Tag: التشاؤم

  • تجنٍّ | An Injustice

    تجنٍّ

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣١ يناير ١٩٥٦

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.

    أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …

    قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.

    كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!

    وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!

    ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!

    متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!

    إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.

    وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!

    ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.

    فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.

    والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.

    تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.

    لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.

    ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.

  • بين الرضى والسخط | Between Satisfaction and Discontent

    بين الرضى والسخط . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.

    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.

    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

  • الفأل | The Omen

    الفأل
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٩ يونيو ١٩٤٥

    كان ممعنًا في القراءة حينَ سَمِعَ صوتًا عذبًا يدعوه، فلمَّا رفع رأسه رأى زوجه قائمة أمامه، وقد أشرقت في وجهها كلِّه ابتسامة حلوة فيها كثير من الخفر، وفيها شيء من خوف ضئيل، وشيء من العجب أيضًا، قالت له في صوت يُريد أنْ يضحك، ولكنه يُقاوم الارتياع: إنَّ في حُجرة الاستقبال ضيفًا ينتظرك. وهمَّ أنْ يسألها عن هذا الضيف، ولكنها أخذت يده في رفق، وأنهضته فاستجاب لها مُداعبًا مُخفيًا لبعض الوَجَل، فلم يكن أحب إليه من أن يمضي في قراءته لتلك القصة الرَّائعة التي يعرض فيها مكسيم جوركي حياته أثناء الصبا.

    وقد سعت به زوجه، سعيًا رفيقًا، إلى حُجرة الاستقبال، فلمَّا بلغ باب الحجرة لم يجد أحدًا، وإنَّما وَجَدَ هُدهدًا قد استقرَّ على البيانو في هدوء واطمئنان، فلم يكد يراه حتى أغرق، وأغرقت زوجه معه في ضحك مُتصل لم يكد يفرغ منه حتى تلا الآية الكريمة: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، ثم داعب خد امرأته وقال لها في صوت حازم جازم: انتظري نبأ عظيمًا يبلغك اليوم أو غدًا. فنظرت إليه كالحائرة المُستفهمة، ولكنه قال لها في صوته الحازم الجازم: قد علمت أن الهدهد لا يَكذب ولا يُحِبُّ الكذب. ثم عاد إلى كتابه ولكنه لم ينظر فيه، وانتظرت هي أن ينصرف الهدهد عن البيانو. فلما انصرف أقبلت على المُوسيقى، ولكنها لم تعزف، وإنما جعلت أصابعها تذهب وتجيء في غير انتظام. كان مُشرد النفس أمام الكتاب، وكانت مشردة النفس أمام البيانو.

    كان كل منهما بعيدًا عن صاحبه، ولكنهما كانا يُفكران في شيء واحد، أو في أشياء مُؤتلفة مُتقاربة، يتكون منها جزء قيم من نسيج الذكرى، هذا الذي يعمر القلوب ويمتع العقول، ويُضيء في النفوس، حين تظلم الأحداث وتدْلَهِمُّ الخطوب؛ فقد كان للهُدهد أثرٌ عظيمُ الخطر في حياتهما الأولى، كان رسول البِشْرِ والغِبْطة والحُبور إلى أبنائهما حين كانوا أطفالًا لا يكادون يعقلون.

    كان الهُدهد هو الذي يحمل إليهم ما تُريد أمُّهم أن تمتعهم به من طرفة، وما يريد أبوهم أن يسرهم به من هدية، وكان الهدهد يستخفي بطرفه وهداياه ينثرها في حجرات البيت وغرفاته نثرًا، وينشرها في أبهاء الدار ودهاليزها نشرًا، ورُبما ألقاها إلقاء في هذا الفناء المُنبسط أمام الدار، ورُبما أخفاها إخفاء في أعشاب الحديقة وبين أشجارها ونجومها، ورُبَّما عَلَّقها في الأغْصَان أو تَرَكها على حافات النوافذ.

    ولم يكن يمضي يوم حتى يتصايح الأطفال في الصباح أو في المساء بأنَّ الهدهد قد زار الدار وترك فيها شيئًا، وكان الأطفال يحبون الهدهد أشد الحب، ويودون لو استطاعوا أنْ يُؤنسوه ويحدثوه ويسمعوا منه، ولكنهم كانوا يرونه قد وقف منهم غير بعيد، في هذا المكان أو ذاك «من الحديقة». فإذا دعوه لم يستجب لهم كأنه لا يسمع منهم، وإذا سعوا إليه ارتفع في الجو ارتفاعًا يسيرًا، ثم انصرف عنهم دون أن يُؤنسهم من منظره، ودون أن يبخل عليهم بصوته هذا الذي لم يكن يخلو من التحدي.

