Tag: التسوية

  • خلاف | A Dispute

    خلاف
    نعم، خلاف في ظل الائتلاف، وشقاق تحت جناح الوفاق، وخصام في أحضان السلام. ولم لا؟ وأين وُجد الإخوة الذين لا يختلفون؟ ومتى رأيت الأشقاء الذين لا يختصمون؟ وإنما الحياة سبيل إلى اتفاق الرأي حينًا واختلافه أحيانًا، ولا سيما حين تكثر المغريات، وحين تتيح الحظوظ للأصدقاء الأصفياء أن يقوى بعضهم ويضعف بعضهم الآخر، وأن يعز منهم فريق ويذل منهم فريق، وأن تمتلئ أيدي جماعة منهم بالخير، وتصفر أيدي جماعة أخرى من كل شيء.
    والأحزاب المؤتلفة في الحكم إنما تتألف من أفراد، فيهم فضائل الناس ونقائصهم، فهم يتفقون على المصالح العامة التي لا تعني أشخاصهم، وهم يختلفون عند المصالح الخاصة التي يمكن أن يفيدوا منها مالًا أو جاهًا، قليلًا أو كثيرًا.
    وآية ذلك أن المؤتلفين في الحكم لم يختلفوا لحظة في إقامة الخزان، لأن إقامة هذا الخزان واضحة النفع لمصر، جلية الفائدة للمصريين؛ ستحمل إلى أرض مصر الخصب، وستكفل لأهل مصر الثراء. وخزانة مصر قادرة على إقامة هذا الخزان، لديها من المال أكداس مكدسة، تستطيع أن تنفق منها بغير حساب دون أن تخشى فقرًا أو تتعرض لإفلاس. ولا تصدق المستشار المالي، فهو إنجليزي يكره لمصر الخير، ويضمر لها الشر، ويأبى إلا أن يرى أرضها مقفرة مجدبة، وأهلها معوزين معدمين! وهو حين نصح الحكومة بألا تتعجل في إقامة هذا الخزان، وأظهر الإشفاق على خزانة الدولة، لم يفكر إلا في مصلحة الإنجليز الذين يكرهون هذا الخزان، ويخافون من إقامته في السودان!
    فلتحذر الحكومة وليحذر البرلمان، وقد حذرت الحكومة فلم تحفل بالمستشار، ولم تلتفت إلى رأيه. ومتى حفلت وزارتنا القائمة برأي الإنجليز؟ ومتى قبلت وزارتنا القائمة نصيحة الإنجليز؟ وهي تشك فيهم كل الشك، وترتاب بهم كل الارتياب، وتأخذ نفسها منذ نهضت بأعباء الحكم بأن تكرههم على ما لا يريدون، وتجرعهم ما لا يستسيغون.
    أعرضت حكومتنا عن نصيحة المستشار، وأعرض عنها البرلمان أيضًا، واتفق الحزبان المؤتلفان في هذا الإعراض كذلك، فلم يسألا عن رأي المستشار، ولم يحفلا به. ولم يسألا ويحفلا؟ والمستشار إنجليزي يجب أن يسوء به ظن الحزبين المؤتلفين اللذين لا يأمنان للإنجليز، ولا يحبان إلا إرغام الإنجليز على الاعتراف بما لمصر من كرامة وسيادة وحق.
    وتحقق الائتلاف حول جبل الأولياء في أجمل صورة، وأروع شكل، وانتصر الائتلاف في هذه المسألة على خصمين عنيدين: أحدهما الأمة المصرية التي لا تريد هذا الخصب ولا ترغب فيه، والتي يجب أن تُكره على أن تكون أرضها خصبة رغم أنوفها، وعلى أن يكون أبناؤها أغنياء وإن كرهوا الغنى، لأن سادة الساعة وحكام اليوم أعرف بمصالح الأمة من الأمة، وأقدر على تحقيق منافع الشعب من الشعب! وما قيمة الوزارة وما غناؤها إذا لم تسقنا إلى الخير ونحن كارهون؟
    والثاني هذا المستشار الإنجليزي الذي ائتمر بمصر مع حاكم السودان العام؛ فبينما كان الحاكم العام يجد في إقناع وزارتنا بالإعراض عن إقامة الخزان رحمة بالسودانيين، ورفقًا بهم، ورعاية لمصالح الإنجليز في السودان، كان المستشار ينصح الوزارة أن تعرض عن إقامة الخزان حماية لخزانة الدولة من الضعف، وميزانية الدولة من الاضطراب.
    وقد عرف الحزبان المؤتلفان كيف يثبتان لهذين الخصمين، فيلقيان الأمة بالعنف والقهر، ويلقيان الإنجليز بالمهارة والمداورة، وبالإعراض والإغضاء.
