بيع الدماء
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ يناير ١٩٥٦
كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.
وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.
فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.
والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.
وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.
ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.
وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!
وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!
وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.
ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.
وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!
ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!
وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!
هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!
ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.
وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.
لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟!
Tag: الانحلال الأخلاقي
-
بيع الدماء | Selling Blood
-
كارثة … | Catastrophe…
حديث المساء: كارثة …
طه حسين
كوكب الشرق
١٦ نوفمبر ١٩٣٣
يجب أن يتنبَّه لها الغافلون، ويفيق الذاهلون، ويستيقظ النائمون، وأن يأخذ المصريون حذرهم؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو يسعون إليها، وقد أصبح الأمد بينهم وبينها قصيرًا، حتى إن صوتها المنكر ليبلغ الآذان، وحتى إن شبحها القبيح المخيف ليؤذي العيون، وحتى إن ريحها الخانق ليفسد الجو، وحتى إن حركتها لتوجب على كل مصري أن يتأهب لردها، ويتهيأ لصدها، ويستيقن أن الغفلة قد أصبحت جناية، وأن التنبيه قد أصبح فرضًا، وأن النوم قد أصبح إثمًا، وأن اليقظة قد أصبحت واجبًا محتومًا.
يجب أن ينتبَّه المصريون؛ فإن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا ثلاثة أعوام، بل أكثر من ثلاثة أعوام قد أخذت تتكشف عن نتائجها المنكرة، وتتمخض عن آثارها السُّود، وإذا لم يتنبَّه المصريون الآن، ولم يفرقوا، فقد يتنبهون حين لا ينفع التنبه وقد يندمون حين لا ينفع الندم، وقد يحتملون من الجهد والمشقة ما يستطيعون اتقاءه منذ الآن.
إن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا أكثر من ثلاثة أعوام قد انتهت إلى ما لم يكن منه بد، فأفسدت الإدارة حتى اتُّهِم الموظفون في ذممهم وضمائرهم، وحتى أصبحت أمانتهم موضع الشك ونزاهتهم موضع البحث، وحتى أخذ المصري المخلص يستحي لنفسه ولوطنه من هذه المخزيات التي يتقاذف بها زعماء الحكم في هذه الأيام. هذا يثير فضيحة الكورنيش وهذا يثير فضيحة القطن، وهذا يدافع عن نفسه فيتهم وزيرًا قائمًا، وهذا الوزير القائم يدافع عن نفسه فيتهم رئيس الوزارة المستقيلة، وهذا الوزير القائم يقذف وزيرًا سابقًا، وهذا الوزير السابق يذعن ويستخذي، ويلزم الصمت ويؤثر الهرب ويلوذ بالسكوت، وهذا النائب يتهم المديرين بأنهم يحاولون تسخير النواب لما تحب الوزارة، وهذا النائب الآخر يتهم وزير الداخلية بأنه يرغب في تسخير النواب لما تريد الوزارة، وهذه الصحيفة تتهم وزيرًا بالامتناع عن دفع الضرائب وتتهم وزيرًا آخر بمواطأته على ذلك ورفع الحجز عنه على غير ما يقضي به القانون، وهذا النائب يسأل وزير المالية عن هذه القصة فلا يجيب، وهذه الصحيفة تتهم موظفًا كبيرًا بأنه يستخدم أدوات الحكومة لإصلاح ملكه الخاص، وهذه الصحيفة تتهم وزير المعارف بمخالفة القانون، جهرة في أمور الجامعة، وبكتابة مذكرة إلى مجلس الوزراء لا تلائم الحق. والوزارة مضطربة مرتبكة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف ماذا تقول.
أفسدت محنة صدقي باشا إذن الإدارة حتى ظهر الفساد من كل وجه وشاعت كلمة السوء في كل مكان، وساء ظن الناس بحكامهم، وذهبت ثقة الناس لسلطان الدولة، ونتج عن هذا كله فساد منكر في الأخلاق، فكثر الدس والكيد، وفشت السعاية والوشاية، وعم النفاق والكذب، وأصبح المصري يلقى المصري فلا يتحدث إليه إلا عن هذه المخزيات، وأصبح الموظف يلقى الموظف، فلا يجادله إلا في هذه المنكرات، وأصبح الناس لا يأمن بعضهم بعضًا، ولا يطمئن بعضهم إلى بعض، وأصبح الرجل إذا تحدَّث إلى الرجل، لا يأمن أن يكون ساعيًا به وجاسوسًا عليه. وانتهى أمر المصريين إلى حياة فاسدة مُسمَّمة، لا يثمر فيها الجهد الصالح، ولا يُغْنِي فيها الميل إلى الخير، وإنما هي شياطين زرق العيون، سُود الوجوه، كاشرات عن أنياب حداد، باسطات أيديًا آثمة ظالمة، تدفع الناس دفعًا إلى الشر لا هوادة فيه، ولا راحة منه، فهم ينحدرون وينحدرون، وهم يوشكون أن ينتهوا إلى الحضيض.
أفسدت محنة صدقي باشا أمور الإدارة وأمور الأخلاق، وأفسدت أمور السياسة أيضًا فشُغِل الناس عن غدهم بيومهم، وشُغِل الناس عن مسائهم بصباحهم، وشُغِل الناس عن الاستقلال بالتماس القوت، وساء ظن الأجنبي بهؤلاء الناس الذين فسدت أمورهم كلها، واضطربت أمورهم كلها، وشغلتهم صغائر الأمور عن عظائمها، وألهاهم طلب المنافع العاجلة عن التفكير في الآمال القومية.
ومتى فكر الإنجليز في أن يفاوضوا قومًا وصلت أمورهم من الفساد إلى هذه الحال؟!
أفسدَتْ محنةُ صدقي باشا أمورَ الإدارة، والأخلاق، والسياسة. فأما أمور الاقتصاد فقُلْ في فسادها ما شئت، فلن يستطيع أحد أن يجادلك أو ينازعك، وإن أبى وزير المالية إلا أن يزعم للإجيبشين غازيت أن أمور الاقتصاد بخير، وإن أبى وزير المالية إلا أن يعلن إلى الإجيبشين غازيت، أنه لن يساعد المدينين، ولن يكف عنهم أيدي المصارف حتى يؤدوا بعض ما عليهم.
كل شيء قد فسد وانتهى من الفساد إلى طور مزعج مخيف، ولم يكن بد بعد هذا من أن يظهر الإنجليز من وراء الستار، ومن أن يخرج الإنجليز من حيادهم المزيف الموهوم، وكل شيء يدل الآن على أنهم يريدون أن يفعلوا أو يوشكون أن يفعلوا أو هم قد بدءوا يفعلون.
هذه أنباء تُذاع في صحف اليوم يمر بها الناس سراعًا، ومن حقهم أن يقفوا عندها فيطيلوا الوقوف يقرؤها الناس متعجلين، ومن حقهم أن يقرءوها في تمهل وأناة يهز الناس لها رءوسهم، ويرفع الناس لها أكتافهم، من حقهم أن يتدبروها فيُمْعِنوا التدبر، ويفكروا فيها فيطيلوا التفكير، ويقدِّروا عواقبها، ويتقوا هذه العواقب فإنها الكوارث المنكرة لا أكثر ولا أقل.
هذا رئيس الوزراء يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعتين في الصباح، وهذا رئيس حزب الشعب يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعةً في المساء، أفنستطيع أن نفهم هذه المصادفة الغريبة، ونُؤَوِّل هذه المفاجأة المدهشة؟! رجلان يختلفان أشد الاختلاف ويختصمان أشد الاختصام، أيهما يظفر بالكثرة في حزب الشعب، ثم يتقاذف أنصارهما بأشنع التهم، وأقبح الفضائح، ثم يسعى الساعون بينهما في الصلح، فلا يزداد الأمر بينهما إلا فسادًا، ثم تُذاع أنباء التحقيق، ويتحدث الناس عما قد يكشف عنه التحقيق، ثم تذيع الصحف في أثناء هذا كله أن أحدهما لقي المندوب السامي في الصباح وأن الآخر لقيه في المساء!
أكانت مصادفة هذه الزيارة التي كانت في المساء، بعد تلك الزيارة التي كانت في الصباح، أم هو المندوب السامي قد أصبح حكمًا بين الرجلين المختصمين؟! ومن الذي جعله حكمًا؟! أهما المختصمان؟! فيا له من نكر ليس بعده نكر! أم هو المندوب السامي نفسه قد حرج من الحياد، وفرض نفسه فرضًا، أو تطوع بالسعي ليمحو الخلاف، ويضع مكانه الوفاق؟!
والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهذه الأهرام لا تتحرج من أن تنبئنا بأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى المندوب السامي صباح أمس في تعديل الوزارة وفي نقل وزير المالية إلى وزارة الخارجية، ونقل نفسه إلى وزارة المالية.
ماذا؟! أين نحن وفي أي زمن نعيش؟! أبلغ الأمر بنا أن تُعرَض الأمور في الصحف على هذا النحو؟! أحقٌّ أن رئيس الوزراء تحدَّثَ إلى المندوب السامي في نقل وزير من وزارة إلى وزارة؟! فإن كان هذا حقًّا، فهل بدأ رئيس الوزراء هذا الحديث ليعرض الأمر على المندوب السامي؟ أم هل بدأ المندوب السامي هذا الحديث ليفرض الأمر على رئيس الوزراء، أو ليوحي بالأمر إلى رئيس الوزراء؟ وكيف جال في الصحف أن رئيس الوزراء تحدَّث في شيء كهذا إلى المندوب السامي؟ أقبل الحرب نحن أم بعد الحرب؟ أفي أيام الاحتلال نحن أم في أيام الاستقلال؟ يجب أن يقول رئيس الوزارة في هذا شيئًا، بل شيئًا صريحًا واضحًا يزيل اللبس ويمحو الغموض ويحفظ الكرامة، فقد يظهر أن الكرامة المصرية تؤذيها مثل هذه الأنباء إن لم تكن حقًّا، فكيف بها إذا كانت حقًّا؟!
وتزعم الأهرام أن الأمر قد تحرج بين وزير المالية وبين رجال وزارته من المصريين والأجانب حتى انقطع التعاون بينهم وبينه، وحتى لم يبقَ بد من نقل الوزير. ماذا؟! أين نحن؟! من الذي يُنقَل إذا وقع الخلاف بينه وبين الوزير؟ أهو الموظف المسئول أمام الوزير أم هو الوزير المسئول أمام البرلمان؟! ومن الذي يقضي فيما يقع بين الوزير وموظفيه من خلاف، أهو مجلس الوزراء أم هو المندوب السامي؟!
هل يسمع المصريون؟! هل يفهم المصريون؟! هل يرى المصريون إلى أين انتهت أمور الحكم فيهم؟!
والأمر لا يقف عند هذا الحد، فهذه السياسة تنبئنا صباح اليوم بأن وكيل المالية، صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا قد لقي المستشار المالي أمس، وقضى معه وقتًا طويلًا. ثم تنبئنا بعد ذلك مباشرة بأن وكيل المالية لم يستقِل، ولم يفكر في الاستقالة، رغم ما بينه وبين وزير المالية من خلاف، ولم يستقِل وكيل المالية! والتعديل الذي تحدث فيه رئيس الوزراء إلى المندوب السامي أمس وسيعرضه على جلالة الملك غدًا — فيما تقول الأهرام — سيريحه من التفكير، ويرد الأمر إليه في وزارة المالية كما كان من قبل.
ووزير المالية نفسه يتحدث إلى الإجيبشين غازيت لا إلى غيرها من الصحف العربية، فيقول إنه قد نبَّه الموظفين في وزارة المالية إلى أن على رأسهم وزيرًا، وهل كان الموظفون قد نسوا أن لهم وزيرًا؟ ومن الذي أنساهم أن لهم وزيرًا؟
وهل أحسن الوزير أم هل أساء حين نبَّه الموظفين إلى أنه موجود؟ وهل قَبِلَ الوزير أم هل لم يَقْبَلْ ما يُقال من أنَّه سيُنقَل إلى وزارة الخارجية نقلًا؟ وهل هذه الخاتمة هي الثورة المالية الخطيرة التي تحدثت بها الصحف عن وزير المالية في الداخل والخارج، قبل أن يرقى إلى منصب الحكم؟ وهل يُراد أن نفهم من كل هذه الأحداث أن الإنجليز قد اقتنعوا، أو قد أقنعوا أنفسهم بأن المصريين لا ينبغي أن يتركوا لأنفسهم، ولا أن يفلتوا من السيطرة الإنجليزية الدقيقة على الصغير والكبير من أمورهم؟ وهل يرضى المصريون أن تعود الصلة بينهم وبين الإنجليز إلى ما كانت عليه قبل إعلان الاستقلال؟
يجب أن يتنبه المصريون؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو هم يسعون إليها، وإن جهودهم وضحاياهم توشك أن تضيع.