Tag: الدعاية

  • رمتني بدائها وانسلَّت

    رمتني بدائها وانسلَّت

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أكتوبر ١٩٦١

    والتي رمتني بدائها هي إذاعة دمشق، والطائفة الطاغية الباغية التي تُدبِّر أمرها وتُوجه أحاديثها وتَفرض عليها في كل لحظة أن تُغير حقائق الأشياء، وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين، في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي ولا من وحي ضميري ولا من تفكير عقلي، وإنما أُمْلِيَ عليَّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب، وأمليته كما تلقيته وأرسلته إلى الجمهورية فنشرتْه كما تلقته مني.

    كأني أصبحت ذات يوم أداة من أدوات الحكم توجه إلى العمل فتعمل وتُكَلَّفُ القول فتقول. كأني أصبحت فردًا من الذين يعملون في إذاعة دمشق أو كاتبًا من الكتاب الذين يملئون صحف دمشق بما يؤمرون أن يملئوها به، بعد أن كانوا منذ وقت قريب يملئونها بما يناقض هذا الذي يكتبونه الآن أشد المناقضة ويخالفونه أعظم الخلاف؛ قد انقلبوا فجأة أنصارًا للفُرقة بعد أن كانوا أنصارًا للألفة، ودعاة إلى الانفصال بعد أن كانوا دعاة إلى الوحدة، ومتملقين للتمرد بعد أن كانوا يلتمسون الوسائل إلى إرضاء الشعب السوري والشعب العربي كله والقائمين على أمور الوحدة بين مصر وسوريا. وهؤلاء المذيعون والكتاب الذين يخلعون ضمائرهم كما يخلعون ثيابهم ويضعون مكانها ضمائر جديدة، كما يبدلون بثوب ثوبًا وبقميص قميصًا؛ هم فيما بينهم وبين ضمائرهم التي خلعوها وضمائرهم الجديدة التي فرضت عليهم فرضًا وأكرهوا على اتخاذها كرهًا، يعلمون أني لست من الذين يكتبون غير ما يشعرون به أو يقولون غير ما توحي إليهم به ضمائرهم. هم يعلمون ذلك حق العلم وتؤمن به ضمائرهم القديمة وضمائرهم الجديدة أيضًا، ولكنهم أُمروا فكتبوا وقيل لهم فقالوا. ولست أدري ما الذي قلته في ذلك المقال الذي أنكروه أشد الإنكار وضاقوا به أعظم الضيق، لا لأن نفوسهم تضيق به حقًّا، ولا لأن ضمائرهم القديمة والجديدة تنكره حقًّا؛ بل لأن سادتهم من هذه الفئة الطاغية في سورية قد أنكروا ما قلت، وضاقوا به وأمروهم أن يتكلفوا إنكاره والضيق به. فهل يستطيعون أو يستطيع سادتهم من الطغاة البغاة أن ينكروا أن الشعب السوري كان أشد الشعوب إيثارًا للوحدة ودعاء إليها وإلحاحًا فيها؟ وهل في ذلك ما يؤذي هذا الشعب السوري؟ أم هل هو في نفسه إنصاف له وإشادة به؟ وهل ينكرون أن السوريين هم الذين سعوا إلى الوحدة وألحُّوا فيها وانتقلوا من سورية إلى القاهرة ليجدُّوا في تحقيقها ويحاصروا رئيس الجمهورية المصرية ووزراءه حتى يقبلوا هذه الوحدة ويجيبوا إليها؟ وأي شيء في ذلك يهين السوريين أو يؤذيهم أو يضع من قدرهم؟ وهل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري قد استُفتي في هذه الوحدة فأقرَّها مؤمنًا بها مجمعًا عليها؟ وأي شيء في ذلك يهين الشعب السوري أو يؤذيه أو يغض من قدره؟ ثم هل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري بعد هذه الوحدة قد اطمأن في وطنه ورأى أنه آمن على حدوده وأنه أصبح فوق مطامع الطامعين وفوق أهواء الذين كانوا يكيدون له ويمكرون به ويحاولون الاعتداء عليه؟

    رأى الشعب السوري هذا كله، فبرئ من الخوف، وانجلت عنه غمرات الشك، وفرغ لحياته آمنًا راضيًا مطمئنًّا، عريض الأمل في مستقبله السعيد. ثم هل يستطيعون أن ينكروا آخر الأمر أن الشعب السوري قد يُسرت له الحياة بعد الوحدة في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، فأنشئت له مرافق لم يكن يرجوها — بل لم يكن يحلم بها — وانتشر فيه التعليم وأُمِدَّ بالفنيين ليذللوا له العقبات ويهونوا عليه الصعاب، ويفتحوا له أبواب الرخاء على مصاريعها، وأن الشعب المصري قد قسا على نفسه واشتد في القسوة عليها لتلين الحياة لإخوانه السوريين، وقد حَرم نفسه نشاط الفنيين من أبنائه ليسعد السوريين ولتصبح حياتهم خيرًا مما كانت، وليسرع إلى الرقي ويسرع إليه الرغد وتمتد أمامه الآمال أكثر مما كان يرجو وأسرع مما كان يتمنى، وأن الشعب المصري قد ضيق على نفسه في الإنفاق ليتيح لإخوانه السوريين ما يحتاجون إليه من المال؛ ليتحقق الإصلاح الشامل في الوطن السوري ويتناول هذا الإصلاح فروع الحياة السورية كلها.

    كلا، لن يستطيع الطغاة البغاة في سورية، ولن يستطيع الكتَّاب والمذيعون الذين أُكرهوا على أن يكونوا أصداء لهذه الفئة الطاغية الباغية. لن يستطيع أولئك وهؤلاء أن ينكروا شيئًا من ذلك الذي قلته في المقال الذي نشرته الجمهورية يوم السبت الماضي.

    وإنما يستطيعون أن يجحدوا الجميل، وينكروا المعروف، وأن تضيق أنفسهم بالحق، وأن تفزع ضمائرهم من هذا الواقع الذي ليس فيه شك، والذي ستنهض بتحقيقه الجامعة العربية وتدفع به باطل المتمردين، ويومئذ يعلمون صدق الآية الكريمة على كل مكابر معاند يماري بما لا معنى للمراء فيه: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

    وشيء آخر أضيفه الآن إلى ما قلته يوم السبت الماضي؛ وهو أن هذه الوحدة التي قامت بين مصر وسورية، إنما قامت على عهد مؤكد وميثاق مشدد لا بين الحكومتين في مصر وسورية، بل بين الشعبين المصري والسوري، وأن هذا العهد ملزِم للطرفين لا سبيل إلى أن يتحلل منه أحدهما إلا بعد أن يتراضى هذان الطرفان على التحلل منه، وأن هذه الفئة الطاغية الباغية نقضت هذا العهد ظالمة لنفسها وظالمة للوطن السوري وللشعب السوري.

    لم تفاوض مصر في التحلل من هذا العهد، ولم تحاول هذه المفاوضة، ولم تَدْعُ إليها جهرة. وإنما وثبت في ظلمة الليل، فاعتدَتْ على نفسها، واعتدَتْ على شعبها، واعتدَتْ على وطنها، واعتدَتْ على مصر وشعبها أيضًا، وأصبحت بنقضها لهذا العهد كالتي جعلت غزلها من بعد قوة أنكاثًا وخالفت عن قول الله عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).

    وحق عليهم قول اللَّه عز وجل في الذين ينقضون العهود ويحنثون في المواثيق: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).

    ومن أجل هذا كله أبى رئيس الجمهورية أن يُحبِط عمل هذه الفئة الطاغية الباغية بقوة السلاح؛ لأنه لا يريد أن يسفك دماء العرب، ولا يريد أن يُفسد في الأرض، وأبى في الوقت نفسه أن يعترف بحكومة سورية قبل أن يُستفتى الشعب السوري في أمر هذا الانفصال استفتاء حرًّا كريمًا لا أثر فيه للطغيان ولا للبغي ولا للإكراه؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد ولا ينبغي له أن يُكرِه الشعب السوري على ما لا يحب، ولا أن ينقض العهد ويحنث في الميثاق دون أن يكون الشعب السوري هو الذي يرغب في التحلل من هذا العهد والميثاق؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد أن يخالف عن أمر الله ولا عن الوفاء بالعهود والمواثيق.

    وليس من شك في أن الفئة الطاغية الباغية والكُتَّاب والمذيعين الذين أكرهوا على أن يكونوا لها أصداء، سيستنكرون هذا المقال وسيضيقون به كما أنكروا ذلك المقال وضاقوا به. وستغلي مراجل حقدهم عليَّ وغيظهم مني، وستلهج بي صحفهم وإذاعتهم، ولكني أقول لهم ما أمر الله نبيه أن يقول للمنافقين: ( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).

  • مؤامرتان

    مؤامرتان
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ نوفمبر ١٩٥٦

    إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.

    فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.

    أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.

    ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.

    ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.

    مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.

    وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

  • نسيان النفس

    نسيان النفس …
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمني ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس في هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص في القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا. والرجل الشجاع حقا هو الذي يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذي يستطيع أن يضبط نفسه في مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجني ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم في ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به في ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه في هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذي يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل شيءٍ محتاطا لكل طارئ، كان المصري الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها في كل ما تستقبل من الإصلاح.
    أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التي نطمح إليها وأمانينا التي نحرص على تحقيقها وآفاتنا التي نريد أن نخلص منها.
    وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفي والانتقام.
    وأحب أن أسجل قبل كل شيءٍ أني قرأت أحاديث في هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفي ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة في تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجي أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هي لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا.
    ولكني قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلى الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسيء إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم في أن يسيئوا إليه.
    والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التي تحدث في بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة. وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم. فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم.
    وما أشك في أن العهد الذي سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك. ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزي المسيء بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة. فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك في قليل أو كثير.
    ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه. فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقي الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا.
    وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها في الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأي ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا.
    فلسنا إذن في حاجة إلى أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى. والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذي أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا. ولهم في بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتي وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم في بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلى صحفهم من ذلك ما يحبون، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطئهم في الحكم علينا وفي تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجنياً.
    وأي منفعة للمصريين في أن يتهم بعضهم بعضا في الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة في حقوق الوطن والممالأة عليه. كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه في صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء.
    أؤكد للقراء أني لا أفكر الآن في نصر مصري على مصري ولا في تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أني مصري ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت، أبيح لنفسي ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها.
    والأيام التي نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هي أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلى الكرامة التي يطلبها والعزة التي يرجوها والعدل الذي يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفي بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجي الذي نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن في مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغي والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب في سبيل الأهواء والشهوات.
    كم أتمنى أن يتخذ كل مصري من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم في شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا.
    وكم أتمنى أن يظهر الرأي العام المصري على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة.
    وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن في نسيان المرء نفسه في مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أي صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينسَ نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال.
    طه حسين
    البلاغ، ٢٥/٨/١٩٥٢

