جامعة الإسكندرية: رأي الدكتور طه حسين
طه حسين
جريدة الأهرام
١٥ ديسمبر ١٩٤١
يُعنى مجلس الوزراء في هذه الأيام بمسألة إنشاء جامعة في الإسكندرية، ويشغل هذا الموضوع أذهان رجال جامعة فؤاد ووزارة المالية. وقد رأى أحد محرري «الأهرام» استطلاعَ صاحب العزة الأستاذ الدكتور طه حسين بك المراقب العام للثقافة العامة رأيه في هذا الموضوع، فوجه إليه السؤال التالي: ما رأيك في هذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة في سبيل إنشاء كلية مستقلة للحقوق في الإسكندرية؟
فأجاب: رأيي أنها خطوة خطيرة جدًّا؛ لأن مدينة الإسكندرية قد كسبت بها كلية من الكليات، وكل خطوة تؤدي إلى إنشاء معهد من معاهد التعليم مهما يكن نوعه هي مصدر خير، ينبغي أن نغتبط به. ولكن هذه الخطوة ظريفة كل الظَّرف؛ لأنها تسجل علينا لونًا من ألوان التناقض الذي لا ضرر فيه، بل فيه النفع كل النفع؛ لأنه يسلينا من جهة، ويضطرنا آخر الأمر إلى أن نضع لأنفسنا سياسة واضحة الأعلام نقيم عليها تعليمنا الوطني. ولعلك لم تنسَ — كما أني لم أنسَ — أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين شكوا وأطالوا الشكوى من كثرة الذين يتخرجون في كلية الحقوق. ولعلك تذكر كما أذكر أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين فكروا في إقفال جدول المحاماة، وكان لهذا التفكير أثرٌ لم يخلُ من عنف في حياة الجامعيين. بهذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة تدل دلالة واضحة على أن مصر لم تستوفِ حظها من الفقهاء الذين يحملون الليسانس في علوم القانون، ولم تستوفِ حظها من المحامين، ولا من القضاة ورجال النيابة. أو هي دليل على أن مصر قد استوفت حظها من هؤلاء جميعًا، واستوفت أكثر من حظها، ولكن ذلك لا يمنع من إنشاء كلية جديدة للحقوق؛ لأن العلم لا يُقاس بالحاجة إلى المحامين والقضاة ورجال النيابة وكتَّاب الدواوين، وإنما يُقاس بحاجة الشعب إلى المعرفة، وحاجة الشعب إلى المعرفة لا تنقضي؛ لأن الشعب يعيش، وحاجة من عاش لا تنقضي كما قال الشاعر القديم. ما من شك في أن الجامعة والحكومة تصححان الموقف بهذه الخطوة الكريمة، وتدلان على أن مصر قد بلغت رشدها العقلي، وأصبحت لا تعلِّم أبناءها بمقدار الحاجة إلى الموظفين، وإنما تعلمهم بمقدار الحاجة إلى العلم.
هنا يظهر التناقض الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث. فحاجة مصر إلى الحقوق لا تنقضي من غير شك، ولكن حاجتها إلى العلوم والآداب وإلى فنون الهندسة والزراعة والتجارة لا تنقضي أيضًا. فما بال حاجتنا إلى الحقوق تظفر بالرضا والعناية، وما بال حاجتنا إلى العلوم والفنون الأخرى تقوم في سبيلها العقاب والصعاب. هذه هي عقدة العقد المعقدة تعقيدًا كما كان يقال في بعض التمثيل المضحك.
