Tag: الحرب الجزائرية

  • أهل الكهف

    أهل الكهف
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مارس ١٩٥٨

    والكهف الذي هم نائمون فيه عميق أشد العمق، بعيد القرار إلى أقصى غايات البعد، لا يبلغ أهله ما تمتلئ به باريس من الضجيج والعجيج والصخب المتصل في آناء الليل والنهار. وهم من أجل ذلك مغرقون في نومهم، لو خُلي بينهم وبين النوم أو خلي بين النوم وبينهم للبثوا في كهفهم نيامًا، حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وحتى يبعثهم فيمن يبعث من أهل القبور. ولكن ظروف الحياة لا تخلي بينهم وبين النوم، ولا تخلي بين النوم وبينهم؛ فالأحداث تجري، والنوائب تنوب، والانتخابات تتجدد من حين إلى حين، والوزارات تسقط من شهر إلى شهر أو من يوم إلى يوم. وأهل الكهف يحلمون في كهفهم ذاك العميق، وفي نومهم ذاك الذي هو أعمق من كهفهم، والناس فيما يظهر يرقبون نومهم، ويسجلون أحلامهم، وتذيعها الصحف، ويحملها البرق إلى أقطار الأرض على اختلافها.

    وعلى هذا النحو وحده يستطيع العقلاء والأيقاظ من الناس أن يفسروا سيرة الوزراء الفرنسيين، والنواب الذين يقيمونهم ويسقطونهم بين حين وحين، والذين يحاسبونهم في الأحلام حسابًا عسيرًا مرة ويسيرًا مرة أخرى، ولكنه حساب لا ينتهي إلى شيء؛ لأن ما يعمل الحالمون وما يقولون وما يقررون لا ينتهي إلى شيء، إنما هو كله لغو من اللغو وفن من فنون الهذيان.

    هذه الخطبة التي ألقاها رئيس الوزراء الفرنسيين، وزعم فيها أن فرنسا إنما تقترف ما تقترف من الآثام، وتَصب ما تصب من الجرائم على أهل الجزائر دفاعًا عن العالم الحر كله من جهة، وحماية لاستقلال تونس ومراكش من جهة أخرى. هذه الخطبة حديث نائم يحلم ويهذي في حلمه، لا حديث رجل يقظان يعقل ما يعمل وما يقول، فمن ذا الذي يستطيع أن يصدق أو أن يقبل أن يفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي تتعرض لخطر عظيم، إذا لم تقترف فرنسا آثامها، ولم ترتكب جرائمها في الجزائر. ولِمَ لا يكون الخطر العظيم الذي تتعرض له هذه الدول العظمى ذات القوة والبأس والأيدي، في بلد آخر من البلاد المستقلة التي تستطيع أن تأتي ما تأتي من الأمر دون أن تبلغها جرائم فرنسا وآثامها؛ لِمَ تكون الجزائر وحدها موطنًا لهذا الخطر العظيم، دون غيرها من أقطار الأرض؟ وما حاجة الذين يأتمرون بالغرب إلى هذا الوطن الضعيف الأعزل … الذي صُب عليه هول الاستعمار قرنًا ونصف قرن؛ ليجعلوه مركز مؤامراتهم ومركز ما يهيئون للعالم الحر من الكوارث والنكبات.

