Tag: التعليم الشامل

  • تبعات التعليم | The Burdens of Education

    تبعات التعليم

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ أغسطس ١٩٥٤

    كان يُقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من فتح مدرسةً أغلق سجنًا. وكانت هذه الجملة تتردد كثيرًا في أوائل هذا القرن حين كنَّا صبيةً وشبابًا، وحين كان المخلصون الناصحون لهذا الوطن يحضُّون على إنشاء المدارس الحرة، ويشكون من أن الحكومات الخاضعة لسلطان الاحتلال تقتر على الناس في إنشاء المدارس، ولا تنشر التعليم إلَّا بمقدار حاجتها هي إلى الموظفين، لا بمقدار حاجة الشعب إلى المعرفة والثقافة والخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم.

    وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد كانت جريدة اللواء — التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل — أكثر الصحف ترديدًا لهذه الجملة. والشيء المهم هو أن المصريين في أوائل هذا القرن كانوا يعتقدون مؤمنين أصدق الإيمان وأعمقه أن الجهل ظلمةٌ، وأن العلم نورٌ، وأن إنشاء المدارس واجبٌ وطنيٌّ من أعظم الواجبات الوطنية خطرًا، وأبعدها أثرًا في إخراج الشعب من الذلة إلى العزة، وفي تمكينه من مقاومة الاستعمار والتمرد على المستعمرين. ولأمرٍ ما أنشأ الزعيم مصطفى كامل مدرسته تلك التي لم تكن دار تعليم فحسب، وإنما كانت دار تعليم وسياسة ومقاومة للاحتلال.

    وكان كاتبٌ معروفٌ — تُوفِّي منذ حين — معنيًا بفتح المدارس، فكان كلما فتح مدرسة أنبأ صديقه مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة، الأستاذ حسين فوزي، بأنه أغلق سجنًا.

    كان يقول هذه الجملة لصديقه ضاحكًا مداعبًا، ولكنه لم يكن يضحك ولا يداعب استخفافًا بهذه الحكمة الشائعة أو شكًّا فيها، وإنما كان يضحك ويداعب ثقةً بها، وتثبيتًا لها، وابتهاجًا بانتصاره على الجهل في بيئة ما من بيئات مواطنيه.

    كذلك كانت الحال في أوائل هذا القرن، وكذلك كانت الحال بين الحربين العالميتين حين ظفرت مصر ببعض حقها، وأقبلت على أمور التعليم تدبرها معنيةً بها، حريصةً على أن تنشئ المدارس الحكومية والحرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

    كانت مؤمنةً بأن التعليم يرد إلى الناس نفوسهم الضائعة، ويشعرهم بحقوقهم المهدرة، ويحبب إليهم الكرامة، ويزينها في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الذلة، ويقبِّحها في نفوسهم. ومن أجل ذلك أنشأ المصريون جامعتهم الأولى على كرهٍ من المحتلين، وأنشئوا مدارسهم الحرة الكثيرة على كرهٍ من المحتلين أيضًا. كان ذلك في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كما كان القُصَّاص يقولون، فأمَّا الآن فقد تغيرت الدنيا، وأصبح فتح المدرسة شيئًا يوشك أن يكون شرًّا يجب أن يُتَّقى؛ فقد كثر العلم فيما يظهر حتى ضقنا به، وأشفقنا منه. وخير الأمور أوساطها كما يُقال. فالتقتير في العلم شرٌّ، والإسراف في العلم شرٌّ، والخيرُ كل الخير هو أن يكون الأمر وسطًا بين ذلك.

    وأنا أعلم حق العلم أن هذا الكلام الذي أمليه مناقض أشد المناقضة لمبادئ الثورة المصرية وأغراضها، والجهود الخطرة التي تبذلها في إنشاء المدارس، وفي تنظيم هذا الإنشاء، بحيث لا تمضي أعوامٌ قليلةٌ إلَّا وقد أُتيح للأطفال المصريين جميعًا أن يتعلموا. وبحيث يصبح النص الدستوري على أن التعليم الابتدائي فرض على البنين والبنات من المصريين مصورًا للحقيقة الواقعة لا كلامًا يُقال ولا يُصوِّر شيئًا.

    أنا أعلم هذا كله حق العلم، ولكني أعلم أيضًا أن في مصر قومًا يضيقون بالتعليم، ويشفقون من خطره على الأخلاق، بل على الأمن، بل على النظام كله. ألم يقل بعض القائلين: إن وزارة المعارف مسئولة عن تلك الجريمة المنكرة التي اقترفها بعض التلاميذ في حيٍّ من أحياء القاهرة منذ أسابيع؟ ألم يكتب كتَّاب في بعض الصحف فصولًا يدعون فيها إلى ألَّا يُباح التعليم للناس جميعًا، وإنما ييسر للقادرين عليه المؤهلين له، وتصرف الكثرة الكثيرة من غير القادرين والمؤهلين إلى ما يلائمها من المهن والصناعات والعمل المألوف في كسب الحياة بالأيدي في الحقوق والطرق، وما شاء الله من ميادين العمل بالأيدي.

    كُتِب هذا الكلام كله حين كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الثاني من أعياد الثورة، وحين كان رجال الثورة أنفسهم يتحدثون إلى المواطنين — كلما أُتيح لهم أن يتحدثوا إلى المواطنين — بأنهم قد أزمعوا أن ينشئوا المئات من المدارس في كل عام ليخرج الشعب من ذلة الجهل إلى عزة المعرفة.

    وأنا أفهم حق الفهم أن يختلف المصريون في سياسة التعليم، وأن يذهبوا فيها المذاهب، يختصموا حول هذه السياسة، فينكر بعضهم سياسة بعض، ويعرف بعضهم سياسة بعضهم الآخر. ولكن الشيء الذي لا أفهمه ولا أسيغه، هو أن تدفعنا الخصومة إلى أن نرسل الكلام إرسالًا في غير تدبرٍ ولا رويةٍ ولا أناةٍ. فيقول قائل: إن التعليم مسئول عما يتورط فيه بعض التلاميذ من الجرائم والآثام، ويقول قائل آخر: إن التعليم يجب أن يُقصر على المؤهلين له القادرين على احتماله.

    وتنقلب الآية في أقل من نصف قرن، فيُصبح من فتح مدرسة كأنه فتح سجنًا بعد أن كان من فتح مدرسة أغلق سجنًا. ما مصدر هذا التحول؟ أهو تحول عميقٌ حقًّا؟ خطيرٌ حقًّا! يجب أن نحسب حسابه في تقدير الحياة المصرية المعاصرة وتدبير أمورها في مستقبل أيامها، أم هو كلام تغري به الخصومة أحيانًا، ويغري به القصور الذهني أحيانًا أخرى، ويغري به البغض والموجدة الذين لم تبرأ منهما بعض القلوب؟

    أمَّا أنا فأعتقد أوثق الاعتقاد وأرسخه أن الشعب المصري ما زال مؤمنًا بأن من فتح مدرسة قد أغلق سجنًا، وأن إيمانه بهذه الحكمة قد أصبح في هذه الأيام أكثر شيوعًا ورسوخًا مما كان في أول هذا القرن. وآية ذلك أن المدارس القائمة — سواء أكانت حكومية أم حرة — لا تستطيع أن ترضي حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم وبناتهم، وأن الثورة قد أنشأت مؤسسة خاصة للاستكثار من بناء المدارس في كل عام، وأن الثورة تهيب بالمواطنين أن ينشئوا المدارس الحرة الخاصة، وتمدهم بالمعونة والتأييد إن فعلوا.

    ولو قد أحست الثورة نفورًا من التعليم أو زهدًا فيه لأراحت نفسها من هذا العناء، ولاقتصرت فيما تنفق من الجهد والمال، أو لاتخذت الوسائل الدكتاتورية لإكراه الناس على أن يعلِّموا أبناءهم وبناتهم، ولكن الثورة تنفق الجهود والأموال، ولا تعمد إلى أي وسيلة من وسائل الإكراه على التعليم، وإنما تعمد إلى الوسائل المختلفة لتُيسِّر التعليم للراغبين فيه والمقبلين عليه. وأخصُّ ما يؤخذ به هؤلاء الذين يقولون أن يعيش فيه المثقفون في هذه الأيام، ولا سيما حين ينهضون بالأعباء العامة، وتوجيه الشعب في حياته إلى ما يلائم منافعه القريبة والبعيدة.

    يجب أن يعرف المصريون أن كثيرًا من الحقائق يخفى عليهم، ولا يُجلى لهم، فليست مصر مثلًا هي البلد الوحيد الذي تزدحم فيه المدارس بالتلاميذ ازدحامًا يعرض التعليم للنقص والضعف، وإنما هذه آفةٌ شائعةٌ في كثيرٍ من البلاد، وفي كثيرٍ من البلاد التي يتخذها بعضنا قبلةً وإمامًا. فازدحام المدارس بالتلاميذ آفة يشكو منها الإنجليز، ويشكو منها الفرنسيون، ويشكو منها الأمريكيون أيضًا. وتُبذل الجهود الضخمة في تلك البلاد كما يُبذل في مصر لعلاجها والتخلص منها.

    هذه واحدة، وحقيقة أخرى تخفى على المصريين، ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست وحدها هي البلد الذي يُنهض فيه بأعباء التعليم، قومٌ لم يُهيَّئوا له تهيئة كافية، فقلة المعلمين الأكفاء ليست آفة مصرية أو عربية، وإنما هي آفة عالمية تشكو منها أرقى بلاد العالم وأرسخها قدمًا في الثقافة والحضارة والعلم.

    يشكو منها الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكيون، وغيرهم من بلاد أوروبا على اختلافها. والسر في هذا ليس عسيرًا، فالديمقراطية تريد أن يتعلم الناس جميعًا لأنها ترى التعليم حقًّا لا هبةً ولا منحةً، ولأنها ترى التعليم في بعض أطواره واجبًا لا خيرةَ للمواطنين في إهماله أو التخفف منه. والديمقراطية في حاجة إلى وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ ثقيلٍ، ومالٍ كثيرٍ، وسلامٍ مستقرٍّ مطمئنٍّ لتبني ما يجب أن يُبنى من المدارس، وتُهيئ من يجب أن يُهيَّأ من المعلمين، وتقيم التعليم على أسس متينة ترضي فقهاء التربية وفلاسفة البيداجوجيا جميعًا.

    وحقيقة ثالثة تخفى على المصريين ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي يقترف التلاميذ والطلاب فيه بعض الجرائم والآثام، وإنما تورط الشباب في الجريمة والإثم قضية عالمية تشكو منه بلاد كثيرة جدًّا سبقت مصر إلى نشر التعليم والوصول به إلى أعماق الشعب.

    وقد شهدت هذا العام في باريس إثمًا خطيرًا منكرًا، اقترفته جماعات التلاميذ إثر فراغها من امتحان الشهادة الثانوية. فاعتدت على الكرامات وعلى أجسام الناس وأموالهم، وخربت متاجر كثيرة، وأضاعت على الفرنسيين عشرات كثيرة من ملايين الفرنكات. ولم تُحمَّل وزارة المعارف الفرنسية تبعة هذا الفساد، وإنما ترك أمره إلى النيابة تدرسه وتستقصيه، ثم إلى القضاء يقضي فيه بحكم القانون، وتركت تعليله وتأويله للباحثين في شئون الاجتماع يقولون فيه بعد روية وتدبر واستقصاء.

    ولو قد استجبنا لهؤلاء السادة الذين يحمِّلون التعليم تبعات ما يقترفه المتعلمون من الآثام؛ لأُغلقت المدارس في الأرض كلها، ولرُدَّت الإنسانية إلى الجهل الجاهل والظلمة المظلمة، ولحوَّلت الحكومات جهودها وأموالها عن إنشاء المدارس إلى إنشاء السجون؛ فالجهل لا يعفي الناس من الجرائم، وإنما يغريهم بها إغراءً ويدفعهم إليها دفعًا.

    وأنا أقرأ في صحيفة الموند الفرنسية تقريرًا لرئيس الشرطة في نيويورك، يؤكد فيه أن الجرائم التي تُرتكب في هذه المدينة لا تُحصى بالأيام ولا بالأسابيع ولا بالشهور … بل لا تحصى بالساعات، وإنما تُحصى بالدقائق، فتُقترف في كل دقيقتين جريمة من الجرائم.

    والتعليم في نيويورك أكثر انتشارًا وتغلغلًا في أعماق الشعب منه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية، ورئيس الشرطة في نيويورك لا يلقي التبعة على التعليم ولا يطلب تضييقه، وإنما يطلب أن تيسر له الوسائل لحماية الأمن، وتتبُّع المجرمين.

    فلنخلص أنفسنا للحق، ولنخلص نصحنا للشعب، ولنستأني فيما نصدر من الأحكام، ولنتجنب ما استطعنا إرسال الكلام في غير تثبت ولا تحفظ ولا احتياط … ولنسأل الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة حين نعمل، وحين نفكر، وحين نقول، فإنه عزَّ اسمه يقول: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ).

  • برنامج … | A Program …

    برنامج …
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٧ نوفمبر ١٩٤٩

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.

    فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.

    فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.

    وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.

    أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.

    وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.

    فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.

    وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.

    ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.

    وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.

    فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.

    هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.

    كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.

    وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.

    وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.

    وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.

    فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.

  • ندوة الهلال مشاكل الشباب كيف نحلها؟ | The Hilal Symposium: The Problems of Youth — How Do We Solve Them?

    ندوة الهلال: مشاكل الشباب كيف نحلها؟

    طه حسين

    مجلة الهلال

    يناير ١٩٤٨

    شباب اليوم هم رجال الغد، وعماد المستقبل، وفي حل مشاكلهم تمهيد لا بدَّ منه لإقامة ذلك المستقبل، وتوطيد أركانه على أساس ثابت متين. وقد دعونا خمسة من أقطاب الرأي وأعلام البيان للمناقشة في هذا الموضوع الحيوي … وإليك ما دار بينهم من حديث سجَّلناه حرفيًّا.

    بدأ الحديث بين حضرات المجتمعين في الندوة عن مشكلة التعليم … فقال أستاذنا أحمد لطفي السيد باشا: أعتقد أن مشكلة التعليم هي أهم مشاكل شباب اليوم، بل مشاكل البلاد عامة؛ ذلك لأن حلها يستتبع حتمًا حل أكثر المشاكل التي نعانيها، والتي تقف عقبة في سبيل رفع مستوانا العام.

    الدكتور بهجت بدوي بك: إن أهدافنا هي رفع المستوى الأدبي والمادي للجيل الجديد، وتحقيق هذه الأهداف إنما يقع العبء الأكبر منه على عاتق الخاصة، أقصد الطبقة المستنيرة؛ فيجب أن نُوجِّه عنايتنا إلى تكوين هذه الطبقة، وتدعيمها بالكفايات العلمية والاقتصادية والفنية؛ أي أن نُوجِّه عنايتنا إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني. والعناية التي تُصرف في سبيل هذا النوع من التعليم ينبغي ألَّا تكون دون العناية التي تصرف في سبيل التعليم العام. وكما يجب أن يزداد الكم يجب كذلك أن يتحسن الكيف. وليس بخَفِيٍّ أن المدنيَّة الغربية الحديثة إنما قامت على أكتاف الجامعات التي بدأت مهمتها هناك منذ قرون، بينما التعليم العام لم يبدأ مهمته إلا منذ ٦٠ أو ٧٠ سنة. الدكتور بقطر: التعليم العام هو الذي يكشف الكفايات، والغرض منه تنوير أذهان الأمة؛ فالوعي القومي لا يوجد إلا في أمة متعلمة بها كفايات في كل المرافق. نشأت باشا: في اعتقادي أن الظروف الحالية أو ظروف الكوليرا العارضة تعطينا فكرة صحيحة عن أيهما أفضل: التوسع في التعليم العام أم التوسع في التعليم الجامعي؛ فهذه الظروف قد أكدت أن ما ينقص الشعب المصري — ولا بدَّ له منه أولًا وقبل كل شيء — هو تفهُّم قواعد الحياة، وتبين المسالك المؤدية إلى أحسن الغايات دون التعرض للمهالك والأخطار. وهذا هو ما يتيحه التعليم العام. أمَّا التعليم الجامعي، فالغرض منه إيجاد القادة لا أكثر، ولا شك في أنَّ مَن عندنا من الجامعيين فيهم الكفاية لهذا وزيادة، لولا أن انعدام التعليم العام من شأنه أن يجعل مهمتهم تعترضها الصعوبات، فمثلهم ومثل العامة عندنا كمثل جياد أصيلة كثيرة تحاول جر عربة تنقصها العجلات. وثمة دليل آخر على ضرورة عنايتنا أولًا بالتعليم العام بما فيه التعليم الزراعي والصناعي، وذلك أن عددنا قد تضاعف في نصف القرن الأخير، ومع هذا لم نُفِدْ شيئًا من هذه الزيادة، بل نقصت الأراضي المزروعة عندنا حوالي مليون فدان، برغم ما جدَّ من الوسائل الزراعية … فإذا كنَّا نتألم الآن لما تعانيه البلاد من المرض والفاقة؛ فذلك مرده إلى أن أكثريتنا لا تزال في جهالة عمياء — ومن هذا كانت زيادة عددنا ضِغْثًا على إبَّالة — وبعد أن كان الفلاح الجاهل الفقير المريض يكد ويكدح ليحصل على رغيف، أصبح هناك آخر من أمثاله يكد ويكدح ليقتسم معه هذا الرغيف بدلًا من أن يبحث لنفسه عن رغيف آخر. أمَّا الأغنياء من الزراع، فأكثرهم كذلك ينقصهم التعليم؛ ولهذا يعيشون بعقول القرون الوسطى، فلا يفيدون ولا تفيد البلاد من غناهم إلا بمقدار ضئيل محدود. الدكتور بقطر: في اختباراتي بأمريكا ما يؤيد هذا كل التأييد، فالرخاء السائد هناك إنما يعود إلى تعميم التعليم الفني والزراعي والصناعي، وإفادة الشعب جميعًا منه في المدارس الثانوية، وقليل هم الذين يدخلون الجامعات بعد ذلك، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين: لو خُيِّرتُ بين إقفال المدارس وإقفال الجامعات لاخترت إقفال الأخيرة. الدكتور طه حسين بك: الحياة جهاد، يُحتاج فيه إلى القادة كما يُحتاج إلى الجنود، ولا قيمة مطلقًا لكفاية القادة ونشاطهم وإخلاصهم ما لم يكن جنودهم أصحاء صالحين للقتال، متدربين على فنونه من هجوم ودفاع. وإذا كانت الجامعات هي التي تخرِّج القادة، وكانت عامة الشعب هي التي تتألف منها الجنود، فلا قيمة مطلقًا لمن تخرجهم الجامعات ولا لكفايتهم ونشاطهم وإخلاصهم إذا لم يكن العامة على قسطٍ من التعليم العام، يفهمون به واجبهم كما يجب أن يُفهم، ويهيئهم لقبول التوجيه وتأدية مهمتهم أحسن ما يكون