Tag: الحقوق الدستورية

  • قضية التعليم | The Question of Education

    قضية التعليم

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ١١ يوليو ١٩٤٩

    يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.

    وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.

    إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.

    والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.

    وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.

    كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.

    وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.

    ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.

    وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.

    فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.

    والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.

    وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.

    فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.

    ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.

    ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.

    لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.

    فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.

    ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.

    مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.

    ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.

  • هؤلاء المعلمون … المضربون! | These Teachers … on Strike!

    هؤلاء المعلمون … المضربون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ أبريل ١٩٤٧
    تحدث الناس في هذه الأيام بأن المعلمين في المدارس الحرة قد أضربوا عن إلقاء الدروس وأقاموا في مدارسهم لا يريمون ولا يعملون شيئًا، ليظهروا للحكومة وللشعب أن لهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إليهم؛ لأنهم رأوا في أكبر الظن أن الرفق لم يُغْنِ عنهم شيئًا، وأن الإلحاح في المطالبة لم يَقضِ لهم حقًّا!
    وليس المهم أن نبحث عن أن هذه الخطة التي آثرها المعلمون ملائمة أو غير ملائمة لكرامة المعلمين من جهة، ولمصلحة المتعلمين من جهة أخرى. فقد نستطيع أن نفترض أسوأ الفروض، وأن نقدِّر أن المعلمين قد أقدموا على خطة لا تلائم كرامتهم، ولا تحقق مصالح تلاميذهم. ولكننا نعلم أن المعلم الذي يذهب إلى مدرسته فيقيم فيها ليشعر الدولة والشعب بأنه حريص على عمله مستمسك بمنصبه، ثم يمتنع عن الدرس ليشعر الدولة والشعب بأن له حقًّا يريد أن يصل إليه؛ لأن الحياة قاسية عسيرة، ولأنه لا يستطيع أن يبلغ منها لنفسه ولأهله ولأبنائه وبناته حقهم المعقول من هذه الحياة، إلا إذا أُديت إليه هذه الحقوق. هذا المعلم قد ألجأته الضرورة إلى خُطة يكرهها فيما بينه وبين نفسه أشد الكُره، ويعلم أن الناس يكرهونها أشد الكره، وأن الحكومة تمقتها أشد المَقت، وأن القوانين قد تعاقب عليها أشد العقاب. ولكنه يعلم من جهة أخرى أن الله قد أباح للجائعين الذين لا يجدون ما يدفعون به الجوع أن يقارفوا ما حُرِّم عليهم من ألوان الطعام، وهو يعلم كذلك أن الشاعر العربي قد قال:
    إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
    ثم هو يعلم بعد هذا كله أن الفقهاء قد اختصروا هذه القصة الطويلة المعقدة في جملة يسيرة قصيرة سهلة، فقالوا: «إن الضرورات تبيح المحظورات!»
    وهؤلاء المعلمون يقدِّرون فيما بينهم وبين أنفسهم أن عليهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إلى التلاميذ الذين لا ينبغي أن يُسألوا عن تقصير الدولة في ذات المعلمين. ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وهو إذن لا يكلف المعلم الجائع أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي يشعر بالجوع قد استقر فى داره، وأخذ يعذب أهله وبنيه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي تشغله الهموم المتصلة، والآلام المُلِحَّة عن العلم والتعليم؛ لأن له أسرة يجب أن تعيش، ولأن له كرامة يجب أن تُحفظ، ولأن له مكانة يجب أن تُرعى، لا يكلفه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. والدولة وحدها هي المُكلَّفَة أن تمكن المعلمين من أن يعلِّموا، وأن تمكن التلاميذ من أن يتعلموا، وأن تتيح للآباء والأمهات أن يطمئنُّوا إلى أن أبناءهم لن يتعرضوا للجهل بإغلاق المدارس من دونهم، ولن يتعرضوا لضياع الوقت بامتناع المعلمين عن تعليمهم.
    لهذا ولمثل هذا أُنشِئَت الدولة. فإن لم تُرْضِ حاجة الناس إلى هذا ومثل هذا، فليس لها في أعناقهم حق، وليس لها عليهم طاعة! هذه أوَّلِيَّات كان يجب أن تستقر في نفوس المصريين جميعًا، وفي نفوس الوزراء وأعوان الوزراء قبل غيرهم من الناس.
    ولن يفلح المصريون، ولن تصلح أمورهم، ولن يصيروا أهلًا للحرية والاستقلال والكرامة، إلا إذا استقرت هذه الأوليات في قلوبهم وعقولهم، وامتزجت بدمائهم، وأصبحت قِوامًا لحياتهم حين يقولون وحين يعملون … وهناك أوَّليات أخرى لم تفطن لها الدولة. وما أقل ما تفطن الدولة له من الأوليات! فالتلميذ الذي يذهب إلى المدرسة الحرة مصري كالتلميذ الذي يذهب إلى مدرسة الدولة، له حقوقه كلها … والمعلم الذي يعلِّم في المدرسة الحرة مصري كالمعلم الذي يعلِّم في مدرسة الدولة، له حقوقه كلها. وبغير هذا تنهدم المساواة التي قررتها طبيعة الأشياء، وجعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فليست الدولة إذن مَدِينَةً لتلاميذها ومعلميها بدَيْن خاص، وإنما هي مدينة للتلاميذ جميعًا وللمعلمين جميعًا وفي المدارس جميعًا بدَيْن واحد، وهو أن يُقَدَّمَ إلى أجيال الشعب تعليمٌ ملائم لحاجة الشعب، لا فرق في ذلك بين معلم ومعلم ولا بين مدرسة ومدرسة ولا بين تلميذ ولا تلميذ.
    والشيء المعروف أن المعلم في مدارس الدولة مظلوم في مصر، وأن الدولة بعيدة كل البُعد عن إنصافه وعن تأدية حقوقه إليه كاملة. فكيف إذا لاحظنا أن بينه وبين المعلم في المدارس الحرة فروقًا لا ينبغي أن توجد بين أبناء الوطن الواحد، ولا ينبغي أن توجد بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن أيسر العدل أن يُسوَّى بين الناس فيما تَفرض عليهم ظروف الحياة من الظلم. فأمَّا أن يُظلم بعضهم ظلمًا يسيرًا، وأن يُظلم بعضهم الآخر ظلمًا غليظًا، فهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا ينبغي أن تتورط الدولة فيه.
    وقد رأيت منذ زمن بعيد — وما زلت أرى، وسأرى دائمًا — أن أول واجبات الدولة أن تسوِّي بين المعلمين في الحقوق كلها وفي الواجبات كلها، إذا تساوى المعلمون في المؤهلات التي تبيح لهم التعليم. ويجب أن يكون المعلمون جميعًا موظفين في الدولة لهم كادر واحد، ولهم نصيب واحد في عناية الدولة بهم، يتقاضَوْن مرتباتهم بمقياس واحد، وينتظرون ترقياتهم وعلاواتهم بمقياس واحد، ويطمئنُّون إلى معاشهم بمقياس واحد. تنهض الدولة بهذه الأعباء في غير تردُّد ولا تحرُّج؛ لأنها أعباء تفرضها حاجة الشعب إلى التعليم، وحقوق الشعب في التعليم والمساواة التي جعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فأمَّا أن يطمئن بعض المعلمين إلى نظام من الحياة تكفله قوانين الدولة، ويظل الآخرون عُرضة للأحداث والخطوب وعبث الظروف وأهواء أصحاب الهواء؛ فهذا هو الإثم الذي لا ينبغي أن تتورط فيه حكومة تقدِّر ما عليها للشعب من الواجبات.
    وما ينبغي أن يقوم تعليم الشعب على التفرِقة بين المعلمين في عناية الدولة بهم، أو على التفرقة بين التلاميذ في عناية الدولة بمعلميهم ومدارسهم. وإذا نهضت الدولة بهذا العبء وأدَّت هذا الحق؛ فمن الطبيعي أن تبسط يدها على المدارس كلها، وأن تفرض عليها مراقبة واحدة لأنها منحتها عناية واحدة.
    وقد حاولت وزارة المعارف ذات يوم أن تحقق هذا كله، فحالت بينها وبين ذلك موانعُ جاءت من وزارة المالية. وكانت تريد أن تعرض الأمر على البرلمان أثناء عرض الميزانية عليه سنة ١٩٤٥. فليس على الوزارة بأس من أن تستأنف هذا السعي من حيث تركناه، وهي الآن تعرض الميزانية على البرلمان؛ لتسوِّي بين المعلمين في الحقوق لتستطيع أن تسوِّي بينهم في الواجبات، وتستطيع أن تسوي بين التلاميذ فيما نقدِّم إليهم من تعليم، وفي إشرافها على هذا التعليم.
    فأمَّا أن يُقال للمعلمين في المدارس الحرة عليكم أن تفعلوا وأن تفعلوا، وعليكم أن تتركوا وأن تتركوا، وليس لكم أن تطلبوا ولا أن تحتجُّوا، ولا أن تلحوا في الطلب والاحتجاج، فهذا هو الشيءُ الذي أَوَدُّ لو بَرِئت الدولة منه وتنزهت عن الإقدام عليه.

  • تأديب٢ | Discipline II

    تأديب …! (١)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يوليو ١٩٤٥

    لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.

    وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.

    وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.

    وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.

    فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.

    ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

    وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.

    ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.

    فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.

    وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.

    وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.

    ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.

    ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.

  • خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف | The Speech of Dr. Taha Hussein Bey at the Compulsory Teachers’ Celebration Honoring the Minister of Education

    خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٩ مايو ١٩٤٣
    سيدي صاحب المقام الرفيع …
    أصحاب المعالي الوزراء …
    سادتي …
    ربما كان هذا الاجتماع أصدق وصف لوزارتكم هذه القائمة لنظامكم هذا الذي تسعد به مصر منذ أكثر من عام، فهو اجتماع الإلزاميين الذين يعلِّمون طبقات الشعب، في دار الجامعة التي تهيئ لمصر صفوة المفكرين من أبنائها. ومعنى هذا أن هذا الاجتماع إن صوَّر شيئًا فإنما يصور مثلكم الأعلى، يصور هذه المساواة التي لا يختلف فيها المصريون مهما تكن مكاناتهم، ومهما تكن منازلهم.
    وإني لأستأذنك، يا صاحب المقام الرفيع، وأستأذن زملاءك الوزراء، وأستأذن هؤلاء السادة من رجال التعليم الإلزامي، في أن أصور وزارتكم تصويرًا ما، وربما كان هذا المقام ملائمًا لأن أستمد هذه الصورة الصادقة التي ترتسم في نفسي لك ولأصحابك من حديث نبوي كريم؛ فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين ذات يوم: «ألا أنبئكم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أنبئكم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون.» (تصفيق). وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من أحاسن الناس أخلاقًا، ومن المُوطَّئين أكنافًا، ومن الذين يألفون ويؤلفون.
    أنت وأصحابك تخدمون الشعب ولا تَمنُّون عليه، تهبون للشعب نفوسكم وجهودكم وعقولكم وما تملكون، دون أن تستعلوا على الشعب، أو دون أن تظنُّوا أنكم تسدون للشعب نعمة، وإنما تؤمنون بأن الشعب له عليكم حق، فأنتم تُؤدُّونه؛ لأنكم خدَّامه لا أكثر ولا أقل. (تصفيق). وأنتم مُوطَّئون أكنافًا، فقد سمعت، يا صاحب المقام الرفيع، منذ حين خطيب الإلزاميين يتحدث بأن هذا الاجتماع تاريخي؛ لأنه أول اجتماع شهد فيه رئيس الحكومة حفلة الإلزاميين، فأنت تسعى إلى الشعب، وأنت تسعى إلى الشعب لأنك تؤمن بأن من حق الشعب عليك أن تسعى إليه.
    وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من الذين يألفون ويؤلفون، لا ينكركم من المصريين أحد، ولا تنكرون من المصريين أحدًا، وأنت في قلوب المصريين جميعًا أمناء على مُثُلِ المصريين العليا، والمصريون جميعًا في قلوبكم أصحاب الحق فيما تملكون من جهد وقوة وإخلاص.
    وائذن لي، يا صاحب المقام الرفيع، في أن أُصوِّر وزارتك هذه وعهدك هذا وبرلمانك أيضًا تصويرًا ما، وائذن لي في أن أستعير هذا التصوير الثاني من حديث كريم للنبي الكريم، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصار في حديث جرَى: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.» وأنت وأصحابك سراع إلى نجدة مصر حين تحتاج مصر إلى النجدة، وأنت وأصحابك تكثرون حين تحتاج مصر إلى مَن يذودُ عنها، وإلى من يَحميها، وإلى من يُوطِّئ لها مكانها اللائق بها.
    وأنت وأصحابك أعفُّ الناس عن الغنائم، وأنت وأصحابك أطهر الناس يدًا، وأنزه الناس قلبًا، وأنقى الناس ضميرًا، وأزكى الناس نفسًا، وأسمى الناس طبعًا، وأرفع الناس عمَّا لا يليق بكرام الناس. (تصفيق وهتاف).
    ثم ائذن لي بعد ذلك في أن أتحدث إلى هؤلاء السادة الإلزاميين حديثًا أحب أن يسمعوا له، وأحب أن يتفضلوا فيستشعروا في نفوسهم، وأحب أن يتفضلوا فيذيعوه فيما بينهم، ويذيعوه في قراهم وفي مدنهم، في أقاليمهم وفي بيئاتهم التي يعيشون فيها، فهو حديث العلم، وحديث العلم في العهد الديمقراطي الراقي الذي نعيش فيه الآن. (هتاف متواصل).
    أخص ما يمتاز به زميلك، وزير المعارف، أن يؤمن إيمانًا قد مازج نفسه، وجرى في عروقه مع دمه بأن المصريين جميعًا أصحاب الحق المطلق في أن يتعلموه، وفي أن يكرموا، وفي أن يردَّ عن عقولهم فقر الجهل، وفي أن يردَّ عن أجسامهم الفقر المادي الذي يأتي من البؤس ومن المرض. هو مؤمن بهذا إيمانًا خالصًا، ولولا أنك رئيس الوزارة التي يعمل فيها لما استطاع أن يجد لإيمانه هذا منفذًا في الحياة العملية، ولما استطاع يومئذ أن يكون وزيرًا يعالج ما يعالج من الأمور.
    إنه يؤمن بحق المصريين جميعًا ألا يردُّوا عن التعليم، وقد عمل وأعنته على ما عمل، عمل على ألا يرد مصري عن التعليم مهما تكن فروع هذا التعليم. ضاقت الجامعة فأنشأ جامعة أخرى، ضاقت المدارس الثانوية فأضاف إليها فصولًا، وأضاف إليها مدارس، ضاقت المدارس الابتدائية فأضاف إليها فصولًا وأنشأ مدارس أيضًا.
    ثم رأى أن الفقر يقوم عقبة عنيفة جدًّا بين كثير من المصريين وبين التعليم، وخصوصًا في هذه الأيام الشاقة، فلجأ إليك ووجد منك خير ملجأ، وإذا أبواب التعليم تُفتح، وإذا الفقراء يدخلون المدارس والجامعات لا يُردُّون بالفقر مهما تكن ظروف الميزانية، ومهما تكن الظروف الأخرى. وإذا نسب المجانية تزداد وتزداد وتزداد، حتى إذا ضاق بطلب زيادة المجانية استصدر من مجلس الوزراء قرارًا بألَّا يرد طالب عن الامتحان إذا عجز عن دفع المصروفات.
    وزميلك وزير المعارف يريد أن يستفيد التلاميذ مما يُلقى إليهم من العلم، فهو يعنى بصحتهم ما وجد إلى هذه العناية سبيلًا، ويجد من زميله وزير الصحة ما يمكِّنه من هذه العناية، ثم يلجأ إليك وإلى البرلمان يستعينكما على أن يطعم الفقير، وعلى أن يردَّ عن أبناء المدارس الإلزامية عارض الجهل، وعارض الجوع، فإذا البرلمان يقيِّد الدولة بتغذية التلاميذ بالمدارس الأولية، ويرصد لذلك في العام الماضي مائة ألف من الجنيهات، ثم يرصد لذلك في هذا العام ثلاثمائة ألف، وإذا نجيب الهلالي يغذِّي أبناء المدارس الإلزامية مائة وخمسين ألفًا في العام الماضي، وسيغذِّي منهم في العام المقبل نصف مليون. (تصفيق متواصل).
