برنامج …
طه حسين
جريدة الأهرام
٧ نوفمبر ١٩٤٩
لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …
لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.
فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.
فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.
وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.
أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.
وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.
فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.
وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.
ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.
وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.
فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.
هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.
كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.
وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.
لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.
لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.
وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.
وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.
فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.
Tag: البنية التحتية الأكاديمية
-
برنامج … | A Program …
-
وزارة الشعب ترد إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه | A Government of the People Returns the People’s Money to Best and Most Useful Effect
وزارة الشعب ترد إلى الشعب
أمواله على أحسن وجه وأنفعه
طه حسين
جريدة المصري
١٠ أغسطس ١٩٤٣
توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …