الجامعة شعلة قوية حرة ملأت العقول نورًا والقلوب حرارة
طه حسين
جريدة الأهرام
٨ ديسمبر ١٩٥٠
مولاي صاحب الجلالة،
باسم هذه الجامعة — أساتذتها وطلَّابها — أرفعُ إلى جلالتكم أصدق الشكر وأعمقه، وأخلص الحمد وأوفره، لهذا الفضل العظيم الذي شملتمونا به حين تفضلتم ورضيتم أن تشهدوا هذا الحفل. وإن هذا الشكر العميق الذي أرفعه إلى جلالتك — يا مولاي — لا يعبر عن شعور هذه الجامعة وحدها، وإنما يعبر عن شعور الجامعات المصرية كلها، بل يعبر عن شعور الذين يعنون بالعلم — يَدرُسونه ويُعلِّمونه — في جميع أقطار مملكتك.
ذلك أن تشريفكم هذا الحفل إنما هو مظهر من مظاهر هذه العناية السامية التي تشملون العلم والعلماء بها منذ ارتقيتم إلى عرش آبائكم الكرام.
إنَّا نحتفل اليوم بالعيد الفضي لهذه الجامعة التي أنشأها والدك العظيم، والتي تَشرُف بأن تحمل اسمه الخالد. فمنذ خمس وعشرين عامًا، أصدر والدك العظيم قانونًا ينشئ هذه الجامعة كما هي الآن، ولكن هذه الجامعة نشأت قبل ذلك بأعوام طوال، نشأت في أوائل هذا القرن حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يستنقذوا بلدهم من مخالب الجهل، ومن مخالب العلم المتوسط الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا، حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يتيحوا للمصريين أن يطلبوا العلم العالي والثقافة الممتازة، وأن يطلبوهما في بلادهم دون أن يضطروا إلى أن يتغربوا أو يهاجروا من بلادهم.
هؤلاء الذين فكروا في هذه الجامعة لم يحتاجوا إلى تفكير طويل ليختاروا لهم رئيسًا وقائدًا، وإنما فكروا قليلًا ثم أسرعوا إلى والدك العظيم الأمير أحمد فؤاد، يطلبون إليه أن يكون رئيسهم وقائدهم، وأن ينشئ معهم هذه الجامعة. وفي سنة ١٩٠٨ ألف وتسعمائة وثمانٍ، افتتح والدك العظيم هذه الجامعة داعيًا شباب مصر إلى أن يُقبِلوا عليها ليتعلَّموا، وليأخذوا العلم من موارده الصحيحة. وقد كان والدك العظيم مُلهمًا — يا مولاي — فإنه حين أنشأ هذه الجامعة لم ينشئ معهدًا من معاهد العلم العالي فحسب، وإنما أنشأ معهدًا من معاهد تحرير المصريين، تحرير عقولهم وقلوبهم، ودعائهم إلى الحرية الكاملة.
إن الذين يذكرون الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الكبرى، يجب — حين يذكرونها وحين يؤرخونها — أن يضعوا بين المؤثرات التي دعت إليها وأثارتها: إنشاء هذه الجامعة التي كانت أشبه شيء بالشعلة القوية الحرة. أقامها والدك وسط القاهرة، فانبعث نورها وانبعثت حرارتها، فملأت العقول نورًا، والقلوب حرارةً.
ولم يكن والدك العظيم — يا مولاي — مغرورًا، ولا متواضع التفكير، ولا قانعًا بصغار الأمور، وإنما كان متواضعًا في نفسه، كبيرًا في آماله وأمانيه، كبيرًا في مطامعه لوطنه أيضًا.
فهو قد فهم منذ أنشأ هذه الجامعة أن العلم يجب أن يكون فوق الأجناس وفوق الوطنيات، وأن العلم لا وطن له، وأن العلم هو الميدان الوحيد الذي يلتقي فيه الناس من حيث هم ناس، يشعرون ويفكرون، وأن الاحتلال الأجنبي — يا مولاي — قد أضاع على وطنه وقتًا طويلًا، ولا بدَّ من أن يُعوض هذا الوقت. ومن أجل هذا طلب العلماء في جميع أقطار أوروبا، جاء بهم من فرنسا، ومن بريطانيا العظمى، ومن إيطاليا، ومن ألمانيا.
