كلمة وزير المعارف
طه حسين
جريدة الوفد المصري
٩ سبتمبر ١٩٤٣
في مثل هذا الحفل الباهر والجمع الزاخر، وبعد هذا البيان الساحر، لا عجب أن وقفتُ بلسان حائر لأترحم عن قلب شاكر. لقد أبيتم إلَّا أن تشرفوني بهذا الكرم والإكرام، وأكثرتم عند العرض من التجمُّل والكلام، ومضيتم على رأيكم من غير تردُّد ولا إحجام، فلم يسعني إلَّا الاستسلام. وآمنت بأنكم إلزاميون حقًّا؛ لأن حكمكم اللازم على المبتدئ الصغير أصبح لازمًا كذلك على الوزير. وممَّا يزيدني اغتباطًا بهذا الحفل الشائق أن الإلزاميين لا يعرفون التجمُّل الكاذب، وقد قاموا بهذه الحفلة على اعتقاد أنها ضريبة الحق على الواجب، ولكنني قبلتها كما يُقبل معروف الواهب أو كما يَقبل المنةَ صاحبٌ من صاحب.
ولم يكن يخطر في نفسي ومناها أن أرى هذه الحفلة وقد بلغت في البهجة مداها وفي الروعة منتهاها، وشرفت بحضور الرئيس الجليل فرفعها وعلَّاها.
إخواني! لقد اتصلت بيننا أودة منذ زمن طويل، وقام عليها ألفُ دليل ودليل، ولم يكُن في الإمكان شأن غير هذا الشأن. وكيف لا يستحكم الود المتين بين من يخدمون نشء الوطن من بنات وبنين، وبين من هو للمعلمين خادمٌ أمين!
إخواني! ما كان لأمة ديمقراطية أن تُغفِل شأن التعليم الإلزامي؛ لأن الديمقراطية هي حكم السواد الأعظم، أي حكم الشعب. والتعليم الإلزامي هو تعليم السواد الأعظم، أي تعليم الشعب. فالعناية بهذا التعليم ورجاله جرى مع الديمقراطية على حكمها؛ ولذلك قلت لكم في مؤتمركم في الخامس والعشرين من شهر يولية سنة ١٩٣٦ ما يأتي: «ليس لكم من أعداء إلَّا الحكومات الأوتوقراطية.» ثم قلت لكم: «إذا جاز لنا أن نلتمس العبرة من التاريخ وجدنا أن التعليم الإلزامي قد لقي في أوروبا من الاضطهاد والأذى ألوانًا مختلفة. وهذا الحكم جارٍ مع الأزمان في جميع البلدان. وقد حاربت الحكومات الأوتوقراطية هذا التعليم حربًا عنيفةً متصلةً قويةً؛ خوفًا من أن تتنبه الشعوب الغافلة فتطالب بحقها في النور والثروة والحكم. كان الزعم السائد أن جمهور الشعب إنما خُلِق ليعمل لا ليعلم ولا يفكر، فلا صلة له بشئون الحكم والسلطان، كما أنه لا شأن له بالعلم والعرفان. ولكن الله أبى إلَّا أن يُتِمَّ نوره، فلما تجلَّى نور الديمقراطية كتب الله لهذا التعليم نصرًا مبينًا ثابتًا؛ لأن التعليم الإلزامي هو سناد الديمقراطية وسرُّ نجاحها، به قوامها وبه تمامُها؛ وذلك لأنه المرحلة الأولى والأخيرة لتعليم الحاكم الحقيقي وهو الشعب. وكلما هبط مستوى هذا التعليم سقط مستوى الأمة العقلي، وازدادت الهُوة بين طبقة الخاصة وطبقة العامة؛ فاختلفت الأخلاق، وتباينت العقول، وضاق أفراد الأمة الواحدة عن أن يُفهِم بعضهم بعضًا؛ ولهذا قالوا إن الأمم الديمقراطية ينبغي لها أن تعنى بهذا التعليم عناية تامة، وأن لا تبخل عليه بجهد أو مال.» هذه لغة الديمقراطية، ولغة علماء الاجتماع الواقفين على أسرار تقدُّم الأمم. أمَّا علماء التربية فقد قالوا إن التعليم الإلزامي هو الأول وهو المدخل، ولا يمكن أن يطلب الآخر قبل الأول، ولا الغاية قبل المدخل. وإذا صح قيام الأول بنفسه فالآخر لا يمكن أن يقوم إلَّا بالأول؛ ولذلك ينبغي للأمم أن تعنى بالصغار المبتدئين قبل عنايتها بالكبار المراهقين.
ومما لا شبهة فيه أن المعلمين هم ركن هذا التعليم وسناده؛ لأنهم هم الذين يعلِّمون السواد الأعظم أدب الدنيا وأدب الدين، وينقلون إلى الأبناء تراث الآباء، ويؤدُّون عن الجيل الحاضر إلى الجيل القادم وديعة اللغة والأخلاق والوطنية والدين.
ولقد كان يحزُّ في نفسي أن أرى المعلم ضائع الحقوق، فإذا اعتزل واجه الفقر المرير وسوء المصير، وإذا مات لم يترك إلَّا الصبية الصغار والدموع الغزار. وكنت أقول في نفسي كما يقول علماء التربية والاجتماع إن الأمة لا يجوز أن تتخذ من عقول المعلمين وجهودهم متجرًا تربح فيه ليكونوا من الخاسرين، ولا ينبغي لها أن تجري الأرزاق على غيرهم ويبقوا هم في الوحل والطين.
على أن علماء التربية لم يأتوا في ذلك بجديد، ومن قبلهم قال الشاعر الحكيم:
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
ولقد لَقِيَتْ مطالب المعلمين أذنًا صمَّاء يُعيي صداها من يناديها، حتى تولى مصطفى النحاس الحكم فعادت المياه إلى مجاريها، وأعطى القوس باريها، وما أن عُرضت عليه مطالب المعلمين حتى عطف عليها. ولولا عطفُه لبقيت مجرد آمال، تكاد تكون في حكم المحال. لقد خُلِق مصطفى النحاس للخير الأسمى العام، وهو يعلم أنه موضع الرجاء من النفوس، ومكان الحب من القلوب. فلما ولي الحكم ظهرت في جميع الشئون آياته ومناقبه، وأشرق الوادي واطمأنَّت جوانبه، بعد أن اشتدت ظلمته وفدحت مصائبه. وعلى قدر ما خيم على البلاد من ظلام، زاد نور مصطفى النحاس إشراقًا وبهاءً، فتألق الوادي وانجلت غياهبه. ولا عجب فالليل إذا زادت في العين ظلمته زادت ضياءً كواكبُه.