    وزميلك وزير المعارف يشاركك في عاطفة تمتاز بها امتيازًا ظاهرًا جدًّا، وهو أنك تحب مصر لا كما يحب إنسان وطنه، ولكنك في الوقت نفسه تبغض الأثرة، وتحب للعالم الشرقي وللعالم العربي ما تحبه لمصر. فأنت لا تريد أن تكون مصر معتزلة، ولا تريد أن تكون مصر أثرة، وإنما تريد أن يكون الشرقيون جميعًا شركاء لمصر في هذه المائدة العلمية الهائلة التي يُولمها وزير المعارف. (تصفيق وهتاف).
    ومن أجل هذا لم يكد نجيب الهلالي يتولى وزارة المعارف في وزارتك هذه حتى أخذ الأساتذة من المصريين يخرجون من بلادهم عشرات إلى البلاد الشرقية، يعلِّمون فيها. وإذا من الأشياء المقررة عندنا في وزارة المعارف ألا يرد لشرقي طلب مهما يكن في سبيل العلم، وألا يرد لحكومة شرقية طلب مهما يكن في سبيل نشر الثقافة، فنحن قوم نحب العلم، لا نحبه لأنفسنا وحدها، ولكن نحبه للناس جميعًا، ثم ها نحن أولاء لم نكتف بنشر ثقافتنا والثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي وحده، ولكنَّا نرسل رسل الثقافة المصرية إلى بلاد الحبشة، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تؤسس في بلاد الحبشة مدرسة مصرية تنشر الثقافة المصرية بلغة أجنبية في بلاد لا تتكلم العربية، لا لشيء إلا لأنك أبعد الناس عن البخل بالأشياء المادية، وبالأشياء المعنوية أيضًا، ولا لشيء إلا لأن وزارتك لا تفهم مطلقًا أن يعيش الإنسان لنفسه، وإنما يعيش الإنسان لوطنه، ويعيش الوطن للإنسانية كلها.
    وزميلك وزير المعارف، يا صاحب المقام الرفيع، يتصور مكانة مصر وكرامتها تصورًا أقل ما يوصف به أنه يلائم شعورنا بالكرامة المصرية، ويلائم اعتزازنا بهذه الكرامة، ويلائم هذه المثل العليا التي نطمع فيها، وهي أن تكون مصرنا العزيزة كأي وطن من أوطان الدنيا المستقلة. وهو من أجل هذا لم يكفه أن ينشر الثقافة المصرية في الشرق العربي، ولا أن ينشئ مدرسة ثانوية في السودان، ولا أن يبعث الذين ينشئون مدرسة في الحبشة، ولكنه يريد أن ينشر الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز نفسها، وإذا هو لا يقبل أن يكون للبريطانيين معهدهم في مصر حتى يكون للمصريين معهدهم العربي المصري في لندن. كذلك يفهم نجيب، وكذلك يفهم زملاؤك الوزراء الكرامة المصرية والاستقلال المصري على هذا النحو الذي تفهم أنت عليه كرامة مصر وعزتها واستقلالها، وعلى هذا النحو الذي لا يمكن أن تعيش مصر المستقلة إلا إذا فهمت نفسها عليه. (تصفيق وهتاف متواصل).
    ثم دعني أصورك وأصور وزرائك وأصور عهدك الديمقراطي هذا تصويرًا أخيرًا، فأنت قد دعوت إلى الاستقلال كما دعا إليه سعد من قبلك، وأنت قد جاهدت في الاستقلال، وأنت قد كسبت الاستقلال وعدت به كريمًا موفورًا، ولكنك حين عدت به إنما عدت به مكتوبًا على الورق، ثم تركت الحكم، فظل الاستقلال مكتوبًا على الورق، وأخذت تتخطفه الأيدي، وتنتقص أطرافه من يمين مرة ومن شمال مرة أخرى؛ لأنه كان استقلالًا مكتوبًا على الورق. فلما جئت وجاء معك زملاؤك وجاء معك برلمانك، جعلت الاستقلال حقيقة واقعة، ومادة تُلمس وتُرى وتُحس، يلمسها كل إنسان، ويراها كل إنسان.
    وليس أدل على ذلك من موقفك في شهور يونيو ويوليو وأغسطس الماضية، وليس أدل على ذلك من موقفك حين كان العدو قريبًا من أبواب الدلتا، وحين لم يستطع أحد أن يمسَّ مصالح مصر بأذًى، وحين عاد العدو عن مصر وردت الأخطار عنها، وخرجت مصر من هذه الأزمة كريمة موفورة. يشهد العالم كله بأنها لم تكن أقل كرامة، ولا أقل عزة، ولا أقل احتمالًا للخطب من أي بلد مهما يكن في الشرق أو في الغرب. كل هذا يا سيدي الرئيس تدين به مصر لك ولزملائك ولأعوانك من أعضاء البرلمان، تدين به لهذا العهد الديمقراطي الذي تسعد به، والذي نرجو أن تسعد به.
    فإذا احتفى بك وبزميلك وبزملائك هؤلاء الإلزاميون، فثقْ بأنهم لا يحتفون بك؛ لأنهم يريدون أن يتملقوك، فالأمر بينك وبين الشعب ليس أمر تملق، إنما هو أمر حب ومودة وإخلاص. (تصفيق وهتاف). ولماذا يمكن أن يتملقوك أو يتملقوا زميلك وزير المعارف، لقد أديتما إليهم بعض حقوقهم، ولا أقول كل حقوقهم، وهم لم يكرموكما قبل تأدية هذه الحقوق، وإنما كرموكما بعد أن أديتما إليهم هذه الحقوق، وبعد أن أُصلِح الكادر إصلاحًا ما، وبعد أن أنشئ صندوق الادخار، فهم إذن لا يحتفون بكما تملُّقًا، وإنما يحتفون بكما حبًّا، ويحتفون بكما شكرًا أيضًا.
    وكان زملاؤك الوزراء، وكان برلمان الوفد. قد أديتم للإلزاميين ما أديتم من الحق، فائذن لي أن أقول لمقامك الرفيع، ولزميلك وزير المعارف، ولزملائك الوزراء، ولمن حضر من أعضاء البرلمان: إن الذي أديتموه إليهم حسن، ولكن الذي بقي لهم في أعناقكم كثيرٌ جدًّا، لا لشيء يا صاحب المقام الرفيع إلا لأنك تريد — ولأننا نريد معك — أن يكون أبناء مصر كرامًا دائمًا، ولن يكون المصريون كرامًا إلا إذا كُرِّم الذين يُعلِّمونهم ويُنشِّئونهم. وهذا الشعور نفسه هو الذي حملكم على أن تؤدوا ما أديتم من الحق، وأنا واثق بأنه سيحملكم على أن تؤدوا ما بقي من هذا الحق. (تصفيق).
    وآية ذلك أنكم لم تختصوا الإلزاميين بعطفكم، وإنما شملتم رجال التعليم جميعًا، فلن يمضي هذا العصر، يا صاحب المقام الرفيع، حتى يشعر كل معلم في مصر — مهما يكن الفرع الذي يعلم فيه — بأن وزارتك الديمقراطية قد أحسَّت أن له حقًّا، وأن حقه يجب أن يُؤدَّى إليه. وهذا الحق هو أن يكون كريمًا، وأن يمكَّن من احتمال أعباء الحياة كما ينبغي أن يتحمل الرجل الكريم أعباء الحياة.
    أتريد آخر الأمر، يا صاحب المقام الرفيع، أن أُحدِّثك لماذا لا تجد وزارتك ولا يجد عهدك ارتياحًا من بعض القلوب؟ أمَّا أنا فأستطيع أن أُحدِّثك بهذا حديثًا صريحًا، لا لبس فيه، وأزعم أن أحدًا لن يستطيع أن ينكر ما سأحدِّثك به: إن وزارتك لا تريح؛ هي أولًا لا تريح نفسك، فهي متعبة متعبة، ولكنها لا تريح قومًا آخرين ليس من مصلحتهم أن يشعر الشعب بوجوده ولا بحقوقه ولا بكرامته، وإنما مصلحتهم أن يُستغل الشعب كما تُستغل الأرض، وكما تُستغل الماشية. وأنت ووزارتك تشعرون الشعب بأن له حقًّا، وبأن له كرامةً، وبأن لا فرق بينه وبين أحد كائنًا ما يكون.
    فمن أجل هذا كانت وزارتك متعبة لبعض القلوب، مؤرقة لبعض الناس، مانعة كثيرين من أن يستريحوا؛ لأنك تهيئ لهم عناءً عظيمًا يوم يشعر كل مصري بأن من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، لا فرق بين هذا الغني أو ذاك، وبين هذا القوي أو ذاك، وإنما المصريون جميعًا كما يقول الدستور سواء أمام القانون. أتريد أن تعرف الفرق بينك وبين الذين لا يحبُّونك؟ الفرق بسيط جدًّا: أنت أخذت الدستور على أنه جد، وغيرك أخذ الدستور على أنه مزاح.
    سيدي صاحب المقام الرفيع
    إن هؤلاء السادة الإلزاميين لم يسعوا إلى هذا المكان ليستمعوا لي، وإنما سعوا إلى هذا المكان ليشكروك وليشكروا زميلك وليكرموكما، وقد أقحمت نفسي بين الخطباء إقحامًا؛ لأن كلمة الحق يجب أن تُقال، ويجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وقد قلت هذه الكلمة الآن، فائذن في أن أحييك وأحيي زملاءك، وفيهم صديقي نجيب الهلالي، ثم ائذن لي في أن أدع هذا المكان، وقد يخيَّل إليَّ أن هؤلاء السادة يريدون أن يستمعوا منك ومن زميلك بعض الشيء. (هتافات مختلفة وتصفيق حاد متواصل).

  • فضيحة | A Scandal

    حديث الوادي
    فضيحة . . .
    وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.

    ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.

    إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟

    فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.

    لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟

    نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.

    أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.

    فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • امتيازات | Privileges

    حديث المساء: امتيازات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ فبراير ١٩٣٤

    ليست هي الامتيازات التي يستمتع بها الأجانب في مصر، وتضيق بها ضمائر المصريين، وكثير من الضمائر الحية للأجانب أنفسهم، ويضيق بها العدل والحق والإنصاف، فكل المصريين محب لإلغائها، مُلِحٌّ فيه، يراه غرضًا من أغراض النهضة الوطنية، وواجبًا من الواجبات التي ينبغي أن يبذل المصريون فيها ما يملكون من قوة وجهد، والتي لا ينبغي أن يُعرِض المصريون عنها حتى يؤدوها كاملةً، في غير تهاون ولا تقصير ولا فتور. المصريون مُجمِعون على إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، ولكن هناك امتيازات أخرى ليست أقل خطرًا من امتيازات الأجانب، ولعلها أعظم منها خطرًا، وأقبح منها أثرًا في حياة الناس، وأخلاقهم وصلاتهم؛ لأنها امتيازات لا يقبلها العقل، ولا يطمئن إليها القلب، ولا يستريح لها الضمير الحي النقي، ولا تقرها أيسر قواعد الأخلاق.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من المصريين دون فريق، والتي لم يكسبها أصحابها بمعاهدة، أو قانون، أو عُرْف مقرَّر محترم، أو وراثة أو تقليد من التقاليد، وإنما جاءتهم وحدها طائعة راغبة فيهم مدفوعة إليهم دفعًا، برغم أنف المصريين جميعًا.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريق من الوزراء وكبار الموظفين، لا لشيء إلا لأنهم تولَّوا الوزارة أو تقلَّدوا مناصب الحكم، وهي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من الناس ليسوا وزراء ولا موظفين، ولكنهم يظفرون بعطف الوزراء والموظفين. هي هذه الامتيازات التي لا تقوم إلا على مخالفة للقانون وانتهاك حرمات الدستور، ولا توجد إلا حيث يضعف الشعور بالعدل، والتقدير للكرامة، والاعتراف بضرورة النظام. هي هذه الامتيازات التي تعفي فلانًا من أن يُسأَل عمَّا قال أو عمل، بينما يفرض القانون أن يُسأَل الناسُ جميعًا عما يتعَدَّون به حدودَ القانون من قول أو عمل. هي هذه الامتيازات التي تبيح لفلان أن يستمتع من أموال الدولة وجاهها وسلطانها، في غير حق ولا عدل، بما لا يُبَاح لغيره من الناس، بل بما يُعاقَب غيره من الناس على الاستمتاع به أو السعي للوصول إليه.

    هذه الامتيازات الآثِمة خليقة أن تُلْغَى، وهي خليقة أن تُلْغَى قبل تلك الامتيازات الأجنبية. أقول هذا غير متحرج ولا متأثم ولا متردد؛ فإن شعور المصريين بكرامتهم، وحرص المصريين على حقهم، وجدَّ المصريين في استقلالهم؛ هي الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية من غير شك، وليس من الشعور بالكرامة، ولا من الحرص على الحق، ولا من الجد في الاستقلال أن يرضى المصريون أن يمتاز بعضهم من بعض، وأن يتفوق بعضهم على بعض، في غير عدل ولا دستور ولا قانون. وإذا رضي المصري أن يذله المصري، وأن يعتدي عليه، وأن يمتاز من دونه بما لا يطمع هو فيه، وأن يستمتع من دونه بالطيبات، وأن ينتهك من دونه حرمات القانون؛ فهو خليق أن يرضى بكل ما يصيبه من الظلم، وأن يذعن لكل ما ينزل به الجور، وأن يعجز عن إقناع الأجنبي بالرغبة عن الامتيازات، أو النزول عنها. فمَن رضي الظلم القليل خليق أن يرضى الظلم الكثير، ومَن احتمَلَ الهوان اليسير خليق أن يحتمل الهوان العظيم، ومَن عجز عن حماية نفسه في ظل القانون والدستور خليق أن يعجز عن حماية الأجانب في ظل هذا القانون والدستور، ومَن قَبِلَ أن يعبث به فلان وفلان دون أن ينتصف له القانون منهما، ضعيف أشد الضعف، عاجز أشد العجز عن أن يقنع الأجنبي بأن يسوي نفسه به، وأن يرضى أن يشاركه في حياته هذه التي لا تأمن من الظلم، ولا تبرأ من الذل، ولا تخلو من الفساد.

    هذه حقائق مُرَّة، ولكن مرارتها لا تمنع من أن تُقَال، بل مرارتها تفرض علينا أن تُقَال، فلَئِنْ يتحدث بعضنا بهذا خير من أن يتحدث به إلينا الأجانب، لئن يقول بعضنا لبعض: إن في مصر ظلمًا يجب أن يُرفَع، وامتيازات جائرة يجب أن تُمحَى، خير من أن يقول لنا الأجانب: أنصفوا أنفسكم من أنفسكم، ثم فكِّروا في إنصاف أنفسكم منا، وخير من أن يقول لنا الأجانب: ثقوا بأنكم قادرون على إنصاف أنفسكم من أنفسكم، ثم تحدَّثوا إلينا بعد ذلك بأنكم قادرون على أن تضمنوا لنا حياةً قوامها العدل والرعاية والإنصاف، وليس من الشجاعة أن نخفي عيوبنا أو نتستر عليها، وإنما الشجاعة الصحيحة هي أن نُلقِي عيوبنا وجهًا لوجه، وأن نجاهدها ونتخلَّص منها. فَلَئن نُظهِر عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُظهِرها لنا الناس، وَلَئن نُصلِح عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُصلِحها لنا الناس. وهذه الامتيازات التي يستمتع بها إلى الآن صدقي باشا، وأمثال صدقي باشا، عيوب في حياتنا السياسية والخُلُقية يجب أن نُظهِرها ونُنبِّه إليها، ونجهر بالدعوة إلى إصلاحها؛ فَلَذلك خير من أن يُفاجِئنا بها الأجانب على غير انتظار.