  • استقبال

    استقبال
    لم تشهد[1] مصر مثله قبل اليوم، ولن تشهد مصر مثله بعد اليوم. سيكون هذا في حياة مصر شاذًا في تاريخها مهما يطل ومهما تبعد به العهود، لأن رئيس الوزراء الذي ستستقبله مصر اليوم رجل فذ بين المصريين، بل بين الشرقيين، لم تعرف مصر ولا الشرق مثله قديمًا، ولن تعرف مصر ولا الشرق مثله حديثًا.
    ومتى رأى الناس مريضًا يحكم حكم الأصحاء، وضعيفًا يحكم حكم الأقوياء، وبعيدًا يحكم حكم القريبين؟ ومتى رأى الناس وزيرًا يقنع الفقير المعسر بأنه غني موسر، والجائع المحروم بأنه مكتظ متخوم، والخائف الجازع بأنه آمن وادع، والمستعبد المستذل بأنه حر مستقل؟ بل متى رأى الناس في العصور القديمة والحديثة ساحرًا كرئيس الوزراء قد خلب القلوب والعقول، وسحر الأفئدة والنفوس فلم يصلح شيئًا، وأقنع الناس جميعًا بأنه أصلح كل شيء؟
    وحياة الناس لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على الوهم، فهم سعداء، وهم راضون متى خيلت إليهم ذلك، وأقنعتهم به، وسواء عليهم بعد هذا أكانوا سعداء في حقيقة الأمر أم لم يكونوا. وقد نجح رئيس الوزراء نجاحًا باهرًا، ووفق رئيس الوزراء توفيقًا عظيمًا؛ فليس في مصر الآن من يحس جوعًا ولا ظمأ، وليس في مصر الآن من يشكو فقرًا ولا عسرًا، وليس في مصر الآن من يخاف ظلمًا ولا عدوانًا، وإنما الناس جميعًا سكارى وما هم بسكارى، قد سحرهم رئيس الوزراء عن حقائق الأشياء فقنعوا ورضوا، ثم ملكهم الإعجاب وازدهاهم الإكبار، فإذا هم لا يرون لمصر إلا منقذًا واحدًا، هو رئيس الوزراء. وإذا قلوبهم كلها تلتف من حوله، ونفوسهم كلها تطيف به، وأشخاصهم كلها تهرع إليه. وإذا هو سيصل إلى الإسكندرية مساء اليوم فيرى معجزة من هذه المعجزات التي تعود أن يراها حتى هانت عليه وصغرت في نفسه، وأصبح لا يقيم لها وزنًا ولا يحسب لها حسابًا.
    سيرى خمسة عشر مليونًا من المصريين قد خفوا جميعًا لاستقباله والاحتفال به، لم يتخلف منهم شيخ فان، ولا صبي ضعيف، ولا طفل رضيع، لم يقعد منهم رجل ولا امرأة، وإنما احتشدوا له من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ووسعتهم كلهم مدينة الإسكندرية، بل وسعهم كلهم هذا المكان الضيق الضئيل الذي سترسو فيه السفينة، وستشرق فيه الشمس من مغربها حين يطلع على الناس رئيس الوزراء.
