شهرية السياسة الدولية
١طه حسين
الكاتب المصري
ديسمبر ١٩٤٦
كان للسياسة العالمية في شهر نوفمبر مظهران متمايزان: أحدهما مألوف قد شهده الناس منذ انتهت الحرب العالمية الأخيرة، وهو هذا الصراع المتصل بين المنتصرين حول بسط السلطان والنفوذ. فالذي يشهده الناس من هذا الصراع هو بعينه الذي كانوا يشهدونه في الأشهر الماضية، بل في العام الماضي أيضًا سواء اختلفت موضوعاته وأشكاله أم لم تختلف. فروسيا مثلًا مصرَّة على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وسبيلها إلى ذلك هو الاشتراك في حماية المضايق. والبريطانيون والأمريكيون يشفقون من هذا الاتصال ويؤيدون تركيا التي تريد أن تحافظ على استقلالها وتأبى أن يشترك الروس معها في حماية هذه المضايق.
وليست هذه المسألة جديدة، فعهدنا بها بعيد، ولكن الحديث فيها لا ينقضي. وروسيا تسلك إلى حلها طرقًا مختلفة، تلين حينًا وتشتد حينًا، ترسل المذكرات إلى تركيا مرة وإلى مؤيديها مرة أخرى، بحيث صح ما يقال من أن روسيا تثير بهذه المشكلة حرب أعصاب مرهقة. والمهم هو أن هذه المشكلة لم تتقدم ولم تتأخر، فما زالت روسيا تصر، وما زال الآخرون يرفضون، وما زالت الصحف ورسائل البرق تُفيض في هذا الرفض وذلك الإصرار.
وروسيا من ناحية أخرى تهاجم بوسائلها المعروفة في الراديو والصحف وفي الاجتماعات الدولية العامة — كمؤتمر الصلح وهيئة الأمم المتحدة — سياسة البريطانيين والأمريكيين التي ترمي إلى التوسع في بسط النفوذ في الشرق الأوسط، والتي ترمي إلى التكتل حول الرأسمالية في غرب أوروبا. والبريطانيون والأمريكيون يهاجمون السياسة الروسية بوسائلهم المعروفة؛ لأنها فيما يرون تلقي الستار الحديدي على جزء من أوروبا في الشرق والجنوب والوسط، وتُجري من وراء هذا الستار ألوانًا من الأحداث، يصفها البريطانيون والأمريكيون بأنها اعتداء على استقلال الأمم وازدراء لحرية الشعوب. ويرى الروسيون أنها تحرير للأمم وتحقيق للحرية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان في هذا العصر الحديث الذي يجب أن يكون عصر الحق والعدل والمساواة.
والعالم يشهد هذا الصراع الكلامي ضيقًا به غير مستوثق من نتائجه، مقدِّرًا أن هذه الدول الكبرى تختصم فيما بينهم بالكلام وألوان الإعلان؛ لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك الآن. وهي في أثناء ذلك تصلح من أمرها وتتيح لشعوبها أن تضمد ما أصابها من الجراحات في الحرب الماضية، وتستعد استعدادًا منكرًا لمستقبل قريب أو بعيد.
ولكن العالم لا يقف موقف المتفرج الخائف الحذر الساخر فحسب، وإنما يقف موقف الذي تصيبه آثار هذا الصراع ونتائجه في حياته اليومية المباشرة. فالعالم منقسم بالفعل إلى مناطق نفوذ، تسيطر عليها الدول المنتصرة. وهذه المناطق نفسها هي موضوع النزاع وميدان الصراع؛ فمن الطبيعي أن تتأثر مصالحها المباشرة بما يكون بين المنتصرين من تنافس وخصام.
ويكفي أن تنظر إلى المشكلة اليونانية مثلًا، فكل فرد من أفراد الأمة اليونانية متأثر في حياته اليومية بهذا الصراع بين الفريقين المختصمين من المنتصرين. وقد كان بعض الناس يظن أن الاستفتاء اليوناني حول نظام الحكم سيضع حدًّا للمأساة التي يشقى بها الشعب اليوناني، فتبيَّن الآن في صراحة وجلاء أن الاستفتاء لم يضع حدًّا لشيء، ولعله أن يكون قد بدأ مأساة أشدَّ هولًا وترويعًا مما كان يجري قبل الاستفتاء. فالحرب الأهلية ما زالت دائرة الرحى في بلاد اليونان، وهي تزداد عنفًا من يوم إلى يوم. وكان الروس يطالبون في الدورة السابقة لهيئة الأمم المتحدة بجلاء البريطانيين عن بلاد اليونان، وما زال الجنود البريطانيون مقيمين فيها إلى أجل لا سبيل إلى تحديده بعد. ونحن نسمع الآن أن الحكومة اليونانية القائمة تريد أن تشكو إلى هيئة الأمم المتحدة من جيرانها الذين يؤلبون عليها ويمدُّون الثورة فيها بما تحتاج إليه من قوة، وهؤلاء الجيران هم اليوغسلافيون والبلغاريون والألبانيون، وهم كلهم خاضعون للنفوذ الروسي. ومعنى ذلك أن الشعب اليوناني العظيم الذي أبلى في الحرب بلاءه الرائع، وكان خليقًا أن يظفر من المنتصرين بالعناية والرعاية والعطف يشقى الآن بما يقوم بين المنتصرين من اختلاف شقاء يعرض أبناءه للفقر والجوع والموت في كثيرٍ من الأحيان.
والقصة الإيرانية ليست خيرًا من القصة اليونانية، فلم تكد إيران تفرغ من الخصومة بينها وبين روسيا وتستريح من مشكلة أذربيجان حتى ثارت الخصومة بينها وبين الإنجليز، ونشأت الاضطرابات والثورات في جنوبها بعد أن لم تكد تهدأ في شمالها. ووقفت إيران هذا الموقف المؤلم الذي لا تجد فيه راحةً ولا أمنًا؛ لأنها لا تستطيع أن ترضي الروس والإنجليز معًا.
وحديث الشرق العربي أوضح وأبشع من أن نحتاج إلى ذكره فضلًا عن الإطالة فيه. وهذا الصراع نفسه بين المنتصرين يعرض الشعب التركي لشر عظيم، فهو مضطر إلى أن يظل في حالة خوف وحذر واستعداد للطوارئ وإبقاء للجيش على أهبة الحرب، وذلك يكلفه من المال أكثر مما يطيق. ويقال: إن الميزانية التركية لم تبلغ قط من التضخم ما بلغته هذا العام، والفرد التركي هو الذي يمدُّ الدولة بما تحتاج إليه من مال، وهو يقتطع هذا من نفقات حياته اليومية.
فهذا المظهر المألوف من مظاهر السياسة العالمية ليس من شأنه أن يرضي الشعوب أو يردها إلى الثقة والأمن والاستقرار. ومهما يكن هذا المظهر مألوفًا فإن استمرار البلاء واتصال المحن لا يغيِّر من طبيعتها.
أمَّا المظهر الثاني لهذه السياسة العالمية فقد مرَّ به الناس مسرعين إلى حدٍّ ما، مع أنه قد يكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا في السياسة الدولية مما يظنون. وهو على كل حال سيزيد المظهر الأول قوة، وسيضاعف ما في الصراع بين المنتصرين من عنف. فقد حدثت في شهر نوفمبر أحداث ثلاثة لها خطرها حقًّا.
الأول: نجاح الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان الديمقراطيون يصارعون روسيا صراعًا شديدًا عنيفًا مع أنهم حزب التقدم والميل القليل إلى الناحية اليسارية، فكيف بالجمهوريين الذين هم أصحاب اليمين في الولايات المتحدة والمحافظون أشد المحافظة على تقاليد الاقتصاد الرأسمالي، وعلى تقاليد التشدد في السياسة الخارجية، وعلى تقاليد إقامة المنفعة المادية وحدها أساسًا للحكم وأساسًا للعلاقات السياسية الخارجية! ليس من شك في أن انتصار الجمهوريين سيزيد الولايات المتحدة عنادًا في موقفها من روسيا، وإصرارًا على ما أظهرت من التشدد إلى الآن. الثاني: انتصار الشيوعيين في الانتخابات الفرنسية. وما ينبغي أن نُسرف في تقدير الفوز الذي ظفر به الشيوعيون في هذه الانتخابات؛ فهم لم يظفروا بالكثرة التي تمكنهم من الحكم وحدهم، ولو قد ظفروا بها لتغيرت سياسة العالم تغيُّرًا أساسيًّا خطيرًا. بل هم لم يظفروا بالكثرة التي تمكِّنهم من أن يحكموا مؤتلفين مع الاشتراكيين، ولو قد ظفروا بها لكان من الممكن أن تتجه فرنسا وأوروبا الغربية معها اتجاهًا مقلقًا إن لم يكن مزعجًا.
ولكنهم مع ذلك قد ظفروا بكثرة تجعل حزبهم أكبر الأحزاب الفرنسية أعوامًا متصلة، ويتيح لهم أن يطالبوا برياسة الحكومة، وتمكِّنهم كذلك من أن يحولوا بين فرنسا وبين الاتجاه المسرف نحو اليمين، وتمكِّنهم من أن يفرضوا على الحكومة الفرنسية المضي في الإصلاح الاجتماعي إلى أبعد مما مضى الفرنسيون منذ تم تحرير فرنسا.
فما أحدثه انتصار الجمهوريين في أمريكا من اندفاع نحو اليمين، يلطفه ويخفف من حدته انتصار الشيوعيين في فرنسا. ويمكن أن يُقال: إن ما تخسره روسيا بانتصار اليمين في أمريكا البعيدة يعوضه عليها انتصار الشمال في فرنسا.