لعلك توافقني على أن من أظرف الأشياء وأطرفها أن يطالب الشعب المصري بإنشاء المعاهد التي يُقبل فيها مئات الطلاب الذين ظفروا بالشهادة الثانوية من شعبة العلوم والرياضة، فتنشئ له الجامعة والحكومة كلية الحقوق في الإسكندرية التي تتشدد من غير شك — كما تتشدد شقيقتها الكبرى — في قبول الطلاب، وستأبى من غير شك — كما تأبى شقيقتها الكبرى — قبول الطلاب، إلَّا أن يقدموا إليها الشهادة الثانوية من شعبة الآداب، ومن شعبة الآداب وحدها. ومعنى ذلك أن الطلاب الذين لم يستطيعوا دخول الجامعة في هذا العام، والذين لا يستطيعون دخول الجامعة العام المقبل سيظلون في الشوارع؛ لأن مصر كانت تريد كليات للعلوم والطب والهندسة، فأنشأت لها الجامعة والحكومة، وسينشئ لها البرلمان إن شاء الله كليةً للحقوق. وهذا يذكرني للمرة الواحدة أو الثانية بعد الألف بجملة بدأ بها أحد الكتَّاب الفرنسيين قصة من قصصه، وأنا أذكرها في كل يوم؛ لأن حياتنا المصرية تفرضها عليَّ فرضًا. قال الأب لابنته: تحبين مون شاناه فستتزوجين كورسييه! وقالت الدولة المصرية لمصر: تريدين مني كلية للعلوم وأخرى للطب وأخرى للهندسة، فسأنشئ لك كلية الحقوق!
وأظرف من هذا كله أننا كنا نظن أن الجامعة والدولة إنما تفكران في الإسكندرية محل الأزمة الجامعية التي تتجدد في كل عام، فقد اجتمع مجلس الوزراء وتكشف اجتماعه يوم الإثنين الماضي عن إنشاء كلية الحقوق، لا لشيء إلَّا لأن فرع الحقوق في الإسكندرية قد أتم أعوامه الأربعة، وأصبح قادرًا على أن يقدم تلاميذه لدرجة الليسانس، فأصبح أصلًا فرعًا، وأصبح من الواجب أن يسمَّى كلية، وأن تكون هذه الكلية مستقلة لها مجلسها الخاص، ولكنها ستتبع جامعة القاهرة، وسيكون لها ممثلوها في مجلس الجامعة. ولن يشكو الشاكون من كثرة المحامين ورجال الحقوق فحسب، ولكن مجلس الجامعة نفسه سيشكو بإذن الله من كثرة رجال الحقوق فيه، فسيكون فيه ستة من رجال الحقوق على حين لا يكون للكليات الأخرى فيه إلَّا ثلاثة من الممثلين.
وإذن، فأنت ترى أن الحل الصحيح للمشكلة إنما هو إنشاء الجامعة، ما في ذلك شك، وما من ذلك بد. فالحكومة تقدم اليوم إلى البرلمان قانونًا لإنشاء كلية مستقلة في الإسكندرية، وستضطر في العام المقبل إلى أن تقدم إلى البرلمان قانونًا آخر لإنشاء كلية الآداب في الإسكندرية؛ لأن فرع الآداب في الإسكندرية سيبلغ الرشد، ولولا ظروف خاصة لبلغ الرشد في هذا العام. وسيصبح في مجلس الجامعة منذ العام المقبل ستة من أساتذة الآداب، كما سيصبح فيه ستة من أساتذة الحقوق. وللضرورات حكمها، فهناك أكثر من ألف لم يقبلوا هذا العام في الجامعة، وسيتضاعفون في العام المقبل، وستنشئ لهم الدولة راضية أو كارهة كليات يتعلمون فيها، وستتقدم إلى البرلمان بقانون لإنشاء كلية الطب، وآخر للعلوم، وثالث للهندسة، وهلم جرًّا. ولو كنت عضوًا في البرلمان لرددت إلى الحكومة قانونها الذي تنشئ به كلية الحقوق، ولطلبت إليها أن تختصر الطريق، وأن تقدم قانونًا واحدًا ينشئ جامعة الإسكندرية المستقلة، على أن يكون فرع الحقوق والآداب نواة لها، وعلى أن تنشأ الكليات الأخرى تدريجًا بمقدار حاجة الشعب من جهة، وبمقدار طاقة الدولة من جهة أخرى.
ذلك أدنى إلى المنطق وأقرب إلى المعقول، وأخلق أن يرضي عزة الشعب وأن يحقق آمال مدينة الإسكندرية. ومن حق مدينة الإسكندرية أن تطمع في أن تكون لها جامعتها، وهي أسبق المدن الشرقية إلى إنشاء الجامعات.
ولو كنت عضوًا في البرلمان لطلبت إلى الحكومة إنشاء هذه الجامعة الثانية، أو إلغاء نصف المدارس الثانوية ونصف المدارس الابتدائية لسبب بسيط، وهو أن مصر في أول هذا القرن لم يكن فيها إلَّا ست مدارس ثانوية تشرف عليها الحكومة، وكانت فيها معاهد التعليم العالي التي تألفت منها الجامعة بعد الحرب الكبرى.
وقد أصبح عدد المدارس الثانوية الحكومية الآن سبعًا وثلاثين، وما زالت معاهد التعليم العالي كما كانت لم تتغير إلَّا أسماؤها ونظمها. ومن الخطأ أن يُظن أن نهضتنا الاستقلالية قد أنشأت جامعة فؤاد الأول، وإنما الصواب أن جامعة فؤاد الأول قد أنشأت نهضتنا الاستقلالية. فهذه الجامعة كانت موجودة بالفعل قبل الحرب الكبرى، وكل ما حصل بعد الاستقلال هو أن معاهدها ضُمَّت وأُنشئت لها إدارة واحدة قبل الحرب إلى حدٍّ ما. فقد كانت هناك مراقبة التعليم العالي في وزارة المعارف. وإذن، فالاستقلال والنهضة والثورة الوطنية، كل ذلك لم يستفد منه التعليم العالي إلا اسمًا ونظمًا. فأمَّا الحقائق فليس منها شيء جديد. فما رأيك في بلد يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا بثورته الوطنية ونهضته القومية واستقلاله التام، وهو بعد هذا كله لم يستطع أن ينشئ معهدًا واحدًا من معاهد التعليم العالي. والشيء المهم هو أن المدارس الثانوية قد نيفت على الثلاثين، والجامعة ما زالت واحدة، وهي عاجزة عن تعليم الذين يخرجون من المدارس الثانوية. وقد علمت أن مجلس الوزراء سيفرغ لدرس هذه المشكلة في يوم قريب، فأرجو أن يفكر الوزراء في أن ليس أمامنا إلَّا طريقان لا ثالث لهما: فإما أن تنشأ جامعة ثانية يتعلم فيها الذين تخرِّجهم المدارس الثانوية الحكومية والحرة. [و] الشيء الذي لا أشك فيه؛ أن مجلس الوزراء لن يقدم على إلغاء مدرسة ثانوية واحدة فضلًا عن إلغاء عشرين مدرسة ثانوية.
وإذن، فالخير أن ننتظر ما ينتهي إليه بحث مجلس الوزراء، وأكبر ظني أنه لن يجد من إنشاء الجامعة الثانية بدًّا.
Tag: التنمية الفكرية
-
جامعة الإسكندرية رأي الدكتور طه حسين | Alexandria University: The View of Dr. Taha Hussein
-
تكوين الصفوة المثقفة | Forming the Educated Elite
تكوين الصفوة المثقفة
طه حسين
جريدة الأهرام
٢ مارس ١٩٣٩
شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».
جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:
الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.
وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين! -
مبادئ | Principles
حديث الوادي
مبادئ . . .
تخافها الوزارة القائمة كل الخوف وتفزع منها أشد الفزع حتى يخرجها ذلك عن طورها وينأى بها عما ينبغي لها من المهل والأناة، ويدفعها إلى أن تهمل نظم الجامعة إهمالاً، وتعرض عن مجالسها إعراضاً، وتفصل أستاذاً من أساتذة القانون، في غير سؤال ولا تحقيق، وتغلو في كتمان هذا الفصل كأنما تشفق من إعلانه فلا يذاع في الناس إلا عفواً أو بقصد رجل أراد أن يضع الوزارة أمام الأمر الواقع. وهذه المبادئ الخطيرة التي تخيف الوزارة إلى هذا الحد وتدفعها إلى ما دفعت إليه من هذا العمل الغريب الجريء، هي المبادئ التي وضعت لجماعة الشبان المصريين التي أنشأها الأستاذ السنهوري.
ولعلك حين تقرأ هذا الكلام وترى حذر الحكومة وإشفاقها وجزع الوزارة وفزعها، تظن الظنون بمبادئ هذه الجماعة وتقدر لها مبادئ خطيرة حقاً، من شأنها إذا أذيعت بين الناس، أن تقلب النظام السياسي والاجتماعي رأساً على عقب، وأن تحدث في مصر أحداثاً جساماً لا ينبغي أن تحدث فيها. ولكن تمهل بعض الشيء، ولا تندفع كما اندفعت الوزارة إلى الفزع والهلع ولا إلى الخوف والإشفاق. فهذه المبادئ بريئة جداً يسيرة جداً، لا ينبغي لرجل يكرم نفسه أن يتخذ مبدأ يخالفها، أو ينأى عنها، وإنما هي المبادئ التي تكون الرجل الخليق بهذا الاسم، والتي ينتحلها لنفسه كل إنسان.
هذه المبادئ ثلاثة: أولها تقويم الخلق، وثانيها تهذيب العقل، وثالثها تنمية الجسم. فحدثني عن رجل يرضى أن يكون خلقه معوجاً، أو يطمئن إلى أن يظن به الناس اعوجاج الخلق؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من حضارة لا يطمع في أن يقوم خلقه ما وجد إلى ذلك سبيلاً؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من ذكاء لا يحب أن يظن الناس به أن خلقه معتدل مستقيم؟ وإذن فماذا تنكر الوزارة من قوم يريدون أن يقوموا أخلاقهم ومن أستاذ يعينهم على تحقيق ما يريدون؟ وأي بأس على الوزارة من أن تكون أخلاق الناس مستقيمة ومن أن يطمح الشبان إلى أن يصدقوا في القول ويخلصوا في العمل ويجتنبوا الضعف والفتور، ويحرصوا على القوة ومضاء العزم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين أن تعتدل أخلاقهم وتستقيم، وأنها تريدهم على أن تكون أخلاقهم معوجة، وسيرتهم ملتوية ونفوسهم فاترة ذليلة وعزائمهم واهنة مغلولة؟ وهل تطمئن الوزارة إلى أن يظن بها الناس أنها لا تستطيع أن تحكم إلا إذا فسدت الأخلاق، ولا تستطيع أن تستقر في الحكم إلا إذا ساءت السيرة، وأنها تخاف الخير، وتشفق من البر، وترى الفضيلة لها عدواً خطيراً؟
ثم حدثني عن رجل، مثقف أو متحضر، لا يطمع في أن يهذب عقله، ويزيد حظه من الثقافة ونصيبه من العلم، بل حدثني عن رجل متحضر، لا يحب أن يظن الناس به سعة العقل، وغزارة العلم، وقوة الذكاء؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين سعة العقل، وغزارة العلم، وإنما تحب لهم الجهل وضيق الأفق، وقصور الذكاء؟ وهل يستطيع وزير التعليم أن يعلن إلى الناس أنه لا يحب أن يعنى الشبان بالتعليم ولا يرضى لهم أن يستزيدوا من العلم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن أنها لا تقدر على الحكم، ولا على الاستقرار فيه، إلا إذا ظل المصريون جهالاً مغلقين، تضيق عقولهم عن كل شيء، وتعجز عقولهم عن استكشاف الحقائق أو فهمها أو الحكم عليها؟ ثم حدثني عن رجل له حظ من ذكاء، لا يطمع في أن ينمي جسمه، ويلتمس له من أنواع الرياضة، ما يقويه ويكفل له حظاً من الصحة، وقدرة على النشاط، واحتمال أثقال الحياة؟
وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين قوة ولا صحة، وإنما تريدهم ضعافاً مراضاً، ينهكهم السقم، ويفنيهم الضنى، وأنها لا تقدر على الحكم ولا على الاستقرار فيه، إذا قويت أجسام المصريين وتمت لهم الصحة الموفورة والبراءة من العلل والأسقام؟
نحب أن نعلم ماذا أنكرت الوزارة من هذه الجماعة التي أنشأها الأستاذ السنهوري؟ هل تستطيع الوزارة إن صعدت إلى السماء السابعة، أو هبطت إلى الأرض السابعة أن تثبت أو أن ترجح، أو أن تخيل أن في هذه المبادئ أو في نظام هذه الجماعة سياسة أو شيئاً يشبه السياسة أو شيئاً يمس نظم الحكم من قريب أو من بعيد؟ فقصة الأغراض السياسية إذن كلام فارغ، وضرب من العبث وفن من التجني، وتكأة يعتمد عليها في الاعتذار من هذا الفصل الذي ليس إلى تعليله المعقول من سبيل، وإنما العلة الحقيقية لهذا الفصل، العلة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي هذه المبادئ نفسها. فأي شيء في هذه المبادئ يخيف الوزارة ويفزعها ويدفعها إلى مثل ما أتت من الأمر؟ ألا تستحي الوزارة من أن يظن الناس بها الظنون، ومن أن يقول بعضهم لبعض، إن الحياة السياسية في هذه الأيام، لا تريد للمصريين أن يكونوا رجالاً، ومن أن الوزارة المصرية تحرص على أن يبعد المصريون كل البعد عن استكمال رجولتهم، وتعاقب كل من يدعوهم إلى الرجولة بألوان العقاب المختلفة؟
لقد نعلم أن الأستاذ السنهوري ذهب يتحدث إلى مدير الأمن العام في أمر جماعته هذه، وفي أنها لا تعنى بالسياسة، ثم طلب إليه أن ينظر في أغراضها، فلما انتهى إلى تقوية الجسم قال إن تقوية الجسم تهيئ جيشاً. فمدير الأمن العام إذن يخاف أن تقوى أجسام المصريين لأنه يخاف أن يكون للمصريين جيش قوي. في أي عصر نعيش، وأي حياة نحيا؟ أجد هذا الكلام أم هزل؟ إنا نريد أن نعتقد أن مدير الأمن العام لم يظن، ولم يقدر أن الأستاذ السنهوري يريد أن يكون من جماعته جيشاً يستعين به على مقاومة الجيش النظامي، وعلى إحداث الأحداث، في هذا البلد المطمئن. فمدير الأمن العام عندنا أذكى من أن تخطر له مثل هذه الخواطر. وإذن فماذا يخاف مدير الأمن العام، إن قويت أجسام المصريين؟ وماذا يخاف إن قويت أخلاقهم، واتسعت عقولهم؟ سؤال نستطيع أن نردده ما شئنا فلن نظفر عليه بالجواب الصحيح، وإذن فنحن نبيح لأنفسنا أن نجيب إذا استقامت أخلاق المصريين وامتنعت على الفساد والاعوجاج، وإذا ارتقت عقول المصريين وارتفعت عن الضعف والضيق، وإذا قويت أجسام المصريين وبرئت من العلل والأسقام، وإذا استكمل المصريون رجولتهم حقاً، لم يرضوا من الأمر إلا ما يرضاه الرجال، ولم يقدموا من الأمر إلا على ما يقدم عليه الرجال. ولم يطمئنوا إلى أن يسخروا كما تسخر الأنعام، أو يحكموا كما يحكم الضعاف، أو تكون مصالحهم موضوعاً للعبث، أو يكون استقلالهم موضوعاً للمساومة، أو تكون حريتهم عرضة لتحكم وزير أو موظف كبير، أو تكون جامعتهم صورة من الصور، وشكلاً من الأشكال، أو تكون حياتهم السياسية نفاقاً وحياتهم الاجتماعية رياءً وحياتهم العلمية غشاً وخداعاً. وإذا انتهى المصريون إلى هذا الحظ من الرقي العقلي والخلقي والجسمي، فأبوا الضيم، وامتنعوا على الذل لم تطب للمستعمرين من الإنجليز حياة على ضفاف النيل. . نرجو أن يفهم الشباب المصريون هذا الدرس البليغ، الذي ألقي عليهم بفصل الأستاذ السنهوري من منصبه لأنه أراد أن ينشئ جماعة تعمل على تنمية الأجسام، وترقية العقول، وتهذيب الأخلاق.
نرجو أن يعرف الشباب المصريون أن من الناس من يكره لهم أن يكونوا رجالاً ويعاقب من يريد لهم أن يكونوا رجالاً.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٢ . -
الأدب العربي والتمثيل | Arabic Literature and the Theatre
الأدب العربي والتمثيل
طه حسين
مجلة المصور
١ يونيو ١٩٣٤
وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟
فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.
وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.
وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.
وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.
ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.
نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.
ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟
والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.