Tag: الحوكمة المؤسسية

  • دفاع (٢) | A Defense (2)

    حديث المساء: دفاع (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ مارس ١٩٣٤

    انطلق به لسان فصيح ذَرِب من هذه الألسنة الفصيحة الحادة التي امتازت بها وزارة التقاليد. وكان المُقَطَّم مهبطَ الوحي، ومنبر الفصاحة، ومرآة الدفاع المجيد عما يريد وزير التقاليد بطلاب الجامعة واتحاد الجامعيين. فالناس يعلمون أن بين الطلاب الجامعيين ووزير التقاليد خلافًا، إنْ صَحَّ أن يكون هناك خلاف بين قوم لا يملكون من أمرهم شيئًا ورجل يملك من الأمر كل شيء.

    والموضوع الأول والأخير لهذا الخلاف هو موقف الطلاب من مشروع القرش. همَّ قومٌ أن يدفعوا هذا المشروع في السياسة دفعًا، ويقحموه فيها إقحامًا، ويُسَخِّروه لبعض الأهواء والأغراض، التي لا تتصل بالاقتصاد، وإنما تتصل بما بين الأحزاب من خصام. ومشروع القرش عمل من أعمال الطلاب نهضوا به واحتملوا أثقاله، وباعدوا بينه وبين السياسة، وانتهوا به من الفوز إلى أمد بعيد، فلمَّا رأى الطلاب أن قومًا يُريدون أن يَدْفَعُوهم إلى السياسة أنكروا ذلك وقاوموه، وظنوا أنهم يؤدون واجبهم الوطني، وينفذون القوانين، ويرعون أمر الوزارة الذي يحظر على الطلاب الاتصال بالسياسة من قرب أو من بعد.

    ولكن بعض الظن إثم، فالسياسة محظورة على الطلاب بشرط أن لا تنفع الوزارة، ولا تسوء المعارضين لها؛ فأمَّا إذا كانت السياسة تأييدًا للوزارة، ومُحَارَبَةً للمُعَارَضَة، فمِنَ الإثم أن يعرض عنها الطلاب، أو يزهدوا فيها، أو يصدوا إخوانهم عنها، أو ينفروا إخوانهم منها. وهذا بالضبط هو الذي فعله الطلاب: صدوا عن مشروع القرش، ولم يعلموا أن هذا الصد مُحاربة للسياسة التي لا ينبغي أن تُحارب، ومُقاومة للسياسة التي تنفع أحزابًا، وإن كانت لا تضر أحزابًا أخرى يريد قوم بها الشر، ويتمنى قوم لها المكروه، فلا يظفرون بشيء مما يُريدون.

    مهما يكن من شيء، فقد أَثِمَ الطلاب عند وزير التقاليد؛ لأَنَّهم قاوموا مشروع القرش، ولكل إثم عقاب، فما أسرع ما بطش وزير التقاليد بجماعة من الآثمين فأخرجهم من الجامعة إخراجًا لم يرعَ في ذلك نظامًا وقانونًا، ولا تذكر استقلال الجامعة؛ فقد مات استقلال الجامعة — رحمه الله — منذ زمن بعيد. لم يكن من حق وزير التقاليد أن يخرج طلاب الجامعة من الجامعة دون أن يُحاكموا أمام مجالس التأديب الجامعية؛ لأنَّ القانون الذي أصدره وزير التقاليد نفسه يقضي بذلك ويفرضه فرضًا، ولكن من الذي قال إن القوانين تُلزِم الوزراء، وتلزم وزير التقاليد بنوع خاص، إنما تُلْزِم القوانين أمثالك وأمثالي من عباد الله الذين خلقوا ليكونوا رعية يجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأَمَّا الوزراء فقد رُخِّصَ لهم في أنْ ينفذوا هذه القوانين متى شاءوا وكيف شاءوا، وفي أن يهملوها إن أعجبهم هذا الإهمال.