فأمَّا الدولة التي قد خسرت من هذين الانتخابين جميعًا فهي بريطانيا العظمى، وهي قد خسرت دون تعويض. ذلك أن الحكومة القائمة في بريطانيا العظمى ليست محافظة يمكن أن تعتز بانتصار المحافظين الشيوعيين في فرنسا، وإنما هي اشتراكية، تخاف المحافظين أشد الخوف، وتبغض الشيوعيين أشد البغض. فانتصار أولئك وهؤلاء يضعف من مركزها في العالم كله، وفي أوروبا الغربية بنوع خاص، بل هو يضعف من مركزها في بريطانيا العظمى نفسها، فسيعتز المحافظون البريطانيون بانتصار المحافظين الأمريكيين، وستقتضي ظروف الحياة نفسها أن يصبح التعاون بين المحافظين على ساحلي المحيط الأطلنطيقي ضرورة محتومة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية نفسها.
وأكبر الظن أن وقتًا طويلًا لن يمضي قبل أن يشترك المحافظون البريطانيون في الحكم على نحوٍ ما. ذلك إذا لم تقتضِ الظروف حل مجلس العموم ليعيد الشعب البريطاني نظره في مركزه من السياسة العالمية ومن الاقتصاد العالمي.
على أن حزب العمَّال البريطاني قد مُنيَ بصدمة عنيفة حقًّا من الناحية النظرية، أو قل — إن شئت — من ناحية مبادئه وآرائه وقدرتها على الثبات فضلًا عن الانتشار. وهذه الهزيمة تأتيه من الانتخابين جميعًا. ففي فرنسا ينهزم الاشتراكيون انهزامًا خطيرًا، وتزول بهذا الانهزام فكرة الكتلة الغربية التي كان الاشتراكيون البريطانيون يحلمون بتأليفها بين الأحزاب الاشتراكية في غرب أوروبا. وانتصار المحافظين في أمريكا يحرج مركز الاشتراكيين البريطانيين في بريطانيا وفي الخارج، ويدفع هذا الحزب إلى إحدى اثنتين: فإمَّا أن يتطرف إلى الشمال فيُضحِّي ببغضه للشيوعيين، وإمَّا أن ينحاز إلى اليمين فيُضحِّي بأساسه الاشتراكي نفسه. ونتيجة هذا كله أن الاشتراكية البريطانية، بل الاشتراكية العالمية، قد أصبحت الآن متأخرة بالقياس إلى التطور العالمي، وستظل وقتًا طويلًا أو قصيرًا مظهرًا للقصد والاعتدال بعد أن كانت إلى وقت قريب جدًّا مظهر التطرف والغلو.
أمَّا الحدث الثالث الذي حدث في شهر نوفمبر وكان حدوثه صدمة ثالثة للاشتراكية البريطانية، فهو هذه الثورة، أو إن شئت فقل هذا التمرد الذي اندفع إليه عدد غير قليل من النوَّاب العمَّال في مجلس العموم. وقد لاحظ الناس أن الحكومة البريطانية اهتمت لهذا التمرد، فأرادت أن تطرح الثقة، وأن حزب العمال اهتم له فأراد أن يعاقب المتمردين، وأن المحافظين البريطانيين اهتموا له فأيدوا حكومة العمَّال عند الاقتراع. وقد مرَّت هذه العاصفة دون أن تسقط الوزارة البريطانية، فظنَّ الناس أنها مرت بسلام، والواقع أنها بعيدة عن هذا كل البعد؛ فهي قد أحدثت صدعًا خطيرًا في حزب العمال، وأثبتت أولًا أن فريقًا من هذا الحزب يضيقون بالسياسة الخارجية التي تناهض اليسارية الروسية، وأثبتت ثانيًا أن في هذا الحزب فريقًا يخافون على المبادئ الاشتراكية نفسها أن تفقد قيمتها وقوتها بالانحياز أو التحبب إلى المحافظين، وأثبتت آخر الأمر أن الحزب الاشتراكي البريطاني ليس من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى المحافظين تحدِّيًا صريحًا متصلًا، وليس من القوة بحيث يستطيع أن يفرض النظام الدقيق على أعضائه فيضطرهم إلى أن يُذعنوا لما تقرره الحكومة والهيئة الإدارية. والحزب الاشتراكي البريطاني لا يملك ولا يريد أن يملك من وسائل النظام والمحافظة عليه ما يملكه الحزب الشيوعي من جهة والحزب المحافظ من جهة أخرى.
ولذلك نستطيع أن نثق بأن هذا التمرد ليس إلَّا أول الغيث، وبأن الحزب الاشتراكي قد يضطر في وقت قريب أو بعيد — بحكم الظروف الداخلية والخارجية جميعًا — إلى أن يشترك مع المحافظين في الحكم أو ينزل لهم عنه كارهًا.
أمَّا أثر هذا في الحياة العالمية الآن فضئيلٌ جدًّا لا يكاد يُحسب له حساب. ولكن الشاعر العربي لم يخطئ حين قال:
إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيمشهرية السياسة الدولية
Tag: التوسع السوفيتي
-
شهرية السياسة الدولية | Monthly International Politics
-
مجلس الخوف … | The Council of Fear …
مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب. -
مصادر القلق | Sources of Anxiety
مصادر القلق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣ مارس ١٩٤٦
إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.
والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!
هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.
ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.
هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.
أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.
وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.
هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.
كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.
وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.
فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.
هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.
وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.
وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.
وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.
فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.
وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.
وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.
وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.
وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:
ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار