Tag: التقاليد مقابل الحداثة

  • سمعة مصر

    سمعة مصر

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٦ سبتمبر ١٩٤٦

    نظيف المظهر لطيف المخبر، يُبرق ويُرعد، ويقصف ويعصف، ولكن سماءه دائمًا صاحيةٌ صافيةٌ، ونفسه دائمًا مشرقةٌ متألِّقةٌ، وقلبه دائمًا رقيقٌ رفيقٌ. وقد يظن كثيرٌ من الناس أن سيف الأحكام العربية العرفية المسلولة في يده يحيطه بسياج مفزع مفظع، ولكن السياج الذي يحيط برئيس الوزراء سياج أنيق، ظاهره فيه القسوة والعنف، وباطنه من قبله الرحمة واللين.

    ولست أدري أتسرُّه هذه المقدمة أم تسوءه، ولكني أعلم أني لا أكتب لأسرَّه أو لأسوءه، وإنما كتبت لأسوق إليه بعض الحديث، مطمئنًّا إلى أنه لن يمنع نشره كما كان يفعل غيره من رؤساء الوزارات الذين سبقوه، ولن يصادر الأهرام إذا نشرته كما كانت تفعل وزارة الداخلية قبل عهده، وكما فعلت بعد عهده عن رضًا منه أو عن سخط لا أدري.

    بل أنا أكتب لأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أنه لن يمد إليه يده بما أكره، ولو قد أراد لم تصل إليَّ يده، فقد تقصر يده وقد تطول، ولكنها لن تبلغني من وراء بحر الروم. وهو كما يعلم وكما يقول قصَّاص ألف ليلة وليلة: بحر عجاج متلاطم الأمواج. بل أنا أزعم أني سأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أن يده لن تنالني بما أكره حين أعود إلى مصر إن شاء الله. وليس من شك في أني حين يأذن الله لي بالعودة إلى مصر سأزوره، وليس من شك كذلك في أنه سيلقاني في عنف وعبوس، ثم يستحيل عنفه إلى رفق، وعبوسه إلى الابتسام، فأمكث معه ما شاء الله أن أمكث، ثم أخرج من عنده إلى داري لا إلى السجن.

    ليس عليَّ بأس إذن من أن أقول في صراحة ما أريد أن أقول، وأول ذلك أن من بين زملائه وزيرًا لا تعجبني سياسته. وليس معنى هذا أن سياسة غيره من الوزراء تروقني أو تشوقني، بل معناه أن سياسة غيره من الوزراء لا تكاد تعنيني ما دمت بعيدًا عن مصر. فأمَّا سياسة زميله ذاك فإنها تُحْفِظني وتُغِيظني، غائبًا وشاهدًا. وأحسبها تحفظ وتغيظ من المصريين كلَّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وسياسة هذا الوزير الخطير لا تحفظني ولا تحفظ غيري من المثقفين لأنها تأتي أمورًا لا ينبغي أن تؤتى وتترك أمورًا لا ينبغي أن تُترك فحسب، وإنما هي تُحفظ وتغيظ لأنها تضرُّ ولا تنفع، وتسوء ولا تسر، ولأنها عبث لن يغير من حقائق الحياة المصرية شيئًا، ولكنه يضايق الناس في غير حاجة إلى المضايقة، ويؤذي سمعة مصر وهي في حاجة إلى ألَّا تُؤذى.

    وقد فهم رئيس الوزراء بالطبع أني أريد أن أتحدث عن وزير المعارف وعن سياسته هذه التي لا تمتاز حتى بالطرافة أو الفكاهة، والتي كانت تُضحِك وتدعو إلى المزاح منذ عشرين سنة، ولكنها الآن لا تضحك ولا تدعو إلى مزاح، وإنما تملأ الصدور حرجًا والنفوس ضيقًا؛ لأنها تضيع الوقت والجهد وتؤذي سمعة مصر، ولا تغني عن الوزير ولا عن غيره من الناس شيئًا. تشدد الوزراء قبل وزير المعارف القائم في المحافظة، فلم يقدموا ولم يغيِّروا من حقائق الحياة الحديثة في مصر شيئًا. فما استئناف عبث قد مضى وانقضى؟ وما الرجوع إلى سيرة قد ظهر أنها لا طائل تحتها، وأنها لا تزيد على أن تضيع من وقت مصر وجهدها ما هي في حاجة إليه؟!

    ولقد نقدت سياسة الوزير الخطير مداعبًا له منذ حين، فأمَّا الآن فإني لا أجد حتى الميل إلى الدعابة، إنما أبذل كثيرًا من القوة، وأُنفِق كثيرًا من الجهد حتى أملك نفسي، وحتى لا يخرجني الغضب عن الطور الذي لا ينبغي أن أتعداه حين أتحدث إلى رئيس الوزراء عن بعض زملائه الوزراء.

    هناك فرق بين العبث الذي يمعن فيه المصريون حتى يغرقوا فيه إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم، دون أن تتجاوز أنباؤه الحدود المصرية وتعبر البحر إلى أوروبا وأمريكا، وبين العبث الذي لا يكاد المصريون يأخذون فيه حتى يذيعه البرق والبريد في أقطار الأرض كلها، وحتى يتحدث به الناس في العالمين القديم والجديد. المصريون يغرقون في العبث مثلًا حين يضيعون جهودهم وأوقاتهم، ويملئون صحفهم مصبحين وممسين بقصة الدوائر وتقسيمها الجغرافي أو الاجتماعي، وبعمر مجلس النواب الذي ينبغي أن يقصر أو ينبغي أن يطول. ولكن أنباء هذا العبث لا تعني العالم الخارجي، وهي من أجل ذلك لا تنقل إليه، فليغرق المصريون فيه إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، ولينفقوا فيه بياض أيامهم وسواد لياليهم، فذلك شيء يعنيهم وحدهم من دون الناس، وليس على المصريين بأس إن أحبوا أن يستبقوا هذه الحمَّى وما تستتبع من الخطرفة والهذيان.

    ولكن عبث وزير المعارف لا يكتفي بأرض مصر ولا بأهل مصر، وإنما هو يتجاوز تلك الأرض وهؤلاء المصريين إلى أوروبا وأمريكا، فيجعل مصر وأهلها وحكومتها فكاهة لمن أراد أن يتفكَّه، وموضوع دعابة ومزاح للذين يحبون الدعابة والمزاح. هل يعلم رئيس الوزراء أن شركة من شركات الأنباء أذاعت في أوروبا وأمريكا أن وزير المعارف المصري يشتد أعظم الشدة وأقساها في حماية التقاليد العتيقة، فيمنع الفتاة المصرية أن تعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا وأمريكا؛ لأنه يخاف عليها الفساد، ثم هو لا يفعل ذلك بالقياس إلى الفتيات المصريات كافة، وإنما يفعله بالقياس إلى الفتيات المسلمات دون المسيحيات، كأن الفساد خطر على المسلمات خاصةً أو كأن المسيحيات لا يستأهلن من عناية الوزير أن يصدهن عن الشر ويردهن عن الإثم ويحميهن من الفساد.

    وهل يعلم رئيس الوزراء أن العالم الخارجي قد عرف أن وزير المعارف المصرية يتقدم إلى المعلمات في أن يطلن الأكمام ولا يقصرنها، وفي أن يتجنبن الأصباغ، وفي أن يكنَّ قدوة حسنة لتلاميذهن في الاحتشام والمحافظة على التقاليد، وأن وزير المعارف المصرية يتقدم في إلغاء الرقص التوقيعي في مدارس الدولة ومعاهدها، ولا يرى بأسًا من أن تتعلم الفتاة من الرقص ما شاءت في بيتها وعلى نفقة أسرتها، كأن الرقص التوقيعي إثمٌ في المدرسة ومباح في البيت. ورئيس الوزراء يعرف العالم الخارجي خيرًا مما يعرفه وزير المعارف، وهو من أجل ذلك يتصور الفرنسيين والإنجليز والأمريكان حين يقرءون هذه الأحاديث، وحين يتندرون بها ويتخذونها موضوعًا للفكاهة، وينتهون منها إلى أن مصر ما زالت في القرون الوسطى، وما زال حظها من الرقي بعيدًا كلَّ البعد عما يزعمه ساستها وفقهاؤها والذين يدعون لها من الكتَّاب.

    وما أحب أن أغضب المحافظين، وما أحب أن يظن بي أني أبيح التبرج والخروج عمَّا ينبغي للفتاة من الاحتشام والتحفظ والوقار، ولكن وزير المعارف كان يستطيع فيما أظن أن يتأتى لذلك في شيء من التحفظ والقصد، وفي شيء من المهل والرفق. وفي غير هذا الإعلان الذي يشعر بأن الوزير يحرص على أن يعرف الناس أنه حريص على التقاليد أكثر مما يحرص على حماية التقاليد نفسها. فحماية التقاليد لا تكون بالإعلان، ولا بالتحدث إلى الصحف، ولا بنشر القرارات فيها، وإنما تكون بإحدى اثنتين: أولاهما، لا يستطيع الوزير إليها سبيلًا، ولا يستطيع رئيس الوزراء إليها سبيلًا، ولا يستطيع أحد من الساسة إليها سبيلًا، وهي إقرار الفتيات في بيوتهن، وصدُّهن عن الاختلاف إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وأخذهن بألا يخرجن من بيوتهن إلَّا حين تقضي الضرورة الملجئة، وفي الحدود الضيقة التي يبيِّنها المتشددون من المحافظين. وأنا أتحدى وزير المعارف هذا القائم، ومن يمكن أن يأتي بعده من الوزراء، وأزعم أن أيهم يحاول ذلك، أو يهم بمحاولته، سيضطر إلى أن يترك الوزارة وإلى أن يعود إلى داره ليستقر فيها بعيدًا عن الحكم وعن تصريف الأمور.

    أمَّا الطريقة الثانية التي تُحمى بها التقاليد، وهي الطريقة المجدية التي لم يسلكها وزير المعارف، وما أظن أنه يستطيع سلوكها؛ لأنه فيما يظهر يؤثر القول على العمل، ويؤثر السرف على القصد، ويؤثر العنف على اللين؛ هذه الطريق هي الدعوة إلى المحافظة على الاحتشام والوقار بالحكمة والموعظة الحسنة، والنصح الرفيق، والتعليم المستقيم. ليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن في حياة الناس لسخفًا كبيرًا، إن الفتاة المصرية لا تتعرض للخطر في أوروبا أكثر مما تتعرض له في مصر، ولا تتعرض للخطر في القارة الأوروبية أكثر مما تعرض له في الجزر البريطانية. وإن الفتى المصري ليس أقل استحقاقًا لعناية الوزير ورعايته وحماية الوزير من الفتاة. والفتى المصري يتعرض لفتنة عظيمة حين يعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا أو أمريكا، فلماذا لا يقوم الوزير عند ثغر الإسكندرية وبورسعيد، فيصدُّ الفتيان عن السفر إلى أوروبا وأمريكا حمايةً لهم من الفتن والآثام والموبقات؟ أم يظن الوزير أن الآثام حين يقترفها الفتيان أهون شرًّا وأقل خطرًا على الأخلاق والفضيلة والدين منها حين تقترفها الفتيات؟

    وليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن الشاعر ليقول إن سوء الظن من حسن الفطن. وأخشى أن يكون هذا القول وأمثاله هو الذي يُغري وزيرنا بسوء الظن وبالإسراف فيه.

    وما دام وزير المعارف يريد أن يحمي التقاليد والفضيلة والدين، فأول ما ينبغي له من ذلك يقرأ ويفهم وينفذ قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ).

    أمَّا بعد، فإن من الإساءة إلى مصر كلها أن يسوء ظن وزير من وزرائها بالفتاة المصرية والمرأة المصرية، ومن الإساءة إلى مصر كلها أن يتخذها الناس هزؤًا ولعبًا في العالم الخارجي؛ لأن وزيرًا من وزرائها لم يحسن أن يأخذ لنفسه بالقصد والاعتدال.

  • في التجديد

    في التجديد

    طه حسين

    المجلة الجديدة

    ١٠ نوفمبر ١٩٢٩

    وإنَّما أريد التجديد الأدبي؛ لأنَّه بطيء مضطرب لا نظام له ولا اطِّراد، على حين يأخذ التجديد في نواحي حياتنا الأخرى طرقًا واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء. فالعلم يدرَّس في مدارسنا المدنية على النحو الأوروبي الجديد في غير مراوغة ولا تلكؤ. ولسنا نعرف مدرسة مدنية تدرس فيها الطبيعة أو الطب على نحو ما كان يدرسهما أصحاب أرسططاليس، وتلاميذ الفارابي وابن سينا، وإنَّما تدرس الطبيعة والطب وغيرهما من العلوم على أحدث نوع من أنحاء الدرس تعرفه أوروبا وأمريكا. وليس على ذلك اعتراض أو نكير، وإنَّما يكون الاعتراض والإنكار لو حاولت المدارس أن تعدل عن هذا النحو الجديد من الدرس إلى نحو آخر قديم ولو قليلًا. والفن الذي يتبع هذا العلم ويجاريه في الحياة العلمية مجاراة الظل للشخص يسلك طريقًا جديدة أيضًا.

    فكما أننا ندرس الطبيعة والميكانيكا والطب على النحو الجديد، فنحن نُطبقها أيضًا على النحو الجديد. أما حياتنا السياسية فمسرفة في الميل إلى التجديد، ويكفي أن تكون الصلة قد انقطعت بينها وبين ما ألف آباؤنا من الحياة السياسية، فليست هناك صلة ما بين نظامنا السياسي القائم مهما يكن، وما أَلِف المصريون القدماء من حكم الفراعنة، أو ما ألف المصريون المسلمون من حكم الخلفاء والسلاطين، وتستطيع أن تقول مثل هذا في حياتنا الاجتماعية، فهي ممعنة في التجديد، وحسبك أنَّ تشريعنا المدني كله يقتبس من أوروبا لا من النظم القديمة ولا من الإسلام نفسه، وحياتنا الاقتصادية جديدة كلها. فلم يعرف القدماء هذا النحو من البيوت المالية، وهذا النحو من التعاون المالي الذي نعرفه نحن، ونسرف فيه أكثر مما يُسرف فيه الأوروبيون أنفسهم.

    التجديد عندنا إذن مطَّرد في كل شيء تؤيده الحكومة، وتلح فيه، وتفرضه على الناس فرضًا، وتشرع القوانين في كثير من الأحيان لمعاقبة الذين يُنكرونه أو يخرجون عليه.

    وهذا التجديد ملائم كل الملاءمة لميولنا وأهوائنا ولطبائعنا وأمزجتنا، فنحن مطمئنون إلى ما يُشرَّع لنا من النظم التعليمية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وإذا كنا ننكر على الحكومة شيئًا فإنَّما ننكر عليها إبطاءها في التجديد، وإذا كنَّا نتمنى شيئًا فإنَّما نتمنى الإسراع في هذا التجديد حتى تزول الفروق بيننا وبين الأوروبيين. ومع ذلك فهناك ناحية من نواحي حياتنا العامة والخاصة يشتد فيها إنكار التجديد، والخروج عليه، ولا يكاد المجددون يشقون فيها طريقهم إلا على شيء من المشقة والعناء غير قليل؛ وهي الناحية الأدبية.

    فالمجددون من الأدباء لا يزالون قلة في الشرق عامة وفي مصر خاصة، وهذه القلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلها العليا، ومذاهبها في التفكير والتعبير، وإنَّما هي عرضة دائمًا للمقاومة والمناوأة وللكيد والدس، وما إلى هذا كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة. والذوق العام ينقاد لهم حينًا ويزورُّ عنهم حينًا آخر، وازوراره عنهم أشد من انقياده لهم. وهؤلاء المجددون أنفسهم على اقتناع كثير منهم برأيهم في التجديد، مضطربون لم يبلغ بهم الإيمان بمذهبهم الجديد إلى الحد الذي يستطيعون معه التضحية في سبيل مذهبهم أو الجهاد الصريح لنصر هذا المذهب. فمنهم من يفتر إذا اشتدت الخصومة، ومنهم من يتملق القديم؛ فيحتال في أن يلون آراءه الجديدة بلون فيه ميل قوي أو ضعيف إلى القدم. فما علة هذا النوع من التناقض بين حياتنا الأدبية وغيرها من فروع الحياة المختلفة التي نحياها؟ وما السبيل إلى إلغاء هذا التناقض، والملاءمة بين حياتنا العاقلة الشاعرة، وحياتنا العامة؟

    أما جواب السؤال الأول فيسير فيما يظهر؛ ذلك أنَّ تطور العقل والشعور بطيء بطبعه، أشد بطئًا من تطور الحياة العملية، فقد يكون من اليسير أن ندفع الزي الشرقي إلى الزي الغربي، وأن نجلس إلى الموائد لنأكل ونشرب على النحو الذي يأكل عليه الأوروبيون ويشربون، دون أن يكون لهذا كله مصدر إلا الرغبة اليسيرة في التقليد، والميل اليسير إلى ما هو أدنى إلى الراحة، وأقرب إلى المنفعة، فحياتنا المادية تتطور وتسرف في التطور دون أن يؤثر ذلك في حياتنا العقلية والشعورية. وكثيرون جدًّا هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا قد درسوا فيها وأقاموا فيها أعوامًا طوالًا، وظهر عليهم التأثر بدرسهم الأوروبي، وإقامتهم في أوروبا حتى وصفهم الناس بالتفرنج، واقتنعوا هم أيضًا بأنَّهم متفرنجون، ولكنَّهم على ذلك يُفكِّرون كما يفكِّر الشرقي الخالص، ويشعرون كما يشعر الشرقي الخالص، وهم شرقيون بأشدِّ معاني هذه الكلمة دقةً إذا خلوا إلى أنفسهم أو أرسلوا طبائعهم على سجاياها.

    وكثيرًا ما يكون لهذا أثر بعيد منكر في حياة الشرقيين والأوروبيين جميعًا. فهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يخدعون أنفسهم، ويخدعون الناس، ويمضون في هذه الخديعة حتى يصهروا إلى الأوروبيين، يحسبهم الأوروبيون أمثالهم في التفكير والشعور؛ فيقبلونهم أصهارًا، ويظنون هم أنفسهم أنَّهم أوروبيون في التفكير والشعور؛ فيقترنون بالأوروبيات حتى إذا عادوا إلى مصر وصهرتهم شمسها الحارة زال عنهم هذا الطلاء، فظهرت شخصياتهم الشرقية واضحة جلية، فأنكرهم أزواجهم وأنكروا هم أزواجهم أيضًا، واتصلت لهم ولأزواجهم حياة مرة منغصة.

    وهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يتحدثون إليك في أوروبا أو حين يعودون منها، فإذا هم ينكرون في مصر كل قديم، وإذا هم حِرَاص على التجديد حتى إنَّك لتخافهم على النظام، وتحسبهم دعاة ثورة وفتنة، ثم لا يمضي عليهم في مصر زمن قليل حتى يصبحوا — أو قل حتى يعودوا — أنصارًا للقديم كما كانوا قبل أن يذهبوا إلى أوروبا.

    لا مصدر لهذا كله إلا ما قلناه من أنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء بطبعه، وإذا كان تطور التفكير والشعور بطيئًا فلا جرم تبعه في البطء تطور التعبير؛ أي تطور الحياة الأدبية، فلأجل أن تُجيد الإنشاء الفني شعرًا أو نثرًا يجب أن يكون هذا الإنشاء صادقًا؛ أي صورة قوية صحيحة لما يضطرب في نفسك من خاطر، وما تجد من عاطفة أو هوى. وإذا كنت شرقيًّا خالصًا فستخطر لك الخواطر الشرقية، وستجد العواطف الشرقية، وستعبر عنها كما يُعبِّر الشرقيون؛ أي ستكون قديمًا في تفكيرك وشعورك وتعبيرك.

    أما الجواب عن السؤال الثاني: فما نظنه أشد عسرًا من الجواب عن السؤال الأول؛ ذلك أنَّ من الواضح أنَّ أحسن دواء إنَّما هو استئصال العلة التي تدعو إلى المرض، فإذا كان التجديد في الأدب بطيئًا لأنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء؛ فخير طب لهذا إنَّما هو إعانة التطور العقلي والشعوري على أن يتحقق ويسرع إلى حد ما. وبمقدار ما نعين هذا التطور على الإسراع يكون حظ أدبنا العربي من التجدد.

    ومن الغريب أنَّك تُلاحظ بين حياتنا العلمية والأدبية تناقضًا في حظهما من التجديد مصدره التناقض فيما بُذل من الجهود لتحقيق التطور العلمي والأدبي؛ فقد بُذلت جهود عنيفة كثيرة متصلة لتحقيق التطور العلمي منذ أول القرن الماضي، فَفُرض العلم المدني على النَّاس فرضًا؛ لأنَّ حاجتهم في حياتهم العلمية كانت تقتضي ذلك، وبلغنا بفضل هذه الجهود إلى حياة علمية قد تكون قوية منتجة وقد تكون ضعيفة قليلة الإنتاج، ولكنَّها جديدة على كلِّ حالٍ.

    أمَّا الجهود التي بُذلت لتحقيق التطور الأدبي فقليلة ضئيلة متقطعة؛ لأنَّ التطور الأدبي لم تدعُ إليه الحاجة العاجلة، فبينما كان التقدم العلمي قد مضى إلى أمد بعيد في مصر كانت الحكومة لم تُفكِّر بعد في إنشاء مدرسة دار العلوم. فلما أنشأتها مضت في إنشائها على استحياء، وجدَّدت في نظامها بمقدار، ثم وقفت عند هذا الحد من الجهد لتحقيق التطور الأدبي. وطبيعي أن تكون ضئيلة ثمرات هذا الجهد الضئيل. ثم انتظرت الحكومة نصف قرن، وأضافت إلى جهدها الأول جهدًا آخر هو إنشاء كلية الآداب في الجامعة، ولكنَّ هذا الجهد لم يؤتِ ثمره بعد؛ لأنَّه لا يزال حديث العهد. جهد الحكومة لتحقيق التطور الأدبي ضئيل بالقياس إلى جهدها لتحقيق التطور العلمي، ومع ذلك فقد تطور الأدب العربي نحو التجديد في مصر تطورًا لا بأس به مصدره جهود فردية بُذلت لنشر الكتب القديمة وترجمة الكتب الحديثة، وقُرئت هذه الكتب وتلك، فكانت هذه النهضة التي نشهدها الآن.

    ولو قد عني الأفراد بالعلم عنايتهم بالأدب لكانت حياتنا العلمية أرقى جدًّا مما هي الآن، ولو قد عنيت الحكومة بالأدب عنايتها بالعلم لكانت حياتنا الأدبية أرقى جدًّا مما هي الآن. على أنَّ هذا كله من التاريخ، وربما كان الخير في أن تفكر الحكومة في بذل شيء من الجهد القيم الجدِّي لتحقيق التطور الأدبي، حتى لا يوجد هذا التناقض بين حياتنا الأدبية وفروع حياتنا الأخرى، وحتى تنشط الألسنة والعقول والقلوب كما تنشط الأيدي، وحتى تصبح اللغة العربية لغة للمصريين حقًّا؛ تلائم حاجاتهم ملاءمة صحيحة، وسبيل هذا الجهد عندي أن تُدرَّس الآداب الحديثة كما تُدرَّس العلوم الحديثة، وأن تُفرض هذه الآداب على شباب المتعلمين كما فرضت عليهم العلوم، ولا أكاد أفهم معنى لجهل العلم الحديث فرضًا لا تنال الإجازات بدونه، وإهمال الأدب الحديث كأنه لم يُوجد.

    سيقولون إن العلم الحديث سبيل إلى الحياة المادية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، فنقول: والأدب الحديث سبيل إلى الحياة الروحية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، إلا أن تتحول مُثُلنا العليا فنقنع بأن نكون أجسامًا لا أرواح فيها، على أنَّ قليلًا من التفكير كفيل بإثبات أنَّ الحياة العلمية الخالصة نفسها لم تُوجد ولم تقوَ في عصر من العصور إلا لأنَّ الأدب وجد قبلها فأحيا العقل، وأحيا الشعور، ودفع النَّاس إلى البحث والاستقصاء ثُمَّ إلى الإنتاج والاختراع.

    ومن يدري؟ لعلَّ العلة الصحيحة في أنَّ كثرة علمائنا مقلدون لا ينتجون ولا يبتكرون، إنَّما هي قلة بضاعتهم من الأدب المنتج.