    مع أن المؤتمرين الذي يشفق منهم رئيس الوزارة الفرنسية في حلمه، لا يبلغون الجزائر ولا يستطيعون أن يستقروا فيها ليكيدوا ويأتمروا وينظموا ما يريدون أن يشهروا على هذا العالم الحر من الحروب، وما عدا الدفاع عن العالم الحر يقتل الأبرياء العزل، وانتهاك الحرمات، وتيتيم الأطفال، وتأتيم النساء، وتثكيل الأمهات، وتوجيع الذين كانوا يجدون بشق الأنفس ما يقيم الأود؛ فأصبحوا الآن نهبًا للجوع، يُفتك بهم في الليل والنهار. وأي عالم حر هذا الذي يحتاج في الدفاع عنه إلى اقتراف الآثام، وارتكاب الجرائم، ومخالفة أيسر ما تقضي به الديانات كلها، وما تقضي به الأخلاق كلها، وما تفرضه الحضارة، وما ابتكرت من قوانين. وما حرية هذا العالم التي لا تقوم ولا تحمي إلا بإذلال الأحرار، والقضاء على النساء بالموت، والقضاء بالموت أيضًا على الصبية الذين لم يبلغوا الرشد، ولم يطيقوا حمل السلاح. وما هذه الحرية وما قيمتها، وما حاجة العالم إليها، وما فائدة الإنسان وحضارته ودياناته وقوانينه من هذه الحرية، التي لا بقاء لها، إلا إذا سُفكت الدماء وأُزهقت النفوس، وشُردت اليتامى والأيامى والرضعاء، وهل تقبل الدول الغربية الكبرى والصغرى أيضًا هذا الهذيان الذي يهذي به رئيس الوزراء الفرنسيين في حملة هذا الغرب؟ فهل ترضى الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مدينة ببقائها وبحريتها وأمنها لما يُقترف في الجزائر من المخزيات؟ وهل يرضى حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا أن يكونوا مدينين بحياتهم وحريتهم وأمنهم لهذه المخزيات؟ ومع ذلك فيخيل إليَّ وإلى غيري من الأيقاظ أن العالم الحر وغيره من العوالم، قد أنكروا هذه الآثام، وما زالوا ينكرونها، وأكرهوا فرنسا منذ أيام إكراهًا على أن تعدل عن قتل تلك الفتاة التي قضت عليها فرنسا بالموت. إن فرنسا تقترف آثامًا جسامًا في الجزائر وتقترفها رغم أنفها؛ لأن رجال الجيش فيها وأصحاب رءوس الأموال يأبون أن يفلت منهم شمال أفريقيا، وأن تفلت منها الجزائر خاصة، وفيها ما فيها من مصادر المال، ووراءها ما وراءها من البترول، وأن الشعب الفرنسي يرسل أبناءه إلى الموت، ويشتري هذا الموت لأبنائه بما يؤدي من الضرائب المبهظة، مكرَهًا على ذلك لا راضيًا به ولا راغبًا فيه، بل ساخطًا عليه أشد السخط. ولكنه لا يستطيع أن يذعن ويستكين؛ فقَدَ حريته وتعزى عنها بلذاته وبما هو غارق فيه من الرغد والنعيم. ومن يدري لعله أن يكون كساسته نائمًا مغرقًا في النوم، يحلم كما يحلم النواب والوزراء، ليس فيه من الأيقاظ إلا المجرمون من رجال الجيش وأصحاب رءوس الأموال. وأغرب ما نقرأ في هذا الهذيان الذي هذى به رئيس الوزراء الفرنسيين، أن فرنسا تحمي تونس ومراكش بما تَصبُّ من الهول على أهل الجزائر.

    وإذن ففيم الخصومة القائمة بين فرنسا وتونس؟! ولِم تتوسط أمريكا وبريطانيا لتزيلا هذه الخصومة؟! أتكون تونس جاحدة للجميل، جاهلة بأن فرنسا قد قتلت من قتلت من أبنائها في الشهر الماضي، لتحمي استقلالها من الضياع؟! ونحن نعلم أن مراكش لم تفرغ من خصوماتها المختلفة مع فرنسا، أتكون هي الأخرى جاحدة للجميل غافلة عن أن فرنسا تحمي استقلالها من الضياع؟!

    صدقني إن فرنسا الآن لا يحكمها الأيقاظ، وإنما يحكمها النيام، أو قل إن شئت: إن فرنسا لا يحكمها العقلاء، وإنما يحكمها قوم أُلقي بينهم وبين عقولهم حجاب كثيف.