    وإني لأُوثِرُ ألف مرة ومرة أن أتحدث بهذه العيوب إلى المصريين، وأن يتحدث بها المصريون إليَّ، وأن يُثقِل بعضنا فيها على بعض، أُوثِرُ هذا ألف مرة ومرة على أن أتحدَّث يومًا من الأيام إلى بعض الأجانب في إلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فيصدمني بهذه الجملة القاسية اللاذعة التي يتصبَّب لها جبين الرجل الكريم عرقًا: إنما يحسن بكم أن تطلبوا إلغاء الامتيازات حين تستطيعون إقناعنا بأنكم قادرون على ألَّا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يمتاز بعضكم من بعض، ولا يرتفع فريق منكم فوق القانون. ويستطيع صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وتستطيع الوزارة وأنصار الوزارة أن يقولوا ما يشاءون، ولكنهم سيعجزون دائمًا عن أن يُقنِعوا أحدًا بأن صدقي باشا ليس مستمتعًا الآن بطائفة من الامتيازات، لا ينبغي أن يستمتع بها رجل في بلد يخضع لحكم الدستور والقانون.

    رجل يقال فيه وفي تصرفاته كلُّ ما قيل، ويُنشَر عنه وعن تصرفاته كلُّ ما نُشِر، وتُؤلَّف لجنةٌ للتحقيق في طائفة من التصرفات هو الذي أجازها وأمضاها؛ فتحقِّق وتدقِّق، وتسأل الناس، ولكنها لا تستطيع أن تبلغه، ولا تستطيع أن تصل إليه؛ لأن الدستور يحول بينها وبين ذلك. ثم يقال له: قَدِّمْ أنت إلى اللجنة ما يزيل عن موقفك كل لبس، ويمحو عن تصرفاتك كل شك؛ فلا يتحرك كأنه لا يسمع. ثم يقال للحكومة: أنفذي فيه حكم الدستور، ودعي البرلمان يسأله عن تصرفاته هذه؛ فلا تتحرك الحكومة، كأنها لا تسمع؟ ثم يقال للبرلمان: أنفذ في هذا الرجل حكم الدستور، سَلْهُ عن هذه التصرفات ليزول عنها كل لبس، ويُمحَى من حولها كلُّ شك، وتبرأ سمعة الوزارة وأعضاء البرلمان من كل شائبة؛ فلا يتحرك البرلمان، كأنَّ أحدًا لم يقل له شيئًا.

    رجل هذه حاله، وهذا موقفه من الدولة، وهذا موقف الدولة منه، ممتاز من غير شك، ومن أين جاء هذا الامتياز؟ لم يجئه من القانون، ولا من الدستور؛ لأن القانون والدستور يُحَتِّمَان سؤالَ الوزراء عمَّا فعلوا وهم وزراء. ولم يجئه من ورائه، فما نعلم أن في مصر نظامًا يحمي الباشوات وكبار الناس من احتمال التبعات. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بينه وبين الدولة تضمن له أن يكون فوق السؤال والجواب. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بين الدولة وبين دولة أخرى تجعله فوق السؤال والجواب، وإنما جاءه من أنه صدقي باشا ليس غير، جاءه من أنه كان وزيرًا، والوزراء لا يُسأَلون إلا أمام البرلمان، والدولة لا تريد أو لا تريد إلى الآن أن تسأله أمام البرلمان، ومع ذلك فالدولة معنية بقصة الكورنيش، حريصة فيما تقول على أن تحقِّق أمرها، وتأخذ المسئولين فيها بالعقاب، فإذا سألت الدولة مَن المسئولون؟ فستجيبك هم الذين ستُظهِرهم اللجنة. فإذا زعمت الدولة أن هناك وزيرًا مسئولًا أجاز بعض هذه التصرفات، سكتت الدولة، وسكت صدقي باشا، وسكت الناس جميعًا. والغريب أن امتياز صدقي باشا لا يفرض نفسه على الوزارة وحدها، ولا يفرض نفسه على البرلمان وحده، وإنما يفرض نفسه على الصحف أيضًا. فهل تذكر كل تلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، وتناله بأقسى ألوان النقد والتشنيع، حين كانت الوزارة جادة في خصومته؟ هل تذكر تلك الصحف التي أثارت قصة الكورنيش وخاضت فيها فأكثرت الخوض؟ إنها الآن صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تقول، ومع ذلك فلم يجد شيء يغيِّر من أمر قصة الكورنيش، فما زالت هذه القصة فضيحة منكرة، ذهبت فيها مئات الألوف من الأموال العامة، وما زال حول هذه القصة تحقيق، وقد خرج صدقي باشا من السؤال والجواب، كما تخرج الشعرة من العجين، وتلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، مطمئنة مستقرة، لا تظهر الآن غيرةً على الحق، ولا حبًّا لوضوحه، ولا حرصًا على معرفة المسئولين جميعًا. فما مصدر هذا الامتياز الذي يستمتع به هذا الدكتاتور العظيم؟ وما مصدر تلك الضجة الهائلة التي أثيرت حول صدقي باشا والكورنيش، ثم سكتت عن صدقي باشا والكورنيش؟ وأين قانون التضمينات هذا الذي يرفع صدقي باشا عن السؤال والجواب، لا لشيء إلا لأنه كان وزيرًا؟

    وأغرب من هذا كله أن السياسة تتحدث إلينا اليوم بأن الجنة التحقيق سألت بعض الناس، أو بعبارة أدق سألت بعض الموظفين في إقليم البحيرة عن أمور تمس صدقي باشا ومقاول صدقي باشا الذي هو مقاول الكورنيش؛ فأجاب الموظف عمَّا سُئِل عنه، وأظهر استعدادًا للإجابة عما يُسأَل عنه. قالت السياسة: فنُقِل هذا الموظف إلى أقصى الصعيد، أهذا صحيح؟! وإذا كان صحيحًا فما تأويله؟ وما تفسيره؟ وما موقعه من الحق والعدل؟ وما ذنب هذا الموظف الذي لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، والذي لم يزد على أن سُئِل فأجاب، ثم تزعم لي بعد ذلك أن المصريين سواء أمام القانون لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يتفوق بعضهم على بعض، وزير لا يُسأَل، وموظف يُسأَل فيجيب، فيُنقَل إلى أقصى الصعيد.

    أما أنا فإني أتمنى أن يكفي الله لجنة التحقيق عواقب هذا التحقيق، فهي قد سألت عن أمور تمس صدقي باشا، وصدقي باشا رجل فوق السؤال، فلعل اللجنة لا يمسها لوم ولا عقاب لأنها سألت عن أمور رجل هو فوق السؤال والجواب. هذه الامتيازات وأمثالها — وثِقْ بأن أمثالها كثير — هي التي يجب أن تُلْغَى وأن تُلْغَى قبل كل شيء، وأن تُلْغَى قبل أن نطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فقد نظن أن من الحق علينا أن نكرم على أنفسنا لنكرم على الناس، فإذا هنَّا على أنفسنا فَلْنَقْبَلْ راضين وكارهين أن نهون على الناس.

  • تنظيم | Regulation

    حديث المساء: تنظيم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٨ يناير ١٩٣٤

    وليست وزارة حازمة، ولا مشبهة للحازمة إذا لم تنظم كل شيء تنظيمًا يمكنها أن تبسط سُلطانها
    عليه؛ تخضعه لما تُريد.

    ومن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ وزارتنا ينقصها الحزم من قريبٍ أو مِنْ بَعِيدٍ، ومن ذا الذي
    يستطيع أن ينكر أنَّ وزارتنا حَازِمَةٌ من جميع أطرافها، ومن جميع جهاتها، يأتيها الحزم من كل
    مكان، وينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟! حزم عنيف مخيف.

    قد ذاقه الوزراء المُفوضون وذاقه الإنجليز من الرجل الطيب فعرفوا أنه مُرٌّ ممض، ليس إلى
    احتماله من سبيل وذاقه أهل المنصورة، وأهل القليوبية من وزير الداخلية فعرفوا أنه ملتهب محرق.
    وذاقه الأساتذة والمعلمون، والطلاب والتلاميذ من وزير التقاليد فعرفوا أنه منغص يبعث الكآبة في
    النُّفوس، ويُدْمِي القلوب حزنًا وألمًا. وذاقه المستشارون الملكيون من وزير المالية، فعرفوا
    أنه يُثير الغيظَ أَوَّل الأمر ويُثير الابتسام آخر الأمر، وأَنَّه مُرٌّ عذب وحامض حلو. وذاقه
    السماسرة من وزير المالية فأحبوه وكرهوه وخافوه وطمعوا فيه؛ لذلك غضبوا ثم رضوا ثم غضبوا وهم
    يترجحون الآن بين الغضب والرضا. يريدون أن تطول اللذة وتتصل الغبطة ويبقى الابتهاج. وذاقه
    المحامون من وزير الحقانية فكانوا إليه نهمين، وبه كلفين، يتهالكون عليه كما تتهالك الطير على
    الماء بعد عبور الصحراء، لا يذيقهم وزير الحقانية منه لونًا إلا استزادوه وطمعوا منه في لون
    آخر. أنذرهم فاستعذبوا الإنذار، ولم يقنعوا به، ولم يروا فيه إلا مُقَدِّمةً كهذه المُقَدِّمات
    التي تسبق الطعام لتوقظ الميل إليه والرَّغبة فيه؛ فألحوا على الوزير في أنْ يَزِيدهم فتفضل
    عليهم بقانون.

    ويظهر أن طعام الوزير لذيذ، وأنَّ المحامين جياع، فلم يكادوا يذوقون القانون حتى كلفوا بقانون
    آخر، أو بقوانين أخرى. انظر إليهم يتلقَّون القانون فرحين به، يكاد الفرح أن يطير بهم في الجو،
    ويبلغ بهم السماء. يجتمعون فيدرسون ثم يعلنون إنكارهم للقانون، وخلافهم له، وامْتِنَاعَهُم عن
    تنفيذه، يَزْعُمون أنه مخالف للدستور، وأن لا طاعة لحاكم في مخالفة الدستور، ويصرون على أن يظل
    مكرم لهم نقيبًا، وقد أمرت الوزارة أن لا يكون مكرم لهم نقيبًا، ويكلفون نقيبهم أن يعلن موقفهم
    هذا إلى الوزارة، فيفعل النقيب لا مترددًا ولا مصطنعًا للأناة.

    وأنا مُعْتَذِرٌ إلى المُحامين إن أعلنت لهم أني لا أفهم موقفهم هذا، كما يعلنونه وكما يريدون
    أن يفهمه الناس، وإنما أَفْهَمُه على وجهه الصحيح. فهم لا يُنكرون القانون إلا طمعًا في قانون
    آخر، وهم لا يعصون الوزير إلا ليحرضوه على أن يُلح عليهم بالتشريع؛ لأَنَّهُم قد ذاقوا لذة هذا
    اللون من ألوان الاضطهاد.

    فالوزير مصري، والمصري كريم بطبعه [لا يُسأل] إلا أَعطى ولا يدعى إلا أجاب. وقد سأل المحامون
    فأعطاهم الوزير، والمحامون يجددون السؤال والوزير يستأنف لهم العطاء. فَهَذا مَجْلِسُ الوزراء
    قد اجتمع أَمس، وهذه الصحف تُنْبِئنا صباح اليوم بأن الأريحية قد هزت وزير الحقانية، ثم انتقلت
    هذه الهزة من الوزير إلى زُمَلَائِهِ، فإذا الأريحية تهز المجلس كله هزًّا، وإذا المجلس كله سخي
    كريم مُتَأَهِّبٌ للعطاء، مُتَعَجِّلٌ لإرضاء السائلين.

    طلب المحامون الأهليون قانونًا، فستجُودُ الوزارة بقانونين: أحدهما للمحامين الأهليين، والآخر
    للمحامين الشرعيين؛ لأنَّ الوزارة لا تُريد أن تعطي فريقًا وتحرم فريقًا، لا تريد أن تطعم
    المحامين الأهليين وتدع المحامين الشرعيين تحرق قلوبهم الغيرة، ويتلهب ريقهم قرمًا إلى ما يأكله
    إخوانهم الأهليون. طلب المحامون الأهليون قانونًا فسيظفرون به غدًا أو بعد غد، وسيظفر بمثله
    المحامون الشرعيون.

    ولن تعطل النقابة الأهلية وحدها، بل ستعطل معها النقابة الشرعية؛ رفقًا بها، وإشفاقًا عليها،
    فَمَاذَا تَصْنَعُ وحدها بالحياة بعد أنْ تسبقها أختها إلى الموت؟! ستعطل النقابتان إذن،
    وستعطلان بقانون — نستغفر الله — بل بقانونين. والمحامون جياع، فليعجل الوزراء في تهيئة الطعام،
    وإذن فليعد القانون — نستغفر الله — بل القانونان في سرعة لا تُشبهها سرعة، وليقرهما الوزراء
    اليوم أو غدًا، وليعرضا على البرلمان ولينظرهما عَجِلًا، وليُقرهما ولتصدرهما الدولة، وليقدم
    الطعام إلى هؤلاء المُحَامِين الجياع قبل آخر الأُسبوع. وقد زَعَمَ أَصْحَابُ السِّياسةِ أَنَّ
    الحكم إنما هو البصر بعواقب الأمور، والاستعداد للغد، والتهيؤ للطوارئ. ووزارتنا بارعة في
    الحكم، تحسن العلم بغدٍ كما تحسن العلم بأمس.

    وهي تقدر أن المحامين لن يشبعوا، وأن القانونين الجديدين لن يُهَدِّئا من هذا الجُوع الذي
    يحرِّقُ أَجْوَافهم تَحْريقًا؛ وهي لذلك تُهيئ لهم قانونًا جديدًا، يصدر بعد هذين القانونين فيه
    تنظيم لشئونهم، وإصلاحٌ لأُمورهم، وردٌ لهم إلى الصواب. ويظهر أنَّ هذا القانون الذي يهيأ منذ
    زمن طويل سيكون مُقنعًا مُغنيًا، لا يجوع المحامون بعده أبدًا، سيعلمهم كيف تكون الطاعة،
    وسيعلمهم كيف يكون الإذعان. سيخرج أمورهم من أيدي عامتهم إلى أيدي خاصتهم، وسيخرج اختيار هذه
    الخاصة من أيديهم إلى أيدٍ أُخْرَى أبصر منهم بالاختيار. سيردهم إلى ما رد إليه المِصْرِيِّون
    جميعًا حين غير الدستور، فإنَّ الدِّيمُقراطية الجامحة قد أفسدت الشعب فلم يكن بُدٌّ من رده إلى
    الاعتدال. وهذه الديمقراطية الجامحة قد أفسدت المُحامين فليس بد من ردهم الاعتدال. وهي قد أفسدت
    الطلاب، فلا بد من إغلاق أنديتهم وحل اتحاداتهم وأخذهم بأندية جديدة واتحاد جديد، لا يعبث بها
    جموح الديمقراطية.

    أرأيتَ أن وزارتنا حازمة حقًّا، ينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟ في كلِّ
    يوم قانون، وفي كل يوم نِظَام، لكل شيء قانون ولكل شيء نظام: قوانين للمُحامين، قوانين
    للمُعلمين، قوانين للطلاب، قوانين لما شئت، وقوانين لما لم تشأ.

    وما قيمة الوزارة إذا لم تُهيئ القوانين؟ وماذا يصنع البرلمان إذا لم يشرع القوانين؟ وماذا
    تصنع الجريدة الرَّسمية إذا لم تنشر القوانين؟ وكيفَ يَعِيشُ المِصْرِيُّون إذا لم تنظم حياتهم
    بالقوانين؟ ولكن ما رأي الوزارة في أن المحامين سيظلون جياعًا لن تشبعهم القوانين التي ستصدرها،
    كما لم تشبعهم القوانين التي صدرت إلى الآن؛ لأنهم جياع إلى العدل والحق لا إلى النظم
    والقوانين. ستصدر القوانين إثر القوانين إنْ طَالَ عمر الوزارة وسيلتهمها المحامون التهامًا
    وسيكون سباق بين المحامين والوزارة، هذه تشرع وأولئك يلتهمون، وسنرى أيُّ الفَرِيقَينِ يعجز
    صاحبه، أهي الوزارة التي ستضطر المحامين إلى التخمة، أم هم المحامون الذين سيضطرون الوزارة إلى
    العجز والإفلاس؟

    أما أنا فناصح للوزارة، مُخلص في النصح لها وأود لو تسمع لما أقدم إليها من النصح؛ لِتَدَع
    التشريع فلن تقنع المحامين ولم تبلغ به منهم شيئًا. إنما السبيل أن تُحيل المحامين جميعًا إلى
    مجلس التأديب فهم جميعًا مُسْتَحِقُّون للإحالة إلى مجلس التأديب؛ صدر الأمر إليهم فعصوه، وهبط
    الوحي عليهم فخالفوه، وما جزاء من يعصي الأمر ويُخَالِفُ الوحي إلَّا أَنْ يُساق إلى مجلس
    التأديب. وسيكون طريفًا حقًّا أن يُحَال المُحَامون جميعًا إلى مجلس التأديب، وسيكون في ذلك
    اعتبار لمن لا يعتبرون، ووعظ لمن لا يتعظون، وتأديب لمن لا يتأدبون.

    وسيبحث المحامون عمَّن يدافع عنهم أمام مجلس التأديب فلا يجدون، فيلتمسون المدافعين عنهم في
    بلاد الشرق والغرب؛ وتنشط لذلك حركة التجارة. وسيعجز مجلس التأديب عن مُحاكمة هذه المئات
    فيُعيَّن قضاة ومستشارون، وتشهد مصر حركة لم يشهدها بلد من قبل، ونشاطًا لا عهد به للأمم
    والشعوب، وتقيم الوزارة للعالم كله دليلًا على أنَّ مِصْرَ النَّاهِضَةَ قد أصبحت في مُقدمة
    البلاد الحيَّة تشق لها سُبُل الرُّقي وتقودها إلى الكمال، وعلى أنَّ الإنجليز غُلَاة قُسَاة
    مُسرفون حين يضنون على مصر بالاستقلال، وعلى أنَّ الأجانب كلهم غلاة قساة مسرفون حين يترددون في
    إلغاء الامتيازات.

    اللهم إني مخلص فيما أقدم للوزارة من نصح، فاجعل وزارتنا من الذين يستمعون القول فيتبعون
    أحسنه!

  • منع … | Prohibition…

    حديث المساء: منع …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ يناير ١٩٣٤

    وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن
    يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا
    وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها
    الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها
    من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام
    القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية
    حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت
    وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد
    فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا
    وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك
    أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه،
    ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي
    لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا
    النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض
    حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر
    لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات
    جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد
    وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب،
    حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت
    من الرشد أقصاه.

    ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم
    العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد
    أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا
    قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم
    إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ
    المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا
    يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

    أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل
    الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه
    فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن
    وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم
    وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من
    غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف
    العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها
    الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا
    وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون
    القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر
    التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون
    الضعف ويكلفون بالغباء.

    وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور
    بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم
    الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم
    الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام
    يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات
    القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا
    لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا
    فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

    وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في
    ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك
    سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا
    يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث
    وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد
    قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق،
    ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن
    ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا
    أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما
    لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال
    للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال
    لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ
    دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد
    قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا
    بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع
    بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما
    يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار
    في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون
    إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف
    الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا
    تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من
    الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟
    هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد
    وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن
    على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا
    حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

    وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص
    الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق
    إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن
    يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون.
    ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت
    إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية
    كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

    أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما
    أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا
    الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم
    إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى
    استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين
    نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر
    في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه
    القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟
    وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما
    أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ،
    وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا،
    دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما
    قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن
    الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ
    لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد
    وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول
    الدستور والقانون.

  • ظلم | Injustice

    حديث المساء: ظلم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ أكتوبر ١٩٣٣

    الذي أعلمه ويعلمه رئيس الوزراء وزملاؤه من الوزراء، وأعوانه من الموظفين، ويعلمه الناس
    جميعًا علم يقين، هو أن في مصر نظامًا دستوريًّا ينص في صراحة لا تحتمل اللبس على أن الأمة مصدر
    السلطات.

    وجد هذا النص في الدستور الذي ألغاه صدقي باشا، ووجد هذا النص في الدستور الذي استصدره صدقي
    باشا، والذي نهضت الوزارة القائمة لتحميه وتصونه، وتنفذ أحكامه بالعدل — فيما تقول — بين الناس
    جميعًا، لا تفرق بين أحد منهم. وهذه السلطات التي تصدر عن الأمة بنص هذين الدستورين الصريحين هي
    سلطة النواب والشيوخ حين يشرعون، وسلطة الوزراء والموظفين حين ينفذون، وسلطة القضاة حين يقضون.
    معنى ذلك أن النواب والشيوخ والوزراء والموظفين ورجال النيابة والقضاء لم يُسلطوا على الأمة
    تسليطًا، ولم يفرضوا على الأمة فرضًا، ولم يستمدوا سلطانهم من قوة أجنبية بعيدة عن الأمة، مسلطة
    عليها، ليصبوه عليها صبًّا، وإنما أقامتهم الأمة نفسها، ومنحت بعضهم من الحق والقوة ما يمكن من
    التشريع، ومنحت بعضهم الآخر من الحق والقوة ما يمكنهم من التنفيذ، ومنحت فريقًا ثالثًا من الحق
    والقوة ما يمكنهم من الفصل في الخصومات، وأرصدت لهم جميعًا من مالها ما يهيئ لهم تأدية هذه
    الواجبات على أحسن وجه وأكمله.

    فأيهم تجاوز هذه الحدود، أو أعان على تجاوزها، وأيهم خرج عن هذا الوضع الذي حدده الدستور
    تحديدًا صريحًا، أو أعان على الخروج عنه، فهو ظالم جائر، وهو معتدٍ على الحق، مُسرفٌ في إهدار
    العدل. هذا شيء لا يمكن أن يشك فيه أحد، ولا أن يماري فيه إنسان، ولعل مصدر ما نحن فيه من الشر
    هو أن كثيرًا من الناس يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون إلى ما تدل عليه من المعاني، ولا يتمثلون كما
    ينبغي حقوقهم الخالصة التي لا سبيل إلى أن تمس إلا بالظلم والجور، والبغي على النظام
    والدستور.

    ولو أن أعضاء الوزارات وأعوانهم من الموظفين آمنوا بهذا النص وأمثاله من نصوص الدستور إيمانًا
    لا تجري به الألسنة وحدها، وإنما تطمئن به القلوب أيضًا، كما تطمئن قلوب المؤمنين بذكر الله،
    لتجنبوا كثيرًا من الشطط، ولتنكبوا فنونًا من الإرهاق.

    ولو أن المصريين على اختلافهم، وتباين منازلهم وطبقاتهم الاجتماعية تمثلوا هذا النص وأمثاله
    من نصوص الدستور، فجرت به ألسنتهم عن إيمان واعتقاد، لا عن ترديد ظاهر كما تردد الببغاء ما تحفظ
    من الكلمات، لما أباحوا لوزير أن يشط عليهم، ولا قبلوا من موظف أن يُحمِّلهم من الظلم ما لا
    ينبغي له أن يحملهم، ولا ينبغي لهم أن يحتملوه، ولكن الناس عادةً يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون
    إلى المعاني، فيعجزهم فهم ما لهم من حقوق، ويعجزهم فهم ما عليهم من واجبات، وقد أحب أن أفهم بعد
    هذا الذي لا سبيل إلى الشك فيه: كيف يُباح لموظف من الموظفين أن يشتم جماعة من أبناء الشعب الذي
    منحه ما بيده من السلطان، وخوله ما بيده من القوة، وكيف يُباح لموظف من الموظفين — مهما يكن،
    وليكن رئيس الوزراء — أن يقول لجماعة من المصريين — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر أبناء مصر
    وأدناهم إلى البؤس والضعف والإعدام: إنهم أبناء كلاب؟!

    أحب أن أفهم كيف يباح لموظف من الموظفين المصريين في ظل حكم دستوري متحضر أن يجري لسانه بهذا
    الكلام، وأن يوجهه إلى إخوانه في الوطنية — مهما يكونوا — وأين يوجد النص الدستوري أو القانون،
    بل أين يوجد العرف الدستوري أو القانون الذي يبيح لموظف مصري أن يسمي إخوانه في الوطنية أبناء
    كلاب؟

    وأحب أن أفهم أيضًا كيف يباح لموظف مصري — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يكلف عمدة من
    العمد بأن يمتص دماء المصريين، وفي أي معجم من معاجم الفقه الدستوري أو من معاجم النظام الإداري
    يوجد هذا اللفظ؟! لفظ امتصاص الدماء، دماء أبناء الشعب الذين هم مصدر السلطات بنص
    الدستور!

    وأحب أن أفهم كيف يتاح لموظف من الموظفين المصريين — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يعلن
    إلى جماعة من مواطنيه — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر الناس وأضعفهم وأدناهم إلى البؤس
    والإعدام — أنه مكلف خراب بيوتهم. وأين توجد هذه القوة التي تكلف الموظفين تخريب بيوت الشعب،
    وأين يوجد النص الدستوري أو القانوني الذي يخول الموظفين تخريب بيوت الشعب، ويأذن لهم في أن
    يجهروا بذلك ويعلنوه إلى الناس في غير حرج ولا حياءٍ؟

    أحب أن أفهم هذا كله، أو على أقل تقدير، أحب أن يؤكد رئيس الوزراء للناس أن شيئًا من هذا كله
    لم يقل، وأن شيئًا من هذا كله لم يكن، وأن شيئًا من هذا كله لا يمكن أن يقال، ولا أن يكون. وأحب
    أن يكون تأكيد رئيس الوزراء لهذا صريحًا قاطعًا لا يعتمد على القول وحده، وإنما يعتمد على القول
    والعمل؛ فقد ذكرت السياسة صباح اليوم أن مأمورًا من مأموري المراكز قال هذا الكلام لجماعة من
    أهل الريف بمحضر من قوم آخرين سمعوه. فهل روت السياسة حقًّا، أم هل روت السياسة شيئًا غير الحق؟
    فإن تكن الأولى فإن واجب رئيس الوزراء واضح لا غموض فيه، قاطع لا يحتمل الرد؛ وهو أن يسأل زميله
    وزير الداخلية كيف كان هذا، وأن يكلف زميله وزير الداخلية إحالة هذا المأمور على مجلس التأديب،
    فإن فعل وزير الداخلية فذاك، وإن لم يفعل؛ فواجب رئيس الوزراء واضح أيضًا، وهو أن يختار بين
    إقرار وزير الداخلية وموظفيه على شتم الشعب وتكليف العمد أن يمتصوا دماءه، وتكليف الموظفين أن
    يخربوا بيوته. فيعلم الشعب أن الوزارة القائمة تعترف في صراحة بأنها لا تستمد سلطانها من الشعب،
    وبأنها قد جاءت لإذلال هذا الشعب، وبين أن يخرج وزير الداخلية من وزارته إخراجًا.

    وظلم آخر بشع لا يتناول فردًا من الناس، وإنما يتناول مئات وألوفًا، ولا يتناول قرية من
    القرى، وإنما يتناول جماعات ضخمة من المصريين، منبثة في أقطار مصر كلها. ونحب أن يُعنى به رئيس
    الوزراء، وأن يتبين جلية الأمر فيه، فإن كان حقًّا واقعًا لام فيه وزير التقاليد، وكلفه إصلاحه
    ومحو آثاره السيئة. وإن لم يكن حقًّا أعلن إلى الناس أنه شيء يختلق اختلاقًا، ويخلق من لا شيء.
    وهذا الظلم هو الذي تراه مفصلًا في غير هذا المكان من الكوكب، وهو الذي يقال أنه يصب على رجال
    التعليم الأولى منذ حين.

    فقد عرض بعض النواب برجال التعليم الأولى في بعض جلسات المجلس أول الصيف، ولم يدفع عنهم
    الوزير — وأول واجباته أن يدفع عنهم إن كانوا مظلومين، وأن يفصلهم من العمل إن كان النائب قد
    وصفهم ببعض ما فيهم.

    وقد أنكر المعلمون تعريض النائب وصمت الوزير، وكتبوا في ذلك إلى الوزارة، فعدَّ إنكارهم هذا
    ذنبًا لا بد له من عقاب، وعدَّ دفاعهم عن أنفسهم إثمًا لا بد له من كفارة، ودافع كاتب من الكتاب
    عن هؤلاء الناس، فشكروا له دفاعه عنهم، فعدَّ شكرهم هذا سيئة لا بد من أن يُؤخذوا بها، وجريمة
    لا بد من أن يُطهَّروا منها، ثم صب عليهم لونًا من العذاب غريبًا، فيه تشريد في أقطار الأرض:
    يكون بعضهم في القاهرة، فإذا هو في أقصى الصعيد، ويكون بعضهم في الصعيد فإذا هو في أقصى
    الواحات، ويكون بعضهم في إدفو فإذا هو في الحدود، ويكون بعضهم رئيسًا فإذا هو معلم، ويصبح بعضهم
    فإذا مرتبه قد خصمت منه أيام.

    ويكون بعضهم آمنًا فإذا هو موضوع التحقيق، وإذا هو يتوقع الشر، وينتظر أن يأتيه به الصبح إذا
    أشرق، أو الليل إذا أظلم، ويكون بعضهم مطربشًا فإذا هو مخير بين العمة وبين الفصل من العمل،
    ويكون بعضهم في مدرسة فإذا العمدة يزوره، ثم يزوره شيخ الخفراء، ثم يزوره بعض الشرطة؛ ليتبينوا
    أنه قد غير الزي أثناء التعليم. ويخرج بعضهم من المدرسة فإذا هو مراقب تنتظره الشرطة الظاهرة
    والخفية في الطريق؛ لتتبين أنه لا يعود إلى الطربوش بعد أن يخرج من المدرسة.

    يقول رجال التعليم الأولى: إن هذا كله قد وقع، وما يزال بعضه واقعًا، وما يزال شيء يشبهه
    منتظرًا أن يقع مساء اليوم أو صباح الغد، أو بعد ذلك بوقت قصير أو طويل. فنحب أن يعنى رئيس
    الوزراء بهذا؛ لينفيه نفيًا صريحًا إن لم يكن حقًّا، وليرفعه رفعًا صريحًا إن كان حقًّا، ويعاقب
    الذين يسلطون شره على الناس.

    ورئيس الوزراء يعلم من غير شك أن وزارة المعارف لم تنشأ لتظلم المعلمين وترهقهم، وتأخذهم
    بقبول الإهانة والصبر على الضيم، وتصادرهم في أبسط حقوقهم من الحرية، وإنما خلقت لشيءٍ آخر بعيد
    عن هذا كل البعد، كما أن رجال الإدارة لم يُبثُّوا في الأقاليم ليقولوا للناس: إنهم أبناء كلاب،
    وليكلفوا العمد أن يمتصوا دماء الشعب، وليعلنوا إلى الناس أنهم قد كلفوا تخريب البيوت.

    هذا كله ظلم يجب على رئيس الوزراء أن يرفعه فورًا، ويعاقب مقترفيه، أو أن ينفيه فورًا، ويثبت
    للناس أنه غير صحيح، فإن أعياه هذا أو ذاك؛ فبقاؤه في منصبه لا معنى له، وواجبه الأول أن
    يستقيل.

    أما بعد، فيجب أن يتنبه الحاكمون والمحكومون جميعًا إلى أن نصوص الدستور لم توضع لتكون زينة
    أو حلية، وإنما وضعت لتكون أساسًا للحياة المصرية، وقوامًا للصلة بين الشعب والسلطان. إن أظهر
    هذه النصوص وأحقها بالفهم والاحترام إنما هو هذا النص الذي يسجل أن الأمة مصدر السلطات، ويبين
    بهذا أن رجال الحكم ليسوا سادة الشعب، وإنما هم خدَّامه، وأول ما يجب على خادم الشعب أن يكون
    مخلصًا، ناصحًا، أمينًا.

  • بلاغ | Notice

    حديث اليوم: بلاغ
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ يوليو ١٩٣٢

    بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.

    نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.

    وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.

    نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.

    وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.

    تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.

    غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟

    نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.

    وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.

    بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.

    وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.

    لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.

    وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.

    وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.

    ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.

    أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.

    وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.

    فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.

    ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.