    وانتصر الائتلاف مرة أخرى حين أُثيرت سياسة التعليم، وحين عرف الحزبان المؤتلفان أن هذه الأمة الجاهلة الغافلة تريد أن يشيع التعليم على اختلاف فروعه بين أبنائها على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وأن انتشار التعليم على هذا النحو قد يمحو الجهل ويزيل الغفلة، ويشعر الأمة بحقها وكرامتها شعورًا قويًا خطرًا على طموح الطامحين، وعبث العابثين، واستئثار المستأثرين، واحتكار المعصومين للحول والطول والقوة والسلطان.
    هنالك أحس المؤتلفون أن الائتلاف يتعرض للخطر، وهنالك اجتمعت كلمة المؤتلفين على أن ضيق التعليم خير من سعته، وعلى أن انبساط الجهل خير من انقباضه، وعلى أن حكم الشعب رهن بأن يظل الشعب جاهلًا غافلًا، وعلى أن العلم والفهم والكفاية والطموح إلى المثل الأعلى خصال يجب أن تكون مقصورة على الأغنياء وأشباه الأغنياء. وحسب أبناء الشعب أن يعملوا في المزارع والمصانع، وأن يظلوا رعية صالحة للتذليل والتسخير.
    هنالك قوى الائتلاف وأُحكمت عقدته، وأيد الحزبان المؤتلفان وزير التقاليد، وانتصر الائتلاف أيضًا حين تعرض لهو الأجانب وعبثهم للخطر، وحين همّ بعض النواب بإلغاء معونة الأوبرا، وحين ظهر أن هذه الفكرة خبيثة: ظاهرها الرفق بخزانة الدولة، والعطف على الذين يؤدون الضرائب، ويلقون في أدائها صروف الجهد وألوان العناء، وباطنها حرمان الأجانب لذة مشاهدة التمثيل، والاستماع للغناء، والاستمتاع بالرقص. وكيف يستقيم الأمر إذا حُرم الأجانب ما يطمحون إليه، ويطمعون فيه من هذه اللذة المترفة، تضاف إلى ما يستمتعون به من تفوق على المصريين في كل شيء، وامتياز من المصريين في كل شيء؟ يجب أن يذعن المصريون، ويجب أن يلهو الأجانب! وعلى ذلك تمت كلمة الائتلاف، وحول ذلك أُحكمت عقدته.
    وتستطيع أن تطمئن وأن ترضى، فلن يتعرض الائتلاف لخطر ما دامت المصلحة العامة الجلية الواضحة تدعو إلى قوته واستحكام أمره.
    أما حين تعرض المسائل التافهة التي لا خطر لها ولا غناء فيها، فجائز، بل واجب، أن يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون، ويتصدع الائتلاف اليوم ليرأب صدعه غدًا.
    انظر إلى الحزبين المؤتلفين يشتد بهما الخلاف حتى ينذر بالخطر العظيم، وحتى يجد الوزراء في التوفيق، وحتى يخرج الأعضاء على قرارات الأحزاب، وحتى يستقيل بعضهم أو ينذر بالاستقالة، لأن مجلس النواب في حاجة إلى وكيلين، والحزبان المؤتلفان يطمع كل منهما في أن يكون منه الوكيلان دون صاحبه.
    هذه مسألة يسيرة لا خطر لها في حقيقة الأمر؛ فسواء على مصر أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب، وسواء على الإنجليز خاصة والأجانب عامة أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب؛ فسيقام الخزان، وسيُضيَّق التعليم، وسيكون التمثيل والرقص والغناء.
    ولكن حزب الشعب شديد الطمع، لا يعرف حدًا لهذا الشره إلى التسلط والسيطرة، فلم يكفه أن يستأثر بالحكم ومناصب الوزارة، حتى يريد أن يحرم صديقه وشقيقه كل شيء.
    وقد احتمل حزب الاتحاد من حزب الشعب أهوالًا ثقالًا؛ فرئيس حزب الشعب يقصي وكيل الاتحاد لهذا، ورئيس حزب الشعب يرقي الشعبيين إلى الوزارة، ويترك وزارة الداخلية فلا يضع فيها شعبيًا، ولكنه لا يضع فيها اتحاديًا أيضًا، وإنما يختار لها رجلًا يقال إنه بعيد عن الأحزاب. ثم يحتاج مجلس النواب إلى وكيلين، فإذا حزب الشعب لا يدع هذين المنصبين لحزب الاتحاد المظلوم، بل لا يدع له منصبًا من المنصبين، وإنما يريد أن يستأثر بهما جميعًا.
    أوَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ
    نعم، كذلك أراد اللّٰه لحزب الاتحاد في هذه الأيام. واللّٰه يداول الأيام بين الناس، واللّٰه يذل أحزابًا ويعز أحزابًا، واللّٰه يجعل بعض الأحزاب رؤوسًا وبعضها أذنابًا. واللّٰه يثير في نفوس الاتحاديين وقلوبهم نارًا تتأجج، ولهيبًا يضطرم، لأنهم فرطوا في وكيلهم وخذلوه، ولو قد عرفوا كيف يؤيدونه وينتصرون له، لعرف هو كيف ينتصف لهم ويرد عنهم طغيان الحزب الصديق الشقيق.
    كذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى نفسه، وببعض ذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى الناس. أما حزب الشعب فله الحكم، وعليه تبعات الحكم، فيجب أن يكون له الحظ الأوفر من منافع الحكم ومزاياه.
    وما كان لحزب الاتحاد أن يسمو إلى مناظرته أو مخاطرته، وليس رئيسه بالذي يستطيع أن يثبت لرئيس حزب الشعب، وقد خذل وكيله فأصبح جسدًا بلا روح. فليقنع إذن بما أعطاه اللّٰه، وبما نزل له عنه حزب الشعب، وإلا فإن حزب الشعب قادر على أن يستبدل قومًا مكان قوم، وحزبًا مكان حزب. أليس يقال إن في مجلس النواب حزبًا ثالثًا؟ وإذن فليذكر حزب الاتحاد قول الشاعر القديم:
    قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غِرَّةٍ زلِجا
    وعلى هذا النحو يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون. والأمة تنظر إلى هذا الائتلاف فتبتسم، وإلى هذا الاختلاف فتضحك، كما يبتسم ويضحك من ينظر إلى لعب اللاعبين. والأمة تعلم حق العلم أن اختلاف الحزبين لن ينفع، وأن ائتلافهما لن يفيد، لأنهما لا يملكان طاعة ولا إذعانًا لمن بيده الخيط، هذا الذي يستريح الآن في مينا هاوس١، والذي يترك الحزبين يلعبان لأنه متعب، أو لأنه سئم، أو لأنه يريد أن يلهو، حتى إذا فرغ من اللهو بلعب حزبيه، جذب الخيط فإذا الائتلاف قوي متين، وإذا الصلات بينهما على أحسن حال من المودة والصفاء.
    كوكب الشرق ٢١ – ٣ – ١٩٣٣

  • صراحة | Candor

    صراحة
    من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي في أمر من الأمور، مهما يكن عظيمًا.
    فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلاً، كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخالفة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكتّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها منذ الآن، فلن أخالفهم فيها… ولكنهم يوافقوني فيما أظن على أن الأخذ بالمخانق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء…
    رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أعنّة الحكم، لم يرسلها ولم يدعه أحد إلى إرسالها. ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه ويبالغ عليه، ويضحي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — استغفر اللّٰه — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه: أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمضي فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة، والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدة.
    أظن الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، يوافقوني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضر الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة.
    وإذن فقد كنت أود لو أقنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تقترف، والسيئات التي تجترح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع: موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يسرفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون… ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه، إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوى مريب…
    ومهما يكن من شيء فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض.
    وأنا أفهم من الوزارة القومية — كما قلت من قبل — هذه التي تصدر عن إرادة الأمة، لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذا تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة. وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية. وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة قومية حقًا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يهم المشرفون عليه هوى ولا ميل.
    وهذا فيما أظن واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تجري هي الانتخابات…
    وليس من الحق، ولا من المنطق أن يُحتج بما صنع الإنجليز، فقد يقال إن رئيس وزارة العمال ألّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيده الشعب وانحاز إليه. قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه ينسون أن رئيس وزارة العمال حين ألّف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال، وأبوا عليه، لجأ إلى استفتاء الشعب، فمنحه الشعب نصره وأيده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.
    فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة لا يمكن أن تؤلف داخل البرلمان القائم.
    وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يرون أن من الخير ألا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء للبرلمان القائم. وإذن فأين تؤلف؟ وكيف تؤلف؟
    ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثل القلة ليس غير… فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة — أو سمّها ما شئت — فتجري الانتخابات الحرة، ولتكن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات. فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلّفت كأقوى ما تؤلف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم. وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.
    هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها، لأنها واضحة مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقوني على أن سلوك طريق غير هذه الطريق غير مأمون العاقبة، ولا مبرأ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.
    وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم — والحمد لله — لا يمكن أن تعاب بالقصر. وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يؤلف وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطع أن يثبت على قوميته هذه، فاضطر إلى ما اضطر إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته — أو وزاراته — على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، وهو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة…
    أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا، فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير في مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثال رئيس وزرائنا النابغة الفذ… الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر، ليس له ضريب ولا نظير…
    كوكب الشرق ٧ — ٣ — ١٩٣٣