إخواني! إنه ليسرني أن يقترن عطف الرئيس الجليل على قضيتكم بعطف البرلمان بمجلسيه؛ فقد أثلج هذا العطف صدري ويسَّر أمركم وأمري، وبذلك أصبحت الاعتمادات المطلوبة للمعلمين نافذة ماضية، وإنني أتلو عليكم بمزيد من الغبطة نص تقرير اللجنة المالية بمجلس النوَّاب عن شئون المعلمين عامة والإلزاميين خاصة. قالت اللجنة:
ليس من شك في أن الأعباء الملقاة على عاتق المعلمين والتبعة التي يضطلعون بها تستوجب العمل على إنصافهم؛ فهذه الهيئة هي التي تقوم بصبر وقوة احتمال بأخطر وأدق الواجبات المدنية. والتعليم لا يصح ولا تستقيم أموره بإنشاء المدارس وضبط البرامج وتوزيع الكتب، إذا لم يقترن هذا كله بتزويد المعلم بالكفاية المادية بقدر تزويده بالكفاية العلمية. وبغير ذلك لا تطيب نفسه، ولا يَحسُن إنتاجه ولا يستطيع أن يبث في النشء حب العلم. أمَّا رجال التعليم الأوَّلِي فهم أشد من غيرهم حاجة لضآلة مرتباتهم وعدم تقرير معاش لهم. والواقع أن تناول التعليم الإلزامي بالإصلاح مع إشباع جو التعليم برُوح الشعور بالقومية، ومع الاتجاه كذلك إلى إقرار اليوم الكامل، ومع إراحة القائمين بهذا التعليم من متاعب العيش بزيادة مرتباتهم وإدخال نظام تغذية الأطفال، يبشر بأننا سائرون فعلًا في سبيل الخير.
إخواني! لقد وثقتم بحكومة الشعب في إنصافكم، وما كان لنا أن نكذِّب ثقتكم، وأن لا نرد إليكم حقكم، وأنتم الذين تملَئون الأرض علمًا ونورًا. فلا يجوز أن تُغبنوا وأن تكونوا كالسراج يحترق، وستنالون إن شاء الله سائر حقوقكم بعد أن أيَّدها البرلمان؛ لأن إشارة البرلمان فرض يجب أن يؤدَّى وحكمه نافذ لا يُترك سدى.
وفي الختام أشكر لكم عظيم مُروءتكم وجميل حفاوتكم، بل أشكر لكم هذا اليوم الأغر، الذي قلَّما يجود الدهر بمثله، والذي لا يفي ببعضه حمد ولا شكر.
والسلام عليكم ورحمة الله.
Tag: التعليم الإلزامي
-
كلمة وزير المعارف | Word from the Minister of Education
-
خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف | The Speech of Dr. Taha Hussein Bey at the Compulsory Teachers’ Celebration Honoring the Minister of Education
خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف
طه حسين
جريدة المصري
٩ مايو ١٩٤٣
سيدي صاحب المقام الرفيع …
أصحاب المعالي الوزراء …
سادتي …
ربما كان هذا الاجتماع أصدق وصف لوزارتكم هذه القائمة لنظامكم هذا الذي تسعد به مصر منذ أكثر من عام، فهو اجتماع الإلزاميين الذين يعلِّمون طبقات الشعب، في دار الجامعة التي تهيئ لمصر صفوة المفكرين من أبنائها. ومعنى هذا أن هذا الاجتماع إن صوَّر شيئًا فإنما يصور مثلكم الأعلى، يصور هذه المساواة التي لا يختلف فيها المصريون مهما تكن مكاناتهم، ومهما تكن منازلهم.
وإني لأستأذنك، يا صاحب المقام الرفيع، وأستأذن زملاءك الوزراء، وأستأذن هؤلاء السادة من رجال التعليم الإلزامي، في أن أصور وزارتكم تصويرًا ما، وربما كان هذا المقام ملائمًا لأن أستمد هذه الصورة الصادقة التي ترتسم في نفسي لك ولأصحابك من حديث نبوي كريم؛ فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين ذات يوم: «ألا أنبئكم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أنبئكم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون.» (تصفيق). وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من أحاسن الناس أخلاقًا، ومن المُوطَّئين أكنافًا، ومن الذين يألفون ويؤلفون.
أنت وأصحابك تخدمون الشعب ولا تَمنُّون عليه، تهبون للشعب نفوسكم وجهودكم وعقولكم وما تملكون، دون أن تستعلوا على الشعب، أو دون أن تظنُّوا أنكم تسدون للشعب نعمة، وإنما تؤمنون بأن الشعب له عليكم حق، فأنتم تُؤدُّونه؛ لأنكم خدَّامه لا أكثر ولا أقل. (تصفيق). وأنتم مُوطَّئون أكنافًا، فقد سمعت، يا صاحب المقام الرفيع، منذ حين خطيب الإلزاميين يتحدث بأن هذا الاجتماع تاريخي؛ لأنه أول اجتماع شهد فيه رئيس الحكومة حفلة الإلزاميين، فأنت تسعى إلى الشعب، وأنت تسعى إلى الشعب لأنك تؤمن بأن من حق الشعب عليك أن تسعى إليه.
وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من الذين يألفون ويؤلفون، لا ينكركم من المصريين أحد، ولا تنكرون من المصريين أحدًا، وأنت في قلوب المصريين جميعًا أمناء على مُثُلِ المصريين العليا، والمصريون جميعًا في قلوبكم أصحاب الحق فيما تملكون من جهد وقوة وإخلاص.
وائذن لي، يا صاحب المقام الرفيع، في أن أُصوِّر وزارتك هذه وعهدك هذا وبرلمانك أيضًا تصويرًا ما، وائذن لي في أن أستعير هذا التصوير الثاني من حديث كريم للنبي الكريم، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصار في حديث جرَى: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.» وأنت وأصحابك سراع إلى نجدة مصر حين تحتاج مصر إلى النجدة، وأنت وأصحابك تكثرون حين تحتاج مصر إلى مَن يذودُ عنها، وإلى من يَحميها، وإلى من يُوطِّئ لها مكانها اللائق بها.
وأنت وأصحابك أعفُّ الناس عن الغنائم، وأنت وأصحابك أطهر الناس يدًا، وأنزه الناس قلبًا، وأنقى الناس ضميرًا، وأزكى الناس نفسًا، وأسمى الناس طبعًا، وأرفع الناس عمَّا لا يليق بكرام الناس. (تصفيق وهتاف).
ثم ائذن لي بعد ذلك في أن أتحدث إلى هؤلاء السادة الإلزاميين حديثًا أحب أن يسمعوا له، وأحب أن يتفضلوا فيستشعروا في نفوسهم، وأحب أن يتفضلوا فيذيعوه فيما بينهم، ويذيعوه في قراهم وفي مدنهم، في أقاليمهم وفي بيئاتهم التي يعيشون فيها، فهو حديث العلم، وحديث العلم في العهد الديمقراطي الراقي الذي نعيش فيه الآن. (هتاف متواصل).
أخص ما يمتاز به زميلك، وزير المعارف، أن يؤمن إيمانًا قد مازج نفسه، وجرى في عروقه مع دمه بأن المصريين جميعًا أصحاب الحق المطلق في أن يتعلموه، وفي أن يكرموا، وفي أن يردَّ عن عقولهم فقر الجهل، وفي أن يردَّ عن أجسامهم الفقر المادي الذي يأتي من البؤس ومن المرض. هو مؤمن بهذا إيمانًا خالصًا، ولولا أنك رئيس الوزارة التي يعمل فيها لما استطاع أن يجد لإيمانه هذا منفذًا في الحياة العملية، ولما استطاع يومئذ أن يكون وزيرًا يعالج ما يعالج من الأمور.
إنه يؤمن بحق المصريين جميعًا ألا يردُّوا عن التعليم، وقد عمل وأعنته على ما عمل، عمل على ألا يرد مصري عن التعليم مهما تكن فروع هذا التعليم. ضاقت الجامعة فأنشأ جامعة أخرى، ضاقت المدارس الثانوية فأضاف إليها فصولًا، وأضاف إليها مدارس، ضاقت المدارس الابتدائية فأضاف إليها فصولًا وأنشأ مدارس أيضًا.
ثم رأى أن الفقر يقوم عقبة عنيفة جدًّا بين كثير من المصريين وبين التعليم، وخصوصًا في هذه الأيام الشاقة، فلجأ إليك ووجد منك خير ملجأ، وإذا أبواب التعليم تُفتح، وإذا الفقراء يدخلون المدارس والجامعات لا يُردُّون بالفقر مهما تكن ظروف الميزانية، ومهما تكن الظروف الأخرى. وإذا نسب المجانية تزداد وتزداد وتزداد، حتى إذا ضاق بطلب زيادة المجانية استصدر من مجلس الوزراء قرارًا بألَّا يرد طالب عن الامتحان إذا عجز عن دفع المصروفات.
وزميلك وزير المعارف يريد أن يستفيد التلاميذ مما يُلقى إليهم من العلم، فهو يعنى بصحتهم ما وجد إلى هذه العناية سبيلًا، ويجد من زميله وزير الصحة ما يمكِّنه من هذه العناية، ثم يلجأ إليك وإلى البرلمان يستعينكما على أن يطعم الفقير، وعلى أن يردَّ عن أبناء المدارس الإلزامية عارض الجهل، وعارض الجوع، فإذا البرلمان يقيِّد الدولة بتغذية التلاميذ بالمدارس الأولية، ويرصد لذلك في العام الماضي مائة ألف من الجنيهات، ثم يرصد لذلك في هذا العام ثلاثمائة ألف، وإذا نجيب الهلالي يغذِّي أبناء المدارس الإلزامية مائة وخمسين ألفًا في العام الماضي، وسيغذِّي منهم في العام المقبل نصف مليون. (تصفيق متواصل).
وزميلك وزير المعارف يشاركك في عاطفة تمتاز بها امتيازًا ظاهرًا جدًّا، وهو أنك تحب مصر لا كما يحب إنسان وطنه، ولكنك في الوقت نفسه تبغض الأثرة، وتحب للعالم الشرقي وللعالم العربي ما تحبه لمصر. فأنت لا تريد أن تكون مصر معتزلة، ولا تريد أن تكون مصر أثرة، وإنما تريد أن يكون الشرقيون جميعًا شركاء لمصر في هذه المائدة العلمية الهائلة التي يُولمها وزير المعارف. (تصفيق وهتاف).
ومن أجل هذا لم يكد نجيب الهلالي يتولى وزارة المعارف في وزارتك هذه حتى أخذ الأساتذة من المصريين يخرجون من بلادهم عشرات إلى البلاد الشرقية، يعلِّمون فيها. وإذا من الأشياء المقررة عندنا في وزارة المعارف ألا يرد لشرقي طلب مهما يكن في سبيل العلم، وألا يرد لحكومة شرقية طلب مهما يكن في سبيل نشر الثقافة، فنحن قوم نحب العلم، لا نحبه لأنفسنا وحدها، ولكن نحبه للناس جميعًا، ثم ها نحن أولاء لم نكتف بنشر ثقافتنا والثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي وحده، ولكنَّا نرسل رسل الثقافة المصرية إلى بلاد الحبشة، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تؤسس في بلاد الحبشة مدرسة مصرية تنشر الثقافة المصرية بلغة أجنبية في بلاد لا تتكلم العربية، لا لشيء إلا لأنك أبعد الناس عن البخل بالأشياء المادية، وبالأشياء المعنوية أيضًا، ولا لشيء إلا لأن وزارتك لا تفهم مطلقًا أن يعيش الإنسان لنفسه، وإنما يعيش الإنسان لوطنه، ويعيش الوطن للإنسانية كلها.
وزميلك وزير المعارف، يا صاحب المقام الرفيع، يتصور مكانة مصر وكرامتها تصورًا أقل ما يوصف به أنه يلائم شعورنا بالكرامة المصرية، ويلائم اعتزازنا بهذه الكرامة، ويلائم هذه المثل العليا التي نطمع فيها، وهي أن تكون مصرنا العزيزة كأي وطن من أوطان الدنيا المستقلة. وهو من أجل هذا لم يكفه أن ينشر الثقافة المصرية في الشرق العربي، ولا أن ينشئ مدرسة ثانوية في السودان، ولا أن يبعث الذين ينشئون مدرسة في الحبشة، ولكنه يريد أن ينشر الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز نفسها، وإذا هو لا يقبل أن يكون للبريطانيين معهدهم في مصر حتى يكون للمصريين معهدهم العربي المصري في لندن. كذلك يفهم نجيب، وكذلك يفهم زملاؤك الوزراء الكرامة المصرية والاستقلال المصري على هذا النحو الذي تفهم أنت عليه كرامة مصر وعزتها واستقلالها، وعلى هذا النحو الذي لا يمكن أن تعيش مصر المستقلة إلا إذا فهمت نفسها عليه. (تصفيق وهتاف متواصل).
ثم دعني أصورك وأصور وزرائك وأصور عهدك الديمقراطي هذا تصويرًا أخيرًا، فأنت قد دعوت إلى الاستقلال كما دعا إليه سعد من قبلك، وأنت قد جاهدت في الاستقلال، وأنت قد كسبت الاستقلال وعدت به كريمًا موفورًا، ولكنك حين عدت به إنما عدت به مكتوبًا على الورق، ثم تركت الحكم، فظل الاستقلال مكتوبًا على الورق، وأخذت تتخطفه الأيدي، وتنتقص أطرافه من يمين مرة ومن شمال مرة أخرى؛ لأنه كان استقلالًا مكتوبًا على الورق. فلما جئت وجاء معك زملاؤك وجاء معك برلمانك، جعلت الاستقلال حقيقة واقعة، ومادة تُلمس وتُرى وتُحس، يلمسها كل إنسان، ويراها كل إنسان.
وليس أدل على ذلك من موقفك في شهور يونيو ويوليو وأغسطس الماضية، وليس أدل على ذلك من موقفك حين كان العدو قريبًا من أبواب الدلتا، وحين لم يستطع أحد أن يمسَّ مصالح مصر بأذًى، وحين عاد العدو عن مصر وردت الأخطار عنها، وخرجت مصر من هذه الأزمة كريمة موفورة. يشهد العالم كله بأنها لم تكن أقل كرامة، ولا أقل عزة، ولا أقل احتمالًا للخطب من أي بلد مهما يكن في الشرق أو في الغرب. كل هذا يا سيدي الرئيس تدين به مصر لك ولزملائك ولأعوانك من أعضاء البرلمان، تدين به لهذا العهد الديمقراطي الذي تسعد به، والذي نرجو أن تسعد به.
فإذا احتفى بك وبزميلك وبزملائك هؤلاء الإلزاميون، فثقْ بأنهم لا يحتفون بك؛ لأنهم يريدون أن يتملقوك، فالأمر بينك وبين الشعب ليس أمر تملق، إنما هو أمر حب ومودة وإخلاص. (تصفيق وهتاف). ولماذا يمكن أن يتملقوك أو يتملقوا زميلك وزير المعارف، لقد أديتما إليهم بعض حقوقهم، ولا أقول كل حقوقهم، وهم لم يكرموكما قبل تأدية هذه الحقوق، وإنما كرموكما بعد أن أديتما إليهم هذه الحقوق، وبعد أن أُصلِح الكادر إصلاحًا ما، وبعد أن أنشئ صندوق الادخار، فهم إذن لا يحتفون بكما تملُّقًا، وإنما يحتفون بكما حبًّا، ويحتفون بكما شكرًا أيضًا.
وكان زملاؤك الوزراء، وكان برلمان الوفد. قد أديتم للإلزاميين ما أديتم من الحق، فائذن لي أن أقول لمقامك الرفيع، ولزميلك وزير المعارف، ولزملائك الوزراء، ولمن حضر من أعضاء البرلمان: إن الذي أديتموه إليهم حسن، ولكن الذي بقي لهم في أعناقكم كثيرٌ جدًّا، لا لشيء يا صاحب المقام الرفيع إلا لأنك تريد — ولأننا نريد معك — أن يكون أبناء مصر كرامًا دائمًا، ولن يكون المصريون كرامًا إلا إذا كُرِّم الذين يُعلِّمونهم ويُنشِّئونهم. وهذا الشعور نفسه هو الذي حملكم على أن تؤدوا ما أديتم من الحق، وأنا واثق بأنه سيحملكم على أن تؤدوا ما بقي من هذا الحق. (تصفيق).
وآية ذلك أنكم لم تختصوا الإلزاميين بعطفكم، وإنما شملتم رجال التعليم جميعًا، فلن يمضي هذا العصر، يا صاحب المقام الرفيع، حتى يشعر كل معلم في مصر — مهما يكن الفرع الذي يعلم فيه — بأن وزارتك الديمقراطية قد أحسَّت أن له حقًّا، وأن حقه يجب أن يُؤدَّى إليه. وهذا الحق هو أن يكون كريمًا، وأن يمكَّن من احتمال أعباء الحياة كما ينبغي أن يتحمل الرجل الكريم أعباء الحياة.
أتريد آخر الأمر، يا صاحب المقام الرفيع، أن أُحدِّثك لماذا لا تجد وزارتك ولا يجد عهدك ارتياحًا من بعض القلوب؟ أمَّا أنا فأستطيع أن أُحدِّثك بهذا حديثًا صريحًا، لا لبس فيه، وأزعم أن أحدًا لن يستطيع أن ينكر ما سأحدِّثك به: إن وزارتك لا تريح؛ هي أولًا لا تريح نفسك، فهي متعبة متعبة، ولكنها لا تريح قومًا آخرين ليس من مصلحتهم أن يشعر الشعب بوجوده ولا بحقوقه ولا بكرامته، وإنما مصلحتهم أن يُستغل الشعب كما تُستغل الأرض، وكما تُستغل الماشية. وأنت ووزارتك تشعرون الشعب بأن له حقًّا، وبأن له كرامةً، وبأن لا فرق بينه وبين أحد كائنًا ما يكون.
فمن أجل هذا كانت وزارتك متعبة لبعض القلوب، مؤرقة لبعض الناس، مانعة كثيرين من أن يستريحوا؛ لأنك تهيئ لهم عناءً عظيمًا يوم يشعر كل مصري بأن من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، لا فرق بين هذا الغني أو ذاك، وبين هذا القوي أو ذاك، وإنما المصريون جميعًا كما يقول الدستور سواء أمام القانون. أتريد أن تعرف الفرق بينك وبين الذين لا يحبُّونك؟ الفرق بسيط جدًّا: أنت أخذت الدستور على أنه جد، وغيرك أخذ الدستور على أنه مزاح.
سيدي صاحب المقام الرفيع
إن هؤلاء السادة الإلزاميين لم يسعوا إلى هذا المكان ليستمعوا لي، وإنما سعوا إلى هذا المكان ليشكروك وليشكروا زميلك وليكرموكما، وقد أقحمت نفسي بين الخطباء إقحامًا؛ لأن كلمة الحق يجب أن تُقال، ويجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وقد قلت هذه الكلمة الآن، فائذن في أن أحييك وأحيي زملاءك، وفيهم صديقي نجيب الهلالي، ثم ائذن لي في أن أدع هذا المكان، وقد يخيَّل إليَّ أن هؤلاء السادة يريدون أن يستمعوا منك ومن زميلك بعض الشيء. (هتافات مختلفة وتصفيق حاد متواصل). -
إنصاف | Fairness
إنصاف
لسادة اليوم وأعوانهم عناية بالألفاظ أشد جدا من عنايتهم بالمعاني، وتهالك على الظواهر أشد من السعي إلى الحقائق، ورغبة في الإعلان ونشر الدعوة أشد جدا من أن يكون هذا الإعلان أو هذه الدعوة ملائمين لواقع الأمر وحقائق الأشياء.
