ وإلى أين نُريد؟ وماذا نريد؟ ما أظنُّ أنَّ الأديب احتاج لأن يُراجع نفسَهُ وضميره ويُفَكِّر ويَتَّصِلَ التفكير بمِقْدَار ما هو مُحتاج إلى هذا الآن. كل شيء من حوله مُخْتَلِطٌ مُضْطرب يعيش في ظلمة مُبْهَمَة لا يدري كيف الاتجاه فيها.
مِنْ أجل هذا كان الحديث عن حياة الأديب عسيرًا، كما أن حياته عسيرة شاقة. ولو عاش أو إذا بُعث بعض أدبائنا القدماء وسمعوا لأحاديث المُعاصرين حين يَلقى بعضهم بعضًا؛ لما فهموا شيئًا، ولأعرضوا عنها مُنكرين، فكان شعراؤنا وكُتَّابنا القدماء إذا لقي بعضهم بعضًا تحدثوا في أدبهم، ينقدون ويُقرظون، يرضون عن شاعرٍ ويَسخطون على شاعر، يُبينون أوجه الرِّضا والسخط، وهكذا.
أمَّا الآن، فإنَّ الأدباء قد اجتمعوا في البندقية، ولا يكادون يتحدثون عن الأدب والشعر أو النقد أو الذوق، وإنما عمَّا هو أهون شأنًا، ولكنه في الوقت نفسه أجل خطرًا. يتحدثون عن الحياة كيف يحياها الأديب، ويحتمل أعباءها، ويُؤدي مُهمَّته في العالم الحديث.
الأديبُ تحت ظل الملوك والأمراء وكانت مُشكلات الحَياة المادية بالقياس إلى الأدباء في العصور القديمة يسيرة تُوشك أن تحل نفسها، فكان الأديب بين رجلين: أن يكون صاحب مهنة أو عمل يكسب منه القوت، ويَفتَنُّ في أدبه على أنه لون من ألوان الترف، وفن من فنون المتاع العقلي. وإما أن يكون لا مهنة له، ولكنه انقطع إلى أحد الملوك أو السلاطين فعاش من عطائه، وأفنى عُمره في ظله، أو يتنقل بين الملوك والأمراء يبيعهم فنه، ويأخذ مالهم. أما الآن فقد تعقَّد الأدبُ وأصبح من العَسير أن يُضيف لفنِّه مِهنة يكسبُ منها القوت؛ لأن الأدب في العصر الحديث يحتاج إلى كثير من الاطلاع، وكثير منَ القِرَاءة والبحثِ والاستقصاء، ثم إلى كثيرٍ من الرَّوية والتفكير لينتج، فإذا حاول الإنتاج احتاج إلى كثير من الجَهْد ليُصحح معَانيه ويُصوبها، ثم ليتخير الألفاظ التي تُؤديها صادقة من جهة، ويكفل شيئًا منَ الجَمال الفني يخلب السمع، ويُرضي القلب، ويُغذي العقل. وكل هذه الجهود خليقة أن تَسْتَغرق وقْتَه، وكل هذه الجهود خليقة أن يَضِيقَ بها وقته، فإذا احتاج ليعمل في مِهْنَةٍ غير الأدب، فهو أنْ يأخذ شيئًا من وقته أولًا، وجهده ثانيًا، وقوته على العمل والإنتاج ثالثًا، وإذن فهو لا يستطيع أن يفرغ لأدبه ويقف عليه جهده، وقد: ذهب الذينُ يُعاش في أكنافهم وبَقيتُ في خَلفٍ كجلد الأجرب فليس هناك ملوك ولا أمراء يَرعون الأدباء، ولو وُجدوا لأعرض عنهم الأدباء، ونفروا منهم أعظم النفور؛ لسبب بسيط وهو أنَّ الأدبَ قد تَحَرَّر واستَقَلَّ، وأكبر نفسه عن أن تُباح للكُبراء، ويُشترى بالمال، فلم يبق بدٌّ للأديبِ مِنْ أنْ يَعْتَمِدَ على نَفْسِه ليكسِبَ القوتَ، وفي كثير من الأحيان لا يعيش الأديب وحده؛ لأنه إنسان له من يعوله، فيجبُ عليه أن يكسب قوته وقوت من يعول؛ ويفرغ مع ذلك لإنتاجه الأدبي، ولا أريد مُجرد النظم، وإنما أريد الإنتاج الرفيع الذي لا يهان، وإنما يرتفع بقرائه إلى أرفع من عالمهم الذي يضطربون فيه.
نشاطك وفراغ بالك فكيف يستطيع الأديب أن يُلائم بين هذين الأمرين المتناقضين: فراغ للأدب، وكسب للقوت؟ وكان الجاحظ يستطيعُ أنْ يقول للمُتعلمين للأدب: «خذ من وقتك ساعة فراغك.» أمَّا الآن فلا يستطيع أن يقول ما قال في رسالته التي يطلب فيها أن لا يفكر الأديب في أدبه وهو مشغول البال. فالأديب مشغول في هذه الحياة. كيف يستطيع إذن أن يوفق بين المتناقضين؟ هذه ناحية، والناحية الأخرى رُبَّما كانت أشد عسرًا؛ وهي ناحية الاحتفاظ بالحُرِّية كما ينبغي أن يحتفظ بها الأديب. فالحرية هي أنَّه إذا فرغ الأديب لأدبه، وأوحي إليه أو كشف لونًا من ألوان التفكير، وأدى هذا اللون في فن من التعبير، فيجبُ أنْ يكونَ مُحتفظًا بحُرِّيته كامِلَةً لا تَشُوبها شَائِبَة مَهْمَا تكن الظروف. وكلنا يَعْلَمُ إلى أي حد أصبح هذا عسيرًا في العصر الحديث! أصبحَ عسيرًا لأنَّ الأديبَ مُعَرَّض لألوانٍ منَ الرقابة مُختلفة، ليسَت رقابة الحكومة بأشدها عُسرًا، ولكنها أهونها احتمالًا! هناك رقابة الرأي العام أو الجمهور، وهناك رقابة الحكومة في السلم والحرب. وهذه الرقابة قوامها أن تحد حرية الأديب، فالرأي العام يُريد أن يكتب الأدباء ما يحب أن يقرأ، وأظنُّ القُرَّاء يوافقونني على أنَّ كتابة ما تحب الجماهير أن تقرأ ليست محببة للأديب إذا كان أديبًا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأنَّ هناك فرقًا بينَ العُصور القديمة والحديثة، ففي القديم كانتْ القرَاءة مَقصورة على أقليات أرستقراطية، أمَّا في العصر الحديث فقد أصبح التعليم إجباريًّا، وأصبحت الدولة مُكلَّفة أن تعلِّم النَّاس القراءة وتثقفهم وتهيئهم للأدب وما يقرءون. فإذا ألَّف الأديب كتابًا، فهذا الكِتَابُ لنْ تقرأه طَائِفَةٌ ضئيلة من المُثقفين، ولو قرأته هذه الطائفة لما استطاع الأديب أن يعيش، فلا بد أن يكون الكتاب قادرًا على أن يتجاوز طبقة المثقفين إلى طوائف أخرى من أوساط مُتواضعة قلما يستطيعون أن يتذوقوا الأدب الرَّفيع بمعنى الكلمة، فهم يَضيقون بما يُكلِّفهم عناء ومشقة، وهم يُحبون أن يقرءوا لينتفعوا، وهم يَجِدُّون أثناء النهار في أعمالهم، فإذا أتيحت لهم الراحة والنظر في الكتاب، فلا يضيفون تعبًا إلى تعب. وإذن فالأديبُ مُخَيَّر بين أن يكتبَ للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع، أو الطبقة الواسعة التي إن قرأته فلا بد أن يهبط إليها؛ لأنه لا يستطيع رفعها إليه. كيف يستطيع الأديب أن يفرغ لأدبه من جهة، ويتحرر من تبعات كسب الحياة المادية من جهة أخرى؟ فإذا أتيح له شيء من التحرر فكيف يتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية حين ترضى عن الأدب، وحين تسخط عليه؟ وكيف يلائم بين حريته وبين القوانين التي تُسَنُّ في بعض البلاد حتى يُضيَّق على الأدباء في حريتهم تضييقًا لا يُطاق؟ ثم كيف يخلص من الرقابة الحكومية؟ وبعد هذا كيف يحتفظ بأدبه الرَّفيع ويرفع قرَّاءه دونَ أنْ يَهْبِطَ على حساب الفن والجمال؟
شقاء بالنهار وعناء بالليل هذه بعض المشكلات التي يشقى بها الأدب في العصر الحديث، وكان مُتخففًا من كثير منها في العصور الماضية؛ ففي العصور الماضية كان الأديبُ غير محتاج أن يضيع وقتًا ليكسب قوتًا، وإذا احتاج لقوته فطبيعة الحياة تُعفيه ما أضاع من الوقت؛ لأنه لم يكن فيها تعقيد من بُعد المواصلات والمسافات في الانتقال وأمثال هذه الأشياء، ولا سيما إذا كان موظفًا. فأديبٌ ممتاز يقتضيه كسبُ القوتِ أنْ يَعْمَل مع رئيس سخيفٍ، ويسمع أوامره. كل هذا كان الأديب معفي منه أو معفي من أكثره، أما الآن فحَياتُه مُنَغَّصة مِنْ أوَّل النَّهار إلى آخره، فإذا انقضى النهار بعنائه وأقبل الليل كان مكدودًا، ثم لم يكتف الشقاء بأن يجمع على الأديب كل هذه المشكلات، ولكن رُقيَّ الإنسان والتقدم في المدنية أبى إلا أنْ يُضيف إلى الشقاء ألوانًا من الشقاء، فظهرت منافسات خطيرة للأدب. منافسات أخشى كما خشي كثيرٌ من الأُدباء في أوروبا وأمريكا أنْ تعرض الأدب لأحد شرين: إما أن تهبط به فيُصبح يسيرًا، وإمَّا أن يُفرض عليه حظر! وهذه المنافسات تأتيه من الصحافة والراديو والسينما. وهي المحن الثلاث التي امتُحن بها إنتاج الأديب في العصر الحديث.
Tag: الإنتاج الأدبي
-
حياتنا الأدبية | Our Literary Life
حياتنا الأدبية
طه حسين
بيروت
٣٠ سبتمبر ١٩٤٤
لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»
وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.
واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.
ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.
ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.
وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.
وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.
وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.
وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.
ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة.