Tag: الإنفاق الحكومي

  • صبريات٤ | Sabri-isms 4

    حديث الوادي
    صبريات…
    يعجبني من وزير ماليتنا العظيم، أنه حازم جداً، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقرن إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلاً عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبد بالعزم، قوي قد استأثر بالقوة.
    ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده، فوزير المالية إذا قال، زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشد اضطراب، وامتلأت النفوس هلعاً وفزعاً وجزعاً، ولكنه إذا هم بالعمل لم يعمل شيئاً، فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه. وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفاً مؤسفاً حقاً، فما أسرع ما يأمن الخائف، وما أسرع ما يطمئن القلق، وما أسرع ما يبسم هذا وذاك، وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطراً على وزارة المال.
    منذ عام صرح وزير المالية، بأنه ما دام وزيراً فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقاً، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولاً، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يكره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.
    ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك أنه ما دام وزيراً فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف، أن تشتط على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئاً أو التي تحل نصف الأزمة، وتدع نصفها الآخر معقداً غير محلول، وقد مضى العام، والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتد على المدينين، والوزارة لا تقدم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيراً للمالية، لم يستقل ولم يكره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يصرح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.
    ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كباراً وصغاراً، وصرح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيراً، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كباراً وصغاراً بأن ينسوا أن لهم وزيراً يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.
    ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيراً، ولكن صبري بك خُيّل إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يشرف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيراً يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلاً للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلاً آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرفون الأمور، كما كانوا يصرفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئاً، أو لم يحاول أن يغير شيئاً على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.
    ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيراً فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل، فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.
    وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:
    «إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.
    إنني ما دمت وزيراً للمالية – فلن أسمح مطلقاً بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها. ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليماً واحداً من الأموال الأميرية. ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أي التفات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية».
    أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف، أنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحاً كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك، جو مصر منذ عام، فهو ما دام وزيراً لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيراً. وهو ما دام وزيراً لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيراً، لأنه سمح بأشياء، ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء، ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي عليهما بأن نظهر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خفنا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضاً أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه، فعفوه آت لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نزاع فيه.
    وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يظهرون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيراً.
    لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له، فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث، هو سمعتها المالية. وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة، تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.
    وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئاً آخر صحيحاً، لا ينبغي لمثله أن يجهله، فحسن السمعة ليس رهيناً بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء، بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصاً حقاً على جمع المال احتفاظاً بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصاً حقاً، على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظاً بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه، بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني، والعمارات ومنح الإعانات وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تقدم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.
    من الخير جداً يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جداً كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيراً للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.
    نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك ولعلك قلته، ولكنه كلام كغيره من الكلام يخيف من يسمعه أو يقرؤه ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافاً، ولا يكف عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.
    قل ما شئت يا سيدي الوزير فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٣.

  • رحلات | Journeys

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.

  • صبريات٣ | Sabri-isms 3

    حديث الوادي
    صبريات
    ليست غريبة ولا جديدة، فليس من وزير ماليتنا جديد لأن الناس قد تعودوا منه الطرائف وانتظروا منه الأعاجيب. والناس يعلمون من أمر هذه الصبريات التي نريد أن نحدثهم عنها كل شيء. فقد أذاعتها الصحف، وتحدثت بها الأندية، ولكن علم الناس بها لا يستتبع فهمهم لها. وما أكثر الأشياء التي تُعلَم ثم لا نفهم حتى يؤول لهم الراسخون في العلم، والقادرون على التأويل. ولسنا والحمد لله من الراسخين في العلم، ولا من القادرين على التأويل، ولسنا لذلك نريد تأويلاً أو تعليلاً لهذه الصبريات التي تعجز المؤولين والمعللين، إنما نحن من عامة الناس نريد أن نفهم، ولا نستطيع أن نفهم. فنحن نتوسل إلى القادرين على التفسير أن يفسروا لنا، وإلى البارعين في التأويل أن يؤولوا هذه الأعاجيب.
    منذ أيام دعا وزير المالية صبري بك زملاءه للوزارة إلى وليمة بحرية، ثم إلى نزهة بحرية بعد الغداء ثم إلى شاي بعد النزهة، ولم تكن الوليمة في سفينة يملكها الوزير، أو في يخت يعده الوزير لراحته ونزهته، وإنما كانت في طوافة من طوافات الدولة، يقال إنها أعدت لخفارة الساحل، وحمايته من المهربين.
    فقد نحب أن نفهم معنى هذه الوليمة ومغزى هذه النزهة، ومرمى هذا الشاي؟ ومن حقنا أن نفهم هذا وأن نلتمس فهمه ونتشدد فيه، فليس حظ الوزير الخطير وزملائه من هذه الطوافة بأعظم من حظنا، وليس حق الوزير الخطير وزملائه في الانتفاع بهذه الطوافة بأعظم من حقنا، وكل ما بينه وبيننا من الفرق هو أننا أنبناه عنا في العناية بهذه الطوافة واستخدامها لما هيئت له من حماية السواحل من المهربين والمعتدين. ومن المحقق أننا لم ننبه عنا في أن يتخذ الطوافة أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. ومن المحقق أيضاً أنك لا تستطيع، وأني لا أستطيع أن تتخذ هذه الطوافة التي نملكها كما يملكها الوزير أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. وإذن فقد نحب أن نفهم، ومن حقنا أن نفهم، كيف استطاع وزير المالية صبري بك أن يدعو زملاءه الوزراء إلى الغداء، ثم إلى النزهة، ثم إلى الشاي على ظهر هذه الطوافة؟ وعلى أي حق من حقوق الوزراء اعتمد في هذه الدعوة؟ ولا نقل أننا نتعلق بشيء صغير، ونقف عند التافه من الأشياء. فليس في حقوق الدولة حق صغير وآخر كبير، وإنما حقوق الدولة كلها كبار.
    ومن أباح لنفسه أن يستهين بواحد منها فهو خليق أن يبيح لنفسه الاستهانة بها جميعاً. ومن حقنا أيضاً أن نفهم وأن نتشدد في الفهم وأن نعلم على حساب من كان هذا الغداء، وعلى حساب من كانت هذه النزهة، وعلى حساب من كان هذا الشاي، أكان الإنفاق على هذا كله من مال الوزير الخاص، وإذن فهل دفع للدولة أجرًا لهذه السفينة، أم كان الإنفاق عليها من مال الدولة، وإذن فمن الذي زعم أن من حق الوزراء على الدولة أن تغديهم في سفنها وتمكنهم من النزهة، وتقدم لهم الشاي بعد ذلك؟ أفيدخل هذا في واجبات الاصطياف التي تنهض بها الدولة للوزراء حين ينتقلون من القاهرة إلى الإسكندرية في غير موجب للانتقال. وإذا أباحت الدولة للوزراء أن ينفقوا من أموالها في طعامهم وشرابهم ونزهتهم فما بالها لا تبيح هذا لغير الوزراء؟
    كل هذه مسائل لا يحفل الناس بها ولكننا نحن نحفل بها كل الحفل، ونسأل عنها ونلح في السؤال. لأننا نحب لوزرائنا أن يكونوا مثلاً علياً في الدقة ونقاء اليد وصفاء الضمير، والتحرج من إنفاق أموال الدولة مهما تكن قليلة ضئيلة، في غير حق، ومن بذل أموال الدولة مهما تكن يسيرة هينة، في غير وجوه البذل المعروفة التي تدعو إليها المنفعة، ويبيحها القانون.
    ثم للمسألة وجه آخر خليق أن نتبينه وأن نعرف رأي وزيرنا الخطير فيه، فما الذي حمله على أن يقيم هذه الوليمة ويدعو إلى هذه المأدبة؟ وأين الظرف السعيد الذي يبيح للوزراء أن يتوسعوا بعض الشيء في الإنفاق ويخرجوا بعض الشيء عما يجب أن يأخذوا أنفسهم به من التحرج في البذل والإنفاق؟ أوفق وزير ماليتنا الخطير إلى حل مشكلة من مشكلات الدولة في الدين العقاري أو في الدين العام، أو في الاستبدالات، أو في أزمات الموظفين التي لا تنقضي، أو في تخفيض الضرائب التي لا تريد أن تخفض، أو في تفريج الكرب الذي لا يريد أن يزول. فهو مغتبط بهذا التوفيق، وهو يريد أن يشرك زملاءه في هذا الاغتياط، وهو يرى أن من حقه على الدولة أن تبيح له فضلاً من سعة لما أدى إليها من خدمة، ولما رد عنها من هم، وأن تتيح له ولزملائه ساعات من نهار يتأرجحون فيها على موج البحر، ويستمتعون فيها بمناظر الشمس حين تلقي أشعتها الشاحبة على الأمواج الصاخبة في وقت الغروب، ويستحضرون فيها هذه الخواطر الفلسفية العليا التي يستحضرها الشعراء والرجال المثقفون حين يرون الأمواج العنيفة، تضطرب اضطراباً عنيفاً بصور السماء التي تعكسها عليها أضواء الشمس آخر النهار.!
    كلا لم يوفق الوزير إلى شيء، ولم يحل الوزير مشكلة ولم يستوجب الوزير على الدولة شيئاً، وإذن ففيم هذه المأدبة؟ وفيم هذه النزهة؟ وفيم هذا الشاي؟
    صبرية من الصبريات التي يعجز الناس عن فهمها، ويعيا الراسخون في العلم عن تأويلها، إلا أن تكون تمهيداً لشيء، لم ينكشف عن الغيب بعد، وقد ينكشف عنه في يوم من الأيام. فمن يدري ماذا يكن الغد في ضميره وماذا يضمر الزمان بين خفاياه؟
    والغريب أن نشاط وزير المالية لم يقف عند هذه الصبرية الرائعة منذ ذهب إلى الإسكندرية، فلم يكد الناس يتحدثون بهذه المأدبة البحرية وهذه النزهة البحرية، وهذا الشاي البحري، ولم يكد الناس يفرغون من هذا الحديث، ويعلنون عجزهم عن فهمه وتأويله، حتى فتح لهم الوزير الخطير باباً جديداً من أبواب الحديث. فأعلنت الصحف أنه يدعو المندوب السامي إلى وليمة يقيمها له في البر لا في البحر، وفي داره الخاصة لا في دار من دور الدولة، بل في قريته الخاصة، التي تسمى باسمه، والتي اشتققنا منها اسم الصبريات. نعم إذا كان يوم الأربعاء المقبل فسيكون وزير المالية في الصبرية، وسيذهب المندوب السامي إلى الصبرية، وسيقام في الصبرية غداء فخم يطعم فيه المندوب السامي ويشرب، ويؤكل فيه العيش والملح بين وزيرنا النابغة، وممثل بريطانيا العظمى. وأكبر الظن أن وزراءنا سيشتركون في هذه المأدبة، وسيدعون إليها. ولا غرابة في ذلك فقد دُعي وزير ماليتنا إلى الغداء في قصر الدوبارة، ولكل دعوة رد، كما أن لكل سؤال جواباً. ولكن حدثني عما سيقول الناس حين يسعى المندوب من الإسكندرية إلى الصبرية ليتناول الغداء على مائدة الوزير الخطير. سينتظرون أن يصبح الوزير الخطير في يوم من الأيام قريب أو بعيد رئيساً خطيراً. ليسهر القنصلان كما كان يقول الرومان، فإن الأمر في حاجة إلى السهر. والقنصلان هنا هما الرجل الطيب، ووزير التقاليد، أحدهما في يده الرياسة، والآخر ينظر إليها، من بعد. قال صاحبي ولم لا تقول ليسهر القناصل فقد يكون وزير داخليتنا قنصلاً ثالثاً..؟ لا يقل حظاً من القنصلية عن وزير التقاليد، وماذا يمنع المندوب السامي أن يتناول الغداء في القيس كما سيتناوله في الصبرية؟
    أرأيت إلى أننا لم نفرغ ولا ينتظر أن نفرغ من الصبريات، فستتكشف لنا براعة وزير ماليتنا كل يوم عن إحدى الأعاجيب؟
    طه حسين
    الوادي، ١٥ يوليو ١٩٣٤.

  • حملة! | A Campaign!

    حديث المساء: حملة!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ مارس ١٩٣٤

    ألن ترسل إلى حدود السودان؛ لأن الإنجليز يتولون حماية هذه الحدود لأنفسهم ولنا، ولن ترسل إلى أي ناحية من هذه النواحي التي يخاف منها على السلم أو يُخشى منها على الأمن. فمصر والحمد للَّه سالمة آمنة، والإنجليز يتولَّون حمايتها من كل غارة أجنبية، أعلنوا ذلك إلى الدول كلها في الوقت الذي أعلنَّا نحن فيه الاستقلال. بل لن تكون هذه الحملة التي أريد أن أحدثك عنها من هذه الحملات الخطرة المخيفة التي تسبقها وتلحقها المدافع وأدوات الموت؛ لأن مصر قد أخذت على نفسها عهدًا أن تكون بلد الحياة والسلام في ظل الدستور والنظام. إنما هذه الحملة شيء آخر من طراز خاص؛ هي حملة النور على الظلمة، وحملة الذكاء على الغباء، وحماسة الفطنة على الغفلة، وحملة العلم على الجهل. ولهذه الحملة قائد أظنك قد عرفته، فإن لم تكن قد عرفته، فأنت محتاج إلى أن توجَّه إليك وإلى الأقاليم الذي تعيش فيها، أو البلد الذي تضطرب بين أهله، حملةٌ كهذه التي نتخذها موضوعًا لهذا الحديث. لهذه الحملة قائد يجب أن تعرفه دون أن يُعرَّف إليك؛ لأنه ظاهر في سماء مصر وعلى أرضها، يتألق في سمائها كما يتألق النجم المضيء، ويشرق على أرضها كما تشرق الشمس الجميلة الناصعة، يعرفه الناس بخطبه الرنانة، وأحاديثه الطنانة، وأعماله التي لم تسبق بمثلها ولن تلحق بمثلها؛ لأن مصر لم ترزق ولن ترزق قائدًا من قواد الحملات يشبه هذا القائد العظيم. له بلاءٌ حسنٌ في الجامعة، وله بلاءٌ حسنٌ في التمثيل العربي وتعليمه، وله بلاءٌ حسنٌ في الأوبرا، وله بلاءٌ في هذه المشكلات المدلهمات التي تؤرق ليل الرجل الطيب بعد أن كانت تؤرق ليل الدكتاتور العظيم. وله كتاب قيم يعرفه الفقهاء جميعًا، لا يعرفون مثله ولن يعرفوا مثله؛ لأن اللَّه لم يقدِّر للبيع أن يدرسه أحد كما درس هذا الأستاذ العظيم. أظنك عرفت هذا القائد الآن، إن كنت من الذين لم يعرفوه، وما أحسب أن هؤلاء يوجدون، هو وزير التقاليد. فأمَّا حملته الرائعة البارعة، الناصعة الساطعة، التي ستدفع الظلمات دفعًا، وتردع الجهالات ردعًا، وتملأ الأرض علمًا بعد أن ملئت جهلًا، وضياءً بعد أن مُلئت ظلامًا، فهي هذه التي يجردها غدًا أو بعد غدٍ على أدنى الأرض من إقليم البحيرة ليزور المدارس ويشرف من قرب على حياة العلم والتعليم.

    وهذه الحملة نادرة باهرة حقًّا، إن صح ما تتحدث به الصحف، فقد تخير لها الوزير العظيم من الجند أقواه وأذكاه وأمهره وأقدره وأبرعه وأشجعه. وحسبك أنها تتألف من أركان الحرب كلهم في وزارة التقاليد. فالوزير العظيم سيسافر ومن حوله السكرتير العام لوزارة التقاليد، ومدير المكتب لوزير التقاليد، والسكرتير الخاص لوزير التقاليد، ومراقب التعليم الأولي، ومراقب التعليم الابتدائي، ومراقب التعليم الثانوي، ومراقب التعليم الصناعي، ومراقب تعليم البنات، ومراقب التربية البدنية للفتيان، ومراقبة التربية البدنية للفتيات. ولعل مراقب التعليم الزراعي أن يكون قد سبقه، ولعل قومًا آخرين غير هؤلاء أن يكونوا قد سبقوه، أو قد كلفوا أن يلحقوا به بعد وصوله بساعة أو ساعات. وهناك قوم آخرون من رجال التعليم مستقرون في البحيرة، فسينتظرون الجيش، وسينضمون إليه. ولعل قومًا آخرين من رجال التعليم قد استقروا في الإسكندرية وغيرها مما يلي هذا الإقليم السعير، أن يدفعهم الشوق فيتركوا مراكزهم، ويسرعوا إلى لقاء الوزير، والسير في ركابه، والانضمام إلى حملته الموفقة. وقد يلاحظ بعض الملاحظين الماكرين أن في هذه الحملة شيئًا من التجديد، وهو اشتراك مراقبة التربية البدنية للبنات في هذه الحملة، على رغم ما هو مقرر من أن اختلاط الجنسين — حتى في الرسميات — لا يلائم التقاليد، ولكن لا تسمع لهؤلاء الملاحظين الماكرين، فإنما هم قومٌ من الحساد، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يستريحون إلَّا إذا وجدوا ما يمكرون.