وهذا الاستعداد الغريب يدعوهم إلى أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس أيضا عما يحيط بهم وبنا من الظروف، وعما يتعرضون له ويعرضون بلادهم له من أخطار قد تكون أبعد مدى وأقبح أثرا مما يظنون أو يقدرون. ولعل أوضح دليل على هذه الظاهرة في نفوس سادة اليوم وأعوانهم قصة التعليم الإلزامي هذه التي يبتهج بها فريق فيسرف في الابتهاج، ويشفق منها فريق فيشتد في الإشفاق. ولا يقدر أحد أنها أجل خطرا، وأبعد في حياتنا أثرا من أن ينظر إليها هذا النظر السريع، ومن أن تتخذ وسيلة من وسائل الدعاية السياسية للوزارة أو لغير الوزارة.
ففرض التعليم الإلزامي في مصر أمنية قومية، لا يتردد فيها مصري، ولا يستطيع مصري أن يقصر في تحقيقها دون أن يخالف إرادة الشعب، ودون أن يسيء إلى البلاد، ودون أن يظهر بمظهر الذين يحرصون على أن لا تسرع مصر نحو الرقي، وتخلص مصر من وصمة الجهل التي تعاب بها الأمم الحية، والتي تحول بينها وبين حقها الطبيعي في الرقي الصحيح. ولكن فرض التعليم الإلزامي ليس من المسائل اليسيرة الهينة التي يُقضَى فيها الوزير أو البرلمان بعد دراسة مهما تطل فهي قصيرة، ومهما يشتد فيها التحقيق والتدقيق فهي سطحية قليلة الحظ من التثبت والإتقان.
ويكفي أن نلاحظ أن مجلس النواب لم ينفق في درس هذه المسألة أسبوعا. وأين يقع الأسبوع من دراسة مسألة كهذه ستغير حياة مصر تغييرا لا حد له، وستعرض حياة مصر لأخطار شديدة جدا إذا لم نحطها من ضروب العناية والتثبت وتقدير الظروف والعواقب بما ينبغي.
وأريد الآن أن أقف عند وجه واحد من وجوه الخطر في هذه المسألة، وهو وجه الصلة بين رجال التعليم الإلزامي وبين حياتنا العامة، لا من الوجهة السياسية وحدها، بل من الوجهة الاجتماعية أيضا. فقد كان النواب الذين عرضوا لرجال التعليم الإلزامي خفافا حقا حين عرضوا لهم وتحدثوا عنهم، وقدروا مكانهم من الحياة المصرية. ظنوا أنهم جماعة من الموظفين، ومن صغار الموظفين، ومن أصغر الموظفين فأرسلوا القول فيهم إرسالا، وأسرفوا في هذا القول، ولم يحاسبوا أنفسهم على صحة ما قالوا. ظنوا أن الكلام في التعليم الأولى كالكلام في انخفاض أثمان البصل أو أثمان القطن أو في أي مظهر من مظاهر الأزمات المؤقتة التي لا بد من علاجها. ظنوا أن الكلام في رجال التعليم الأولى كالكلام في غيرهم من الموظفين الذين يراد أحيانا أن تنقص مرتباتهم، ويراد أحيانا أن تزاد مرتباتهم، وتضطرب الدولة في أمورهم بالزيادة والنقص حتى تعجز عن أن تضع لهم سياسة واضحة مضبوطة، فتضطر إلى التشديد، ثم إلى التخفيف، ثم إلى التشديد مرة أخرى ثم إلى الاستثناء، ثم إلى التوسع في هذا الاستثناء. وينشأ عن اضطراب الدولة في سياستها مع الموظفين أنفسهم، فإذا هم يشكون ويتنافسون، ويمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض، ونشكو نحن من فساد الحال بين الدولة والموظفين أنفسهم، ونشفق من تأثير هذا الفساد في مرافقنا العامة، ولكن أمر رجال التعليم الأولى أعظم خطرا من أمر الموظفين عامة، لأن أمر هؤلاء الموظفين لا يعدو أن يكون موقوتا، ولا يعدو أن يكون محدودا في المصالح والوزارات التي يشتد فيها الاضطراب ويكون فيها للاستثناء.
أما رجال التعليم الإلزامي فأمرهم لا يكاد يحد في الزمان ولا في المكان. هم منتشرون في أقطار مصر كلها وسيزداد عددهم ازديادا مطردا. وأثرهم في حياتنا لا حد له. وهو شديد الاتصال بما يملأ نفوسهم من سخط أو رضا، وما يملأ قلوبهم من اطمئنان أو اضطراب. فالمعلم الذي يلقى درسه وهو راض أو ساخط يترك في نفس تلميذه الصبي أثرا ملائما لرضاه أو سخطه. وكذلك تستطيع أن تقيس مستقبل جيل من الأجيال بالحياة النفسية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يكونون نفوس الأطفال وعقولهم، وينشئون قلوب الأطفال وعواطفهم. فإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة راضية أو كالراضية، لا يشكون ولا يمتعضون، ولا يتكلفون الحيل ليعيشوا، ولا يترددون بين الفضيلة وبين الحياة، فثق بأنهم سيهيئون جيلا راضيا مبتسما مستعدا للقاء الحياة في شجاعة ونشاط وأمل. وإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة سيئة، فيها بؤس وحرمان، وفيها هم وتنغيص، وفيها ضيق باليوم، ويأس من غد، فثق بأن الجيل الذي ينشئونه سيكون جيلا حزينا، مظلم النفس شديد التأثر ما يدعو إلى السخط، قليل الانبساط لما يدعو إلى الرضا، شديد الإسراع إلى اليأس، ضعيف المقاومة للحوادث والخطوب.
فأنت ترى أن هذه الطبقة التي أرادها جماعة من النواب منذ أيام، والتي لا تكاد الحكومة تعنى بها إلا من حيث إنها أداة لمظهر من مظاهر الدعاية، هي نشر التعليم في غير تقدير لهذا التعليم، خليقة أن يُعْنَى بها الوزراء والنواب والشيوخ وكل من يفكر تفكيرا صادقا في حياة هذه البلاد ومستقبلها. ولست أقول إنهم خليقون بهذه العناية لأنهم مصريون فيجب أن يأخذوا نصيبهم من الحياة المصرية خيرها وشرها كغيرهم من المصريين. ولست أقول إنهم خليقون بالعناية لأنهم ناس كغيرهم من الناس، عليهم واجبات يجب أن ينهضوا بها، ولهم حقوق يجب أن يظفروا بها، ولهم آمال يجب أن تيسر لهم سبلها. لست أقول هذا الآن، ولو قلته لما تجاوزت القصد والإنصاف، وإنما أريد أن أقول إن العناية بهؤلاء الناس عناية بالأجيال التي ينشئونها فهي عناية بالشعب المصري كله، وهي عناية بالمستقبل القريب والبعيد لهذا الشعب، فمن أراد أن يكون لمصر أجيال حرة حقا مستعدة حقا للرقي، طامحة حقا إلى الحياة السعيدة التي يملؤها الأمل والنشاط فليعن بهؤلاء الناس الذين يكونون هذه الأجيال، والذين يتلقون الأطفال من آبائهم وأمهاتهم فيصوغونهم هذه الصيغة الوطنية القومية، ويجدون ما استطاعوا في أن يكونوهم تكوينا يلائم المثل العليا التي نصورها نحن في قانون التعليم الإلزامي.
هناك ناحية أخرى أيسر من هذه الناحية فهما، وأقرب من هذه الناحية متناولا، وأدنى إلى عقول الذين يشتغلون بالسياسة ويصرفون أمور الحكم، لأنها تمس منافعهم العاجلة، وتتصل بالعلاقة بينهم وبين الشعب، وهي أن طبقة المعلمين هذه هي أشد الطبقات اتصالا بالشعب، وانتشارا بين أفراده، وأقرب الطبقات إلى قلوب الناس، وأشد الطبقات تأثيرا في آمالهم وأعمالهم وفي ميولهم وأهوائهم. فليس من مصلحة حكومة ما أن يضيق هؤلاء الناس بالحياة أو يعبسوا لها، أو يتبرموا بها، لأنهم حينئذ خليقون أن يبثوا ضيقهم هذا راضين أو كارهين، مريدين أو غير مريدين من حولهم، وخليقون أن يكونوا أداة لنشر السخط والامتعاض في أقطار البلاد، وفي طبقات الناس على اختلافها.
وقد عرفت لهم البلاد الأوروبية هذه المنزلة كما أشرت إليها آنفا فحاطتهم من العناية والرعاية بما يعصمهم من الضيق والسخط، وبما يجعلهم أداة للرقي المنظم الهادئ، لا أداة للاضطراب وزعزعة النظام السياسي والاجتماعي فإذا كانت الحكومات المصرية على اختلافها واختلاف الأحزاب التي تكونها وتؤيدها؛ حريصة حقا على أن تحتفظ لمصر بنظامها الاجتماعي المعتدل، وتعصمها من التورط في نظام الطبقات، وما يتبعه من النتائج الخطرة، فأول واجب عليها هو أن تضمن لهؤلاء الناس حياة معتدلة مطمئنة تحول بينهم وبين السخط الذي يدعو إلى التماس السعادة العاجلة أو الآجلة من طرق يكرهها النظام.
وأول واجب على هذه الحكومات مهما تختلف هو أن تضع هؤلاء الناس بمعزل عن التفكير في السياسة والتعصب للأحزاب، وتجعلهم أمناء على تكوين الأطفال من حيث هم أبناء مصر، فيجب أن يكونوا لمصر، لا لحزب دون حزب، ولا لسلطة دون سلطة. وتخطئ الحكومات أشد الخطأ وأشنعه إن ظنت أنها تستطيع أن تمنع هؤلاء المعلمين من الاشتغال بالسياسة بحكم السلطان والقانون. فهي لن تستطيع أن تمنعهم بالسلطان والقانون إلا في ظاهر الأمر. ولن تستطيع أن تسيطر على ضمائرهم وقلوبهم، ولن تستطيع أن تحرمهم حق الانتخاب وحق الدعوة الطبيعية إلى ما يرون في الانتخاب. فالمنفعة الحقيقية إذن إنما هي في أن تكون حياة هؤلاء الناس بحيث لا تسخطهم ولا تحقد قلوبهم وتضطرهم إلى أن يعرضوا أنفسهم على الأحزاب أو يتهالكوا عليها، بل تمكنهم من أن يستمتعوا بحقوقهم السياسية في هدوء واعتدال وتقدير صحيح للمصلحة العامة في غير تأثر بدوافع المصالح الخاصة.
هذا كلام نقوله مخلصين، لأن مصلحة مصر تريده، ولأننا مقتنعون بأن التعليم مهما تكن درجاته يجب أن يكون فوق الأحزاب وخصوماتها السياسية.
فخليق بالذين يريدون أن يحققوا أمنية مصر في فرض التعليم الإلزامي أن يفكروا في هذا ويطيلوا التفكير، وأن يقدروا أن هذا التعليم لا سبيل إليه بدون المعلمين وأن صلاحه وفساده رهينان بما قد تكون عليه حال المعلمين من صلاح أو فساد.
لذلك كله أنكرنا وما زلنا ننكر خفة النواب الذين عرضوا لهؤلاء الناس في غير عدل ولا إنصاف، وقالوا فيهم غير الحق، وأصغروا من شأنهم وهو كبير، وإني لأرجو أن يكون حظ هؤلاء المعلمين عند الشيوخ خيرا من حظهم عند النواب. وأنا واثق كل الثقة على كل حال بأن حظهم عند مصر يوم ترد إليها حريتها وتفوض إليها أمورها؛ سيكون هو الحظ الذي يحبون ويرضون، لأن مصر تعرف حقها على نفسها، وتعلم أن مكان المعلم الأولى من الطفل إنما هو مكان الأب الثاني، ومصر الحرة شديدة الحرص على البر بالآباء.
كوكب الشرق في ٦ – ٦ – ١٩٣٣ . -
آراء … | Opinions …
آراء …
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٣
هي هذه التي أُثِيرَتْ في مجلس الشيوخ يوم الاثنين الماضي حول التعليم، وأظن أن لا بأس بأن ندع رئيس الوزراء يفكر في المفاوضات ويحلم بالمعاهدة، وأن ندع وزير الأشغال أصالةً والمالية نيابةً يُصفِّي قطرة الليمون التي ظفر بها العاصرون؛ لِيُقَدِّمَها إلى الشركة الأمريكية تستعين بها على الدرس التمهيدي بإنشاء الخزَّان في بلاد الحبشة بعد أن يتم خزان السودان أو قبل أن يتم، وندع وزير التقاليد يطوف بتقاليده في إقليم المنوفية في مظاهر من الفخامة والضخامة أقل ما تُوصَف به أنها لا توافق التقاليد، وندع وزير الداخلية يستعذب ما يجد من لذة الظفر بعد أن خُطِف الرئيس وصاحبه ويتهيأ لخطف آخر إن كان الرئيس يتهيأ لرحلة أخرى.
لا بأس بأن ندع الوزراء وما هم فيه من أعمال وآمال، ونقف عند هذه الآراء التي أُثِيرَتْ في مجلس الشيوخ منذ أيام حول التعليم. وأحب أن تثق بأن تَحَدُّثي إليك في هذه الآراء لا يُراد به إلا الملاحظة الخالصة الظاهرة لها خطرها كما سترى. فأنا لا أريد أن أُغيِّر شيئًا مما كان، فليس إلى هذا التغيير سبيل ما دام رئيس الوزراء قابضًا بيده الضعيفة على أزمة الحكم كما يقولون، حين يشبهون الحكم بالإبل، وعلى أعنة الحكم كما يقولون حين يشبهون الحكم بالخيل.
لا أريد أن أغير شيئًا لأني لا أستطيع أن أغير شيئًا، وقد عجز مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ عن أن يغير شيئًا. فترك الجمَّال وجماله، والفارس وخيله، ومضت سياسة التعليم هذا العام كما مَضَتْ مِنْ قَبْلُ على ما يشتهي رئيس الوزراء ووزير التقاليد، إنما أريد أن الفتك إلى ملاحظة ذات خطر، وهي أن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء — أو رُسِمَتْ له — تحقق بالقياس إلى الأمة التي تعارضه وتخاصمه وحدها، بل أخفقت بالقياس إلى أنصاره وأعوانه الذي يؤلفون المجلسين.
فسياسة رئيس الوزراء تقوم على إكراه الأمة المصرية على مقدار محدود من الأمل في الرقي، يجب أن لا تتجاوزه حين تؤمل في الرقي؛ لأن رئيس الوزراء أو الذين يوحون إليه سيئو الظن بكفاية هذه الأمة المسكينة القاصرة، وقدرتها على أن تطمح إلى الرقي الواسع البعيد المدى.
رأوا أن دستورنا القديم قد دفع بنا في ديمقراطية واسعة، فضيقوها في الدستور الجديد، ورأوا أن نهضتنا العقلية قد اندفعت بنا إلى توسيع في التعليم فضيقوا هذا التعليم، وذهبوا مذهب التضييق هذا في كل شيء، وكانوا — وما زالوا — يريدون أن تقتنع الأمة بما فيها من عجز ونقص، فتحدد آمالها وتنزل بمثلها العليا إلى متناول الأيدي. وقد أبت عليهم الأمة هذا، فما زالت طامحة إلى الديمقراطية الواسعة، والتعليم الواسع، والحرية الواسعة، والاستقلال التام، وما زالت تقيم لهم الأدلة كل يوم على أن جهودهم قد ذهبت بغير طائل ولا غناء.
أمَّا الأنصار والأعوان، فهم الذين يظهرون متابعة السياسة الجديدة والاستعداد للذود عنها بما يملكون وما لا يملكون من حول وطول، ومن قوة وجهد، ومن سعة الحيلة وحسن البلاء.
والواقع أن جلسة مجلس الشيوخ مساء الاثنين الماضي تعطي صورة لا تخلو من جمال لهذا الاستعداد الذي يظهره أنصار الوزارة لتأييد سياستها بالممكن والمستحيل.
جميلة هذه الصورة، ومضحكة أيضًا، فقد تناول الأعضاء شئون التعليم على اختلافها، ولم يكن لهم بدٌّ من أن يتناولوا شئون التعليم ما داموا يسألون عن ميزانية الدولة، ويُطلَب إليهم أن يقروها، ومنهم من يحسن الفهم لشئون التعليم، ومنهم من يحسن الفهم لكل شيء إلا شئون التعليم. فأما الذين يفهمون التعليم على وجهه فقد تكلموا فإذا هم كغيرهم من الناس، لم تجد آمالهم ولم تهبط مثلهم العليا، وإنما اضطرتهم ظروف إلى أن يجاروا أصحاب الآمال المحدودة والمثل العليا القريبة. وأما الذين يفهمون كل شيء إلا التعليم، ومنهم فيما يظهر وزير التقاليد، فقد قالوا فأكثروا القول، ولكنك لن تجد وراء ما قالوه شيئًا.
ومن الغريب أن أولئك وهؤلاء يتفقون على لون من الفكاهة لا بأس به، فهم يذكرون النبوغ الذي يعفى من المصروفات في المدارس الابتدائية، ولم يخطر لأحد منهم أن يسأل نفسه أو غيره عن هذا اللفظ كيف يمكن إطلاقه على الطفل الذي يتقدم على المدرسة وليس له عهد بالتعليم. هم يختلفون اختلافًا ظريفًا في اللغة، فهل يحسن أن يُقال إن مستوى التعليم قد انحط، أم هل يحسن أن يُقال إن مستوى التعليم قد هبط؟! وما عسى أن يكون الفرق بين الهبوط والانحطاط؟!
ولكن هذه أشياء إن أضحكت أو دَعَتْ إلى الابتسام فليس لها خطر، وما ينبغي أن تطلب إلى مجلس الشيوخ الدقة في التعبير إذا عجزت وزارة المعارف نفسها عن هذه الدقة. إنما الذي يحتاج إلى التفكير هو آراء المجلس في توجيه سياسة التعليم.
فقد رأينا بعض الأعضاء يتطرف حتى يطالب بتعميم المجانية في جميع فروع التعليم، فيصل بهذا التطرف إلى ما لم تصل إليه الديمقراطية المتطرفة في أوروبا، بل إلى ما تسعى إليه الاشتراكية دون أن تظفر به، وحججه في ذلك تستحق العناية؛ فهي حجج اشتراكية أو ديموقراطية متطرفة على أقل تقدير.
فالمصريون جميعًا سواء عنده في حاجتهم إلى التعليم وحقهم فيه؛ فلا ينبغي أن يُميَّز فيهم بين الأغنياء والفقراء، وإنما يجب أن تنفق الدولة على فقرائهم وأن تأخذ من أغنيائهم ما تستطيع أخذه أجرًا للتعليم.
وتستطيع أن تصدقني إن قلت أن ليون بلوم زعيم الاشتراكية في مجلس النوَّاب الفرنسي لا يستطيع أن يقول أكثر من هذا. وأنا لا أخالف ذلك الشيخ؛ فالعدل يقتضي أن يُسوَّى بين الفقير والغني في التعليم، وفي الدين ما يدعو إلى هذه التسوية ما دام من الحق على الحكومة الإسلامية أن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء. وكم كنت أودُّ لو سمع المجلس رأي الشيخ الأكبر في هذه المسألة، ولكنه كما تعلم لم يكن حاضرًا، كان مشغولًا بخطبته بين يدي صاحب الجلالة الملك.
وإلى جانب هذا التطرف في الديمقراطية تجد متطرفًا آخر في الأرستوقراطية، لا يكفيه أن تظل الحال في التعليم على ما هي عليه، بل يريد ألا تنفق الحكومة شيئًا ما على التعليم العالي بحيث يدفع كل طالب ما يتكلفه بالضبط. وهو يتكلف في الطب مثلًا مائتي جنيه، فيجب أن يدفعها أو ينصرف عن الطب. وحجته في ذلك أن الأطباء أكثر من الحاجة، وإن كان بعض النوَّاب طلب منذ يومين أن تنشأ مدرسة الحلاقين الذين يُعنَون بالصحة في القرى؛ لأن الأطباء أقل مما ينبغي. وهذا التطرف في الأرستقراطية معذور؛ لأنه يخشى الثورة من انتشار العلم. وأنت تعلم أن النظام القائم إنما قام ليصد مصر عن طريق الثورة.
وشيخٌ آخر لا يخاف الثورة من التعليم العالي، وإنما يخافها من التعليم الإلزامي، وهو ينذر مصر بخطر داهم إذا لم تعدل عن هذا التعليم الإلزامي، فهو وسيلة إلى الاشتراكية والشيوعية، وإذن فالأمية خيرٌ منه. وهذا الشيخ ينظر إلى المصريين نظرة لا بأس بها، ولعلها تستحق أن يفكر فيها المصريون. فهو يريد أن يُعنَى بأجسامهم لا بعقولهم، يريد أن يرد عنهم البلهرسيا والأنكلستوما، ويسوق إليهم الماء صافيًا نقيًّا، هو يريد أن يُعنَى بهم كما يُعنَى صاحب الماشية بما عنده من الحيوان. وما رأيك في رجل يُعنَى بالحيوان فيعلِّمه الكتابة، والحساب، وقراءة المصحف، وما يتصل بذلك؟! أليس خيرًا من هذا للحكام أن يظل الشعب جاهلًا، قوي البنية، ينتج ولا يستفيد، كما أن الخير لصاحب الماشية أن يظل الحيوان حيوانًا، ولكنه على ذلك قوي صحيح الجسم ينتج ولا يستفيد؟!
وتكثر المناقشات ويتصل الكلام في هذه الآراء التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في مجلس الشيوخ آراء متطرفة من هذه الآراء التي قام النظام الحاضر لرد تيارها عن مصر وعن المصريين. فكيف لا تريد أن تفخر مصر بمجلس الشيوخ، وفيه أشد الآراء السياسية تطرفًا في سياسة التعليم؟! وكيف لا تريد أن يبتهج صدقي باشا بهذه النتيجة الباهرة التي انتهى إليها؛ فقد أراد أن يكون لمصر برلمان معتدل معقول، فإذا هو يصل إلى برلمان تُبسَّط فيه المذاهب الاشتراكية في غير تحفظ ولا احتياط؟!
ولكنك تستطيع أن تقول: وأي أثر لهذه الآراء الاشتراكية ما دام أحدٌ لم يحفل بها ولم يلتفت إليها، وما دامت الحكومة قد أمضت سياسة التعليم كما تريد؟!
هذا حق، ولكن الآراء السياسية المتطرفة لم يُعمَل بها منذ ظهرت، وإنما احتاجت إلى وقت طويل لتكون أصلًا من أصول الحكم؛ فلنسجل ظهور الاشتراكية في مجلس الشيوخ، ولنهنئ رئيس الوزراء بهذا الفوز العظيم. وأيُّ فوز أعظم من أن تحارب الديمقراطية فتخلق الاشتراكية؟!
ثم تُختَم هذه المناقشة القيمة بخطبة وزير التقاليد، وما أدراك ما خطبة وزير التقاليد؟! إبداع في إبداع، وإقناع في إقناع، وخصام أي خصام بالأعداد والأرقام. فوزير التقاليد يتحدَّى ويسأل: من الذي يستطيع أن يُثبِت له بالأرقام أن طلاب الجامعات في أوروبا يساوون طلاب المدارس الثانوية؟!
ولا ينسى وزير التقاليد إلا شيئًا واحدًا؛ وهو أن أحدًا من الناس لم يَدَّعِ هذه المساواة، وإنما الذي قِيلَ وسيُقال، وأتحدى أنا فيه وزير التقاليد، هو أنه لا توجد جامعة تنفق عليها الدولة إلا وهي مضطرة إلى أن تقبل كل من يتقدم إليها ومعه الشهادة التي تبيح له الانتساب فيها، وإذا لم يكن بدٌّ من الأرقام.
فهل يعلم وزير التقاليد أن طلاب جامعة باريس؛ وهي واحدة من ثماني عشرة جامعة، يعدلون طلاب جامعتنا أكثر من عشر مرات؟!
وهل يعلم وزير التقاليد أن جامعة من جامعات القارة الأوروبية لا تتقاضى من طالب من طلابها ربع ما تتقاضاه جامعتنا من طلابها؟! وهل يعلم وزير التقاليد أن الطالب المصري الذي يدفع ثلاثين جنيهًا في كلية الآداب أو العلوم لن يدفع في فرنسا إلا جنيهين اثنين؟! وهل يُحْسِن وزير التقاليد الحساب فيوازن بين جنيهين وثلاثين جنيهًا؟! وهل يحسن وزير التقاليد الاستنتاج فينبئنا بعد ذلك أتعمل حكومتنا على تكوين الطبقات في مصر أم على تحقيق المساواة؟! أتذهب بالتعليم نحو الديمقراطية أم نحو الأرستقراطية؟!
ولكن وزير التقاليد لن يجيب؛ لأنه لن يستطيع الجواب. وحسبه أن يذكر له وكيله أن الأماكن والمعامل لا تسمح بقبول الطلاب إلى غير حد، وأن الطالب يتكلف أضعاف ما تتقاضاه الدولة من المصروفات. وإذا قال الوكيل هذا الكلام للوزير؛ فقد ظفر الوزير بكل شيء، ويجب على مصر أن تذعن، وأن يدفع أبناؤها ثلاثين جنيهًا حين يدفع غيرهم جنيهين.
لِيَصْدُقْني وزير التقاليد، لقد تكلم في مجلس الشيوخ يوم الاثنين، فكان أقل المتكلمين درايةً بشئون التعليم.