Tag: البحث التاريخي

  • مصادرة | Confiscation

    حديث اليوم: مصادرة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.

    الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.

    لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.

    إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.

    ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.

    ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.

    إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟

    إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.

    وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.

    شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.

    ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.

    مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟

    بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.

    فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟

    وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.

    اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟

    كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟

    هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.

    فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.

    كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟

    اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا | At the Ministry of Education: A School for Ancient Languages, Again

    في وزارة المعارف
    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٢٣

    بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.

    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.

    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.

    والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.

    نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.

    وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.

    أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.

    وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.

    وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:

    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.

    وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.

    لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.

    ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟

    الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.

    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).