    وإذن فستستعد هذه الحملة — أو هي تستعد من أيام — للخروج من مركز القيادة العليا في القاهرة، وستفصل عن العاصمة مع الشمس إذا أشرقت غدًا أو بعد غدٍ، وستبلغ الميدان بعد ساعات. وهنالك لا تسل عن جيوش الجهل كيف تنهزم، وعن صروح الغفلة كيف تنهدم، وعن عقول الناس كيف تستضيء، وعن قلوب الناس كيف ترقى. ولا تسل عن ابتهاج الجمهور في ذلك الإقليم لمقدم هذه الحملة الموفقة، وطلعة ذلك القائد المظفر. لا تسل عن الصياح الذي سيبلغ عنان السماء، وسيمزق الحناجر تمزيقًا. ولا تسل عن التصفيق الذي سيصم الأسماع، وسيشق الأكف تشقيقًا. ثم لا تسل عن الخطَب الذي ستُلقى، وعن القصائد التي ستُنشد، وعن المقالات التي ستُدبج، ثم تُذاع في الصحف ليقرأها الناس، وليعلموا أن القائد المظفر قد كسب الموقعة، وظفر بالفوز والانتصار. كل هذا شيءٌ لا نشك فيه منذ الآن، ولن نشك فيه بعد أن يتم. وهناك أشياء أخرى لا تقبل الشك، وأهمها أن إقليم البحيرة سيمتاز من الأقاليم المصرية كلها، وسيملأ هذه الأقاليم حسدًا وغيرةً يخشى منهما على الأمن والسلم، ويُخشى منهما على راحة الوزير. فلن ترضى الأقاليم الأخرى أن ينفرد إقليم البحيرة بهذا المجد المؤثل، ولن تستريح إلَّا إذا ظفرت من الوزير وأركان حربه بغزوة كهذه الغزوة التي ينعم بها هذا الإقليم. والوزير أرقُّ قلبًا وأوسع رحمةً وأرأف بالمصريين من أن يؤثر بعضهم على بعض، أو يفضل إقليمًا على إقليم، أو يجود بغزوته على فريقٍ من الناس، ويبخل بها على فريق آخرين. وإذن فسيضطر الوزير إلى أن يطوف الأقاليم كلها، يومًا بجزوى ويومًا بالعقيق، يومًا في الغربية ويومًا في أسوان.

    ومن هذه الأشياء التي لا تقبل الشك، هو أن مقدم الوزير وأركان حربه على هذا الإقليم السعيد سيحدث فيه المعجزات، فتُمحى الأمية محوًا، وسيصبح الناس جميعًا؛ رجالًا ونساءً شبابًا وشيبًا متقنين للقراءة، ولكن بشرط أن لا يقرءوا صحف المعارضة ولا ينظروا فيها. وهذا هو وجه الإعجاز، سيصبح الناس جميعًا قادرين على أن يقرءوا في أي صحيفة، وفي أي كتاب، حتى إذا وقعت إليهم صحيفة من صحف المعارضة مُحيَ فن الكتابة والقراءة من نفوسهم محوًا، فإذا طويت عنهم هذه الصحيفة عاد إليهم هذا الفن كأحسن وأرقى ما يكون. ومن المحقق أن الوزير إذا زار الأقاليم الأخرى سيحدث فيها ما سيحدثه غدًا أو بعد غدٍ في إقليم البحيرة. ولعلك توافقني على أن هذه الزيارات سيكون لها خطرها في حياة المصريين، ستخرجهم جميعًا من الظلمات إلى النور، فمن حقهم أن يبتهجوا بها، وستريحهم جميعًا من قراءة المعارضة والمعارضين، فمن حق هؤلاء أن يحسبوا لها كل حساب، بل من حق هؤلاء أن يقدِّروا ويستيقنوا أن لا مطمع لهم في الحياة بعد اليوم، وأن مصر ستفلت كلها من أيديهم إفلاتًا. ولهذا نتائجه الخطيرة، ومن أهمها أن الوزارة القائمة لن تخشى معارضة ولا معارضين، فستثبت إذن وستثبت إلى ما شاء اللَّه برغم الخصوم والحاسدين، وليس في شيءٍ من ذلك غرابة أو شيء يشبه الغرابة؛ فمصر قديمة العهد بهذه المعجزات. ولعل المصريين يعلمون أن أوزيريس كان يغزو أقطار الأرض فلا يثير فيها حربًا ولا يريق فيها دمًا، وإنما ينشر فيها علمًا ويذيع فيها سلمًا، ويعلم الناس كيف ينعمون بالحياة. وإذا كانت مصر قد أخرجت أوزيريس في العصر القديم، فما يمنعها أن تخرج أوزيريس في العصر الحديث. كل شيء إذن على خير ما تكون الأشياء، ستستنير مصر وسترقى، وستسبق الأمم الراقية المستنيرة في أسابيع. ولكن المصريين قوم لا يرضون، ونفوسهم تحفل دائمًا بالصغار، وتعرض دائمًا عن عظائم الأمور وجلائل الأعمال. فقد رأيت جماعة منهم يقرءون هذا النبأ العظيم في الصحف، ثم تعلو وجوههم غبرة، وتقطب جباههم، وتنطلق ألسنتهم بكلام كثير سخيف، يسألون: وكم ستنفق الدولة على هذه الحملة؟ وما الذي يدعو إلى أن يتبع هذا الجيش الضخم وزير التقاليد في زيارته للمدارس في ذلك الإقليم؟ أرأيت كيف يكون قصر النظر؟ وضآلة الخطر؟ وضيق التفكير؟ قومٌ يقال لهم: إن الوزير سيمحو الأمية من إقليم بأسره في يوم واحد، فيسألون عما سيكلفهم ذلك من المال، ويستكثرون على هذا الرجل العظيم أن يصحبه عشرة من كبار الموظفين. أؤكد لك أن هؤلاء المصريين لم يخلقوا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا للأمل، إنما خلقوا ليعنوا بالسفاسف، وليملئوا قلوبهم وقلوب الناس من حولهم يأسًا وقنوطًا. أين تكون النفقات التي سينفقها هؤلاء العشرة، والتي سيتكلفها الناس للقائهم وتضييفهم؟ وأين يكون الوقت الذي سيضيعه هؤلاء العشرة، والذي سيضيعه الناس في لقائهم والاحتفاء بهم؟ أين يكون هذا كله من هذا الحدث العظيم والأمر الجسيم؛ وهو زيارة وزير من الوزراء لإقليم من الأقاليم؟ أليس من حق الإنجليز أن يضحكوا من هذا الشعب الذي كتب اللَّه عليه أن لا يفقه شيئًا، ولا يفطن لشيءٍ، ولا يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور إلى عظائمها؟ أليس من حق الإنجليز أن يستكثروا على هذا الشعب وزير التقاليد، وزملاء وزير التقاليد الذين يجاهدون ما يجاهدون، ويضحُّون بما يضحُّون، ويحتملون من الألم والمشقة ما يحتملون، فلا يلقون من هذا البلد العاق الجاحد شكرًا ولا ثناءً؟ وإنما يسمعونه وهو يسألهم عن هذه الأشياء اليسيرة الحقيرة التي يسمونها المال، والتي يؤديها الفلاح في غير مشقة، أو في مشقة لا تكاد تذكر. ومن الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يجوع؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يلتوي بالضريبة، أو يعجز عن أدائها، فتأخذ ظهره السياط؟ أليس من الغريب أن يستكثر المصريون على الوزير وأصحابه ما سينفق من المال على رحلتهم هذه الموفقة، وحملتهم هذه الظافرة؛ لأن الفلاح يحتمل جهدًا في تحصيله ويلقى عناءً في أدائه؟ فماذا يصنع المصريون؟ وماذا يقولون لو أن وزراءهم أخذوهم بما كانون يؤخذون به من قبل حين كانوا يقيمون الأهرام ويشيدون المعابد، ويحتملون أو يجرون تلك الأثقال؟ أليس من الحق عليهم أن يحمدوا اللَّه على ما هم فيه، وأن يشكروا للوزراء أنهم يأخذونهم باليسر لا بالعسر، ويفرضون عليهم أهون التكاليف؟ ولو شاءوا لعلموهم كيف تكون المشقة، ولو شاءوا لأروهم كيف يكون الضيق والضنك والعذاب! وقومٌ آخرون من هؤلاء المصريين يسألون عن ديوان الوزارة، ما عسى أن يكون خطبه يوم يتركه سادته وقادته، ويدعه رؤساؤه ومديروه، كأن ديوان الوزارة شيءٌ يستحق الذكر أو التفكير بالقياس إلى زيارة الوزير لإقليم من أقاليم مصر. أعترف أني ضقت بهؤلاء الناس حين كانوا يتحدثون بهذا السخف الذي يثير الغيظ، ويملأ القلوب حنقًا ووجدًا، وأعترف بأني وددت لو أن وزير التقاليد وسع حملته بعض التوسعة، وضخَّم عددها بعض التضخيم. فإذا كان هو محتاجًا إلى عشرة ليزور إقليمًا من الأقاليم، فكل واحد من هؤلاء العشرة يحتاج إلى اثنين على أقل تقدير يرافقانه في هذه الزيارة، كل واحد منهم محتاج إلى سكرتيره الخاص، وإلى خادمه الخاص، فيبلغ عدد القوم ثلاثين، وهو عدد يسير لا يبلغ عدد الذين يُحاكمون منذ أمس ويذوقون لذة السجن منذ يوم الخميس؛ لأنهم أرادوا أن يزوروا قبور الشهداء في مدينة الإسكندرية. وكان الوزير قادرًا على أن ينظر إلى هؤلاء التابعين بأركان الحرب، فهم أيضًا يحتاجون إلى الأعوان، وكان العدد يستطيع أن يُضاعف، وكانت الدولة مضطرة إلى أن تنفق أضعاف ما ستُنفق من المال، ولكن الوزير على عنايته بكبار الأمور وجلائلها لا يهمل صغارها ودقائقها، فهو يفكر في المال أيضًا، وهو يتفضل فيقتصد، وهو يتعطف فيقتر في الإنفاق، يكتفي بعشرة ولو شاء لاصطحب عشرين أو ثلاثين أو ستين. ومن ذا الذي كان يستطيع أن يمنعه من أن يصطحب رجال الديوان جميعًا ليزوروا معه هذا الإقليم؟ ولكنه لم يفعل؛ رفقًا بالفلاح، وعطفًا عليه، وإيثارًا للاقتصاد، وضنًّا بالمال، ومصانعة لوزير المالية. وعلى ذكر وزير المالية نلاحظ أنه هو أيضًا سيغزو ناحية من نواحي مصر، وسينبت فيها ألوانًا وأشكالًا من المعجزات. سيزور ساحل البحر الأحمر، ولم لا؟ فالمصريون لا يكادون يحفلون بهذا الجزء من أرض الوطن، فليعلمهم الوزير كيف تكون التسوية بين أجزاء الوطن وساحل البحر الأحمر، وهو غنيٌّ جدًّا فيما يُقال. تتحدث شهرزاد في بعض أقاصيص ألف ليلة وليلة بأن فيه منابع للبترول، ومقاطع للأحجار، ومناجم لفنون من المعدن، ومصادر لضروب أخرى من الثروة والغنى. والمصريون جميعًا يجهلون هذا، فمن حق الوزير، بل من الحق على الوزير أن يزور هذا الساحل؛ ليعرف المصريون من أمره ما يجهلون. وتزعم شهرزاد أن مصادر الثروة هذه قد كثر إهمالها، واشتد الإعراض عنها حتى نضبت أو كادت تنضب، فانتظر إذن زيارة الوزير، فسترى أن منابع البترول ستفيض وتفيض حتى تطغى على البحر الأحمر نفسه، وسترى أن مقاطع الأحجار ستغطي من الصخور ما لا قِبَل لأحد بحمله أو استغلاله أو استخدامه. أمَّا المعادن، فحدِّث عنها بعد زيارة الوزير ولا حرج عليك، ستصبح مصر أعظم البلاد حظًّا من الذهب والفضة والحديد، وما شئت من المعادن الموجودة وغير الموجودة! ولن تتكلف مصر في هذه الزيارة المباركة شيئًا، فسيقضي الوزير فيها عشرة أيام، وسيسافر الوزير في القطار حينًا، وفي السفينة حينًا آخر، وقد يصحب الوزيرَ عددٌ من الناس قليلٌ أو كثيرٌ، ولكن ما سيحتاج إليه من النفقات لن يكون شيئًا بالقياس إلى ما ستستفيده مصر من هذه الرحلة المباركة. وكذلك تجري أمور المصريين، وكيل الداخلية يبحث عن الأمن العام في الصعيد إذا كان الشتاء، ووزير التقاليد يغزو إقليم البحيرة مع هذا العدد الضخم من الموظفين، ووزير المالية يبحث عن المعجزات على ساحل البحر الأحمر عشرة أيام كاملة، يتخذ القطار حينًا ويتخذ السفينة حينًا آخر. ويقول الناس بعد ذلك: إن أمور مصر نائمة، وإن حكام مصر نائمون، وإن أموال مصر قد نضبت أو كادت تنضب. كلا، إن مصر لتباهي بلاد الأرض كلها بسادتها هؤلاء الذي يحكمون فيحسنون الحكم، ويدبِّرون فيتقنون التدبير، ويقتصدون فيتفوقون على الناس جميعًا في الاقتصاد. يجب أن تسعد مصر وأن تغتبط، وأن ترفع رأسها عزيزًا كريمًا، فوزير التقاليد يزور ساحل البحر الأحمر، ووكيل الداخلية قد فتَّش عن الأمن العام في الصعيد.

  • ذوق٢ | Taste (2)

    حديث اليوم: ذوق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٣ أغسطس ١٩٣٢

    أمَّا أنَّ في مصر نظامًا مستقرًّا فأمر لا سبيل إلى الشك فيه، ولولا ذلك لما غاب رئيس الوزراء عن مصر، ولما فرغ قلبه للقاء عظيم إيطاليا واستقباله وزيارة المتاحف والآثار والانتقال بعد ذلك إلى حيث يستريح أو ينتظر الأقدار. وأمَّا أنَّ هذا النظام دستوري كأحسن ما تكون النظم الدستورية وديموقراطي كأكمل ما تكون النظم الديموقراطية يأمن معه الناس على الأنفس والأموال، وعلى ألوان الحريات كلها، وحرية التفكير والقول والكتابة والقراءة بنوع خاص، فأمر لا سبيل إلى الشك فيه أيضًا. وآية ذلك أن من شك في شيء من هذا فأمره إلى النيابة والقضاء، وإلى الإدارة قبل النيابة والقضاء. ولست أعرف دليلًا أنصع، ولا برهانًا أسطع، من القوة التي تكره الناس إكراهًا على أن يؤمنوا بما لا يستطيعون أن يؤمنوا به لو تركوا أحرارًا.

    نحن إذن هادئون وادعون قد خضعنا للنظام واطمأنت إليه أجسامنا وقلوبنا وعقولنا. وأظن أني قد أرضيت رئيس الوزراء بعد هذا الاعتراف الصريح بما يحب أن نعترف به ونؤمن له. وأظنني أستطيع بعد ذلك أن أتحدث فيما أشاء من أمورنا العامة دون أن يكون لرئيس الوزراء عليَّ سبيل.

    وفي نفسي مسألة تشغلني منذ أيام، بل منذ أسابيع، بل منذ نهضت هذه الوزارة القائمة بالأمر؛ وهي أن حظ حكومتنا من الذوق بعيد عن أن يحقق الأمل ويرضي الحاجة، ويحسن فيها رأي الناس. ومن الواضح أن الذوق أمر كمالي يصح أن تأخذ منه الحكومة بالقليل والكثير ويصح أن تنبذه الحكومة نبذًا، وأن تدعه للمتحذقين المترفين من المصريين والأوروبيين، دون أن يكون لذلك أثر في استقرار النظام وملاءمة الدستور لحاجة البلاد وطاقتها. وإذن، فنستطيع أن ننقد حظ الحكومة من الذوق دون أن نسخطها أو نغيظها أو نثير غضب النيابة أو نضطر إلى مجلس القضاء.

    الذوق شيء كمالي إذن، وهو أسلوب من أساليب الحضارة، وفن من فنون الترف الذي ينشأ عن الرقي في العلم والتربية والأخلاق، وعن تهذيب الشعور وتصفية الطبع وتعديل المزاج. والذين يحبون هذه الخصال كلها يجتهدون في أن يكون لهم منها حظ، فإن لم يوفقوا خدعوا أنفسهم أولًا، وخدعوا الناس بعد ذلك عن أنفسهم، وظهروا مظهر المهذبين المشذبين، الذين قد استكملوا نصيبهم من الذوق حتى أصبحوا فيه القدوة التي لا تشبهها قدوة، والمثال الذي لا يشبهه مثال. ومن أخص مظاهر الذوق فيما يقول المترفون المتحذقون ألا تظهر الفرح إذا كان الناس من حولك مأزومين، وأن تجتهد ما استطعت في ألا تؤذي الناس، ولا سيما حين يكون أمرهم إليك، وحين تقوم منهم مقام رئيس الوزراء.

    كذلك يقول أصحاب الترف والمتحذقون. وهم جميعًا يعلمون أن رئيس وزرائنا لم يمتز من غيره بالذكاء وحده ولا بالفطنة وحدها، ولا باللباقة وحدها ولا بالحزم وحده، وإنما امتاز بخصال أخرى إذا اجتمعت إلى هذه الخصال — التي ذكرتها آنفًا — جعلت من رئيس الوزراء رجلًا كاملًا بالمعنى الذي كان يفهمه من الرجل الكامل أفلاطون وأرسطاطاليس. امتاز رئيس الوزراء بالظَّرف فيما يأتي من حركة، وخفة الروح فيما ينطق به من لفظ، وامتاز فوق هذا وذاك بالذوق في جميع أقواله وأعماله.

    وآية ذلك أنه على كثرة ما يثقله من أمور الدولة، لم يقصر يومًا من الأيام في ذات الأصدقاء والأولياء والزملاء؛ فهو يشاركهم فيما يختلف عليهم من أحداث الحياة حلوها ومرها، وهو يودعهم إذا سافروا، ويزورهم إذا عادوا. وهو يسلك في ذلك طريقًا لم يسلكها رؤساء الوزارات الذين سبقوه إلى تصريف الشئون في هذا البلد السعيد به، العزيز بحكمه. أولئك الرؤساء كانوا يسرفون في المجاملة أحيانًا فيواسون الأصدقاء بأنفسهم، ويودعونهم بأنفسهم، ويهنئونهم بأنفسهم. ولم يكن هذا الإسراف دليلًا على استقامة الذوق ولا اعتدال المزاج، فرؤساء الوزارات ناس من الناس، ولكنهم ممتازون، يجب أن يعرفوا لمكاناتهم أقدارها، وألا يبتذلوا أنفسهم بكثرة التهنئة والتعزية والتوديع والتسليم. وإنما الذوق المستقيم والمزاج المعتدل في ذلك أن ينصرف رئيس الوزراء إلى أعمال الدولة، وأن يرسل عاملًا من عمال مكتبه لتوديع وزير إن سافر مهما يكن هذا الوزير وتعزية صديق أو نصير إن ألم بهذا الصديق أو النصير مكروه. كذلك يفعل رئيس الوزراء. وسنرى بعد أن يستقيل من فيشي أو من القاهرة، أتمضي هذه السُّنة في خلفائه أم يعود هؤلاء الخلفاء إلى السُّنة القديمة التي مضى عليها رؤساء الوزارات من قبل!

    رئيس وزرائنا إذن مثال للذوق المستقيم في مصر، ولكنه لم يكد يرتحل عنا حتى ساءتنا منه أشياء نخشى أن يتعرض معها ذوقه الكامل لشيء من النقد الخفيف أو الثقيل.

    أول هذه الأشياء: رحلته. والناس عن الرحيل في شغل بما هم فيه من فقر وضيق. ستقول: ولكن الوزراء قد سبقوه إلى السفر! وأجيبك: وقد سبقه كثير من الموظفين؛ وسيسافر بعده وزراء وموظفون آخرون. ولكن لا تنسَ قول الشاعر القديم:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    وكان الحق على رئيس الوزراء لذوقه وذوق زملائه، وذوق الموظفين، أن يضرب نفسه مثلًا لهؤلاء جميعًا، فيصبر على القيظ في هذه السنة التي يصبر فيها الناس على الجوع. وأنا واثق بأن رئيس الوزراء كان يريد أن يفعل هذا؛ لأن ذوقه السليم كان يأمره به ويضطره إليه. ولكن أعباء الحكم تخرج الرجل أحيانًا عن طوره، وتورطه فيما لا يقره الذوق. ورئيس الوزراء لم يسافر رغبة في السفر ولا حبًّا في الراحة، ولكنها سياسة الدولة فرضت عليه في آخر لحظة — بعد أن رفض الإنجليز مفاوضته في هذه الأيام — أن يزور مدينة القياصرة؛ ليلقى موسوليني، وليتشرف بلقاء جلالة الملك وقداسة البابا. وإذا تعارضت سياسة الدولة والذوق، فالسياسة فوق الذوق من غير شك. ومن كان في روما واحتاج إلى الراحة في فيشي فلا جناح عليه أن يستريح! نعم، ولكن الناس طوال الألسنة لا يريحون ولا يستريحون، وهم كالثعلب الذي لم يستطع أن يبلغ العنب فوصفه بأقبح الأوصاف. لم يستطع هؤلاء الناس أن يحتجزوا لأنفسهم أجنحة خاصة في السفن، ولا أن يهيئوا لأنفسهم استقبالات فخمة في نابولي، ولا أن يقيموا لأنفسهم مدينة القياصرة ويقعدوها، ولا أن يظفروا بمأدبة موسوليني وعطف جلالة ملك إيطاليا وبركة قداسة البابا. لم يستطيعوا من هذا شيئًا، واستطاعه كله رئيس الوزراء، فهم يحسدونه وينقمون منه ويلهجون به، ويقولون: أسرف رئيس الوزراء في ماله إن كان قد أنفق على هذه الرحلة من ماله الخاص، ومن الحق عليه أن يضرب نفسه مثلًا للناس في الاقتصاد والاعتدال. وأسرف رئيس الوزراء في مال الدولة إن كان قد أنفق على رحلته من مال الدولة؛ فالدولة فقيرة في هذه الأيام، وليس من الرفق بها ولا من العطف عليها أن يحملها رئيس الوزراء مثل هذه النفقات، على حين هي مضطرة إلى الاقتصاد من مرتبات صغار العمال. ويغيظهم من أمر هذه الرحلة ما أعلن من وصف المأدبة التي أقيمت لرئيس الوزراء في دار المفوضية المصرية بروما. والمأدبة الأخرى التي أقامها رئيس الوزراء لموسوليني. فإن في هذا الوصف ما يغيظ ويغري في وقت واحد، إسراف في الترف، وغلو في التأنق، وأزهار كأنها لم توجد في روما فتستحضر خاصة في جنوى، وكل هذا على حساب الدولة من غير شك. والناس هنا يلقون ألوان البؤس، ومنهم من يأرق الليل كله؛ لأنه لا يدري ماذا يصنع ليطعم أبناءه إذا كان الغد. وإذا لم يكن بد من هذا الإسراف، ومن استحضار الأزهار من جنوى في الوقت الذي تنشر فيه الجريدة الرسمية أكثر من ألف حجز في أسبوع واحد على صغار الناس وكبارهم. فقد كان الذوق يقضي ألا يتأرج عطر هذه الأزهار حتى يصل إلى مصر، وألا تعلن كل هذه الأخبار في الصحف. فإن للمصري كغيره من الناس عقلًا يفهم به، وقلبًا تضطرب فيه ألوان الشعور المختلفة. ومنها أنه لا يجوز أن تنفق الأموال على هذا النحو، حين تجد الحكومة أقسى ألوان العناء في جبايتها ويخضع الفلاح لأشنع الصروف والمحن في أدائها.

    والناس لا يقفون عند هذا الحد من النقد بل هم يتجاوزونه إلى شيء آخر ليس عليهم فيه ذنب، وإنما الذنب على الصحف. فالصحف تنشر لهم في كل يوم أخبار رؤساء الوزارات حين يتزاورون وينتقلون من عاصمة إلى عاصمة، فلا تثار حولهم هذه الضجات العنيفة التي أثيرت حول رئيس الوزراء حين زار روما، ولا تشغل بهم الصحف كما شغلت برئيس الوزراء حين زار روما. ونحن نقرأ من حين إلى حين انتقال مكدونلد إلى باريس؛ هربوا إلى لندرة فلا نرى أن الصحف تعنى بما يقام لهما أو يقيمان من ولائم وبما يحضر لهما أو يحضران من أزهار، وإنما تعنى الصحف بأحاديثهما السياسية وجهودهما لخدمة فرنسا أو إنجلترا.

    وشر من هذا أن هذه الأخبار التي تذاع عن رئيس الوزراء في رحيله وإقامته لا تضحك المصريين وحدهم، بل تضحك الأجانب أيضًا؛ لأنها تترجم لهم في الصحف الأجنبية كل يوم فيتفكهون بها إذا خلا بعضهم إلى بعض في المساء. وهم في حقيقة الأمر لا يضحكون من أمر خاص برئيس الوزراء وحده؛ ولا يتفكهون بأمر خاص برئيس الوزراء وحده، وإنما يضحكون من المصريين جميعًا ويتفكهون بهم جميعًا.

    ويقولون: ما أبعد هذا الشعب عن العزة والحرية! ولو قد كان عزيزًا حرًّا لما رضي أن تنفق أمواله على هذا النحو ومثاله من أنحاء الإسراف. يقولون: ما أقل حظ هذا الشعب من الذوق، وما أخلقه أن يكون محدثًا! ولو قد كان على شيء من الذوق، ولو قد كان بعيد عهد بالحياة السياسية؛ لما قبل أن تهزأ به الصحف إلى هذا الحد، فتنشر له هذه الأخبار معتقدة أنه سيقرؤها وسيجد فيها متاعًا ولهوًا! كذلك يقول الأجانب.

    أما المصريون فيقولون مثل هذا إذا خلوا إلى أنفسهم. يضحكون من هذه الأخبار ويسخرون من الصحف التي تنشرها، ويستحون من الأجانب الذين سيقرءونها. ولكن ماذا يصنعون والنظام مستقر والدستور قائم، والحريات مكفولة والقول مباح لكل إنسان؟ ماذا يصنعون؟ ولمَ يصلحون ذوق الحكومة، وقد عجزوا عن إصلاح سياستها الداخلية والخارجية وعن إصلاح إدارتها وعن أخذها بأن تكون حكومة مصرية لا حزبية؟!

    المصريون يصبرون على ذوق الحكومة كما يصبرون على سياستها، وعلى إدارتها وعلى بقائها في مناصب الحكم. والغريب من أمر هذا الاعوجاج في الذوق أنه قد عمَّ حتى تناول الذين يتصلون بالحكومة من قريب أو بعيد، فلا يكاد وزير من وزراء الدولة المسافرين ينتقل أو يتحرك أو يتكلم حتى تهتز أسلاك البرق بما فعل أو قال، ولا يكاد سفير من سفراء الدولة يأتي شيئًا من الجِد القليل أو السخف الكثير حتى تفيض الصحف بجِده وسخفه. وقل مثل ذلك في وكلاء الوزارات وكبار الموظفين وصغارهم، والذين يمثلون مصر في المؤتمرات، والذين ينجحون في أداء الامتحانات! أخبار هؤلاء جميعًا تنشر في إطناب وإسهاب مع ما يليق من المبالغة التي يراد بها خداع الناس، والعبث بالعقول. ما أشد حاجة مصر إلى أن تنشأ فيها مدرسة للذوق يتعلم فيها الموظفون ورجال السياسة — ولا سيما جماعة من الوزراء والمستوزرين — ومن النواب والشيوخ والذين يرشحون أنفسهم لمجلسي النواب والشيوخ! وإلا فما رأيك في هذا النائب المحترم الذي لم يمنعه ذوقه من أن يكتب باللغة الإيطالية التي لا يتكلمها ولا يفهمها فصلًا ينشر في صحيفة إيطالية ثناءً على رئيس الوزراء، بينما رئيس الوزراء في روما والصحف الإيطالية نثني عليه بما شاء وما لم يشأ؟!

    أترى هذا النائب لو تخرج في مدرسة الذوق هذه كان يمضي باسمه في صحيفة إيطالية فصلًا كتب في لغة لا يفهمها ولا يتكلمها؟ وأمثال هذا النائب كثيرون تلقاهم في مصر وتلقاهم في الشرق، وتلقاهم في الغرب وهم يدعون لبلادهم دعاية سيئة، لا لأنهم يريدون السوء؛ ولكن لأنهم يضطرون إليه اضطرارًا ويدفعهم إليه أنهم لم يمروا بمدرسة الذوق.

    لقد قرأت منذ أسابيع فصلًا نشره وكيل لمجلس النواب كان مستشارًا فيما مضى من الزمان، فأصبح زعيمًا سياسيًّا في هذه الأيام. قرأت هذا الفصل الذي كتبه صاحبه ينقد فيه سياسة المعارضين، فهممت أن ألفت إليه رئيس الوزراء، لا لأن فيه إسرافًا في الشتم أو إقذاعًا في الهجاء، فذلك شيء لا يلتفت إليه الآن؛ بل لأن الصحيفة التي تنطق بلسان الوزارة والبرلمان وتمثل أذكى الناس وأكفأ الناس وأظرف الناس، لا ينبغي أن تذكر الكوستليتة والفطير باللحمة وحلاوة النوجا، ولو أن الزعيم المستشار وكيل مجلس النواب قد مر بمدرسة الذوق هذه لعرف أن مثل هذه الألفاظ إن جازت لبعض الصحف فهي لا تجوز لصحيفة الحكومة والبرلمان، وإن أبيحت لبعض الناس فهي لا تباح للزعماء الذين يكتبون في السياسة العليا.

    مدرسة الذوق هذه ضرورة من ضرورات الحياة الجديدة في مصر؛ ذلك لأن النظم تتغير من وقت إلى وقت، والحكم يتنقل في البيئات، وتمثيل الشعب يوكل مرة إلى أولئك ومرة إلى هؤلاء. وكثير من أولئك وهؤلاء لا عهد له بالحكم ولا بتمثيل الشعب، ولا بما يحتاج إليه هذا وذاك من الظَّرف والذوق. ولكن من ذا الذي ينشئ هذه المدرسة؟ أرجو أن لا تفكر الحكومة القائمة في إنشائها؛ فإني أخشى إن فعلت أن تأتي على ما بقي في مصر من الذوق السليم.