    وإذن فقد عاقبَ وزير التقاليد هؤلاء الطلاب فأخرجهم من الجامعة بغيرِ حَقٍّ، وقبلتْ الجَامِعَةُ تجاوز الوزير لقوانينها، وإعراض الوزير عن استقلالها، ولكن هؤلاء الطلاب الذين عُوقِبُوا لم ينفردوا بالإثم، وإِنَّما شاركهم فيه قوم آخرون فيما يظهر، لم تبلغهم يد الوزير، ولم تصل إليهم عقوبة.

    وزير التقاليد، حازم، ولكنه حكيم، ووزير التقاليد يعاقب، ولكنه يؤثر أن يقطع أسباب العقاب، وأن يتقي الشر قبل وقوعه، وإذن فقد بحث وزير التقاليد عن الأسباب التي دعت الطلاب إلى مقاومة مشروع القرش، فعرف أن لهم اتحادًا، وأن اتحادهم هذا يستمتع بشيء من الحرية في تدبير أمره، ويجتمع في نادٍ يقوم في القاهرة، فرأى — ورأيه الأعلى؛ لأنه رئيس الجامعة الأعلى — أن يُغَيِّر نظام الاتحاد، وأن يصوغه في شكل يجعل مقاومته لمشروع القرش مستحيلة، وخضوعه لسلطان الوزارة أمرًا محتومًا.

    هنالك طلب الوزير إلى الجامعة أن تصنع له القيود والأغلال التي يقيد بها أرجل الطلاب، ويغل بها أيديهم وأعناقهم، فأسرعت الجامعة إلى ما أراد الوزير، ومتى أبطأت الجامعة عما أراد الوزير، ومتى امتنعت الجامعة على الوزير، وصنعت كلية الحقوق للوزير ما أراد من قيود وأغلال، على النحو الذي رآه القراء حين نشر لهم النظام الجديد لاتحاد الجامعة.

    وقد غضب قليل من أساتذة الجامعة، وغضبت جماعة الطلاب على اختلافها، ونشرت الصحف أطرافًا من ذلك، فلم تر وزارة التقاليد بُدًّا من أن تدافع عن هذا النظام الجديد، فأوحى بعض المسئولين فيها إلى المُقَطَّم أمس دِفاعًا مجيدًا، قوامُه أنَّ هذه اللائحة ستصدر قريبًا، وما شككنا في أنها ستصدر، سواء رضيت الجامعة أم سَخِطَتْ، بل نحن أعلنا ذلك وأكدناه؛ لأنَّ إرادة وزير التقاليد لا مرد لها من الجامعيين، ولا من غير الجامعيين.

    ثم زعم المسئول الذي أوحى إلى المقطم أنَّ هذه اللائحة ستكون كلائحة الاتحاد الذي أنشئ في مدرسة الهندسة. وسُبحان الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب، ويجعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا؛ فقد كَانَتْ مدرسة الهندسة تسعى إلى تقليد الجامعة، وإلى الانضمام إلى الجامعة، طمعًا فيما كانت تَسْتَمْتِعُ به الجامعة من حرية، فأصبحت الجامعة — والحمد لله — تُدفع إلى تقليد مدرسة الهندسة حبًّا لما يثقلها من القيود والأغلال.

    ولا تقل: إنَّ مدرسة الهندسة تابعة لوزارة المعارف، ليست مُسْتَقِلَّة ولا كالمستقلة، وإن الجامعة مُستقلة فيما يظهر. لا تقل شيئًا من هذا؛ فقد اختلط المُسْتَقِلُّ بغير المستقل، والتابع للوزارة بالمنفصل عنها، وما دام شخص وزير التقاليد يُشرف على هذه كما يُشرف على تلك؛ فالأمر سواء. وهذه وتلك يجبُ أن تخضعا لأمر وزير التقاليد، وقد تحدى المسئول الذي أوحى إلى المقطم خصوم الوزير — نستغفر الله — بل خصومه وأنصاره، فأعلن أن اللائحة ستصدر وإن أنكرها الطلبة والأساتذة، وأعلن أن النادي سينقل إلى الجيزة، وإن حرص الطلبة على أن يكون في القاهرة، وأعلن أنْ ليس على أغراض الاتحاد خوف إذا كانت هذه الأغراض ظاهرة واضحة لا خفاء فيها.