    وكان الأطفال يسألون أُمَّهم حينًا وأباهم حينًا آخر، ما بالُهم لا يرون الهُدهد حين يحمل إليهم طرفه وتحفه، وإنما يرونه دائمًا فارغًا خاليًا إلى نفسه، نافرًا مِنْهُم منصرفًا عنهم، فكانت أمهم تجيبهم، وكان أبوهم يجيبهم أيضًا، بأنَّ الهدهد حذر لبق ظريف يحب المداعبة، ويؤثر أنْ يفجأ أصدقاءه بما يترك لهم من الهدايا.

    وقد شبَّ الأطفال وعقلوا واستبانوا الحقائق من أمر الهدهد، وما كان يحمل إليهم من الهدايا، ولكنهم مع ذلك خادعوا أبويهم حينًا، وخيلوا إليهما أنهم كانوا يصدقون ما يقصان عليهم من أمر الهدهد، ثم خادعوا أنفسهم حينًا آخر، وأرادوا أنْ يصدقوا ما كان يُقَص عليهم من أمر الهُدهد، ثم لمْ يجدوا بُدًّا من الإذعان لحُكم العَقل والانحراف عن قصة الهدهد، فجَعلُوا يتندرون بها في كثير من الأحيان ساخرين من أنفسهم ومُداعبين لأبويهم، ثم صُرِفوا إلى شئون الصبا والشباب عن شئون الطفولة وشُغِلوا بالدرس والتحصيل عن هدايا الهدهد وطرفه.

    كان صاحبنا يستعرض هذا كله، وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى مما كُتِب فيه شيئًا، وكانت زوجه تستعرض هذا كله وهي تجري أصابعها على البيانو دون أن تستخرج منه لحنًا مُستقيمًا. على أنها لم تَلْبَثْ أَنْ حَزَمَتْ أمرها، وأقبلت على موسيقاها، فانغمست فيها انغماسًا، أمَّا هو فلم يستطع أنْ يَحْزِم أمره ولا أنْ يعود إلى مكسيم جوركي؛ لأنه لم يكد يفرغ من استعراض طفولة أبنائه حتى استعرض طفولة نفسه.

    فقد كانت الصلة بينه وبين الهدهد بعيدة جدًّا أبعد من الصلة بينه وبين زوجه وبنيه. كان يعرف الهدهد منذ طفولته الأولى، يراه فيُعجب بشكله ويسمعه فيحن إلى صوته، ويتمنى أنْ يُتاح له هدهد يُمسكه في الدَّار ويتخذه له رفيقًا. وما زَالَ يُلِحُّ بهذا التمني على أبيه وإخوته وذوي معرفته؛ حتى رفق به بعض أهل القرية فجاءه ذات صباح بقفص ظريف قد استقر فيه هدهد ظريف، وهو يذكر ابتهاجه بهذه التحفة وإسراعه إلى أمه راضيًا مسرورًا، يخرجه الرضا والسرور عن طوره. وهو يذكر كيف ابتسمت له أمه في رفق، وكيف تقدمت إليه في ألا يُعَذِّب الهدهد ولا يُرْهِقه من أمره عُسرًا، وكيف نهضت فأخذت منه القفص وعلقته إلى جدار من جُدران الدَّار، ووَضَعَتْ فيه إناءين صَغِيرين في أحدهما قليل من ماء، وفي الآخر قليل من حبٍّ، وطرحت إلى جانب الجدار وسادة، وقالت لابنها وهي تمسح على رأسه: هذا مكانك من صديقك الهدهد، تستطيع أن تأوي إليه كلما أحببت أن تراه أو تسمع منه. وقد وفَّى الصبيُّ لهدهده أيامًا طوالًا، فكان يسرع إليه كلما عاد من الكُتَّاب وسط النهار وآخره؛ فيتحدث إليه ويسمع منه ويطيل الحديث والاستماع …

    ولكن الرجل الذي أهدى إليه الهدهد لم يُحسن الفهم عنه فيما يظهر، كما أنه هو لم يحسن الفهم عن نفسه … فقد أقبل ذلك الرَّجُل عليه في الضحى ذات يوم وأهدى إليه صقرًا صغيرًا لطيفًا، بعد أنْ قَصَّ من جناحيه، وفرح الصبي بصقره ذاك الجميل وخُيِّل إليه، بل أُلقِي في نفسه أنَّ هذا الصقر سيؤنس الهدهد في وحدته، وسيكون رفيقه حين يُشغَل هو بهذا الكتاب البغيض الذي كان يذهب إليه أول النهار ويعود منه لحظة للغذاء، ثم يرجع إليه مُسرعًا ولا يعود إلى صديقه الهدهد إلا آخر النهار.

    وكان الصَّبيُّ يُشفق على هدهده من هذه الوحدة المُتَّصلة، فأي غَرَابة في أن يسعد بهذا الصديق الجديد الذي سيسلي الهدهد ما بعد عنه صاحبه؛ فإذا عادَ لم يتحدث إلى الهدهد وحده، وإنَّما تحدثَ إليه وإلى الصقر جميعًا، وما هُو إلَّا أنْ يدخل الصقر على الهدهد في قفصه، وينصرف لبعض ما ينصرف إليه الصبية، ثم يعود بعد ساعة قصيرة أو طويلة فيرى، ويا هول ما يرى! … يرى الهدهد ميتًا قد نقر الصقر رأسه واستخرج ما فيه، لم يكن يعرف أن الطير يعدو بعضها على بعض!

    ويرى أمه حزينة تلومُه وتعنف به في اللوم، وتُرسل إلى ذلك الفلاح الذي أهدى إليه الصقر شتمًا قبيحًا، وقد أخذ صاحبنا وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي — دون أن يرى مما كُتِب فيه شيئًا — يستعرض هذه الذكرى، ويستعرض حزنه على الهدهد وحبه له من بعيد بعد تلك الكارثة، واقتناعه بأنَّ الخيرَ له وللهدهد في أن يتراءيا ويتحدثا من بعيد، ثم ينتقل من هذا الاستعراض إلى ما عرف من أمر الهدهد حين حفظ القرآن واستظهر سورة النمل وعرف قصة سُليمان وملكة سبأ.

    كل ذلك جعل يستعرضه وهو ينظر في كتابه دون أن يرى ما فيه، وقد استقر في نفسه أن لزيارة الهدهد لداره شأنًا، وأنَّه قد جاء بالنبأ اليقين، وأنَّ النَّهار لنْ ينقضي حتى يبلغه أمرٌ ذو بال.

    والغريب الذي تستطيع أن تصدقه أو تكذبه — فلن يغير تصديقك ولا تكذيبك من الحق شيئًا — هو أنَّ النهار لم ينقضِ دون أن يأتيه النبأ العظيم …

    والحق أنَّ صاحبنا قد عاد في ذلك اليوم طفلًا؛ فعلَّق نفسه من بعض نواحيها بالتليفون وعلَّقها من بعض نواحيها الأخرى بالجرس وعلقها من ناحية ثالثة من نواحيها بساعي البريد، وتستطيع أن تقولَ: إنَّه جلسَ في مَكتبه واجمًا وخَصَّص إحدى أُذنيه للتليفون وإحداهما الأخرى للجرس ومد عينيه أمامه إلى النافذة يرقب من يمكن أن يصعد سلم الدار من الزائرين، وقد طال به ذلك وشق عليه، ثم أقبلت عليه شئون الحياة اليومية فصرفته عن هذا السخف صرفًا ظاهرًا.

    ولكن قلبه ظل بقية النهار ينتظر شيئًا غامضًا وقد دعاه التليفون حين أقبل الأصيل؛ فلما استمع إلى ما قيل له وأجاب بكلمات قصار أسرع إلى زوجه يُقبلها، ويقول مُستبشرًا: ألم أقل لك إن الهدهد قد جاء بالنبأ اليقين؟! قالت زوجه: وما ذاك؟ قال: استقالت الوزارة ودُعِيتُ إلى الاشتراك في الحكم!

    ولم تُشرق الشمسُ من غدٍ حتَّى كان صاحبُنا وزيرًا، ولم يرتفع الضُّحى من اليوم نفسه حتى كان صاحبنا لا يخاف شيئًا كما يخاف الهدهد، ولا يبغض شيئًا كما يبغض الهدهد، ولم يكن بالأمس يأنس إلى شيء كما كان يأنس إلى الهدهد، ولم يكن بالأمس يحب شيئًا كما كان يحب الهدهد، ولكنَّ صدق الهُدهد قد استقرَّ في نفسه، كما استقرَّ في نفسه أيضًا أنَّ الهُدهد لا يَستطيع أنْ يأتيه بعد الوزارة بنبأ يسر أو يروق. فمن يدري إن أقبل الهدهد لعله يحمل نبأ استقالة الوزارة. وليس الهدهد صديقًا له وحده من دون الناس يحمل إليه وحده الأنباء السارة؛ فقد يكون للهدهد أصدقاء آخرون يُمكن أن يحمل إليهم أنباء سارة صادقة، ويمكن أن يكون من هذه الأنباء نبأ استقالة الوزارة والدعوة إلى الاشتراك في الحكم.

