خطوب
طه حسين
جريدة البلاغ
١٧ مارس ١٩٤٦
خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:
فات ما فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.
كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.
لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.
الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.
الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.
الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.
والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.
لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.
ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.
أمَّا غدًا زعموا أو لا فبعد غدٍ
وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.
وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.
كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.
أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.
ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك — الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.
أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.
اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب.
Tag: الحوكمة العامة
-
خطوب | Troubles
-
حديث المساء والآن (٥) | Evening Talk, and Now (5)
حديث المساء: والآن (٥)
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ أبريل ١٩٣٤
نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.
وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.
فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.
سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.
سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.
ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.
ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.
وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.
ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟
سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.
ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.
لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.
وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.
هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.
ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.
ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.
ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.