استجواب
ذاق مجلس النواب لذة الاستجواب، ووجد عذوبة الكر والفر، وحلاوة الجدال والنضال، فلم يفرغ من الاستجواب حول جبل الأولياء حتى اندفع إلى الاستجواب حول تخفيض الضرائب. وإذا صدق الظن، فلن تنتهي هذه الدورة حتى يشبع النواب استجوابًا، ويشبع الوزراء ثقة.
ولِمَ لا؟ في الاستجواب نشاط، وقد طال الفتور، وفي الاستجواب عمل، وقد طال الكسل، وفي الاستجواب كلام، وقد طال الصمت. فلم لا يرغب النواب في الاستجواب لينشطوا، ويعملوا، ويتكلموا، ويعلم الناس أن نوابهم ناهضون بالنيابة عنهم على خير ما ينهض النواب بواجباتهم البرلمانية، وليعلم الناس في مصر وإنجلترا أن زعيم المعارضة الرسمية في البرلمان لم يكن موفقًا حين زعم أن المجلس هو المسؤول أمام الوزارة، بدل أن تكون الوزارة هي المسؤولة أمام المجلس.
ومن يدري؟ إن الأحلام مطلقة الحرية، لا تعرف حدًا تقف عنده، ولا أمدًا تنتهي إليه. فلعل حلمًا من هذه الأحلام الهائمة التي تزور الناس عند مطلع الفجر، وقبل أن تكتسي الأرض بأضواء الشمس المشرقة، قد يقف عند المستجوبين وهم نيام كأيقاظ، أو أيقاظ كنيام، فيخيل إليهم أن استجوابًا جديدًا قد يمكنهم من إحراج الوزارة، واضطرارها إلى الاستقالة، فتحدث معجزة المعجزات، وأعجوبة الأعاجيب، ويقترع المجلس برفض الثقة، ويرفع رئيس الوزارة استقالة وزارته، ويقول الناس إن هذا المجلس، الذي كان يتهمه بعض أعضائه بأنه ظل للوزارة، قد رفض الثقة بالوزارة واضطرها إلى السقوط.
ويجد الإنجليز حلًا للمشكلة التي يتورطون فيها الآن، مشكلة السخط على الموقف السياسي الحاضر، والحرص على التزام الحياد الدقيق، فتسقط الوزارة، ويخلص منها الذين يضيقون بها من أصدقائها أمس، ولم يظهر منهم تدخل في شئون مصر، ولا خروج على الحياد.
ويجد رئيس الوزراء مخرجًا من هذا المأزق الذي اضطرت إليه الظروف، فيستقيل، لا لأن الإنجليز أرادوه على الاستقالة، أو لمحوا له بالاستقالة من بعيد، بل لأن مجلس النواب قد ضن عليه بالثقة. وقد قال رئيس الوزراء ألف مرة إن بقاء الوزارة رهين برضا جلالة الملك وثقة البرلمان، فإذا فقد ثقة البرلمان استقال. والإنجليز محايدون، وإن كرهت المعارضة التي لا تؤمن بهذا الحياد.
ومن يدري؟ لعل هذا الحلم قد خيل لأصحاب الاستجواب أن استجوابهم، إن أدى إلى سقوط الوزارة، قد يقضي على هذا التضامن بين المجلس والوزارة، وقد يقطع هذه الأسباب الثقيلة التي تصل بينهما، وتضطرهما إلى أن يحتملا معًا ما يتعرضان له من خير أو شر. وإذا زال هذا التضامن، وانقطعت هذه الأسباب، فقد تذهب الوزارة، وتتصل أسباب الحياة للبرلمان.
ثم انجلى الحلم، واستيقظ النائم، فما أسرع ما ظهرت مسألة الضرائب، وما أسرع ما صدر الاستجواب للمستجوبين!
والصحف تقول إن مساعي تبذل لحمل المستجوبين على أن يستردوا استجوابهم، وصحيفة الوزارة تجتهد اليوم في إقناع هؤلاء المستجوبين بالعدول عن تحقيق هذا الحلم؛ لأن الحكومة مضطرة إلى ألا تمس الضرائب الآن، وإن كانت قد وعدت من قبل بأنها ستعدلها وتنالها بالتخفيض. ذلك أن النواب المستجوبين حديثو عهد بالسياسة الوزارية فيما يظهر، أو هم يتكلفون حداثة العهد.
فقد وعدت الوزارة بتخفيض الضرائب حين كان هذا الوعد نافعًا في كسب الأنصار، وخداع الناس بالأماني والآمال. فأما الآن فليس إلى هذا التخفيض من سبيل؛ لأن هذا التخفيض يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بحسن قصد الحكومة، ويمس حالتنا المالية، وحسبك من شر سماعه.
وأين تجد الوزارة الشجاعة على إغضاب الأجانب؟ وماذا تصنع الوزارة في مسألة الدين إذا لم تقض لنا المحاكم المختلطة بالأداء ورقًا، ولم تنجح المفاوضات التي لم توفق الوزارة إلى بدئها بعد؟ ومن أين تدبر الأموال لجبل الأولياء؟ ومن أين تدبر الأموال لما تستتبعه تعلية خزان أسوان من الأعمال التي ذكرها وكيل المالية في تقريره الذي نشرنا بعضه أمس؟ ومن أين تنفق الحكومة على المؤتمرات حين تعقد في مصر، وعلى الذين يمثلونها في المؤتمرات حين تعقد في غير مصر؟ ومن أين تدبر الأموال لكل هذه الأعمال؟ ثم من أين تقتصد الوزارة ثلاثة ملايين ونصف مليون من الجنيهات لتتمتع بهذا الاقتصاد، ثم لتعتذر عن شراء سيارة لرئيس الوزراء قيمتها ألف أو أكثر من ألف، وهو الذي اقتصد الملايين؟
كل هذه أشياء يجب أن يتدبرها المستجوبون، في رأي صحيفة الوزارة، قبل أن يقدموا استجوابهم أو يصروا عليه.
وإذن فالمستجوبون يريدون تحقيق الحلم، والوزراء يخافون من هذا الحلم، والأيام وحدها هي التي ستثبت ما قلناه وما نقول دائمًا: من أن الأمر تمثيل في تمثيل، ومن أن النواب لم يشبعوا استجوابًا، والوزراء لم يشبعوا ثقة، ومن أن الحياة ثقيلة مضنية، والهموم كثيرة معنية، ولا بد من شيء من التسلية. وأي تسلية للنواب خير من الاستجواب؟ وأي تسلية للوزارة خير من الثقة؟!
أما أنت، أيها الشعب البائس المحزون، فاحذر أن يخدعك وعد، واحذر أن يفتح لك الاستجواب بابًا من أبواب الأمل، وكن كما كنت بائسًا محزونًا، ومثقلًا مكدودًا، واحتمل كما تحتمل اليوم أداء هذه الضرائب من قوتك الذي لا تجده، ومن دمك الذي كاد يجف في عروقك، ومن طعام أبنائك وتعليمهم، وأعد نفسك، إن أعياك الأداء، لوقع السياط، ولزوم السجون، وتذوق ألوان العذاب.
فلا بد لك من هذا حتى يأذن الله لك بفرج قريب، ولكن لا تنتظر الفرج من هذا الاستجواب، فسيتم الصلح بين الوزارة والمستجوبين على كل حال.
إما غدًا، زعموا * أو لا فبعد غد.
كوكب الشرق ١٠-٥-١٩٣٣
Tag: الاستجواب
-
استجواب٢ | Interrogation (2)
-
استجواب | Interrogation
استجواب
أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم. فأما الأول فكان حول الجامعة، وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجّل اليوم الذي يُعرض فيه، لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد. وقد عُرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة، وخرج منه المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة على حياتها، مطمئنة على مستقبلها، وخرجت منه الأمة سعيدة راضية، واثقة بأنها لن تتعرض لظمأ ولا جوع.
ونظر الإنجليز إلى ظفر الحكومة، وانتصار المجلس، وأمن الدولة، وابتهاج الأمة، نظرةً فيها ابتسامة ساخرة راضية معًا؛ تسخر من عناية الحكومة والبرلمان بأيسر الأمور، وترضى لأن الجامعة برئت من بعض العناصر الخطرة على سياسة الاستعمار.
أما الاستجواب الثاني فهو هذا الذي تحدث فيه المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقل ما يوصف به أنه ضئيل الخطر، يدل على فراغ البال، والعناية بصغائر الأمور؛ فهو يدور حول جبل الأولياء. وأيّ شيء يكون جبل الأولياء؟ وأيّ قيمة أو خطر لهذا الخزان الذي إن أُنشئ لم ينفع ولم يضر، وإن لم يُنشأ لم تربح مصر شيئًا ولم تخسر شيئًا؟ لهذا كان المجلس ضيق الصدر بهذا الاستجواب، وبالذين قدموه، وكيف لا يضيق صدر المجلس بهؤلاء الذين يضيّعون وقتهم، ويريدون أن يضيّعوا وقته فيما لا يغني ولا يفيد؟
والظاهر أن أصحاب الاستجواب قد أحسّوا ضيق صدر المجلس، فضاقت صدورهم هم أيضًا بهذا الاستجواب. لهذا كان المجلس متبرّمًا أمس، حريصًا على ألّا يحدّد موعدًا يخطب فيه الخطباء، ويردّ فيه الوزراء. وكان صاحب الاستجواب فاترًا في الإلحاح، يدور حوله ولا يتورّط فيه.
وكان زعيم المعارضة — كما تسميه «الأهرام» — فاترًا أيضًا، يضرب الأمثال بفرنسا مرة، وبلجيكا مرة أخرى. ولم يكن الوزراء أقل فتورًا من الأعضاء؛ فأما وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة فقد تخفّف من الحمل وبرئ من التبعة، وأعلن أن رئيس الوزراء يريد أن يردّ بنفسه على هذا الاستجواب.
ورئيس الوزراء — كما تعلم — مريض، وقد يأذن له الأطباء في إمضاء الأوراق، وفي الذهاب إلى أحد مكتبيه أو إليهما في المالية والرئاسة إن ألحّ في ذلك أو أصرّ عليه، ولكن الوقت الذي يسمح فيه مرضه بأن يسمع فيطيل الاستماع، ويتكلم فيطيل الكلام، بعيد فيما يظهر، قدّره وزير الحقانية بشهر، ووافقه المجلس على هذا التقدير.
والشهر أمد قصير جدًا في حياة مجالس النواب، ولا سيما حين تكون دورتاه قصيرة، وحين تكون مشرفة على نهايتها. والشهر على ذلك أمد قصير تقع فيه حوادث قد تجعل الاستجواب غير مفيد، لأنه تأخر عن إبانه، وقد تثير ما يضطر أصحابه إلى استرداده، وقد تثير ما يدعو الحكومة إلى أن تطلب تأجيله إلى أجل غير مسمى. وقد يتمّ في هذا النظر في العطاءات، والاتفاق مع الذين يقيمون الخزان، فيصبح الاستجواب درسًا من دروس التاريخ، ومناقشة حول مسألة تاريخية خالصة.
أكانت الحكومة مصيبة أم كانت مخطئة حين مضت في إقامة الخزان برغم المصريين، وبرغم الإنجليز معًا في ظاهر الأمر؟ والمناقشات التاريخية قيّمة جدًا، ولكن مكانها — كما تعلم — في غرفات المدارس وحجراتها، لا في قاعات مجلس النواب.
وإذن فقد أُجّل الاستجواب شهرًا، ومن الآن إلى أن ينقضي هذا الشهر ستشرق الشمس ثلاثين مرة، وستغرب الشمس ثلاثين مرة، وستتألق النجوم، وتكثر الهموم. ومن يدري؟ لعل همًّا حادثًا يصرف عن همّ قديم. ثم يقال بعد ذلك إن سادة مصر ينظرون إليها نظرًا فيه شيء من الجد، ويصرفون أمورها تصريفًا فيه شيء من العناية الصحيحة.
كلا، إنما ينظر المسيطرون على مصر إلى مصر نظرة كلها سخرية واستهزاء. ولو قد عني المسيطرون على مصر بشؤونها عناية صحيحة فيها شيء من الجد ولو قليلًا، لما أقام رئيس الوزراء في الحكم وهو مريض، يعجزه مرضه عن العمل، فتتعطل المصالح، وتضيع المرافق، ويمرض معه البرلمان، ويصبح نشاط مجلس النواب رهينًا بنشاطه، وحياة مجلس النواب موقوفة على حياته.
استطاع رئيس الوزراء أن يتابع نشاط البرلمان شهرًا ونصف شهر، ثم مرض منذ شهرين، فمضى البرلمان في طريقه — كما استطاع — مضطربًا متعثرًا، إلا حين يذهب أعضاؤه إلى الزمالك أو إلى منزله ليظهروا أسفهم لمرض الرئيس، واغتباطهم بشفاء الرئيس، وأملهم في نشاط الرئيس. فأما فيما عدا ذلك فمرض يشبه الشلل — كما قالت «الأهرام» منذ أيام.
وتثار في المجلس مسألة لها خطرها، لأنها تمسّ حياة مصر من جميع فروعها، فيجاب النواب بأن رئيس الوزراء مريض، وهو يريد أن يقول في هذه المسألة قوله، فانتظروا حتى يطلق اللّٰه لسانه، ويأذن له بالكلام.
ويقبل النواب مثل هذا راضين عنه، مبتهجين له، كأنهم إنما أقبلوا إلى البرلمان ليكونوا رهنًا بأمر الرئيس ورغبة الرئيس. وكأن مصالح مصر ومرافقها وحياتها أهون عليهم من صحة رئيس الوزراء.
فإذا انقضى الشهر، ولم تسمح صحة رئيس الوزراء له بأن يشهد جلسات المجلس ويشترك في أعماله، فماذا يصنع الوزراء؟ وماذا يصنع النواب؟ وماذا يصنع المستجوبون؟ سيطلب الوزراء التأجيل شهرًا آخر حتى ينشط الرئيس، وستلحّ الأغلبية في هذا التأجيل، وتبتهج له لعلها ترى الرئيس، وستتورط الأقلية فتبتهج كغيرها لهذا التأجيل، لعلها تبدأ معارضتها بالترحيب بالرئيس وتهنئته بما ساق اللّٰه إليه من شفاء.
وفي أثناء ذلك تمضي الحكومة في إقامة الخزان، لا تلوي على شيء. أجدّ هذا أم هزل؟ أعناية هذا أم إهمال؟
وأغرب من هذا كله أن جواب رئيس الوزراء معروف؛ فهو لن يزيد على هذا الجواب الذي أُرسل إلى زعيم المعارضة في المجلس — كما تسميه «الأهرام» — حين قدم سؤالًا في هذا الموضوع، فأُجيب بأن الأمر من حق السلطة التنفيذية، لا من حق البرلمان. لن يزيد رئيس الوزراء إن تكلّم عن هذا المعنى، وسيغضب المعارضون، وستكرههم الأغلبية على الصمت، وسيصوغ بعض الأعضاء اقتراحًا فيه الثقة بالوزارة والانتقال إلى جدول الأعمال، وستقبل الحكومة هذا الاقتراح، وتقبله الأغلبية، وتخرج الحكومة ظافرة، ويخرج المجلس ظافرًا، ويبتسم ممثل الحكومة الإنجليزية ابتسامة فيها سخرية ورضا. ولن يكون شيء غير هذا إن أذن اللّٰه لرئيس الوزراء بالنشاط.
وإذن فلم لا يُمثَّل هذا الفصل بعد عشرة أيام؟ ولم يؤجَّل هذا التمثيل شهرًا كاملًا؟ ولم يحرص رئيس الوزراء على أن يشترك في هذا التمثيل؟ أهو شيء عظيم جدًا لا يريد رئيس الوزراء أن يفوته الاشتراك فيه؟ أهو شيء خطر جدًا لا يأمن رئيس الوزراء أن يكله إلى وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة؟
فإن تكن الأولى، فما موضع العظمة في هذا الفصل التمثيلي؟ وإن تكن الثانية، فما موضع الخطر؟
إن الناس جميعًا يعلمون حق العلم أن الحكومة قد أخذت نفسها بإقامة الخزان، وأنها ستمضي في إقامته دون تردد ولا إبطاء مهما تكن الظروف، ومهما يقل النواب، لا يصرفها عن ذلك إلا سقوط الوزارة.
ولعلك قرأت «الأهرام» أمس، ولعلك فهمت أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن سقوط الوزارة قد يكون، ولكن في الوقت الموقوت. وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو، وقد يكون في يوليو، وقد يكون قبل ذلك وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلا بعد أن يتم التدبير والتقدير لإقامة الخزان.
فليؤجَّل الاستجواب شهرًا، وليؤجَّل الاستجواب شهرين، ولينظر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين؛ فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا.
كوكب الشرق ٣٠/٣/١٩٣٣