وأذكر — يا مولاي — أنه احتاج إلى أن يلقى إمبراطور ألمانيا بصفة خاصة ليستعينه على أن ترسل ألمانيا إلى مصر بعض المستشرقين.
ولم يكن يقصر في جهد، ولم يكن يتردد في احتمال مشقة مهما تكن، وإنما كان يرى الأشياء كما هي، ويأخذ لها عدتها كما ينبغي، ويسعى في تحقيقها، وكتب الله له التوفيق في كل ما سعى إليه.
هذه الجامعة، التي أنشأها والدك العظيم في أوائل هذا القرن، أعانه على إنشائها صفوة من المصريين لا أذكر منهم الأحياء، وإنما أذكر منهم بعض من انتقل إلى جوار الله، أذكر سعد زغلول، وأذكر حسين رشدي، وعبد الخالق ثروت، وقاسم أمين، والدكتور علوي، وأعانه عليها جماعة من خيرة العلماء الأوروبيين، قضى بعضهم نحبه، وبعضهم يشهد معنا هذا الحفل يا مولاي.
فللذين قضوا نحبهم أُرسل تحية هذه الجامعة، وأرسلها حارة خالصة مقدسة، وأذكر منهم — يا مولاي — شخصًا كان والدك العظيم يحبه ويؤثره إيثارًا شديدًا هو الأستاذ «كارلونللينو»، وأذكر من الأحياء شخصًا كان والدك يحبه ويقربه ويدنيه، وهو بيننا الآن «الأستاذ ليتمان».
ولم تكن المصاعب التي وجدها والدك في تقوية هذه الجامعة وتنشئتها يسيرة، فقد كان السلطان في ذلك الوقت لا يكتفي بأنه لا يعترف بالجامعة، وإنما كان يبث المصاعب أمامها خشية أن ينتشر النور في مصر، وأن يستيقظ المصريون، ومع ذلك فقد انتشر النور واستيقظ المصريون، ولم تلبث هذه الجامعة الناشئة أن آتت ثمرها — يا مولاي — في وقت قصير، وإني أستأذن جلالتك في أن أترك التواضع دقيقة أو بعض دقيقة لأقول: إن وزير المعارف الذي يشرف بالحديث الآن بين يدي جلالتك إنما هو الثمرة الأولى لغرس فؤاد الأول.
على أن فؤادًا لم يكن ينسى، ولا يحب الذين ينسون، فلم يكد يرقى إلى عرش محمد علي وإسماعيل حتى ذكر جامعته، وحتى أبى إلَّا أن تكون هذه الجامعة هي الجامعة الأولى في مصر، بل هي الجامعة الأولى في الشرق العربي كله.
ففي سنة ١٩٢٥ أصدر قانونًا ينشئ هذه الجامعة، ويفرضها على السلطان فرضًا. منذ ذلك الوقت أخذت هذه الجامعة تعمل قوية حازمة ماضية في طريقها، لا تتردد ولا تتلكأ ولا تخشى شيئًا؛ لأن فؤادًا كان يسندها ويؤيدها، ويمنحها معونته ونصره دائمًا، وما هي إلَّا أن تمضي أعوام حتى تأخذ الجامعة في تخريج الطلاب الذين يؤثرون التأثير العميق القوي في الحياة المصرية كلها من جميع نواحيها، بل في الحياة الشرقية كلها من جميع نواحيها.
ويكفي أن أقول — يا مولاي: إنها إلى الآن قد أخرجت أربعة وعشرين ألفًا ونصف ألف من حملة الليسانس أو البكالوريوس، وأخرجت ثلاثة آلاف من حملة الدرجات العليا الجامعية. فقدِّر يا مولاي أثر هذا الجيش العظيم الذي أنشأه والدك وقوَّيته أنت لمقاومة الجهل والغفلة ونِصْف التعليم، لا في مصر وحدها، بل في الشرق العربي كله.
