غيوم
يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣
Tag: الاستقلال
-
غيوم
-
استقلال
استقلال
ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣ -
الشهداء
الشهداء
كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة . -
صراحة
صراحة
من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي في أمر من الأمور، مهما يكن عظيمًا.
فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلاً، كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخالفة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكتّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها منذ الآن، فلن أخالفهم فيها… ولكنهم يوافقوني فيما أظن على أن الأخذ بالمخانق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء…
رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أعنّة الحكم، لم يرسلها ولم يدعه أحد إلى إرسالها. ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه ويبالغ عليه، ويضحي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — استغفر اللّٰه — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه: أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمضي فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة، والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدة.
أظن الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، يوافقوني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضر الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة.
وإذن فقد كنت أود لو أقنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تقترف، والسيئات التي تجترح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع: موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يسرفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون… ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه، إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوى مريب…
ومهما يكن من شيء فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض.
وأنا أفهم من الوزارة القومية — كما قلت من قبل — هذه التي تصدر عن إرادة الأمة، لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذا تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة. وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية. وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة قومية حقًا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يهم المشرفون عليه هوى ولا ميل.
وهذا فيما أظن واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تجري هي الانتخابات…
وليس من الحق، ولا من المنطق أن يُحتج بما صنع الإنجليز، فقد يقال إن رئيس وزارة العمال ألّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيده الشعب وانحاز إليه. قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه ينسون أن رئيس وزارة العمال حين ألّف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال، وأبوا عليه، لجأ إلى استفتاء الشعب، فمنحه الشعب نصره وأيده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.
فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة لا يمكن أن تؤلف داخل البرلمان القائم.
وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يرون أن من الخير ألا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء للبرلمان القائم. وإذن فأين تؤلف؟ وكيف تؤلف؟
ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثل القلة ليس غير… فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة — أو سمّها ما شئت — فتجري الانتخابات الحرة، ولتكن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات. فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلّفت كأقوى ما تؤلف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم. وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.
هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها، لأنها واضحة مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقوني على أن سلوك طريق غير هذه الطريق غير مأمون العاقبة، ولا مبرأ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.
وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم — والحمد لله — لا يمكن أن تعاب بالقصر. وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يؤلف وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطع أن يثبت على قوميته هذه، فاضطر إلى ما اضطر إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته — أو وزاراته — على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، وهو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة…
أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا، فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير في مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثال رئيس وزرائنا النابغة الفذ… الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر، ليس له ضريب ولا نظير…
كوكب الشرق ٧ — ٣ — ١٩٣٣ -
تعليم
تعليم
كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.
وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.
وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.
وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.
وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.
فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.
نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.
والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.
فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.
وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.
فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.
وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.
وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.
ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.
ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.
نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.
وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.
والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.
وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.
ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.
فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.
فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟
ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.
يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.
يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.
فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.
فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.
والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.
فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.
فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.
فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.
ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.
فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.
والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.
والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.
على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.
وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.
فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.
وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.
وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.
وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠. -
ثروت
عبد الخالق ثروت باشا (١٨٧٣ – ١٩٢٨)، سياسي مصري، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول. تولى رئاسة الوزراء لفترتين في ١٩٢٢، وفي ١٩٢٧. كان له دور فعال في الضغط على بريطانيا حتى تصدر تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢ الذي بموجبه أنهت الحماية البريطانية على مصر واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة.
Abdel Khalek Sarwat Pasha (1873–1928) was an Egyptian political figure. He served as the Prime Minister of Egypt in 1922 and again in 1927-28. He was instrumental in bringing Great Britain to issue its Unilateral Declaration of Egyptian Independence in February 1922, which ended the British Protectorate and recognized Egypt as an Independent Sovereign State.
ثروت
انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه.
وليس مصدر ذلك أنه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقًا في السياسة. فقد اجتمعت له كل هذه الخصال وخصال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين إلى حين وفي مختلف البيئات والأوطان، ثم يمضي هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين.
وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم. ولكن الناس تعودوا الاطمئنان إلى أنهم قد مضوا إلى حيث لا يعودون ولكن قليلًا من هؤلاء تركوا في نفوس أصدقائهم آثارًا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارًا لا تزيدها الأيام إلا اضطرامًا ذاك لأنهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع بينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها. من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت.
قاسم أمين وثروت باشا
وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسمًا وأحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله أقرب إلى الذكرى القوية منه إلى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة.
نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لأن قاسمًا كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبدًا.
أما ثروت فإن أصدقاءه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه دائمًا هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبدًا.
ولئن لم أكن أعرف قاسمًا إلا من طريق آثاره وأحاديث أصدقائه فقد عرفت ثروت واتصلت به وأستطيع أن أتحدث عنه لو أن لي إلى هذا الحديث سبيلًا.
***
يقولون أن ثروت ظُلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما أنه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه. أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضًا، ولكن أي تاريخ؟
لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف، وكيف السبيل إلى ذلك وليس بين المصريين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل أثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرًا عميقًا بعيد المدى كثروت. نعم ليس بين المصريين في هذا العصر الحديث من أعطى أمته الدستور، وليس بين المصريين في العصر الحديث من كسب لأمته الاستقلال، وليس بين المصريين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت. فهو الذي فعل هذا كله. وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهودًا وتجشم إليه أهوالًا واتصل في سبيله بأصحاب السلطان هنا وهناك، وكان بينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يُعرف منها شيء ولن يُعرف منها شيء، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده.
لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة، فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء. ولم تنتهِ تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة: فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولًا شطرًا طويلًا من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن.
رحم الله ثروت ورحم الله قاسمًا إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي أنفق حياته السياسية عاملًا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل! لم يتكلم حيًا ولن يستطيع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتًا، فهو بهذا أصدق مثال وأقوى هذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم.
وهو كقاسم عمل حيًا وأوذي في حياته.
وهو كقاسم يعمل ميتًا دون أن ينصفه الأحياء.
ولكن قاسمًا عمل ويعمل للمرأة. أما ثروت فعمل لمصر كلها. قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكل لم يخطئ حين قدر أنه يحرر الشرق كله.
ثروت باشا صديقًا
غير إني لم أكتب لأتحدث عن ثروت زعيمًا إنما كتبت لأتحدث عنه صديقًا. ولعل خير حديث عن ثروت صديقًا إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملأ نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس. ولعل أصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان. كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يغشون داره صباحًا ومساء ما دام إليه الأمر حتى إذا اعتزل أنكروه وجهلوا الطريق إلى داره. وكان من حضر جماعة الحاضرين في الازدراء على هؤلاء وتنقصهم وأخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه إلى أن يُظهر رأيه، فقال مبتسمًا: من أخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى.
فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس بها أو حكمهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت بها وحكمك أنت عليها. فأنت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلانًا يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نفسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئًا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية.
كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة. ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة. ولقد كان مزاجه رحمه الله صفوًا كله. ولقد كان طبعه – رحمه الله – نقاءً كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها. فليس غريبًا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلًا إلى تكديرها أو النيل منها. ذلك لأن صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين بعض الناس حتى تنتهي إلى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كريمة خالصة. ويكفي أن ترجع إلى أحاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها هؤلاء الخصوم فسترى أنه يذكرهم دائمًا – ولاسيما الذين كان يختصهم بالمودة قبل الفتنة – بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك أشد التأثير.
ولقد أذكر أني كنت عنده ذات يوم فأنبأني أنه كتب إلى سعد – رحمهما الله – كتابًا يقترح فيه عليه الاحتكام إلى جماعة من صفوة المصريين فيما شجر بينهما من خصومة. وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعًا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى إذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أثني عليه بل قال: وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة إلى لحظة. وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فأسرع إليه ثم عاد مبتسمًا وقال: تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف. ولبثت أنتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد. فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب أسطرًا حتى نهض وأخذ يمشي في الحجرة ذاهبًا جائيًا لا يكاد يمسك عن الكلام إلا مضطرًا… ولكني أشهد أنه ما ظهر على ثروت – رحمه الله – غيظ ولا حفيظة ولا موجدة، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفّق إلى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق… وتبينت يومئذ أنه كان لا يزال يحبه ويبر به.
وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له. كما أنه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق إلى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وثروت.
ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد – رحمه الله – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله.
يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت وخياله ولحظاته وعن تصوير هذا كله ما يضطرب في نفسه من العواطف والميول. أما أنا فأستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت وأشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢. في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي أبلغ هذا الإثم إلى ثروت في الإسكندرية بالتلفون. فلما وقع في مسمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين… فسمعت منه آهة فيها كل شيء: فيها الحزن العميق. وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني: هل قبض على الآثمين؟ قلت: لا. قال يكفي. وانصرف.
إني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلبي لينقطع أسىً وأن نفسي لتتفرق لوعة وأن شطرًا غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وأن كثيرًا من هذا الخير الذي أتمثله متصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت.
***
سمعت صوت ثروت لأول مرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد أقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قرارًا لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة إلى الصحف. وكان صوته حازمًا وكان صوته عذبًا، فأحببته وملت إليه. ولكني لم أتصل به. ومضت الأعوام وأنا لا أعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعًا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة، وكنت قد عدت من أوروبا، وكنت أتأهب لاستئناف السفر، وكنت قد كتبت مقالًا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ حمد المهدي وشكاني إلى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة. واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا إلى الجامعة فرآني الأستاذ أحمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمَنِي إلى معالي ثروت باشا وزير الحقانية. فأخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب إليَّ فيها الرفق حين أكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد. ففهمت أني لم أفصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفًا زادني بالرجل حبًا، وعرفت بعد ذلك بساعات قصار أني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة إلى أوروبا ومضت أيام البعثة كلها لم ألق فيها ثروت ولم أسمع من أمره بشيء.
ثم عدت إلى مصر فلقيته وخرجت من عنده أشد الناس حبًا له وإعجابًا به وشكرًا لحسن لقائه.
وكان هو الذي قدمَنِي إلى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة. وما كان أشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني إلى الجمهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجدّ واختلف رحمه الله إلى درسي أيامًا يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى إذا كان آخر الدرس أقبل إليَّ فصافحني في ظرف ودعة وعرّفني بنفسه.
ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه الله أعطف أهل الجامعة عليّ وأرفقهم بي وأشدهم إلحاحًا عليّ في ألا أخلط بين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفًا لي عما أنا فيه من الدرس والجدّ.
وكانت لثروت – رحمه الله – قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان إذا جادلك لم يلبث أن يتسلط عليك ولا سيما حين يجادلك في أمر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا تحس منه في غير شكٍّ أنه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه. كنت أعرف منه هذا فكنت أحبه وكنت أخشاه وكنت إذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه. أذكر أني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة خلاف كان بيني وبينه رحمه الله في مادة من مواد لائحة الجامعة. واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن أسترد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: لا أطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما أطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت: فإني أخشى أن نتكلم قال: فإني آبى أن تستقيل. قلت: إن كان الأمر على هذا النحو فإني مذعن لما تريد. قال: أنا لا أحب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن. أفتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلًا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث؟
ثروت «والشعر الجاهلي»
رحم الله ثروت… كانت الخصومة بيني وبينه في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل. وكان – رحمه الله – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة (ولم يكن فيها) بشيء من الحق، وأن يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة. وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر «الجاهلي» وأرجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم. وأقبل عليّ بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت أنه كان يأسف أشد الأسف لأنه لم يكن يقدر أني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة.
زرته بعد ذلك، فلقيني ضاحكًا ثم وضع يده على كتفي وقال: إن حرية الرأي أكرم من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثق بأن أول أثر ما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وبينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا. ولكني أطلب إليك أن تثبت للعاصفة وألا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف. فأنت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات.
ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر.
رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدًا وما لن أستطيع أن أتحدث عنه الآن. ولكني أذكر يوم ظهر تقرير النيابة في أمر هذا الكتاب فاستقلت. وطلب هو إلى وزير المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت. فطلب إلى مدير الجامعة أن يطلب إليّ أن أزوره. فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسمًا وما هي إلا دقائق حتى أقنعني بأن استقالتي خطأ. ولكنه كان أظرف وأكرم من أن يطلب إليّ استردادها فأمر بالإعراض عنها. طلبت إليه ذلك اليوم أن أدع الجامعة وأن أنتقل إلى عمل آخر إذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة. فقال: قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك عليّ أن أجيبك إليه، ولكن للجامعة عليّ حقًا آخر.
كيف تريد أن تقاوم رجلًا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة؟
ثم مضت أشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في أثرها أن أنتقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت. وكُلفت أن أزور رئيس الوزراء، وكنت مصرًا، وكنت أعلم أني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت أن أجيب دعوته. وأنكر عليّ الناس جميعًا هذا الإباء ولكني طلبت إلى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء أني لن أراه ما دام إليه الأمرُ، فإذا ترك الحكم فسيراني. فسكت وسكت. وانتهى كل شيء واستقالت وزارته. وذهبت إليه أزوره. وكنت أقدر أني سأجد منه عتبًا ولومًا. ولكني لم أجد منه إلا ظرفًا وعطفًا، ولم ألق منه إلا هذه البشاشة التي أعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعًا وخصومه جميعًا والذين لا يحفظون له ودًا ولا يضمرون عليه حقدًا. لقيته ذلك اليوم وأطلت المجلس عنده، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة. وانصرفت من عنده وأنا أقدر أني سأراه بعد قليل… ولكني لم أره منذ ذلك اليوم ولن أراه.
لم أتحدث إليك ما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء الممكن في أكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لأن الرجل كان وفيًا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطورًا على المودة والوفاء فيها.
وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف عليّ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
ماذا كنت أكون من ثروت رجلًا كغيري من الناس؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من أخلص فلنفسه. وقد أحسّ ثروت مني إخلاصًا في حبه، وما أرى إلا أنه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف عليّ ورفق بي وأخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى ملأني على أن أحبه فأحببته ولم أقف ولن أقف في حبه عند حد.
وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكرته أني حين عدت من أوروبا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي. ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب إلى الحب. وأذكر أنه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه الله فقال: لو عرفتهم لأحببتهم حبًا لا يقل عن إعجابك بهم. وقد عرفتهم فأحببتهم. ولكني عرفت ثروت معرفة لم أعرفها أحدًا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبًا لا حد له كما قلت:
رحم الله ثروت… كيف أستطيع أن أنساه أو أن أقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يومًا ما وأنا لا أكاد أذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من أوروبا إلا ذكرت ثروت وأثره فيها. لقد كنت أركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء. ولقد كنت أجد منه في هذا كله عطفًا لا يشبهه عطفٌ. وودًا لا يشبهه ودٌ. ولقد كان يزيد من أثر هذا الود والعطف في نفسي ما كنت أشعر به من أنه كان عطفًا خالصًا وودًا لا تشوبه شائبة. ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به.
إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفًا. ولكني أعتقد أن ثروت كان أعظم هؤلاء الزعماء جميعًا حظًا من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته وأكثر ما يظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة.
نعم. إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع إلى التصفيق والصياح. ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية. وأقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خُيّر في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه ما تردد، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت، بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه.
رحم الله ثروت. لقد انقطعت بيننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات وما أرى أننا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينهيها ضعف أو خمود وأن الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة، وأن ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدًا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء.
رحم الله ثروت. لئن كان رهين قبر في الصحراء فإن شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدًا.
هليوبوليس
طه حسين
المقتطف — ١ ديسمبر ١٩٢٨ -
حزم
حزم
أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