  • خدعة

    خدعة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٧ مارس ١٩٥٨

    هذه الأحلاف التي يقيمها الغرب: حلف الأطلنطي، وحلف بغداد، وحلف جنوب شرقيِّ آسيا، ثم الحلف الرابع المقترح في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ما مصيرها؟ وهذه الخدعة التي تسوِّقها فرنسا، أو تُساق إليها فرنسا بغية ضم المغرب وتونس ومن بعدهما الجزائر إلى ذلك الحلف الرابع، هل ستنطلي على شعب المغرب وعلى شعب تونس؟ وهل ستصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين؟ ويقظة الشعوب العربية، وقوة الجمهورية المتحدة، هل سترتد وتنحسر وتنام أمام ما يريده لها الغرب من تطويق بالأحلاف؟

    هذه الأسئلة يجيب عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، في هذا المقال الذي يلخص عنوانه تلك الإجابة.

    ولكنها واضحة كل الوضوح، لا تخفى إلا على الأغبياء والمحمقين، وإخواننا العرب في شمال أفريقيا ليسوا من الغباء ولا من الحمق في شيء؛ فلن تخفى عليهم هذه الخدعة، ولن تخفى عليهم أسرارها ولا دخائلها.

    وإنما الغباء والحمق نصيب الذين ابتكروا هذا اللون من الخداع في فرنسا وأمريكا، أو في أمريكا وفرنسا، لا أدري.

    فهذا الحلف في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس أذكى ولا أنضى من حلف بغداد، وإنما هو عبث من العبث؛ تُنفق فيه الأموال، تُشترى فيه الضمائر، وينتهي آخر الأمر إلى غير شيء.

    هؤلاء الذين فكَّرُوا فأطالوا التفكير، وقدَّروا فأمعنوا في التقدير، ثم تكشَّف تفكيرهم وتقديرهم عن هذا السخف الذي يسمونه حلف البحر الأبيض المتوسط الغربي، أشبه شيء بالجبل الطويل في السماء، العريض في الفضاء، الذي يروع منظره ويبهر مظهره، الذي يتمخض من حين إلى حين، فلا يلد في كل مرة إلا فأرًا، والذي يتمخض فَيَلِدُ فأرًا ولا يَلِدُ معه شيئًا آخر، والذي قضي عليه أن يتمخض.

    فهذه الدول الغربية قد أبرمت من قبلُ حلف الأطلنطي، وملَئوا الدنيا ضجيجًا وعجيجًا بعد إبرام هذا الحلف، الذي ضموا إليه كبار الدول وصغارها، ولكنه لم يُغنِ عنهم شيئًا.

    لم يخيفوا خصمهم، ولم يرهبوه، ولم يضطروه إلى أن يغير من سياسته شيئًا، ولم يستطيعوا إلى أن يخلصوا منه جزءًا ضئيلًا أو كبيرًا من الأرض التي يحتلُّها، ثم لم يحمهم من الخوف ولم يذُد عنهم الهلع.

    فالأوروبيون الغربيون قلِقون، لا يعرف الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون في كل يوم — بل في كل ساعة — أن تشب الحرب، وأن يكونوا أول ضحاياها. والأمريكيون على ما يملكون من قوة قلِقون، لا يجد الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون أن تشب الحرب وأن تدور عليهم الدائرة؛ لأنهم لا يثقون ولا يمكن أن يثقوا بتفوُّقهم في القوة والبأس على خصمهم ذاك العنيد، بل هم لا يثقون ولا يستطيعون أن يثقوا بأنهم يساوون خصمهم ذاك في البأس والقوة والاستعداد.

    ثم أبرموا بعد ذلك حلفًا آخر في الجنوب الشرقي أو الشرق الجنوبي لآسيا — لا أدري — فلم يُغن عنهم شيئًا أيضًا، لم يُذهب عنهم الخوف، ولم يذُد عنهم القلق. وهم يذهبون ويجيئون، ثم يجيئون ويذهبون، ليجتمعوا في مقر ذلك الحلف، وليتفرقوا دون أن يصلوا باجتماعهم وتفرُّقهم إلى شيء.

    ثم عقدوا حلفًا ثالثًا في بغداد؛ فوُلِدَ ميتًا، أو وُلِدَ حيًّا، ثم لم يلبث أن مات. وهم كذلك يذهبون ويجيئون، ويجيئون ويذهبون، إلى حيث يدبرون أمر هذا الحلف الفقيد.

