Tag: الانتقال السياسي

  • من بعيد … ثورتنا ١ | From Afar… Our Revolution (1)

    من بعيد … ثورتنا (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ يوليو ١٩٥٤

    تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

    وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

    فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

    وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

    فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

    فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

    وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

    فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

    وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

    وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

    وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

    وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

    ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

    ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

    في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

    فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

    ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

    فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

    فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

    والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

    وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

    وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

    ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

    والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

    وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

    فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

    وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

    فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

    فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

    والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

  • العدل | Justice

    حديث الوادي
    العدل
    ليقرأ رئيس الوزراء

    كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.

    طه حسين
    الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤.

  • يمين الوزراء | The Ministers’ Oath

    حديث الوادي
    يمين الوزراء
    أقسموها أمس بين يدي جلالة الملك صريحة صدرت عن قلوب صريحة، نقية، صدرت عن ضمائر نقية، صادقة حارة صدرت عن نفوس لا تحب إلا الصدق، ولا تريد إلا البر، ولم تتعود إلا النزاهة والإخلاص.
    أقسموها واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا غموض. يمين يقسمها كل مصري، مهما يكن مذهبه في السياسة، ومهما يكن رأيه في تصريف الأمور. يمين لا تصور ميلاً إلى الهوى ولا جنوحاً إلى الأحزاب، ولا تأثراً بالشهوة، ولا انحيازاً إلى فريق من المصريين دون فريق، يمين تعلو على الأهواء والمنافع، وعلى النزعات والميول، وعلى الخصومات وأصناف الخلاف، يمين يقسمها مصريون صادقون على أنهم سينهضون بمصالح هذا البلد كما ينبغي أن ينهض الرجل الكريم في غير تحيز ولا تعنت ولا أثرة ولا إيثار ولا محاباة.
    يمين تلائم مقام جلالة الملك الذي أُديت بين يديه، وتلائم كرامة الوطن الذي بدأت بها خدمته؛ فجلالة الملك فوق الأحزاب جميعاً، ويجب أن يكون فوق الأهواء جميعاً، والوطن فوق الأحزاب وفوق الأهواء وفوق الأشخاص، لأنه أنقى وأخلد من الأهواء والأحزاب والأشخاص. وقد أقسم الوزراء يمينهم فارتفعوا بها عن هذا كله، ولم يعاهدوا الله إلا على أن يخلصوا للملك ويصدقوا في خدمة الوطن. فهم إذن يقسمون يميناً لا يتعرضون للحنث بها. ومن حنث فيها فهو خائن، وما أبعد ما بين هؤلاء الوزراء وبين الخيانة للملك والوطن. هم يقسمون يمين الجندي الذي يبذل نفسه وجهده وراحته فداءً للملك والوطن، لا يمين السياسي الذي يروغ كما يروغ الثعلب، ويحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويعلن إلى الناس ما يريد وما لا يريد. ولعله يعلن إليهم ما لا يريد أكثر مما يعلن إليهم ما يريد. يقسم وهو يعلم أنه معرض للحنث، ويعد وهو يعلم أنه قد يعجز عن الوفاء. ولعله يعد وهو يعلم حق العلم أنه لن يفي، لأنه لا يريد أن يفي، وإنما هو يمكر ويخادع؛ لأنه يرى السياسة مكراً وخداعاً. نعم أقسموا يمين الجندي لا يمين السياسي، والجندي قادر في مثل هذه المواقف على أن يكون سياسياً إن فهم السياسة على وجهها واستقبلها صادقاً مخلصاً طاهر القلب والضمير، وآمن بأن السياسة ليست كذباً ولا غدراً، وليست مكراً ولا خداعاً، وإنما هي خدمة صادقة للوطن وإيثار صادق لمنافع الوطن، واحتفاظ أبٍ بكرامة الوطن، وجدّ في ذلك كله ما استطاع الإنسان أن يجد، ثم اعتزال العمل إذ أحس العجز عن النهوض بما احتمل من أعباء.