    ومعنى ذلك أن هذا المسئول يظن أن من أغراض الاتحاد ما هو خفي أحيانًا، أي ما لا تحب الوزارة أن يكون، أي ما يتصل بالسياسة التي تفزع منها الوزارة، ولهذا غير النظام ووضع مكانه هذا النظام الجديد الذي يخضع الطلاب لمُراقبة دقيقة واسعة النطاق كما يقولون. ما أشد خوف الوزارة وإشفاقها من الوهم، وفزعها من الخيال! والغريب أنَّ الذين يَدْرُسون تاريخ الجامعات، وما بين الطلاب والأساتذة فيها من صلة، يُلاحظون شيئًا لا بأس بملاحظته الآن؛ لأنَّه يضحك حقًّا، فقد كانَ أَمْرُ الجامعات في القرون الوسطى إلى الطلاب دون الأساتذة؛ لأنَّ الطلَّاب هم الذين أنشئوا الجامعة، وهم الذين كانوا يأجرون الأساتذة على التعليم.

    وكان الأساتذة يخضعون لسلطان طلابهم وتلاميذهم، وكان هؤلاء الطلاب والتلاميذ هم الذين يحاكمون الأساتذة، ثم كان صراع وجهاد بين الطائفتين، انتهى إلى ظفر الأساتذة بالحرية والاستقلال، وإفلاتهم من سيطرة الطلاب، وأصبح الأساتذة يديرون أمورهم بأنفسهم، وأصبح الأستاذ لا يؤدب إلا أمام زملائه، ثم قوي سُلطان الاستبداد في الدولة وفي الكنيسة، وفي الجامعة أيضًا، فاستأثر الأساتذة بأمور الجامعة كلها، حتى إذا كان عصر الديمقراطية الحديثة، عادت الأمور إلى شيء من الاعتدال، وأصبح الطلاب الآن يُدَبِّرون أمورهم الخاصة بأنفسهم في أنديتهم وجماعاتهم، فإذا اشترك معهم الأساتذة في تدبير هذه الأمور، فعلى قاعدة المُساواة.

    ثم ارتقى أمر الطلاب في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، فأصبحوا يمثلون في مجلس الجامعة في فرنسا. أمَّا في مصر فالأمور تجري في طريق أخرى؛ لم يكن للطلاب وجود، ثم ظفروا بوجود حر، ثم يراد أن ينزع منهم حقهم في هذا الوجود الحر الذي كسبوه، وأن يخضعوا حتى في أمورهم الخاصة لسلطان الأساتذة الذين يخضعون لسلطان الوزير، ولكنا واثقون بأنَّ كل ما نحن فيه الآن لا يعدو أن يكون عبثًا، وأنَّ عصرًا غير طويل لن يَنْقَضي حتى تُرَدَّ الأمور إلى نصابها، وحتى يستمتع الطلاب باتحادهم الحر الذي يُلائم الحياة الجامعية في هذا العصر الحديث.

    فليصدر وزير التقاليد نظامه؛ فإنا نؤكد له أنَّ عُمْرَ هذا النظام لن يطول.

  • في وزارة المعارف رشد وغي | At the Ministry of Education: Wisdom and Folly

    في وزارة المعارف: رشد وغي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٢٣

    زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.

    صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.

    ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.

    إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.

    نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.

    نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.

    ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.

    نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.

    وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.

    ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.

    وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.

    وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.

    في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.

    لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.

    أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.

    النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.

    هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.

    في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.

    ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.

    أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!

    نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.