ابتهاج …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٩ ديسمبر ١٩٣٣
يجب أن يكون الرجل الطيب سعيدًا مسرورًا، وراضيًا محبورًا بعد أن صدر التشريع الخطير الذي أثبت للمحامين وغير المحامين أن وزارتنا تستطيع أن تنذر فتنفِّذ النذير، وأن تُوعِد فتُحقِّق الوعيد، وأن الذين يَصِفونها بالضعف ويضيفون إليها العجز ويتهمونها بالقصور، لم يكونوا يقدرونها قَدْرها، ولم يكونوا يعرفونها حق معرفتها. وإنما كانت تغريهم بها طيبة الرجل الطيب، ويطمعهم فيها حلم أعضائها الحلماء. فأما الآن فقد قام البرهان على أن الرجال الطيبين يُحْسِنون الغضب ويجيدون العقاب، وعلى أن حلم الحلماء لا ينبغي أن يغري بهم أو يطمع فيهم إلا الأغرار الذين لا يحسنون التفكير في عواقب الأمور.
فهؤلاء المصريون يرون الآن أن ليس بين الرجل الطيب والرجل الواحد فرق. كلاهما يُحْسِن البطش حين يريد، وكلاهما يجيد إظهار القوة وإرهاب الخصم، وكلاهما يَبْلُغ من إقناع الكثرة البرلمانية ما يريد، كلاهما يستطيع أن يريد فيتم ما يريد، كلاهما يستطيع أن يقول للقوانين كوني فتكون، كلاهما يستطيع أن يُغيِّر ويُبدِّل، وأن يمحو ويثبت، وأن يقضي فيحرم في القضاء.
ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة؛ لِيثُوبَ الناس إلى رشدهم ويثوب رشد الناس إليهم! فقد صبر عليهم الرجل الطيب حتى استضعفوه، وأملى لهم الرجل الطيب حتى طمعوا فيه، وآن أن يُظْهِر لهم الرجلُ الطيِّبُ أن له حظًّا من القوة والكيد المتين ليس أقل من حظِّ سَلَفِهِ الرجل الواحد صدقي باشا.
ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة ليعلم صدقي باشا نفسه أنه ليس وحده القادر على تأييد النظام الحاضر وإنفاذ السياسة التي لا بد من أن تنفذ في المصريين، وأن في الكنانة سهامًا ليست أقل منه صلابة ولا حدة، ولا مضاء، وأنه إن كان قد عدَّلَ الدستور، وحلَّ البرلمان وأقصى عن النيابة قومًا، فإن صديقه أمس وخصمه اليوم قد عدَّلَ قوانين المحاماة، وحلَّ نقابة المحاماة — أو كاد — وأقصى عن نقابة المحاماة قومًا كما أقصى هو عن البرلمان قومًا آخرين.
ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة لِيُمحَى الشك، ويزول الريب، وينجلي اللبس، ويعلم الإنجليز وغير الإنجليز أنه إنْ ذَهَبَ صدقي باشا ففي مصر عبد الفتاح، وأن مصر والحمد لله ما زالت غنية بالرجال الأقوياء الذين يعرفون كيف يكون الحزم والعزم وكيف يكون البطش والبأس، وكيف تكون الإرادة والتصميم.
فإذا كان المصريون قد خافوا صدقي باشا فيجب أن يخافوا عبد الفتاح باشا. وإذا كان الإنجليز قد وثقوا بصدقي باشا فيجب أن يثقوا بعبد الفتاح باشا؛ فليس بين الرجلين فرق قليل ولا كثير، كلاهما يعرف كيف يحارب الخصوم، وكلاهما يعرف كيف يهزم الخصوم.
وإذا كانت وزارة صدقي باشا قد اعتمدت على خوف المصريين وثقة الإنجليز، فأقامت في الحكم أكثر من ثلاثة أعوام، فقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على خوف المصريين لأنهم سيخافونها — نستغفر الله — ما هذه السير؟ من أين جاءت؟ وإلى أين تريد؟ فالمصريون يخافون الوزارة بالفعل، لا ينتظرون بهذا الخوف مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا.
وقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على ثقة الإنجليز لأنهم سيثقون بها — نستغفر الله — بل هم واثقون بها منذ ارتقت إلى مناصب الحكم. وإذن فهي تستطيع أن تعتمد بيمينها على الخوف الذي يهز قلوب المصريين وبشمالها على الثقة التي تملأ قلوب الإنجليز، وأن تمضي في طريقها آمنة مطمئنة، فهذه الطريق طويلة طويلة، ليست أقل طولًا من طريق صدقي باشا، ولعلها أن تكون أكثر طولًا، ولعل الوزارة لا تقطعها قبل عشرة أعوام، فما الذي يمنع الرجل الطيب بعد أن صدر تشريع المحامين من أن يكون سعيدًا مسرورًا وراضيًا محبورًا؟! فهو قد اطمأنَّ منذ أمس — ومنذ أمس ليس غير — على أن وزارته صالحة للبقاء الطويل.
كان صدقي باشا يداوره ويناوره، فقد عجز صدقي باشا عن المداورة والمناورة وأصبح لا يُقْدِم إلا لِيُحْجِم، ولا يكر إلا ليفر، ولا يسترد استقالته إلا ليطلب إجازة!
كان صدقي باشا يخاصمه في الكثرة البرلمانية، فقد سلمت له الكثرة البرلمانية، وأي كثرة كان صدقي باشا ينازعه في الحزب؟! فقد سلم له الحزب، وخلصت أمامه الطريق.
كان صدقي باشا يتهمه بالسذاجة؛ فقد ظهر أنه أقل الناس سذاجة وأبرعهم في السياسة وأقدرهم على حزم الأمور منذ أمس ومنذ أمس ليس غير، أقامت الوزارة لنفسها وللمصريين وللإنجليز أوضح الأدلة على أنها ليست وزارة أيام ولا وزارة أسابيع ولا وزارة أشهر، وإنما هي وزارة أعوام وأعوام.
ذلك أنها برهنت للمصريين وللإنجليز على أنها كوزارة صدقي باشا حذوك النعل بالنعل، لا تخاف شيئًا ولا ترهب شيئًا، ولا تحجم عن شيء ولا تتردد في شيء، كلها مضاء مهما تكن الظروف، وكلها قوة مهما يكن الخصوم.
تكره جماعة من المحامين وتريد أن تقصيهم عن نقابة المحامين فلا يمنعها مانع، ولا يدفعها دافع عن أن تشرع للمحامين قانونًا لا عهد للناس بمثله، وتجر أحكامه على الماضي! ثم يجتمع البرلمان فينظر في هذا القانون في سرعة لا تعدلها إلا سرعة الضوء، ويقر هذا القانون في كثرة تشبه الإجماع، ويرجئ من أَجْل هذا القانون أجلَّ المسائل خطرًا، وأعظمها في حياة الناس أثرًا، لا يتعجل التفكير في السياسة، ولا يتعجل التفكير في المال، ولا يتعجل التفكير في الاقتصاد، ولا يتعجل درس خطبة العرش التي هي برنامج الحكومة، ولا يتعجل الرد عليها، وإنما يجتمع لهذا التشريع ويفكر في هذا التشريع وينظره ويتم النظر فيه، ثم يتفرق لينفق الأعضاء أيام راحتهم هادئين، حتى إذا انقضى الأسبوع عادوا هادئين فنظروا فيما عندهم من الأعمال.
أي قوة تشبه هذه القوة؟! وأي عزم يشبه هذا العزم؟! وأي حرصٍ على المصلحة يشبه هذا الحرص؟! لا تذكر الأزمة المالية فلو كانت موجودة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر مسألة الدين فلو كانت قائمة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر تلك الفضائح المنكرة التي امتلأ بها الجو المصري منذ أسابيع فقد نسيتها الوزارة ونسيها البرلمان، ونسيها الناس.
ليس في مصر شيء يستحق تفكير الوزارة والبرلمان إلا نقابة المحامين. كانت خطرًا دائمًا أشد من خطر الحرب، أشد من خطر الجوع المهلك، أشد من خطر الجفاف المحرق، أشد من خطر الأوبئة الجائحة؛ لذلك فرغت لها الوزارة والبرلمان أسبوعين حتى فرغت منها وأنقذت مصر من شرها الداهم وبلائها المبين!
الغريب أن أئمة المساجد لم يُؤمَروا وأن قسس الكنائس لم يُؤمَروا بإقامة صلاة الشكر لسلامة مصر من هذا الخطر العظيم! والغريب أن رجال الإدارة لم يقبلوا من الأقاليم على رأس الوفود الضخمة يرفعون إلى الرجل الطيب وزملائه الأبطال شكر الشعب وثناءه لأنهم أنقذوا مصر من هذا الخطر العظيم. الغريب أن المدن لم تتزين وأن الحفلات لم تقم وأن الصحف لم تمتلئ بالرسائل البرقية التي تفيض شكرًا لله وللوزراء لنجاة مصر من هذا الشر العظيم.
إن قلوب المصريين لقاسية، وإن نفوس المصريين لجاحدة، وإن كفر المصريين بالنعمة لشيءٌ يملأ القلوب غيظًا واشمئزازًا. ومع ذلك، فالوزارة تخدم المصريين لوجه الله لا تنتظر منهم شكرًا ولا تبتغي منهم ثناء، بل لا تنتظر منهم رضًا ولا تخاف منهم سخطًا، تخدمهم رغم أنوفهم؛ لأنها أعلم منهم بمصالحهم وأبصر منهم بمنافعهم.
والغريب بعد هذا كله أن صحف اليوم التي صدرت في الصباح كلها مخزونة آسفة؛ لأن المحامين لن يشتركوا في الحفلة الرسمية التي ستقام في عيد القضاء، ولأن سياسة الوزارة هي التي دعت إلى هذه الفرقة وحالت بين الأسرة القضائية وبين أن تشترك في إحياء عيدها كما تشترك في احتمال الأثقال التي يفرضها عليها العدل.
أفرأيت أشد عقوقًا وإنكارًا للجميل وميلًا إلى الصغائر وإعراضًا عن عظائم الأمور من هذه الصحف؟! ماذا؟ يصدر أمس قانونٌ ينقذ المحاماة من مكرم وأصحابه، وينقذ البلاد من هذه النقابة الخطرة ويردُّ عن مصر أقبح الكوارث وأشنع الخطوب ويجعلها جزءًا من أوروبا حقًّا ويرفعها إلى مكانة البلاد المتحضرة الراقية، ثم لا تجد هذه الصحف حديثًا تَسُوقه إلى قرائها إلا هذه الفرقة التي أحدثتها الوزارة في أسرة القضاء!
أين هذه الصحف؟! كيف تفكر؟! أيهما آثر عند مصر وأحب إليها؛ أن تحدث هذه الفرقة في الأسرة القضائية فتكون حفلة في الأوبرا لا يشهدها المحامون، ثم إذا أقبل الليل كانت حفلة في سيمراميس، وأخرى في هليوبوليس أم أن يخطب مكرم في الأوبرا بين يدي جلالة الملك وبمحضرٍ من الرجل الطيب وزملائه الأبطال؟!
لو فكَّرَتْ هذه الصحف وقدَّرَتْ لما احتاجتْ إلى أن يُلْقَى عليها مثل هذا السؤال ولعرفت أن كل شيء أهون من أن يدخل مكرم الأوبرا وفيها جلالة الملك وفيها الوزراء، فضلًا عن أن يقوم في الأوبرا خطيبًا ناطقًا بلسان المحاماة دون هذا وتستقيل الوزارة. وهل في استقالة الوزارة خير؟! وهل رأيت وزارة تسعى إلى الاستقالة؟! وهل استقالة الوزارة إلا النكبة الكبرى والكارثة العظمى والخطر الذي لا يستطيع أن يثبت له المصريون؟!
كل شيء بخير! قد سلمت مصر من نقابة المحامين، وسلمت الوزارة من خطبة مكرم، واستقام كل شيء لكل إنسان، فلم يبقَ إلا أن نبتهج ونغتبط، تبتهج مصر كلها بما قُدِّرَ لها من النجاة، وتبتهج أسرة القضاء مفترقة بعيدها السعيد، وتبتهج الوزارة لأنها قد انتهت بالسياسة المصرية إلى أقصى ما يطمع فيه المصريون، وهل يطمع المصريون في شيءٍ كما يطمعون في هذا الوفاق والوئام والاتحاد الذي وصلت بهم الوزارة إليه؟!
Tag: التلاعب التشريعي
-
صدمة | Shock
حديث المساء: صدمة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ ديسمبر ١٩٣٣
هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.
فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.
ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.
نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.
لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.
قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.
وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.
وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.
وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.
وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.
وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.
وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.
فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.
وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟
إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.
أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح.