Tag: الحكمة

  • دروس غاندي … | Lessons from Gandhi …

    دروس غاندي …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ فبراير ١٩٤٨

    وما أكثر ما أُلقي على الإنسانية من دروس! وما أكثر ما يسيء المتشائمون ظنهم بما كان لهذه الدروس من نتائج! فهم يرون الشر عظيمًا، والإثم مسيطرًا، والبغي باسطًا سلطانه على حياة الأفراد والجماعات، فيسرعون إلى التشاؤم، ويسرفون في سوء الظن، ويملئون الدنيا بكاء وعويلًا ورثاء لهذه الإنسانية البائسة اليائسة التي لا تنفعها الذكرى، ولا تصلحها الموعظة، ولا تُنقِّي ضمائرها العِبَر، وإنما تتلقى نُبوَّة الأنبياء وحكمة الحكماء وهداية الهُداة ثم تمضي في طريقها إلى الشر كأنها لم تتلقَّ شيئًا!

    واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتشائمين وفلسفتهم، فستظلم نفسك لما تقرأ، وسترى أن الدنيا إنما هي بيئة منكرة للشر والإثم والبغي والعدوان … واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتفائلين وفلسفتهم؛ فسترى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الشر الذي يعرض للناس في حياتهم العامة، أو في حياتهم الخاصة، ليس إلا عارضًا، إن ثقل الآن فقد يَخفُّ غدًا، وأن الحياة منتهية بالناس في يوم قريب أو بعيد إلى أرض يملؤها العدل بعد أن ملأها الجور، ويشيع فيها الخير بعد أن سيطر عليها الشر!

    وانظر حولك فسترى شرًّا كثيرًا: تراه فيما بينك وبين نفسك حين تصارع غرائزك، وحين تسعى إلى منافعك، وحين لا تفكر في الخير الخالص إلا قليلًا، وتراه فيما بينك وبين نظرائك حين يكون التزاحم على المنافع، والاستباق إلى المآرب واقتراف الآثار الخطيرة لتحقيق الآمال اليسيرة … وتراه فيما بينك وبين السلطان حين يكون الظلم والبغي والطغيان، وحين يكون الاحتيال لمخالفة القوانين والمكر برجال الدولة، ومحاولة الإفلات من النظام … وتراه فيما بين الشعوب والدول حين يمكر بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويهيئ بعضها لبعض أسباب الحرب يَفتنُّ فيها ما وسعه الافتنان!

    ترى هذا كله فتتأثر بتشاؤم المتشائمين، وتسخر من تفاؤل المتفائلين، وتسأل عن حياة الناس: ما قيمتها؟ وما حكمتها؟ وما غايتها؟ وتقف حائرًا مضطربًا تنتظر الجواب على هذا السؤال دون أن تظفر به أو تنتهي إليه!

    ولقد تحدث إليَّ صديق بالتليفون فأسأله عن حاله، كما يفعل الناس حين يستأنفون الحديث، فيجيبني: حالي حال اليائس الذي يرى كيف تُقتل فكرة في لحظة قصيرة! أعرفت مصرع غاندي؟! فأجيبه أن الأفكار لا تُقتل يا سيدي، قل: إن غاندي قد قُتل، ولكن حكمة غاندي ودرسه وفلسفته وأثره لا يمكن أن تُقتل، ولا يُدركها الموت.

    وقد كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره، وكان من الممكن أن يخترمه الموت قبل هذه السن، وكان من الممكن أن يخترمه الموت في بعض صدمة، وقد زعم أطباؤه وزعم هو أن قد كان من الممكن أن يعيش حتى يتجاوز المائة بأعوام تقصر أو تطول، ولكن المنية لا تشاور ولا تؤامر، وإنما تُلمُّ متى أرادت، ومتى أراد القضاء لها أن تلم؛ فقد عدا عادٍ على غاندي فقتله، وأحزن عليه مواطنيه جميعًا، وأحزن عليه كثيرًا من غير مواطنيه … أحزن عليه الذين يقدرون صفاء النفوس وجمال الروح، والطموح المتصل إلى المُثل العليا، والدعوة المتصلة إلى الخير الخالص؛ فقد كان لهذا كله أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث.

    وأبلغ الحزن على غاندي أو أبلغ التقدير له هو أن تنتفع الإنسانية بالدرس القيِّم الذي ألقاه، والموعظة البالغة التي أشاعها … والإنسانية منتفعة بهذه الموعظة وذلك الدرس في غير شك، سواء أرادت أم لم ترد، وسواء تشاءم المتشائمون أو تفاءل المتفائلون؛ فأخص ما تمتاز به الحكمة أنها خالدة لا تموت، وأنها مُصيبةٌ حيث بلغت، ومنتجة حيث استقرت، وأخص ما تمتاز به الفكرة أنها تَقهر ولا تُقهر، وأن سلطانها ينمو ويتسع في غير تناقص ولا تضاؤل ولا ذبول.

    وأبلغ درس ألقاه غاندي على الإنسانية المعاصرة والمستقبلة هو هذا الإيمان الخالص الواثق العميق بالحرية، التي لا سبيل إلى أن يقهرها البغي، أو يضائل منها الطغيان، أو تغض منها القوة، مهما يكن البغي والطغيان والقوة! الحرية التي ثبتت للإمبراطورية البريطانية كلها، فلم تبلغ الإمبراطورية البريطانية كلها منها شيئًا! الحرية التي ثبتت لمئات الملايين من أهل الهند فلم تبلغ مئات الملايين منها شيئًا! الحرية التي ثبتت للطبيعة كلها فلم تبلغ الطبيعة كلها في الميدان الروحي منها شيئًا! الحرية التي قالت للإمبراطورية البريطانية: لن تحوليني عما أريد، فلم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تحولها عما تريد … والتي قالت لملايين الهند: لن تحوليني عن الطريق التي أسلكها، فلم تستطع ملايين الهند أن تحولها عن الطريق التي تسلكها … والتي قالت للطبيعة كلها بما فيها من صحة ومرض، ومن قوة وضعف، ومن حياة وموت، ومن رضا وسخط، ومن وفاق وخلاف، ومن إغراء وتخويف، ومن عذاب ونعيم: لن تستطيعي أن تصرفيني عن النهج الذي أنهجه، والغاية التي أسعى إليها، فلم تستطع الطبيعة كلها أن تصرفها عن نهجها أو غايتها.

    ودرس آخر ألقاه غاندي، ليس أقل من هذا الدرس بلاغة ولا إبلاغًا، وهو إيمانه بالضمير الإنساني، وبأن هذا الضمير مشترك بين الناس جميعًا، وبأنه من أجل ذلك يمكن أن يتنادى وأن يتداعى، وأن يبلغ بعضه عن بعض، ويتلقى بعضه عن بعض، ويتأثر بعضٌ ببعض … فهو لم يؤمن بحريته وحدها، وإنما آمن بحرية الناس جميعًا، وأنفق حياته مجاهدًا جهاده السلمي الوادع المطمئن ليشعر الناس بحريتهم، ويشيع فيهم الثقة بها، والإيمان لها، والاعتماد عليها … فهو كان يرى الناس كلهم قد خلقوا أحرارًا كما خُلق هو حرًّا، وإنما استشعر هو حريته وآمن لها ووثق بها؛ فيجب أن يستشعر الناس منها مثل ما استشعر، ويمنحوها مثل ما منحها من الثقة والإيمان.

    ودرس آخر ليس أقل بلاغة ولا إبلاغًا من هذين الدرسين، وهو إيمانه بأن الضمير الإنساني إنما يتنادى بالحب لا بالبغض، وبالأمن لا بالخوف، وبالسلم لا بالحرب، وبالإخاء لا بالعداء … فهو لا يُبصِّر الناس بحريتهم من طريق القسوة أو العنف أو الجبرية، وإنما يُشعر الناس بحبه لهم وبرِّه بهم وأمله فيهم، ويريد أن يكون لهذا كله صدًى في ضمائرهم يعود إلى ضميره فيكون الوفاق، ويكون الود، ويكون الإخاء، ويكون التعاون على الخير، ويكون الانتصار على الشر مهما تختلف صوره ومظاهره.

    فغاندي كان إذن أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث لحبِّ الإنسان للإنسان، وثقة الإنسان بالإنسان، والتفاؤل الذي لا ينشأ عن غفلة أو ضعف أو غرور، وإنما ينشأ عن معرفة وقوة وحسن تقدير … فإذا وعى الناس هذه الدروس، وسيعيها كثير منهم؛ فقد ضمن لغاندي ما ضمن للأنبياء والحكماء من الخلود الذي ينفع الناس ويرقى بهم إلى الخير.

  • إلى أخي الزيات | To My Brother al-Zayyat

    إلى أخي الزيات: الخيال العاقل
    تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء
    للدكتور طه حسين بك
    أعرفتَ قط خيالاً عاقلاً أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته مشقة ولا جهداً، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتاً، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إليّ، أو قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء. ولكني لم أدعه لأعرفه؛ فإن عهدي به بعيد، بعيد جداً لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة. ما أكثر ما زيّن لي الأشياء حتى كلفتُ بها ورغبتُ فيها، وما أكثر ما بغّض إليّ الأشياء حتى نفرتُ منها وضقتُ بها، وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها، فإذا هي تملأ قلبي أملاً ورجاءً وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأساً وقنوطاً وتدفعني إلى الفتور والخمود والانزواء.
    لقد خلق لي عالماً كاملاً بعيد الآماد، متنائي الأرجاء، مختلف الألوان، قضيت فيه أيام الصبا وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه. ثم خلق لي عالماً آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة وتنوعاً واختلافاً، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت فيه أيام الشباب وما زلت أتمنى أن أعود إليه. ثم هو يرافقني الآن فيزين لي الحياة قليلاً، ويقبحها في نفسي كثيراً، ويحاول أن يخلق لي ما يسرّ، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه حيناً، وأعصيه أحياناً. ولكنه وفيّ لي دائماً كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء؛ وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصداً أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ لأني أعرفه جريئاً مسرفاً في الجراءة، نشيطاً غالياً في النشاط، يخترع من الصور وفنون المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي الخيال.
    عرفته وفياً نشيطاً متأهباً دائماً للمعونة كلما دعوته أو فزعتُ إليه، مقدماً من هذه المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جداً مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعاً غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزّق نشاطاً ومرحاً، ولقد كنت أتهيأ للكبح من جماحه والرد من نشاطه، وأخذه بكثير جداً من الأناة والقصد كما تعودت دائماً. ولكني لم أكد أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم ولا قصور موئس: (إليك عني فلست مما تريد في شيء).
    ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلاً من حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قروناً طوالاً من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي خرج فيه النبي وصديقه الصدّيق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال ستفنى الزمان قبل أن تفنى، وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها الأجيال التي لا تُحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تُحصى، وسيستمد المسلمون منها أبداً قوة على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ونعمة.
    نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إليّ من الصور، فأعرض في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع. فلما ألححت عليه تبينت منه الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن:
    "استعن بي فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن أوضحه مهما أكن نافذاً بعيد الهم، وأنصح من أن أزينه مهما أكن ماهراً في اختراع الزينة وابتكار الجمال".

    ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل – أستغفر الله – فما يستطيع العقل أن يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أُتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد منه فلست محتاجاً مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافاً منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة وعظمة وجمالاً وحباً وإكباراً دون استعانة بعقل أو خيال، فلست إنساناً ولست من الإنسانية في شيء.
    انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً، إن كان للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه. ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه. ثم ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء.
    ثم امضِ معه خارجاً من الصبا داخلاً في الشباب متقدماً فيه، فإذا الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجدّ ويعمل، إنه يكدّ ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور.
    ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمّله أثقل أمانة حمّلها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلداً له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً ولا فتوراً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال والفتور.
    ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويُمتحن في نفسه وسمعته، ويُمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويُمتحن في بنيه، ثم يُمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها، ثم يُمتحن في دينه، ثم يُمتحن في كل شيء، ثم يُمتحن في كل إنسان. فإذا هو كما هو؛ باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.
    ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تُحتمل والمكروه الذي لا يُطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فُتحت له أبواب الأمل، وفرّج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاءً كلها، وإباءً كلها، وصبراً كلها، وثقة بالله كلها.
    ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبقَ له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشر ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بُشّر به. ويجد المسلمون أن عينه قد قرّت فتقرّ عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال. ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً، وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع. أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف، لم يتمّ إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.
    وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راضٍ بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتمّ مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا!
    قلت لهذا الخيال:
    "ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً، إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر".
    قال:
    "وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح والجموح؟".
    قلت:
    "لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع".
    قال:
    "انقله راشداً إلى صديقك وإلى كل محزون جزع، فما أرى أن مسلماً يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلاً".
    الرسالة ٣٠\٣\١٩٣٦

  • موقفان | Two Positions

    موقفان
    الناس يقولون، ويسرفون في القول، ويؤكدون ويلحون في التأكيد أن صاحب المعالي وزير الأشغال لا يحب خزان جبل الأولياء، ولا يطمئن إليه، ولا يرى — على أقل تقدير — العجلة في إقامته وتشييده، وتكلف ما سيتكلفه من النفقات في تلك الإقامة وهذا التشييد، وفي هذه الأيام التي تشتد فيها الحاجة، لا أقول إلى الاقتصاد والتدبير، بل إلى البخل والتقتير.
    والناس يذكرون لانصراف وزير الأشغال عن هذا الخزان وتنكره له أسبابًا فنية، أفهم بعضها في مشقة وعسر، ولا أفهم من بعضها الآخر شيئًا. والناس يزعمون أن وزير الأشغال يرى — كما يرى غيره من الفنيين — أن في إقامة هذا الخزان خطرًا غير قليل، وعبثًا لا حد له إذا لم تتخذ ضروب من الاحتياط في مهم أمره، فتقوى قناطر وجسور، وتعمق ترع، وتوسع أقنية، إلى غير هذا الكلام الذي هو أشبه بالعبرية أو السريانية أو لغات الواق واق، ولكنه يرضي خصوم الخزان ويدفعهم إلى المضي في المطالبة بالعدول عن الخزان، أو اصطناع الريث والأناة في إقامته.
    على أن وزير الأشغال تفضل فأراح أنصار الخزان وخصومه من الجدال والنضال حول رأيه في إقامة الخزان اليوم أو غدًا، وبعد أعوام، أو العدول عنه جملة.
    أراح الوزير خصوم الخزان، لأنه كذب تكذيبًا صريحًا كل ما ذاع وشاع، وملأ الأسماع من تردد الحكومة ومن رأيه هو في خزان جبل الأولياء: أيقام أم ينام؟
    فلن يتناقش الناس منذ اليوم في موقف وزير الأشغال من الخزان، ولن يحتج به الخصوم والأنصار، ولن يتكلف الأنصار الحيل والأعذار للوزير الذي يعمل في وزارة لا يتفق معها في الرأي، وفي أشد المسائل اتصالًا به، بل في مسألة يجب أن يكون أمرها إليه قبل كل إنسان.
    فرغ الناس من هذا كله بهذا البلاغ اللبق الظريف المرن الذي أصدره وزير الأشغال، وإن كان الذين يريدون أن يفهموا — ليفهموا ليس غير، لا ليخاصموا ولا ليؤيدوا — لم يتبينوا في جلاء رأي الوزير فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين فنه، وفيما بينه وبين تقديره لحاجة مصر وطاقتها ومنفعتها.
    لم يفهم هؤلاء الناس رأي الوزير: أهو من أنصار الخزان أم من خصومه؟ وإنما فهموا — وهذا يكفي — من الجهة العملية أن الوزير لا يعارض ولا يمانع في إقامة الخزان، وأنه لم يحل ولن يحول دون الحكومة وما تريد من ذلك. وهذا معقول، فقد اتخذت الحكومة قرارها، ووزير الأشغال بعيد عن الحكم، فهو إذن لا يحتمل تبعة هذا القرار. وقد لا يكون من الظرف ولا من حسن المجاملة أن يأتي فيعطل شيئًا أو يحاول تعطيل شيء مضت فيه الوزارة قبل أن يشترك فيها.
    هذا إذن شيء مفروغ منه. أظهر وزير الأشغال موقفه من حيث إنه وزير، واحتفظ برأيه الخاص لما بينه وبين اللّٰه. ولعله ذكر وهو يصدر هذا البلاغ قول الشاعر القديم:
    وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد؟
    ولكن الناس لم يكونوا يتحدثون عن وزير الأشغال وحده، ولا عن مجلس الوزراء وحده، وإنما كانوا يتحدثون عن المستشار المالي الإنجليزي أيضًا.
    كانوا وما زالوا يقولون ويؤكدون ويلحون في القول والتأكيد إن المستشار المالي يرى أن طاقتنا المالية لا تسمح بإقامة هذا الخزان الآن. والمستشار المالي — كوزير الأشغال — له بالطبع موقفان قد يتفقان فيصبحان موقفًا واحدًا، وقد يختلفان فيشتد بينهما الاختلاف: أحدهما موقفه فيما بينه وبين نفسه، والآخر موقفه فيما بينه وبين الحكومة التي يعمل فيها ويشير عليها.
    وقد يكون المستشار المالي ميالًا جدًا إلى إقامة الخزان لأنه إنجليزي لا يستطيع أن يهمل منافع الإنجليز، ولا أن يمحو العاطفة الإنجليزية من نفسه. والناس يقولون إن للإنجليز في إقامة هذا الخزان منفعة واضحة لا تحتمل الشك. ولكن المستشار المالي رجل يقدر فيما يظهر موقفه الفني وما يقتضيه هذا الموقف من النصح والأمانة، وهو يعلم أن المستشار مأمون، فيظهر أنه لم يتردد — رغم إنجليزيته — في أن يشير على مصر بالتأني في إقامة هذا الخزان، لأن طاقتنا المالية لا تسمح بمثل هذه المغامرة الآن.
    يعجبني جدًا هذا النحو من الشجاعة الذي يتيح للرجل أن يحب الشيء ويتمناه، ويحرص عليه، ولا يتردد مع هذا — بل رغم هذا — في أن ينصح بالعدول عنه، لأن الأمانة الفنية تأمره بذلك، فهو يؤثر أمانته الفنية على إرضاء ميوله الخاصة وعواطفه القومية. والناس يؤكدون ويلحون في التأكيد أن المستشار المالي قد وقف من خزان جبل الأولياء موقفًا أقل ما يوصف به أن فيه نصحًا للحكومة المصرية بالتريث والأناة.
    وليس يعنيني أن يكون المستشار المالي قد قدم هذه النصيحة وهو يتمنى أن تقبل لتتحقق منفعة مصر، أو ترفض لتتحقق منفعة الإنجليز، وإنما الذي يعنيني أنه قدم هذه النصيحة بالفعل، وأنه أظهر للحكومة المصرية منذ قدم نصيحته هذه واجبًا واضحًا جليًا.
    وقد يكون من الحق على الحكومة — لنفسها أولًا، ولمصر ثانيًا، وللإنجليز ثالثًا — أن تصدر بلاغًا تريح الناس فيه من الكلام حول موقف المستشار المالي في هذه المسألة، كما أراحهم من الكلام حول موقف وزير الأشغال.
    فهل نصح المستشار المالي بالتأني في إقامة الخزان؟ فإن كان الجواب: نعم، فيجب أن يعلمه الناس، ويجب أن تبين الحكومة حججها أو معاذيرها في الإعراض عن هذه النصيحة. وإن كان الجواب: لا، فيجب أن يعلمها الناس حتى لا يوصف المستشار المالي بغير ما فيه، وحتى لا تتهم الحكومة بأنها تعرض عن نصيحة قد يكون فيها الخير، وبأنها تميل إلى إرضاء الإنجليز أكثر مما يميل الإنجليز إلى إرضاء أنفسهم.
    لقد أزعج الحزبان المؤتلفان رئيس الوزراء — على حاجته الشديدة إلى الراحة والهدوء — حين ثارت الخصومة في مجلس النواب بين الاتحاديين والشعبيين حول إعانة الأوبرا، ونستطيع أن نؤكد للحكومة أن موقف المستشار المالي من خزان جبل الأولياء له خطره، وهو خليق بأن يتحدث فيه إلى رئيس الوزراء — على شدة حاجته إلى الراحة والهدوء — وهو خليق أن يسأل رئيس الوزراء عن الطريقة المثلى المعقولة التي ينبغي أن تسلك لتجليته وتوضيحه أمام الرأي العام.
    لقد كان وزير الأشغال لبقًا ظريفًا في بيان موقفه هو، ولكن بيان موقف المستشار المالي يحتاج فيما يظهر إلى لباقة رئيس الوزراء نفسه. فلعلنا نقرأ اليوم أو غدًا بلاغًا يكشف للناس عن وجه الحق في هذه المسألة: أقال فيها المستشار شيئًا أم لم يقل؟ فإن تكن الأولى، فماذا قال؟
    كوكب الشرق في ١١ – ٣ – ١٩٣٣