Tag: التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة

  • التعليم الأولي | Primary Education

    التعليم الأولي
    في وزارة المعارف
    يجب أن نحمد الله. فقد أصبحت وزارة المعارف تشعر بأن من الحق عليها أن تحفل ولو قليلاً بنقد الناقدين، وتؤبه ولو قليلاً لنصح الناصحين. فلعلك تذكر إنا كتبنا منذ أيام ننقد الطريقة التي اتخذتها الوزارة في تأليف اللجان التي أُلّفتها لإصلاح التعليم، وقد نقدنا هذه الطريقة من وجوه مختلفة، نقدنا خلوها من المعلمين الذين هم أقدر الناس على فهم التعليم ثم على صلاحه، ونقدنا احتكار هذه اللجان للموظفين في وزارة المعارف حين تقتضي المنفعة أن يشترك في هذه اللجان الأكفاء من وزارة المعارف وغيرها من وزارات الحكومة بل من موظفي الحكومة وغيرهم من الذين يُعْنَوْنَ بالتعليم من المصريين بل من أكفاء المصريين والأجانب بنوع عام.
    نقدنا هذه الطريقة من هذين الوجهين ومن غيرهما، ويسرنا الآن أن وزارة المعارف قد نشرت أو وعدت بأن تنشر على الناس قراراً فيه تأليف لجنة للنظر في تعميم التعليم الأولي أو للنظر في المشروع الذي كان قد وُضع لهذا التعميم. وقد قرأنا أسماء الأعضاء الذين تتألف منهم هذه اللجنة. فيجب أن نلاحظ مسرورين أن هذه اللجنة ليست محتكرة للموظفين في وزارة المعارف، بل هي شائعة بين الموظفين في هذه الوزارة وبين الموظفين في غيرها من الوزارات، بل فيها شخصان ليسوا موظفين في الحكومة أحدهما أستاذ في الجامعة والآخر من رجال المحاماة. هذه خطوة قصيرة ولكنها خطوة إلى العدول عن الاحتكار، وقد يحسن أن نلاحظ أن هذه الخطوة القصيرة ليست جديدة فإن اللجنة التي أُلّفت لدرس تعميم التعليم الأولي ووضع مشروعه في سنة ١٩١٧ لم تكن مقصورة على رجال المعارف وإنما كانت تتعداهم إلى غيرهم فكان فيهم المديرون وكان فيهم قوم آخر من يعملون في غير وزارة المعارف. الخطوة إذن قصيرة وهي غير جديدة ولكن ذلك لا يمنع أن نقدرها ونعترف بأن فيها شيئاً من الخير. فيها شيءٌ من الخير. وليس فيها الخير كله، لأن هذه اللجنة التي تتألف من قوم أكثرهم كفء شديد الذكاء قادر كل القدرة على فهم التعليم والتصرف فيه تنقصها مع ذلك أمور كثيرة ويتعرض تأليفها للنقد من وجوه عدة.

    فهي قبل كل شيء تخلو من المعلمين. تخلو منهم خلوّاً تاماً. فليس فيها إلا أستاذ واحد هو الأستاذ الدكتور علي العنان الأستاذ بالجامعة المصرية، وهو على كفايته وحسن اختيار الوزارة له يمثل التعليم العالي من جهة والتعليم الحر من جهة أخرى، هو أستاذ في الجامعة لا في مدرسة من مدارس المعلمين الأولين ولا في مدرسة أولية، وهو أستاذ في معهد حر فأساتذة وزارة المعارف جميعها سواء منهم أساتذة التعليم الأولي على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي قد عُدِلَ عنهم عندما أُلّفت هذه اللجنة كأنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى الخير أو أن ينفعوا في وضع نظام لتعميم التعليم الأولي على طريقة نافعة منتجة في أقرب وقت عُدِلَ عن هؤلاء المعلمين واستغنى عنهم بطائفة من الموظفين في وزارة المعارف لا نشك في كفاية أكثرهم وأظننا لا نشك في أن المعلمين الذين يباشرون التعليم بالفعل ويبلون حلوه ومره ويعرفون بواسطة الحياة نعمه ما فيه من وجوه النقص وما يحتاج إليه من ضروب الإصلاح هم أقدر على العمل النافع في هذه اللجنة من غيرهم، فلم يكن بُدّ من اشتراكهم في هذا العمل الجليل.

    عُدِلَ إذن عن المعلمين وليس يعنينا أن نبحث عن الأسباب المعقولة أو غير المعقولة التي اضطرت وزارة المعارف إلى أن تعدل عن المعلمين، ولكن لنا أن نقول أن تأليف هذه اللجنة ليس أمراً مقضياً وأن من الممكن بل من الواجب أن تعيد وزارة المعارف النظر في هذا التأليف وأن تضم إلى هذه اللجنة نفراً من المعلمين. ففي هذا الخير للمشروع في نفسه، في هذا رد الحق إلى أهله وإنصاف معنوي للمعلمين إذا لم يكن إلى إنصافهم المادي من سبيل، بل هناك شيء آخر، هناك كفايات في وزارة المعارف عُنيت بالتعليم الأولي عناية عملية منتجة وأظهرت في هذه العناية مقدرة وحسن بلاء، ولسنا نريد أن نسمي هذه الكفايات فوزارة المعارف تعرفها حق المعرفة، وهي تعلم أن العدول عنها لا يلائم منفعة التعليم الأولي. فمن الواجب على وزارة المعارف ألا تهمل هذه الكفايات وأن تضمها إلى الجماعة التي تتألف منها اللجنة.

    ثم هناك شيء آخر وهو أن وزارة المعارف أرادت أن تشترك في هذه اللجنة قوماً ليسوا من رجال المعارف فأحسنت الاختيار حيناً وساءته حيناً آخر وضمت إلى هذه اللجنة من لا يعرف من أين يؤكل التعليم أو من أين يشرب ومن لا ينبغي أن يلجأ إليه في مثل هذه المسائل ذات الخطر الفني الخاص.

    أذكرتنا بذلك شيئاً وقع في الأزهر الشريف عند أول عهده بالإصلاح الجديد بعد أن تركه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فقد وُكِلَ نظام الإصلاح الجديد في يوم من الأيام درس الإملاء إلى أستاذ من أساتذة الأزهر مكفوف لم يكتب قط ولم يقرأ قط. كذلك فعلت وزارة المعارف فضمت إلى لجنة فنية لإصلاح التعليم من ليست له بالتعليم صلة إلا أنه متعلم يقرأ ويكتب، وهذا شيءٌ وإصلاح التعليم شيءٌ آخر.

    ثم هناك أمور أخرى يجب أن نلفت الوزارة إليها، منها أن الاستقلال لا يستلزم الاحتكار، وإنما يستلزم العمل في سبيل الخير والمنفعة بعزيمة وحسن بصر في الأمور. وليس من شك في أن الأجانب أكفاء قادرون على فهم التعليم وعلى المشورة النافعة في إصلاح التعليم، ولم تلجأ وزارة المعارف إلى الأجانب في تأليف لجنتها هذه، وإنما ضمت إليها المستر روب وهو من موظفي المعارف وضمت إليها إنجليزياً مفتشاً في مصلحة من مصالح المباني. وكنا نحب أن تستعين وزارة المعارف برجال التعليم الحر من الأجانب المقيمين في مصر. فللفرنسيين بعثات دينية ومدنية تشتغل بالتعليم على اختلاف منازله، وللإيطاليين كذلك بعثات تشتغل بالتعليم، وقل مثل ذلك في الإنجليز وقل مثل ذلك في الأمريكيين. وليس من جدال في أن المشرفين على هذه البعثات الأجنبية المختلفة أكفاء إن لم تنفع آراؤهم فلن تضر. ويقيننا أنها ستنفع كثيراً. فهم بهذا التعليم في بلادهم وفي بلادنا خبرة قد نأسف بأنها لا تتاح لرجال التعليم المصريين. وإذن فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تضم نفراً من هؤلاء العلماء الأخصائيين لجنتها؟

    وجملة ما نقول إنا نقترح على وزارة المعارف أن تعيد النظر في تأليف هذه اللجنة فتضم إليها نفراً من المعلمين أولاً، وتضم إليها هذه الكفايات التي أُهملت في وزارة المعارف ثانياً، وتحسن اختيار من تضمهم إلى اللجنة من غير رجال التعليم ثالثاً، ثم تضم إلى اللجنة نفراً من الأجانب المشتغلين بالتعليم في مصر رابعاً. فهي إن تفعل ذلك تَدْنُ من الخير والمنفعة. وسواء أسمعت لنا وزارة المعارف أم لم تسمع فنحن مغتبطون بتأليف هذه اللجنة. وسندرس مشروع التعليم الأولي الذي كلفت اللجنة درسه وننشر آراءنا في هذا المشروع. ويقيننا أن هذه اللجنة ستقدر نقد الناقدين خيراً مما تقدره وزارة المعارف.
    طه حسين
    السياسة، ٥ أغسطس ١٩٢٣.