    وهم الآن يحاولون أن يعقدوا حلفًا رابعًا، في غرب البحر الأبيض المتوسط، تشترك فيه كبار الدول وصغارها في هذه الناحية من أنحاء الأرض، ولن يغني عنهم حلفهم الرابع شيئًا، كما لم تُغنِ عنهم أحلافهم الأخرى شيئًا.

    يريدون بحلفهم هذا الأخير أن يخدعوا مراكش وتونس عن استقلالهما، وأن يمكنوا لأنفسهم في أرضهما، وأن يُنسوهما الجزائر، وما يُراق فيها من دماء، وما يُنتهك فيها من حرمات، وما يُهدر فيها من حقوق الإنسان.

    ويريدون بحلفهم هذا — أو يخيلون إلى أنفسهم — تطويق الجمهورية العربية المتحدة، وأخذها بين حلفين: حلف في الشرق سُمي حلف بغداد، وحلف في الغرب لا أدري ماذا يسمونه. وسيولد هذا الحلف ميتًا، أو حيًّا لا يلبث أن يموت؛ لسبب بسيط وهو أنهم إن أُتيح لهم هذا الحلف فلن يحالفوا الشعوب، وإنما يحالفون أفرادًا، لا تلبث الشعوب أن تخذلهم وتنصرف عنهم إلى غير رجعة، لتمضي في جهادها حتى تبلغ غايتها التي ليس من بلوغها بُدٌّ، وهو الاستقلال الكامل الصحيح.

    والمراكشيون والتونسيون أذكى وأنفذ بصيرة، وأقوى ذاكرة، وأحرص على الشرف من أن ينسوا الجزائر، وما يصب عليها من الهول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهم أذكى قلوبًا من أن يخلصوا من الاستعمار الفرنسي أمس ليُسلموا إليه أنفسهم اليوم أو غدٍ وهم صاغرون، وهذه الجمهورية العربية المتحدة التي يريدون أن يطوقوها لن تحفل بهذا التطويق إن كان؛ لأنه تطويق لا يُغني عن أصحابه شيئًا، ولا يَثْبُتُ للخطوب، ولا يستطيع أن يصرفها عمَّا تسمو إليه، وما تجد فيه من تحقيق العزة العربية في مستقبل الأيام كما كانت فيما مضى من الأيام. هي خدعة إذن، ولكنها واضحة كل الوضوح، لن تخفى على أحد، ولن تضر أحدًا، ولن تؤذي أحدًا إلا الذين يحاولونها؛ لأنهم يتعلقون بالأوهام، ويمنون أنفسهم أماني لا سبيل إلى تحقيقها.

    فالشعوب إذا استيقظت لا يمكن أن تردها الأحلاف إلى النوم، والاستعمار إذا مات لا يمكن أن ترد إليه الحياة.

    وقد استيقظت الشعوب العربية، فلا سبيل إلى أن تنام، وآية ذلك أن حلف بغداد لم يسلط النوم على الشعب العراقي، كما أن ذلك الحلف الآسيوي لم يسلط النوم على تلك الشعوب التي اشتركت حكوماتها فيه، إنما هي صور متحركة ليس وراءها شيء تعلل الذين يحركونها، ثم لا تجر عليهم نفعًا ولا ترد عنهم مكروهًا. ولو قد عقلوا واستبصروا للاءموا بين حياتهم وبين الحياة الجديدة التي تحياها الشعوب، التي خضعت لهم حينًا ثم أفاقت واستكملت قوتها وتمردت على سادتها القدماء.

    وأغرب ما في هذا الحلف الغربي أن فرنسا تريد أن تعقده دون أن تنزل عمَّا تزعم لنفسها من حق في الجزائر؛ فهي تُحْفِظُ أهل المغرب وأهل تونس حين تستمسك بوهمها الجزائري، وتزعم أن الجزائر جزء من فرنسا، تُحْفِظُهُمْ وتملأ قلوبهم غيظًا وغلًّا.