الأداء … فالتعليم الإجباري العام إذن أوجب وأولى بعنايتنا واهتمامنا من التعليم العالي والتعليم الخاص، ثم هو إلى ذلك يتيح تكافؤ الفرص لأبناء الشعب جميعًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، كما يتيح للجامعة نفسها أن تحسن اختيار أبنائها ممن تتوافر فيهم الكفايات والاستعدادات والميول المطلوبة … وقد يكون الاتجاه نحو التعليم العام شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم قبل القرن التاسع عشر. ولكن الذي لا شكَّ فيه أنه جاء نتيجة للوعي العالمي، والقصد إلى إنقاذ الإنسانية من الكوارث العديدة التي جرَّها عليها الجهل ونظام الإقطاع أو الاحتكار الذي كان سائدًا وقتذاك في جميع فروع الحياة، ولا شكَّ كذلك في أن الإنسانية قد أفادت وتقدمت أشواطًا بعيدة في طريق الرقي ورفع المستوى العام بفضل هذا الاتجاه. فمن السخف أو العبث أن نحاول القضاء على الفقر أو المرض، أو أن نقر العدل والديمقراطية الصحيحة ما لم نَمْضِ أولًا في ذلك الاتجاه، ونحقق في البلاد تعميم التعليم بمعناه الصحيح. الدكتور بهجت بدوي بك: ليس هناك من ينكر ضرورة التعليم العام وفوائده، ولعل أخص فوائده أن يتيح الفرصة لإبراز أكبر مجموعة من المواهب والكفايات والانتفاع بها، بدلًا من قصر هذه الفرصة على طبقة معينة: هي طبقة القادرين، وعلى هذا الوجه لا تُهدر تلك المواهب التي يزخر بها الشعب، والتي ينقصها التعليم للكشف عنها، على أنه ليس في إمكاننا الآن أن نعلم الشعب كله؛ لأن مواردنا محدودة أو هي غير مستغلة كما ينبغي أن تُستغل. ويجب مواصلة الاهتمام بتحسين هذا الاستغلال حتى تزداد الموارد، ويمكننا الإنفاق على تعليم الشعب. وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى إعداد الكفايات التي كُشِف عنها إعدادًا صالحًا يُمكِّنها من أن تؤدي مهمتها حق الأداء؛ وذلك بأن نهيئ للجامعة جوًّا علميًّا صحيحًا يجعلها أقدر على تخريج الأكفاء الذين يقوون روح الإنتاج، ويمضون بالأمة في الطريق الموصل إلى ما تريد. الدكتور طه حسين بك: قد يكون مستوى المتخرجين في الجامعة اليوم أقل منه منذ عشر سنين، ذلك لأخطاء قد تكون منَّا، وقد تكون من الظروف العالمية … أصبحت معها الجامعة ما تزال مدارس عالية، وانقطعت العلاقة بين أساتذتها وزملائهم في الخارج، ولم يبقَ للدرجات الجامعية من قيمة أكثر من أن تتيح الترقية لأصحابها حتى في الجامعة نفسها. وقد يستطاع إصلاح هذا الحال بالرجوع إلى الأساس الذي نهضت عليه الجامعة عندنا منذ سنين … على أن هذا لن يغني كثيرًا عن حاجتنا الملحة إلى التعليم العام. وعلى المسئولين أن يُدبِّروا المال اللازم لذلك بزيادة الضرائب على الأرباح والأملاك، وتنظيم جبايتها، واختيار الوجوه التي تنفق فيها، مع ملاحظة تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما لا فائدة من الاهتمام به الآن. فمثلًا قد أنفقنا على الجيش حوالي اثني عشر مليونًا من الجنيهات، وكان يمكن أن نُوفِّر هذه الملايين لننفقها في نشر التعليم العام؛ فلا شكَّ في أن الجيش بعد ذلك يكون أكثر فائدة. أمَّا الآن فلا أذكر أن البلاد قد أفادت منه فائدة تُذكر منذ عصر إسماعيل. لطفي السيد باشا: هذا كلام جميل، وأجمل منه أن نجد الحاكمين الذين يفهمونه حق فهمه، ويسارعون إلى تنفيذه، أو أن نجد المحكومين الذين يؤمنون بفائدته لهم وللبلاد، ويقبلون عليه راضية به نفوسهم. وأين نحن الآن من هذا وذاك؟! الدكتور بهجت بدوي بك: مهمة المصلحين هي التوجيه والتبصير بعواقب الأمور، وما دام إيمانهم قويًّا فسيأتي اليوم الذي تتحقق إصلاحاتهم فيه.