منذ عشر سنين — يا مولا ي— كنَّا نتحدث بأن مصر تمتاز بأنها تقوم فيها جامعتان: إحداهما هي أقدم جامعات العالم، وهي الأزهر الشريف، والأخرى هي أحدث جامعات العالم، وهي جامعة فؤاد، ولكنك أبيت — يا مولاي — إلَّا أن تُغيِّر هذا كله، فلم تصبح جامعة والدك العظيم أحدث الجامعات؛ لأنك أبيت إلا أن تسلك طريقه، وتنهج نهجه، وتدفع مصر إلى الأمام كما دفعها هو إلى الأمام، وما هي إلَّا أن تُنشئ الجامعة الثانية التي تشرف باسمك العظيم، هذه الجامعة التي تحمل اسمك الخالد، والتي تعيد إلى مصر مجدها القديم حين ترسل أشعة العلم ونوره من وراء البحر الأبيض المتوسط، فقلنا: أصبحت جامعة فاروق الأول هي أحدث الجامعات.
وتقدمت جامعة فؤاد الأول في السن شيئًا، وظلت مصر ممتازة بأنها البلد الذي فيه أقدم الجامعات وأحدثها، ولكنك أبيت إلَّا أن تدفع جامعتك الأولى إلى شيءٍ من تقدم السن، وأن تأبى أن تكون هي أحدث الجامعات، فأنشأت جامعة ثالثة هي جامعة محمد علي. ولم نكد نفكر في هذه الجامعة ونوازن بينها وبين أختيها حتى سبقتنا جامعة إبراهيم، كأن بينك — يا مولاي — وبين الجامعات خصومة تأبى على كل واحدة منها أن تكون أحدثها وأصغرها سنًّا.
في هذه المدة القصيرة — منذ رقيت إلى عرش آبائك — أنشأت جامعات ثلاث، وكلأت جامعة والدك بهذه الرعاية التي أتاحت لها أن تنمو وتسمو وتنتشر، وتنشئ من المعاهد ما لا أكاد أحصيه، وتنشئ مكتبة لها خطرها بين مكاتب الشرق، بل بين مكاتب العالم الإسلامي كله.
في هذه المدة القصيرة أنشأت هذه الجامعات، ونمَّيت جامعة والدك. أليس من حقنا أن نحسب لروحك هذا الحساب كله، ونعتقد أنك صممت ألَّا تريح ولا تستريح، وألَّا تترك المصريين يهدءون قبل أن تكون لهم الجامعات التي ليس منها بد؛ ليكون وطنك كغيره من الأوطان الراقية؟
مولاي
باسم هذه الجامعة التي أنشأها فؤاد، وباسم الجامعات الثلاث التي أنشأتها، وباسم مصر التي تنعم بوجودك وجهودك وقوتك وشبابك، وباسم الحكومة التي يجب أن تكون تحت أمرك كلما أردت أن تنشئ ممهدًا للعلم جامعة هنا وجامعة هناك. باسم أولئك جميعًا، وباسم هؤلاء الأصدقاء الأجانب، أصدقاء مصر الذين قبلوا دعوتنا ليشتركوا معنا في هذا الاحتفال، والذين حضروا الآن ليرفعوا إلى جلالتك شكرهم كما نرفع شكرنا.
باسم هؤلاء جميعًا أتوجه إلى الله — عز وجل — أن يمنحك القوة والجلد، وأن يتيح لك من الحياة الخصبة النافعة ما يملأ مصر والشرق العربي كله حياةً ونورًا، وأن يتيح لك — يا مولاي — أن تحيي الأعياد الفضية لجامعاتك كما تحيي الآن العيد الفضي لجامعة والدك.
أطال اللَّه بقاءك — يا مولاي — وجعل حياتك كلها عيدًا لعقول مصر ولقلوبها، وللشرق العربي كله.
Tag: التحرير الوطني
-
الجامعة شعلة قوية حرة ملأت العقول نورًا والقلوب حرارة | The University Is a Strong, Free Flame That Filled Minds with Light and Hearts with Warmth
-
قدوة | A Role Model
حديث الوادي
قدوة…
تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
طه حسين
الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.