    تسفك دماء إخوانهم في الليل والنهار بمنظر ومسمع منهم، وتريد أن تُمكن لنفسها ولحلفائها في أرضهم وتدعوهم مع ذلك إلى الحلف، وتغريهم به وترغِّبهم فيه، تخدع نفسها وتخدع حلفاءها أو يخدعها حلفاؤها، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك أنها لن تخدع مراكشيًّا واحدًا ولا تونسيًّا واحدًا، ولن تصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين.

    بل ليس من شك في أن الحكومة الفرنسية التي تدعو إلى هذا الحلف أو تقبل الدعوة إليه لا تخدع شعبها نفسه؛ فشعبها — مهما تكن ظروفه — يعلم حق العلم ويؤمن أقوى الإيمان، بأن شمال أفريقيا قد فارقه إلى غير رجعة، وبأنه لم يعُد ذلك الشعب القوي العزيز، الذي يستطيع أن يقهر غيره من الشعوب، وإنما هو قد أصبح شعبًا لا يريد إلا أن يعيش، وأن ينتهز فرص الحياة، ويستمتع بطيباتها في دعة وأمن، لا يحارب أحدًا ولا يحاربه أحد، أصبح الشعب الذي يذكر بقول الشاعر القديم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    وهو طاعم كاسٍ حقًّا، وهو فوق ذلك لاعب لاهٍ مُغْرِقٌ في اللهو واللعب، لا يريد ولا يتمنى إلا أن تُخلي حكومته بينه وبين ما هو فيه من الاستمتاع.

    حكومة فرنسا إذن لا تخدع إلا نفسها، وهي تحاول محاولة اليائس الذي تقطعت به أسباب الرجاء، وحلفاؤها يريدون ويحاولون أن يريحوها من بعض ما تجِد في شمال أفريقيا؛ ليفرغوا هم لخصمهم ذاك العنيد من جهة أخرى، ولكنهم لا يجدون الشجاعة على أن يواجهوها بالحقائق ويصدروها عن الغرور، ويطلبوا إليها في حزم أن تدع شمال أفريقيا لأهله، يدبرون أمرهم فيه كما يريدون لا كما يريد لهم الفرنسيون.

    وسيُخفق الحلفاء في هذه المحاولة كما أخفقت فرنسا في محاولات أخرى كثيرة، ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يعلم فيه عشَّاق الأحلاف والتطويق أنهم إنما يبذلون ما يبذلون من الجهود، وينفقون ما ينفقون من الأموال، ويقدرون ويفكرون، في غير طائل؛ لأن التاريخ أقوى منهم، ولأن يقَظة الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش أقوى وأنفذ من حيلهم. وسيعلمون حق العلم بأن الخير لهم، إنما هو أن يجاروا التاريخ، ويسلكوا معه الطريق التي يسلكها، ويعترفوا بالحقائق مهما تكن مُرَّةً، ويلائموا بين مصالحهم ومصالح الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش إلا كريمة، يُظِلُّهَا الاستقلال.

    وصدق الله حين قال في تصوير المنافقين: ( يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ).

  • اللاعبون بالنفوس

    اللاعبون بالنفوس
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٥ يناير ١٩٥٦

    ما أكثر ما عقدت الإنسانية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها من أمل، وما بذلت في إنشائهما من جهد، وما أنفقت وتنفق عليهما من مال! وما أيسر وأهون ما جَنَت الإنسانية منهما منذ أُنشِئَا إلى أن أَنفَقا من عمرهما عشر سنين، لم يُغنيا فيها عن الناس شيئًا، ولم يَكُفَّا فيها عن الناس شرًّا. وإنما أغريا بينهم بالعداوة والبغضاء، وملآ قلوبهم حفيظة وضغينة وحقدًا، وأطمعا الظالمين في الظلم حتى تجاوزوا فيه كل حَدٍّ، وأيأسا المظلومين من العدل حتى استيئَسوا منه، واتخذوا التشاؤم والريب وسوء الظن أساسًا لحياتهم، وقِوامًا لكل صلة بينهم وبين غيرهم من الناس.

    هم أولئك الذين كلَّفتهم الإنسانية أن يقيموا الحق بين شعوبها وأن يُنشئوا لها سلامًا كاملًا شاملًا قوامُه العدل الذي يأخذ للضعيف من القوي، وينصف المظلوم من الظالم، ويؤمِّن الناس جميعًا من الخوف والبغي والعدوان. فلم يصنعوا من ذلك شيئًا، بل لم يحاولوا أن يصنعوا من ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يؤمنوا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وإنما أقبلوا على أداء مهمتهم هذه الخطيرة ممثِّلين يُحسنون التمثيل أحيانًا ويخطئونه أحيانًا أخرى، ويَملَئون قلوب الناس في كل يوم حسرة وألمًا، ويُذيقونهم في كل يوم مرارة الآمال الخائبة والأماني الكاذبة، وأريدُ بهم هؤلاء الذين تأتلف منهم هيئة الأمم المتحدة بين عام وعام، وهؤلاء الذين يأتلف منهم مجلس الأمن بين حين وحين.

    لقد اجتمعت هيئة الأمم في آخر الصيف الماضي وعُرضت عليها فيما عُرض عليها من المشكلات مشكلةُ الجزائر، وما يُصب على أهلها من البأس وما يُدبَّر لهم من الكيد وما يُسفك من دمائهم ويُزهق من نفوسهم؛ لأنهم يطالبون بأن يكونوا أحرارًا وبأن يأمنوا من الخوف ويُعصموا من البغي، ويظفروا بالكرامة التي قرر مَوْثِقُ هيئة الأمم أنها حق للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه ينتمي إلى هذه الدولة أو تلك ويعيش في هذا القطر أو ذاك.

    وكانت هذه المشكلة قضية بين شعب ضعيف هو الشعب الجزائري، ودولة قوية هي فرنسا، وخُيِّل إلى الناس أن هيئة الأمم قد أخذت موثقها مأخذ الجِدِّ، وأزمعت أن تقيم العدل بين الخَصمين دون أن تحفل بأن أحدهما ضعيف والآخر قوي، فقبلت مشكلة الجزائر بين ما كان ينبغي أن تدرسه من المشكلات في دورتها تلك، وشاع الفرح في أقطار الأرض، وأشعرت قلوب الناس غبطة وأملًا، وانطلقت ألسنتهم بأن العدل محقَّق من غير شك، وإنْ سعى إلى الناس في بطءٍ وأناة. ولكن الخصم القوي ثار ثائرُه وفار فائرُه وأخذته العزة بالإثم، فاستكبر حتى على القضاء، وأبى أن يقف موقف المتهم وأن يدافع عن نفسه أمام خصم ضعيف لا يملك حولًا ولا طَوْلًا؛ فترك هيئة الأمم تدور في غير مدار وتهيم في غير سبيل، وعاد إلى باريس غاضبًا مُغاضبًا معتمدًا على قوته، معتزًّا ببأسه متحديًا بما يملك من وسائل البطش والتنكيل. وما هي إلا أن تضيق هيئة الأمم بهذه الغضبة، ثم تضطرب لها، ثم تذعن بما لم يكن بُدٌّ من الإذعان له؛ فتؤجل القضية إلى غير موعد، وتسعى إلى فرنسا مترضية مستعطفة، وتخلي بين الجزائريين وبين الموت يتخطَّفهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وخلَّت بينهم وبين الظلم يُصَبُّ عليهم حين يصبحون وحين يمسون، وأذنت للعدل في أن يعود إلى مضجعه، فينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام، أو لا تُتاح له في يوم من الأيام.

    وعادت فرنسا إلى هيئة الأمم موفورة منصورة، قد رفعت رأسها مكابرة ومدت يدها مصافِحة، واطمأنت الهيئة كل الاطمئنان؛ فقد عاد الحبيب إلى الحبيب، ورضي الصديق عن الصديق، واجتمع الشمل بعد تفرُّقه، ورضيت هيئة الأمم بالعافية، وظلت الدماء تجري في الجزائر أنهارًا، وجعلنا نقرأ في الصحف الفرنسية نفسها أن مائة من الجزائريين قُتلوا في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي، ثم نقرأ في بعض البرقيات أن أكثر من ثلاثمائة من الجزائريين قُتِلوا في ذلك الأسبوع نفسه.

    وليس بشيء من ذلك بأس ما دامت فرنسا راضية عن هيئة الأمم، وما دامت هيئة الأمم راضية عن فرنسا، فأما النفوس المُزْهَقَة والدماء المُرَاقة والأسر المُفجَعة، فأدوات للَعِب الأقوياء لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ومنذ أيام اجتمع مجلس الأمن، وما أدراك ما مجلس الأمن؛ هو الهيئة العليا التي تكبح بغي البغاة، وتكف طغيان الطغاة، وتعاقب المعتدين على عُدوانهم، وتجعلهم نَكَالًا للناس في أقطار الأرض كلها. اجتمع هذا المجلس الخطير، وعُرضت عليه قضية من الخزي للإنسانية المتحضرة أن توجد، ومن الخزي للإنسانية المتحضرة أن تكون موضوع أخذٍ وردٍّ، وأن يجرى فيها خصام أو جدال. فقد أراد الكبار أن يلعبوا بالصغار، فأزعجوا الآمنين الوادعين عمَّا كانوا فيه من أمن ودَعة، وسلطوا عليهم لعبتهم تسفك دماءهم وتذبح أبناءهم وتُخرجهم من ديارهم وتشرِّدهم في الأرض كل مشرَّد، وجعلوا ينظرون إليها وهي تفعل ذلك بمعونتهم وتأييدهم فرحين مبتهجين، قد أنشَئوا دولة من لا شيء، وحكَّموها في النفوس والدماء والأموال، وفرضوها على التاريخ فرضًا، ثم جعلوا يُدلِّلونها حتى استحبت الطغيان وكلفت باستباحة ما لا يُباح وانتهاك الحرمات وإهدار الحقوق. وخطر لهذه اللعبة ذات يوم أن تُغير على جارتها سوريا، وأن تأخذها على غِرَّة فتقتل وتنهب وتأسر، وتعود قوتها المغيرة مطمئنة راضية كأنها لم تصنع شيئًا ولم تقترف إثمًا ولم تهدر حقًّا. وما لها لا تفعل وقد مُدَّت لها أسباب العدوان، وأُطمِعَت في الأمن من العواقب وأُبيح لها ما لا يُباح لغيرها من الآثام.

    وعُرض الأمر على مجلس الأمن، ففكَّر وقدَّر، وأقبل وأدبر، وتقدم وتأخر، ثم قضى وقرَّر أن إسرائيل مذنبة، ولكنها لا تُعاقب على الذنب، جانية ولكنها لا تؤخذ بجنايتها، مدانة ولكنها تُلام وتُنذَر، ثم يكتفي باللوم والإنذار، ولا يتجاوز ذلك؛ ففيه الكفاية وأكثر من الكفاية.

    وقال قائل لمجلس الأمن من أعضائه: فلا أقل من أن تؤخذ إسرائيل بتعويض سوريا عمن قُتل من أبنائها وما ضُيِّع من أموالها، فليس في ذلك عقوبة، ولكن فيه شيئًا من إنصاف. ولكن المجلس أبى ولجَّ في الإباء، ووضع أعضاؤه القضاة أصابعهم في آذانهم وقالوا: حسبنا أن ندين إسرائيل؛ فإدانتها شيء عظيم. ثم تفرق مجلس الأمن بعد أن أذِن للعدل في أن يعود إلى مضجعه لينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام أو لا تُتاح له آخر الدهر.

    فأما النفوس التي أُزهقت، والدماء التي أُريقت، والأسر التي فُجعت، والحقوق التي أُهدرت؛ فأدوات للعب لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ألا يزال العرب يعتمدون على اللاعبين بالنفوس لإنصاف المظلومين من الظالمين؟ وألم يأنِ لهم أن يُنصِفوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن أسفر الصبح لذي عينين؟