Tag: الإنصاف

  • عدوان ٢ | Aggression (2)

    عدوان

    زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه، واستغاثتها به، حتى قال: لبيك، لبيك، ونهض من فوره، فغزا بلاد الروم، وأمعن في غزوها، ودمر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا، موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

    السيف أصدق أنباءً من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

    وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم، أو يقال إنها تريد أن تقبل. وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كل الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

    الله يشهد ما نريد شرًا، ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا، ولا نغري به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دورنا، مطمئنين في بلادنا، لا نعتدي على أحد، ولا يعتدي علينا أحد. نريد ألا نكون أذلة في بلادنا، والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا، والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا، والأجنبي فيها غني موفور.

    نريد أن نأمن على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا. وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض.

    نحن لا نكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا، فاشتدت في البطش، ولنكلت به حكومتنا، فألحت في التنكيل. أستغفر الله، بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين، ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك، أو هموا أن يفعلوه، لعج الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجوا، ولتقدمت حكومتنا إلى رجال الدين بأن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير.

    نحن إذن لا نكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام. فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا، لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا، راضيًا، راغبًا فيه، لا مكرهًا عليه إكراهًا، ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

    هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم، ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له؟ فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا، ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم، ويدخلوا في دين لا يحبونه، ولا يريدون الدخول فيه.

    هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم، باللين حينًا، وبالشدة حينًا، بالحيلة مرة، وبالقهر مرة أخرى.

    هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك، لا في مدينة واحدة، بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد، بل في أوقات مختلفة. وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين، فلا يحفلون بها، ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان.

    وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا عنيفًا. وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا شديدًا.
    أفيريد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقر هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يقدر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون، وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المخوف، وكما نسمع للخصم المريب؟

    إن كانوا يريدون ذلك، ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء، وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم، وهو الدين.

    ووزارتنا القائمة، ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم، ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف، ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام، في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟

    بلى، لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى، فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها، والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين.

    وخيل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر، والبرلمان، والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها سترد الأمر إلى نصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين، وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين، ويصرفوا عنه إلى الكفر به، والخروج عليه.

    ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًا من تهدئة الخواطر، وإسكات الناس!
    فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا. وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها، وتلح في إذاعتها، وتستنهض الحكومة، وتلح في استنهاضها، وتنبه الشيخ الأكبر، وتلح في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!!!

    وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان، حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلطوا عليها العذاب. ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة، فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!!

    يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة: أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس، ويعرضون الأمن للخطر. وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم، وأتوا هذا المنكر في وضح النهار، تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعز فيه الإسلام ولا يذل، ويجب ألا تكون حرية أهله عرضة للعبث الأجنبي وعدوانه.

    والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني، فقد كثرت الوعود، واتصلت الأماني، ولم يكف المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم.

    يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن ينفى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة. فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يبيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين.

    ولكن الحكومة، فيما يظهر، لا تريد، أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان، رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

    وقد أحس المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك، والعناية به. فلعل أمر جلالته السامي، إن صدر إلى الحكومة، أن يمدها بروح من القوة، وأن يشد عزمها، ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق، والكرامة، والحرية، والدين.

    أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه: أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين، فسافر في الدرجة الثانية، وأخذ أجرة السفر في الدرجة الأولى؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة، ويصرفهم عن الطربوش؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين، يكذبون عليهم، ويذيعون عنهم الكفر، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها معصية!!

    ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا.

    ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين، وهم حرب عليه.

    كوكب الشرق ١٠-٦-١٩٣٣

  • امتياز | A Privilege

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .