كلية الآداب
حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب
وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:
أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟
ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟
فتفضل بالجواب التالي:
١-
أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.
وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.
وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟
فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.
وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.
وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.
ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.
ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.
ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.
وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.
وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.
وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.
أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.
ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.
ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.
وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.
هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.
وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.
ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.
(١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.
وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.
وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.
كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.
والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.
٢-
الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:
الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.
الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.
الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.
ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.
المقتطف، يناير ١٩٣٧.
Tag: الجامعة المصرية
-
كلية الآداب | The Faculty of Arts
-
كتمان | Concealment
حديث الوادي
كتمان…
تحار في فهمه العقول، ويعجز عن تفسيره أمهر الناس في حل الألغاز، وأقدرهم على كشف الأسرار، ورفع الأستار، مهما ينفق في ذلك من جهد ووقت، ومهما يحتمل في ذلك من مشقة وعناء.
فقد وصل أمس إلى الأستاذ السنهوري هذا القرار الظريف الطريف الجريء البريء، الذي أصدره مجلس الوزراء بفصله من العمل في كلية الحقوق، فإذا هذا القرار العجيب الغريب، قد صدر في يوم السبت، الحادي عشر من هذا الشهر، ولم يعلم الناس من أمره شيئاً لا في يوم السبت، ولا في الأيام الخمسة التي تليه، فلما كان يوم الجمعة تحدثت "الجهاد" بأن إشاعة تشاع وأنباء تذاع بأن الوزارة تريد أن تفصل الأستاذ السنهوري. وتمنت "الجهاد" صادقة ناصحة للوزارة وللجامعة ألا تكون هذه الأنباء صحيحة.
وفي ظهر هذا اليوم انتهت إلينا أنباء خاصة عن بعض الراسخين في العلم بأن ما نشرته "الجهاد" على أنه إشاعة لم يكن إشاعة، وإنما كان حقاً واقعاً قد تم وقوعه وقضى الأمر فيه. فاتصلنا ببعض هؤلاء الراسخين في العلم نسألهم عما نقل إلينا عنهم من الأنباء فأنكروا هذه الأنباء إنكاراً، ظاهره القوة، وباطنه الضعف، وخرجنا من الحديث معهم مرتابين. ثم كان المساء فبحثنا في المصادر المختلفة عن هذه الأنباء، أصادقة هي أم غير صادقة؟ أتمثل ما فعلت الوزارة، أم تمثل ما تريد الوزارة أن تفعل؟ فلم نستطع أن ننتهي إلى شيء قاطع، وإنما كان الأمر كله شكاً في شك. واختلاطاً في اختلاط.
ثم أصبحنا يوم السبت فإذا الأهرام تنشر الخبر على أنه صورة للحق الواقع وعلى أن مجلس الوزراء قد أصدر قراراً لم يكن قد أذيع. ثم نقلت إلينا الريح، ونقل إلينا قطار البحر أن الأمر كان مكتوماً، وأن أصحاب الأمر كانوا يغلون في كتمانه، وأن الأمر كان خليقاً أن يظل مكتوماً حتى يتم تبليغ القرار إلى الأستاذ، أو حتى يعاد النظر في هذا القرار، بعد أن ظهر لرئيس الوزراء أن هناك كيداً يكاد، وكلاماً لا يصور الحق، وظلماً يجب رفعه، لولا أن عليماً بدخائل الأمور أراد أن يضع الحكومة أمام الأمر الواقع فألقى الأمر إلى من أرسله إلى الأهرام.
كل هذا يدل على أن مجلس الوزراء قد اتخذ قراراً في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر، وعلى أن هذا القرار قد كتم أسبوعاً كاملاً أو ستة أيام كاملة إن أردت التحقيق والتدقيق. ولعلنا لا نغلو إن قلنا إن هذا الأمر لم يكتم على الصحف وحدها، ولا على الجمهور من قراء الصحف، وإنما كتم على قوم آخرين من شأنهم ألا يخفى عليهم مثل هذه الأنباء. فمن الطبيعي أن نسأل أنفسنا وأن نسأل الناس وأن نسأل الوزراء عن مصدر هذا الكتمان الغريب لهذا القرار الغريب. ومن المؤكد أن الخوف ليس هو مصدر هذا الكتمان فوزارتنا والحمد لله مستمتعة بالشجاعة التي لا تشبهها شجاعة والقوة التي لا تدانيها قوة والجرأة التي لا يعرف لها نظير في الشرق والغرب، فهي لا تخاف أحداً من الناس، وقد يخافها الناس جميعاً، وهي لا تخاف من شيء، وقد يخاف منها كل شيء. وماذا يمكن أن تخاف الوزارة من إعلان هذا القرار وهو لا يزيد على أنه يفصل أستاذاً من أساتذة الجامعة لم يبلغ الأربعين ولم تتعلق عليه الوزارة بمخالفة ثابتة لقانون من القوانين أو نظام من النظم، أو أصل من الأصول. وإنما قيل لها كلام فسمعته، ونقلت إليها أحاديث فصدقتها. لم تحقق ولم تسأل، ولم تجد في تبين الصواب. وهذا أيسر ما يصدر عن الوزارات القوية في مثل هذا العهد السعيد. وليس من شك في أن الوزارة لم تخف غضب الجامعيين. فقد أصبح الجامعيون والحمد لله لا يخافون ولا يرهبون، قلوبهم هادئة، وطباعهم مطمئنة، وضمائرهم مستريحة، وألسنتهم مؤثرة للصمت، وأقلامهم تستريح من حر الصيف. وهم مؤمنون للوزارة يصدقونها إن قالت، ويطيعونها إن أمرت، ويتأثرونها إن فعلت، وهم واثقون بأن الوزارة معصومة لا تنطق عن هوى ولا تصدر عن خطأ، ولا تتورط فيما لا يليق، فهم مطمئنون إليها كل الاطمئنان، وآية ذلك أن زميلاً لهم قد فصل فصلاً، في غير تحقيق ولا سؤال، فلم ينكروا شيئاً، ومن يدري لعلهم لم يعرفوا شيئاً، وواضح جداً أن حدثاً كهذا الحدث لو وقع في بلد من البلاد، التي تحترم الجامعات فيها نفسها لاضطربت الحياة الجامعية اضطراباً. أما في مصر فالجامعة نائمة ولن تستيقظ حتى ينقضي الصيف. وكانت الجامعة فيما مضى منذ عامين أو أكثر من عامين تقدر مثل هذه الأمور إلى حد ما فالتاريخ يروي، والناس يتحدثون أن حدثاً وقع في الجامعة، منذ أكثر من عامين، فاضطربت له الحياة الجامعية اضطراباً شديداً، ويقال أن مدير الجامعة استقال. أما الآن فقد تعودت الجامعة حدوث الأحداث، فهي تلقاها بالصبر والثبات، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وانتظار الفرج الذي قد يجعل الأساتذة بمأمن من الفصل والنقل في غير سؤال ولا تحقيق. الجامعة تريد أن تعيش وتشفق من قطع العيش في هذه الأيام التي لا يجد الناس فيها ما ينفقون، وإذن فهي راضية بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون. وإذن فالوزارة لم تكتم قرارها خوفاً من الجامعة واحتجاجها، ولا من الجامعيين، وإلحاحهم في الإنكار. والوزارة لم تشفق من الطلاب. فالطلاب مفرقون في أنحاء الأرض منذ كان الصيف، ولو كانوا مجتمعين، لما أشفقت منهم الوزارة، وماذا تخاف الوزارة من الطلاب وهي مسلحة بالقوانين واللوائح، التي تبيح لها فصلهم، جملة وتفريقاً، وعندها الشرطة وعندها الجيش، اللذان يحسنان إعمال العصي والسياط وإطلاق النار إذا جد الجد؟
والوزارة لم تخف من الصحف ومتى حفلت الوزارة بالصحف، أو حسبت لها حساباً، أو رجت لها وقاراً، ولو أن للصحف أن تثير الخوف في نفس الوزاراء لما كان بعض ما هو كائن، ولما أقامت الوزارة في الحكم أكثر من أيام.
والوزارة لم تخف من الشعب ومتى خافت الوزارة من الشعب، وهي بحمد الله، قادرة على أن تحمل الشعب ما يريد وما لا يريد. لها القوة التي لا ترد والبأس الذي لا يطاق. وإذن فمم كانت تخاف الوزارة، وفيم كانت تحرص على هذا الكتمان، وتحبس هذا القرار المسكين وتحرمه حقه الطبيعي من الهواء والضياء والحياة الحرة الطلقة التي تنعم بها القرارات حين تصدر عن مجلس الوزراء؟
قال قائلون كانت الوزارة تخاف من نفسها وترهب ظلها، وتشفق من ضميرها، فقد أصدرت هذا القرار، وهي كارهة له مترددة في إصداره، وكانت تريد أن تفكر وتقدر، وأن تستأني وتدبر، لعلها تطمئن إليه أو تعدل عنه. وقال قائلون آخرون، بل حرصت الوزارة على هذا الكتمان حتى يغيب عن مصر بعض من كان في مصر وبعض من لا يتحرجون من الدخول فيما لا يعنيهم، والسؤال عما لا ينبغي أن يسألوا عنه، فلما سافر من سافر، وغاب من غاب، رفعت الأستار، وتنفس القرار وحلق ثم طار وانتهى أمس إلى الأستاذ السنهوري. أما نحن فلا نصدق أن الوزارة خافت من نفسها، فلم يكرهها أحد على أن تصدر هذا القرار، ولا نصدق أن الوزارة خافت من غيرها، فالوزارة لا تخاف أحداً من الحاضرين، ولا من الغائبين وإذا كانت الوزارة لا تخاف من الشعب كله، فهي أكبر وأشجع من أن تهاب فرداً من الأفراد أو جماعة من الجماعات.
وإذن فما مصدر هذا الكتمان، وما سر هذا التستر؟ يخيل إلينا أنه لغز من الألغاز سيظل محجوباً وسيلتمس له الناس ضروب التعليل والتأويل، دون أن يظفروا له بحل أو تفسير.
وليس هذا غريباً فما أكثر ما في الكون والحياة من ألغاز يحار في فهمها العقل، ويعجز عن تفسيرها أعظم الناس حظاً من الذكاء. مهما يكن من شيء فإن وزارتنا قد وفقت إلى أن تضيف سراً غامضاً إلى أسرار الفلسفة العليا، سيتعب الفلاسفة في كشف الأستار عنه وهو مصدر هذا الكتمان لقرار لم يكن هناك ما يدعو إلى كتمانه. فهل للوزارة أن تكشف لهم الغطاء، وتبين لهم هذه الحكمة الخفية التي أسكتتها أسبوعاً عما لا تسكت الوزارات عنه يوماً ولا بعض يوم؟!
طه حسين
الوادي، ٢١/ ٨ / ١٩٣٤. -
كلية الآداب٢ | The Faculty of Arts (2)
كلية الآداب
بقلم الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب
إذا ذكرت الجامعة المصرية فهم منها كثير من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطا مصدره فيما يظهر أن كلية الآداب عرفت باسم الجامعة المصرية حين أنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضمت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياته الأربع التي تتألف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. ومما يسر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة يلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية ويلقى بعضها الآخر في دور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقلما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر لها صفتها العلمية العليا ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس مس اتصالا قريبا، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم، وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم وملكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم وملكاتهم ونظمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبا إذن أن تتصل هذه المحاضرات المتنوعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها، بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية وعلى تفاوت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم ويريدون أن يختلفوا إلى دروسها اختلافا منظما أو غير منظم متصلا أو مؤقتا، لا يقيدهم في ذلك قيد ولا يمنعهم منه منع. ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولا لا مغمز فيه، وهؤلاء المستمعون يقبلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين وهم أحرار لا يؤدون امتحانا ولا يدفعون رسما ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة والتي تمس حياة الناس جميعا والتي يحسب الناس جميعا مخطئين أو مصيبين أن لهم بها إلماما قليلا أو كثيرا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور وأن تستأثر أحيانا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم وأن تختص أحيانا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم لما ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورا على كلية الآداب المصرية إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب وقد تربى عليها أحيانا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطر وهو أن تكون عنوان الجامعات وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.
ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعد كلية الآداب على وجهها. وكثيرا ما تمنت كلية الآداب لو جهلها الناس وأغضوا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعم بعض الكتاب منذ أسابيع أنها لم تؤد رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية ولم تقلبها ظهرا لبطن كأن كلية الآداب متى وجدت يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية فإذا هو قد خلق خلقا جديدا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.
لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يدرس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يدرس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرس في الكليات الأخرى، فليس هو شيئا شائعا يساهم فيه الناس جميعا وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرا أو كاتبا لتكون أستاذا في الأدب. وليس يكفي أن نفهم كتابا في التاريخ لتكون مؤرخا، بل ليس يكفي أن تكون مؤرخا لتكون أستاذا للتاريخ، وليس يكفي أن تكون فيلسوفا لتكون أستاذا في الفلسفة.
يوم ترتفع العلوم التي تدرس في كلية الآداب عن أن تكون نهبا للناس جميعا وشركة بين الناس جميعا يساهم فيها القادر والعاجز ويقضي فيها الجاهل والعالم — أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقروها في نظامها الطبيعي.
وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر، فأما المسرفون فيكلفونها شططا كما رأيت. ولكن هناك قوما هم أشد خطرا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأما الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة؟
فأما الأدب شعره ونثره فليس إلا كلاما، وتستطيع أن تثق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويا عنيفا مستعدا دائما للقص من جناحي كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالا ولا محاورة فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة، ولا تقل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلا في بيئة حظها من الآداب عظيم — لا تقل شيئا من هذا فسينفضون إليك رءوسهم ويقولون كلاما لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وقفا عند الخطأ والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قصد إليه الذين أنشأوا كلية الآداب وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر إنما هو إحياء العقلية المصرية ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة وتفهمها وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.
إلى هذا قصد الذين أنشأوا الجامعة المصرية القديمة وكانوا موفقين كل التوفيق، وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن وهم موفقون كل التوفيق أيضا. وإذا لم يكن بد من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديد العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني أيده الله هذا الميل فحمده فيّ وشجعني على المضي فيه تشجيعا ماديا ومعنويا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية ورفعته هدية إلى سدته الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءا من برنامج الدرس في الكلية. ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعا على فهم هذه الحقيقة القيمة وهي: أن مصر لن تنهض حقا ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلا إذا استخرجتها من معدنها واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان والرومان.
نعم ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلا إذا عرفت قديمها فأحيته ووصلت بينه وبين الجديد واتخذت من هذا وذاك مزاجا صالحا هو قوام الحياة الصالحة التي لا تفنى في القديم فتجمد ولا تفنى في الجديد فتضيع.
نعم ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها فيفهمون الأشياء فهما متقاربا ويحكمون عليها حكما متشابها ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض. وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته ولن تقصر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يمكنها من التغلب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
طه حسين
المصور ٤ – ٣ – ١٩٣٢ -
في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا | At the Ministry of Education: A School for Ancient Languages, Again
في وزارة المعارف
مدرسة اللغات القديمة أيضًا
طه حسين
جريدة السياسة
١٢ يوليو ١٩٢٣
بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.
أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.
والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.
وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.
وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.
وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:
لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.
وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.
ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟
الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).