    أقسموا يمين الجندي التي يستطيع أن يقسمها معهم كل مصري، بل يجب أن يقسمها معهم كل مصري، فكل مصري مخلص للملك والوطن. ولكن لهذه اليمين الصريحة الواضحة في صيغتها السهلة اليسيرة، خطراً عظيماً يجب أن يعلم الوزراء أن المصريين جميعاً قد فهموه وقدروه؛ فالمصريون جميعاً قد علموا مغتبطين أن وزراءهم لم يقسموا يمين الإخلاص للدستور الذي استحدثه الطغاة لأنهم لا يستطيعون ولا يريدون أن يبقوا على هذا الدستور فضلاً عن أن يخلصوا له ويتقيدوا به. وقد علم المصريون جميعاً أنهم لم يقسموا يمين الإخلاص للقوانين، لأن بين هذه القوانين ما لا يريدون، ولا يستطيعون أمام ضمائرهم ومصالح بلادهم أن يبقوه فضلاً عن أن يخلصوا له. فهم إذن يقسمون اليمين التي يشعرون أمام ضمائرهم وضمائر مواطنيهم أنهم قادرون على الوفاء بها، وهم إذن يشهدون الوطن وأبناءه جميعاً على أنهم كالوطن وكأبنائه جميعاً، لا يؤمنون بنظام الطغاة، ولا بما استحدث من بدع، ولا بما فرض على الناس من قانون، وهم إذن أحرار كالشعب المصري، وهم إذن يسعون في طليعة الشعب لمحو الظلم، وإلغاء الجور ورد العدل إلى نصابه، وإنقاذ الوطن مما ألم به من الكوارث، وما سلط عليه من الخطوب. هم صورة لميل الشعب، وهم صورة لصدق الشعب والوطن. هم لم يقسموا أمس عن أنفسهم فحسب، ولكنهم أقسموا عن أنفسهم وعن مواطنيهم جميعاً. وهم قد ألغوا الدستور الجديد منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص له، وهم قد ألغوا القوانين الجائرة منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص لها، فلم يبق إلا أن يتخذوا إجراءات رسمية ترضي الأشكال والصور، فأما الجوهر فقد حققوه، فأما الضمير فقد أرضوه، تحللوا من طاعة الدستور الجديد فأحلوا الشعب من طاعته. فالدستور إذن ملغى منذ أمس، والمصريون إذن أحرار منذ أمس، والطغيان أذن منته منذ أمس، وهذا كله محقق منذ فرغ الوزراء من تأدية يمينهم أمام الملك.
    ليقل بعد ذلك المخاصمون للوزراء ما يقولون، فلن يجدي ما يقولونه شيئاً ولن يعتبر ما يقولونه شيئاً، قد أبى الوزراء أن يقسموا يمين الإخلاص للنظام الغابر. وقُبل منهم لتلك ألا يقسموا، ودفعهم الشعب كله ألا يقسموا، فتم الاتفاق منذ أمس بين الشعب والملك والوزراء، على أن هذا النظام لاغٍ لا يستحق أن يخلص له أحد ولا أن يحفل به أحد، وهذه هي الخطوة الأولى الموفقة إلى الإصلاح من خطوات وزارة التوفيق.
    يقول بعض الإنجليز المقيمين في مصر والذين يكتبون فيها إن الوزارة لا تمثل ما كان ينتظر أن تمثله من القوة، فأي قوة يريدون؟ إن كانوا يريدون قوة الشعب فقد أخذت الوزارة منذ أمس تمثل هذه القوة تمثيلاً صادقاً، وأخذت تحس ذلك إحساساً قوياً، وستظل ممثلة لهذه القوة واثقة بهذا التأييد ما مضت في طريقها الذي رسمته أمس حين أبت أن تقسم اليمين بالإخلاص للنظام الغابر وما استحدث من قوانين. وإن كانوا يريدون قوة الذكاء والكفاية فإن هؤلاء الوزراء قد أظهروا إلى الآن ذكاء غير مجحود، وكفاية لا غبار عليها، وما ينبغي لقوم نهضوا بأثقل الأعباء في أدق أمور الفن والإدارة أن يعجزوا عن النهوض بأثقل الأعباء في مسائل السياسة ما دام الإخلاص والصدق والوفاء للملك والوطن والاعتماد على الله والشعب هو برنامجهم.
    وإن كانوا يريدون القوة التي تأتيهم من الخارج فإن هذه القوة لم تظهر بعد، وسيرتهم هي التي ستظهر حظهم منها، وها هم لولا مساحة الإنجليز الرسميون وغير الرسميين يتحدثون إلى مكاتب الأهرام في لندن بأن إنجلترا لا تريد أن تعبث باستقلال مصر، ولا أن تدخل في شؤون مصر إلا في حدود التحفظات، والمصريون يعلمون أن نسيم وأصحابه سيعرفون كيف يحوطون استقلال مصر، وكيف يقومون دون استقلالها يحمونه من كل تدخل واعتداء؛ فإذا توفر حسن النية من الإنجليز فالمصريون خير من يلقي النية الصادقة بنية صادقة مثلها. ولن يكون نسيم وأصحابه كما كان الرجل الطيب وأصحابه ضعافاً يتكلفون القوة، وأصحاب سذاجة يتكلفون المكر، وبسطاء يتكلفون المهارة والذكاء.
    نعم لن يكون نسيم وأصحابه إلا وزراء مخلصين لوطنهم وملكهم، صادقين في سياستهم مع الإنجليز وغير الإنجليز، مؤثرين للصراحة والاستقامة، منكرين للغموض والالتواء، أقسموا أمس على ذلك وهم خير من يبر إذا أقسم، ولن يكون منهم حنث، ولن يكون منهم استعداد للحنث، لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يحنثوا، ولأنهم يعلمون حق العلم أن شعبهم كريم لا ينبغي أن يخدمه الخائنون.
    لهؤلاء الوزراء ثقة الشعب كاملة، وتأييد الشعب كاملاً؛ صاروا بهذه اليمين التي أقسموها أمس والتي يقسمها المصريون معهم في غير تحفظ ولا احتياط.
    فامضوا إلى أمام فإن الشعب ينتظر أعمالهم، وإنما يكون الثناء بعد البلاء كما قال الأحنف بن قيس.
    طه حسين
    الوادي، ١٦ نوفمبر ١٩٣٤.

  • خاتمة٤ | The End 4

    حديث الوادي
    خاتمة
    قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أملي هذا الفصل فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.
    وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجل استقالته يوماً أو يومين أو أياماً ليرى نتيجة الوساطة التي يقال إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضاراً مؤلماً ممضاً لعهد مؤلم ممض. وسنشهد نهاية كلها حزن وأسى، لعهد كان كله حزناً وأسى.
    عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه الذي لا حد له إلا رضى الإنجليز أو غضب الإنجليز.
    عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليّ وفي الحروب نعامة» فكان رجاله أسوداً يحسنون الزئير ويحسنون الافتراس ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.
    عهد أقل ما يوصف به أنه لم يشرف مصر في لحظة من لحظاته وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يشرف رجاله المسؤولين في لحظة من لحظاته، ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء، والاستكانة للأقوياء تشرف رجلاً أو ترفع من شأنه أو تنزله بين كرام الناس.
    عهد بدا بالإثم وهو يختم بالإثم، بدا بالوثوب إلى الحكم في غير رضى من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقاً وإرهاقاً، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافاً، وعلى منافع الأبرياء عبثاً ولعباً، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعاً كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث تفتك بالأخلاق فتكاً، وأفسدت الضمائر إفساداً،
    وقطعت الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخس ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقاً عليه، وبأن لوطنه حقاً على نفسه، هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيء إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي ترد الإنسان إلى أخس مراتب الحيوان.
    على هذا النحو بدا هذا العهد وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء وأزهقت نفوس واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يحتمل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يلقى في هذا العصر الذي يقال إنه عصر الحرية والأمن وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.
    نعم على هذا النحو المنكر بدا هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين، شقاء ثقيلاً مظلماً مطبقاً، أكثر من أربعة أعوام، وها هي هذه الملايين من المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يؤسس على التقوى، ولم يقم على حب الشعب، ولم يشيد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شراً وسوءاً، وأن تستبشر بانهيار بناء أسس على الظلم والجور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة، لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدا بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شراً ونكراً، بدا بالاعتداء على حقوق الشعب والاستهانة بسلطان الشعب والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.
    يقول الإنجليز لرئيس الوزراء أخرج زميلين من زملائك، وحل بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر تردداً لا يخدع أحداً ويتكلف مقاومة لا تخدع أحداً، حتى إذا جد الجد، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك لعل جلالته أن يقبلها وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه. أتعرف مأساة شر من هذه المأساة؟ أتعرف بلداً يقول إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي الدستوري وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلداً يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي، في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان فيرد إليه ما حرمه من الرضى، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سم هذا بما شئت من الأسماء، وصف هذا بما أحببت من الصفات، وقل في هذا ما استطعت أن تقول ولكنك مكره مع الأسف الشديد والألم الممض والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة ونزول عن الاستقلال.
    ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدماً، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.
    أفتراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة حتى على شكل الاستقلال.
    سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري لعل هذا الرجل ينكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي، وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمراً مقضياً لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته وفوق إرادة الشعب.
    خروجه من الحكم أمر مقضي، فليهنأ المصريون فلسنا نعرف أن أحداً منهم يسره أن يتصل الفساد ويستمر الاضطراب ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه إن على رأس الوزارة المصرية رجلاً لا يتردد في أن يخرج زميليه من الحكم لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطراراً.
    نعم لقد بدا هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية. والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءاً كله، سوءاً حين يبتدئ وسوءاً حين يتصل، وسوءاً حين ينتهي. ولكن الله عز وجل يريد أن يمحص المصريين بهذه المحنة وأن يظهرهم رجالاً كراماً كما تعودوا أن يكونوا رجالاً كراماً. وأن يقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظاماً مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب ومهما تحرجت الظروف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١١/١.