    قل إن هذا منطق سخيف! وأؤكد لك أني أرى هذا مِنطقًا سخيفًا، ولكني أؤكد لك أيضًا أن للحوادث مِنطقًا غير منطق الناس، وأن التفاؤل والتشاؤم يعبثان بعقول الناس، فيفسدان منطقهم في رأي «أرسطاطليس»، وفي رأي الأستاذ لطفي السيد باشا، ولكنهما يُقربان بين هذا المنطق وبين منطق الحوادث أحيانًا، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ صاحبَنا قد تطيَّر بالهدهد طِيرَة شديدة، كمَا كانَ يتفاءل به من قبل تفاؤلًا شديدًا، وأنَّه لم يسعَ قطُّ إلى غُرفة استقبالِهِ إِلَّا وفي نفسه إشفاق شديد أن يرى الهدهد قائمًا على البيانو في مكانه ذاك، ولو استطاع لتقدَّمَ إلى أهله في أن تُغلَق نوافذ الدار ما أشرق النهار، وفي ألا تُفتَح إلا حين تنام الطَّيْرُ.

    والشيء الذي لا شك فيه أيضًا هو أنه استحى أن يتقدم في ذلك إلى أهله مخافة أن يظنوا به الظنون، ولكنه تقدم إلى أعوانه في الوزارة ألا تُفتح نوافذ مَكتبه، وزَعم لهم أنه يكره أن يأتيه منها الضجيج والعجيج، ويشفق من تيارات الهواء ويُؤثِر الضوء الرفيق على الضوء العنيف.

    وحياة الوزراء حافلة بخطوب السياسة وأحداثها، فهم يرضون إذا أصبحوا، ويغضبون إذا ارتفع الضُّحى، ويعودون إلى الرضا حين ينتصف النهار، ويُرَدُّون إلى السخط حين يجلسون إلى الغداء. كل ساعة من ساعات الليل والنَّهار تحمل إليهم في دقائقها ألوانًا من الرضا والسخط، ومن الأمن ومن الخوف، ومن القلق والهدوء، فكان صاحبُنا كلما حَدَث حادث مغْضِبٌ أو مُقلق، وكُلَّما نُشِر خبرٌ مسخط أو مثير للخوف لم يذكر إلا الهدهد ولم يرَ أمامه إلا الهدهد؛ فقد كان الهدهد رسول النعمة إليه قبل أن يرقى إلى الحكم، فأصبح الهدهد نذير النقمة إليه بعد أن ارتقى إلى الحكم.

    ولكل أجل كتاب، ولكل وزارة آخرة. وقد أقبل صاحبنا مع الضحى ذات يوم على مكتبه، ولكنه لم يكد يدخل حتى رأى حبيبه أمس وعَدُوَّهُ اليوم قائمًا بشكله الجميل البشع على حافة النافذة، وقد نسي الخدمُ إغلاقَها لأمر ما. ولستُ أصف لك ثورة الوزير الظاهرة؛ فقد تعرفها وهي لا تعنيني، وإنْ كان خادم مكتبه قد سمع ما لا يرضى وقضى ساعة منكرة، وإنما أصف لك تشاؤم الوزير فيما بينه وبين نفسه؛ فقد أظلم قلبه وأربدت نفسه وساء خلقه وقبح لقاؤه للموظفين والزائرين جميعًا، وعاد إلى أهله غضبان أسفًا لا يكاد يبتسم ولا يكاد ينطق، وجلس إلى الغداء فلم يكد يُصيب منه شيئًا حتى قالت زوجه: إنك لمحزون منذ اليوم، هل من جديد؟ قال وهو يتكلف الابتسام: ما أدري ولكني رأيتُ الهدهد البغيض. قالت: وقد كادت العَبْرة تخنق صوتها: لقد أصبح الهُدهد بغيضًا الآن؟! وما أكثر ما كان يملأ قلوبنا غبطة وسرورًا! ثم خلت إلى أبنائها؛ فضحكت وضحكوا.

    ولكن المساء لم يُقبل في ذلك اليوم حتى كان صاحبُنا يستأنف القِرَاءَة في كتاب مكسيم جوركي من حيث تركها، وحتى كانت زوجه تعزف على البيانو شيئًا من ألحان «موزار»، أمَّا هو فكان محزونًا يلعن الهدهد، وأما هي فكانت راضية تثني على الهدهد ثناء كثيرًا، وأمَّا الناس فكان منهم الراضي المُستبشر، وكان منهم من مزَّق الغيظُ قلبَه تمزيقًا!