    ثم انتقل الحديث إلى التربية الخلقية …

    الدكتور بهجت بدوي بك: الواقع أن القدوة الحسنة هي التي تؤثر في الناشئة وليس الوعظ أو الإرشاد. الدكتور بقطر: أعتقد أن الطريقة المثلى للإفادة من التربية الخلقية هي أن نبدأ بها أولًا في البيت، ثم يتعاون البيت مع المدرسة. الدكتور طه حسين بك: هذا ما لا سبيل إليه بعد أن يُعمم التعليم العام أيضًا. أمَّا قبل ذلك فالبيئة المنزلية — مع الأسف الشديد — لا تزال أبعد ما تكون عن الاضطلاع بمثل ذلك العبء العظيم؛ لأنها هي نفسها في حاجة إلى الإصلاح. فلو فرضنا أن البيئة المدرسية عندنا صالحة لذلك؛ فإن التعاون بينها وبين البيئة المنزلية لتحقيق تلك الغاية لا سبيل إليه إلا بعد حين طويل. الدكتور بقطر: في استطاعتنا أن نقتبس الطرق المفيدة التي سبقنا إليها الغربيون في ذلك، كتنظيم مؤتمرات عامة للشباب، وإصدار الكتب والمجلات الخاصة بهم، والإكثار من الإذاعات التي يحبُّونها، وتوجيههم إلى ذلك من حيث لا يشعرون، والعمل على إنشاء الأندية الرياضية والاجتماعية لهم، بشرط أن تكون بعيدة عن الطائفية أو الحزبية. وفي استطاعة الحكومة أن تشرف على تنظيم هذه الوسائل. لطفي السيد باشا: أرى أن الحياة الآن أرقى بكثير مما كانت عليه قبل ربع قرن، وهي — إن شاء الله — ستكون بعد ربع قرن آخر أرقى منها الآن؛ فلنترك الزمن يتولى بنفسه حل هذه المشكلة. أمَّا أن نكل حلها إلى الحكومات فهذا يتطلب أن يُختار الحاكمون من الفلاسفة ورجال الأخلاق، وهذا ما لا يقره السياسيون.

    وتناول المجتمعون مشكلة ثالثة هي من أهم مشاكل الشباب؛ وهي «التربية الجنسية»، فقال الدكتور طه حسين بك: المسألة التي ينبغي أن نفكر فيها في مصر وفي كثير من البلاد الأخرى هي مسألة «التربية الجنسية»؛ فالواقع أن الحب لا يحتاج إلى توجيه.

    الدكتور بهجت بدوي بك: أعتقد أن هذه المسائل ينبغي أن تُترك للشباب ليحلها بمحض سلطانه. الدكتور بقطر: في البلاد المحافظة كبلادنا يعجبني أن حل أمثال هذه المسألة يتم شيئًا فشيئًا، وبمعرفة الوالدين، بعكس الحال في البلاد الغربية مثلًا؛ حيث يمكن القول بأن الجنسين هناك قد تُرك لهما الحبل على الغارب متى بلغَا مبلغ الشباب. لطفي السيد باشا: ومشكلة تعدد الزوجات قد حلَّها الزمن هي الأخرى؛ فلا يزيد ما لدينا منه الآن على ٣٪ من عقود الزواج القائمة. فالأمر كما ترون لا يحتاج إلى تشريع ولا توجيه. الدكتور بقطر: هل هناك تعاون بين الجنسين في الجامعة عندنا كما هو الشأن في جامعات أوروبا وأمريكا؟ الدكتور طه حسين بك: الذي أعرفه أن اختلاط الجنسين في الجامعة موجود معمول به منذ سنين، فالطالب والطالبة يجلسان جنبًا إلى جنب في الدروس والمحاضرات، ويتناقشان معًا خارج الدرس، ولا حرج عليهما البتة من هذا القبيل. الدكتور بقطر: قبل انفضاض الندوة، أحب أن أعود هنيهة إلى مسألة التعليم العام لأقول: إن الحكومة الأمريكية تفرض ضريبة على الأثاث تُجبى سنويًّا لذمة التعليم، وفي هذا ما يؤيد ما قاله الدكتور طه حسين بك من ضرورة فرض الضرائب هنا لنشر ذلك التعليم. الدكتور طه حسين بك: أكثر من هذا يا سيدي أن الحكومة المصرية نفسها في أوائل عهد الاحتلال الإنجليزي فرضت ضريبة خاصة بالتعليم في مجالس المديريات؛ فليس ما يمنع الآن من فرض مثل هذه الضريبة على أن تختفي المركزية، إذ إن ضررها محقق في مثل هذه الشئون وهذه الظروف. لطفي السيد باشا: إلى هنا أرى أن مشاكل شباب اليوم قد حُلَّت على الورق، فلعلها — إن شاء الله — تُحل كذلك في الدواوين. الدكتور طه حسين بك: المهم أن تحل فى المدارس والبيوت!