    لو حدث بعض هذه المعجزة، خمسها أو عشرها أو دون ذلك، لأعظم الناس قدرًا، وأجل الناس خطرًا، وأرفع الناس شأنًا، وأبعد الناس ذكرًا، لفتنه واستهوى قلبه، وتجاوز به حد الرزانة والحلم والاعتدال، ولكن رئيس الوزراء لا يفتنه ذلك ولا يزدهيه أكثر من ذلك، فهو قد بلي ذلك كله، حلوه ومره، حتى عرفه فأحسن معرفته، وحتى ضاق به وزهد فيه. فسيشرف رئيس الوزراء إذن مساء اليوم على هذه الأمة المكرمة له، الفانية فيه، ثم يلقي عليها نظرة زاهدة، فيها شيء من الملل والسأم، وفيها شيء من التفضل والتعطف، ثم يشير رئيس الوزراء بإحدى أصابعه إلى هذه الأمة أن انصرفي مشكورة مأجورة، فقد نهضت بالحق لأهله، وأديت ما عليك، فعودي إلى ما أنت فيه من عيشة راضية، ونعمة سابغة، وصفاء مقيم، رخاء لا يريم، وابتسام للحياة.
    ثم يلقى ستار، ويرفع ستار؛ فأما الستار الأول فسيلقى على هذه الفصول الفكاهية التي لم تمثل لمصر وحدها، وإنما مثلت لمصر ولفرنسا وللعالم كله، حينًا في «فرساي» وحينًا في الإسكندرية، وحينًا في محطة من محطات «باريس»، والتي ألهت الناس وأضحكتهم في مصر وفي غير مصر منذ أسبوع. فقد رأى الناس أن الوزارة القائمة كانت قوية ثابتة، ولكنها عرضة للتعديل صباح الثلاثاء، ثم رأى الناس أن الوزارة قد تستقيل مساء الثلاثاء، ثم رأى الناس أخذًا وردًا، وتهاونًا وشدًّا، ومفاوضات يخفق بها البرق ويتموج بها الهواء، ثم رأى الناس قوة على مصر فيها إنذار بالاستقالة، وضعفًا أمام الإنجليز فيه استعطاف واستجداء، ثم رأى الناس تعجلًا لتحديد الموعد الذي يتشرف فيه رئيس الوزراء بالمقابلة الملكية، ثم انتظر الناس ونشر لهم برنامج مفصل للاستقبال والاحتفال والمقابلة، ثم فجأة أعلن انفراج الأزمة باعتزال الحكم أو البقاء فيه. على هذا كله سيلقى الستار الأول.
    أما الستار الثاني فسيرفع عن جد قد يكون خالصًا، وقد يكون مشوبًا بالفكاهة؛ فقد غير البرنامج تغييرًا فجائيًا، ترى في غير هذا المكان، وظهر أن المقابلة الملكية قد تكون بعد ظهر اليوم، وظهر أن السفينة استطاعت أن تزيد سرعتها وأن تقدم وصولها إلى الثغر، وظهر أن الأمر أجلُّ شأنًا وأعظم خطرًا مما كان يظن، وأن الذين إليهم الأمر لا يريدون أن يطاولوا في وضع حد لهذه الأزمة التي مهما يكن حظها من الفكاهة فإنها لا تخلو من خطر لما تثير في نفوس الناس من العواطف المختلفة والميول المتناقضة، ولما قد تحدثه هذه العواطف والميول من أثر في حياة الناس. وإذن فسيبدأ القسم الجدي من هذه القصة منذ اليوم إن سمحت بذلك صحة رئيس الوزراء، وسيتبين المصريون بعد وقت قصير أمر هذا الحديث الطويل الذي أثاره رئيس الوزراء منذ أسبوع: أكان جدًّا أم هزلًا؟ أكان إقدامًا أم إحجامًا؟ أم كان فنًّا من فنون المداورة؟ ولونًا من ألوان الاختبار؟ وسواء أصمم «صدقي باشا» على الاستقالة أم عدل عنها، وسواء أقبلت الاستقالة أم لم تقبل، فإن هناك حقيقة واقعة قد ظهرت كأوضح ما تظهر الحقائق الواقعة، ولم تدع لأحد قدرة على أن يلقاها بقليل من الشك أو كثير. وهذه الحقيقة الواقعة الساطعة هي أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن هذه الوزارة القائمة قد تستقيل.
    كما أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن المندوب السامي قد نُقل. ومعنى هذا الابتهاج لهذين الحدثين أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — ضيقة أشد الضيق بسياسة هذا العهد، منكرة أشد الإنكار لهذه السياسة، حريصة أشد الحرص على أن تخلص منها، وعلى أن ترى الذين أقاموها وقد حيل بينهم وبين الحياة العامة وتصريف شؤونها. وقد تفهم إرادة الأمة هذه على وجهها، وقد لا تفهم، وقد يحال بين «صدقي باشا» وبين الحكم، كما حيل بين «السير برسي لورين» وبين تمثيل الإنجليز في مصر، وقد لا يحال، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن إرادة الأمة هذه واضحة جلية، وأن لها قيمتها وخطرها، وأنها إن أهملت اليوم كما أهملت منذ ثلاثة أعوام فإن هذا الإهمال لن يغني ولن يفيد، كما أن إهمال إرادة الأمة منذ ثلاثة أعوام لم يغن ولم يفد.
    ومهما تكن النتيجة التي ستتكشف عنها الحوادث اليوم أو غدًا فإن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا مراء هو أن المصريين قد أظهروا اليوم كما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، بل أكثر مما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، وسيظهرون غدًا أكثر مما يظهرون اليوم، أنهم لا يرضون — مهما تكن الظروف والخطوب — أن يحكموا على غير ما يريدون، وأن يساسوا بغير ما يحبون، أو يُقضى في أمرهم وهم غائبون، أو يتخذوا وسيلة إلى مناصب الحكم وما يتصل بها من الجاه والسلطان، وأنواع المغانم والمآرب القريبة أو البعيدة.
    إنما يريدون اليوم، كما أرادوا من قبل وسيريدون دائمًا، أن تُرَدَّ أمورهم إليهم، وأن يحكموا هم لمصالحهم، لا لمصالح الأجانب مهما يكونوا، ولا لمصالح قلة مصرية مهما تكن. فإذا فُهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن أمور مصر ستجري على أحسن حال، وإذ لم يُفهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن المصاعب ستزداد، وفي أن المشكلات ستضاف إلى مشكلات، وفي أن الكوارث التي أخذت تطيف بهذا البلد، والتي تدنو منه في غير أناة ولا تمهل، ستُلِمُّ في يوم قريب فلا تجد لها مصر دفعًا ولا ردًّا، وستكون آثار الكوارث شاملة لا تؤثر فريقًا دون فريق، ولا تصيب الظالمين خاصة، وإنما تُُلِمُّ بالمسيء والبريء. والله قادر على أن يلهم الناس من أمرهم رشدًا، وعلى أن يبين للناس أن سياسة الاستئثار وتسخير الشعوب لنفر قليل قد مضى عليها الزمن، وأصبحت شيئًا لا ينتج خيرًا ما، ولكنه ينتج شرًّا كثيرًا.
    [1] كوكب الشرق في ٥-٩-١٩٣٣.

  • ثقة

    ثقة
    لكل ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية أصولها المعروفة، وعاداتها الموروثة، وقواعدها التي يلزمها الناس ولا يحيدون عنها إلا أن تضطرهم إلى ذلك ضرورة ملجئة. فإذا أقام حزب الاتحاد حفلًا لوداع وزير التقاليد وكان من الأصول أن تثور حفيظة حزب الشعب فيقيم حفلًا لوداع وزير من وزرائه كوزير الزراعة مثلًا، وكان من الأصول أن يكون الحفل الشعبي أضخم وأفخم من الحفل الاتحادي. وإذا أشرف رجل من رجال المال على الإفلاس وما يستتبعه الإفلاس كان من الأصول أن يخيل إلى الناس أنه لم يكن في يوم من الأيام غنيًا مثريًا موفور الحظ من الغنى والثروة كما هو في هذه الأيام. وما أسرع ما يقيم الحفل ويدعو إليه ويسرف في تجميله وتزيينه، ويغلو في إكرام المدعوين والترفيه عليهم وإمتاعهم بفنون من لذات الحياة، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة قرأ الناس في الصحف أن صاحب الحفل قد فتح لنفسه طريقًا يمضي فيها الناس فلا يرجعون أو عجز عن أن يفتح لنفسه هذه الطريق ففتحت له الحكومة طريقًا أخرى إلى دار من تلك الدور التي تضيف المفلسين. وإذا أحست وزارة من الوزارات من نفسها ضعفًا، أو فتورًا، وشعرت بأن كرسيها يهتز فلا تكاد تثبت، وأن الأرض من تحت أقدامها تضطرب، حتى لكأنها تريد أن تزول، وأن نفوسًا قد انصرفت عنها ونفرت منها، وانحرفت عن طريق إلى طريق أخرى، وأن ألسنة قد انطلقت فيها بغير ما كانت تؤثرها به من الثناء والإطراء، ومن التشجيع والإغراء.
    إذا أحست وزارة هذا، أو شيئًا يشبه هذا من قريب أو بعيدٍ أظهرت القوة والبأس، وأعلنت الفتوة والبطش، وتحدثت فأسرفت في الحديث بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام التي يطيف بها الضعف فيها من كل مكان، ويسعى إليها الفتور فيها من كل نحو، ويأخذها الإفلاس فيها من كل طريق، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة، نظر الناس فإذا استقالة مرفوعة أو إقالة موضوعة،
    وإذا وزارة تذهب وأخرى تُجْبَى. وأنا مؤمن أشد الإيمان بقوة الوزارة القائمة في مصر، مطمئن أشد الاطمئنان إلى ما تملك من حول وطول، وما تصرف من بأس وبطش، عالم حق العلم أن شيئًا في مصر لا يعجزها، واثق كل الثقة بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها أمس، وأقوى منها اليوم، وأقوى منها غدًا!!
    ولست في حاجة إلى أن أقيم لنفسي أو لغيري على ذلك دليلًا، فما زال الوزراء يذهبون إلى مكاتبهم ويعودون إلى بيوتهم ويقيم بعضهم في مصر ويرحل بعضهم إلى أوروبا. وما زال الناس يصرفون عن الوفد ورئيس الوفد بقوة الشرطة وبأس الجند. وما زال لدى الوزارة عدد وعدة تسخرهما متى شاءت في تفريق الشعب إن اجتمع وإسكات الشعب إذا نطق، ورد رئيس الوفد وأصحابه إن تحدثت إليهم أنفسهم برحلة لا ترضاها الوزارة ولا تميل إليها. فالدليل قائم – والحمد لله – على قوة الوزارة، والبرهان ناطق – والحمد لله – ببأس الوزارة. وإنا نؤمن بهذا كله إيمانًا لا يشوبه شك ولا يداخله ريب! وكم أحب أن يؤمن الناس جميعًا أو أن تؤمن كثرة الناس أو قلتهم بقوة الوزارة كما أؤمن بها. والناس يتمنون ذلك ويسعون إليه، ولكن للوزارة أصدقاء حظهم من الجهل أشد من حظهم من الحلم، ونصيبهم من الحمق أعظم من نصيبهم من الرشد والتوفيق. يريدون أن يدافعوا عن الوزارة، والوزارة في غير حاجة إلى الدفاع، ولكنهم على ذلك يدافعون عنها فيسيئون إليها، ويطمعون فيها الناس، ويخيلون إليهم أنها في الرمق الأخير. ومن هؤلاء الناس كتاب الوزارة الذين يكتبون لها في صحفها الخاصة وفي الصحف الموالية لها.
    فهؤلاء الناس يقولون على الوزارة ما لا تريد أن يقال عنها. يقولون مثلًا إنها راضية مطمئنة عن ثبات الأمن واستقرار النظام، لأن الأمن ثابت بالفعل والنظام مستقر بالفعل، ولأن هذه الحوادث التي تحدث لا سبيل إلى منعها فضلًا عن اتقائها لأن ذلك ليس في طاقة الحكومات!!
    يقولون هذا، وهم يعلمون حق العلم أن الوزارة لا ترضى هذا، ولا تحب أن يقال عنها، فهي ليست مطمئنة إلى ثبات الأمن، ولا إلى استقرار النظام. ولو قد كانت مطمئنة لما ألغت إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة ولو قد كانت مطمئنة لما ألفت لجنة لتقوية الشرطة في الأقاليم وللمقارنة بين عدد الشرطة وعدد السكان. وهي تعلم حق العلم أن الناس يقتل بعضهم بعضًا ويجرح بعضهم بعضًا، أفرادًا وجماعاتٍ تحت ضوء النهار، وفي ظلمة الليل. وهي تعلم حق العلم أن قد ظهرت في مصر ظاهرة غريبة في
    هذه الأيام وهي تنظيم الغارات والاستعداد للغزو بين القرى، بل بين الأسر في القرية الواحدة. فلم يكد الناس يقرأون أنباء موقعة «الشوبك» حتى ظهرت الصحف وفيها موقعة جديدة في سوهاج. والوزارة أعقل وأشد احترامًا لنفسها من أن تزعم أن الأمن ثابت وهو مضطرب، وأن النظام مستقر وهو يهتز ويترجح حتى يسقط عنه الناس صرعى، فيهم القتيل وفيهم الجريح، ولكن صحف الوزارة تريد أن تدافع عن الوزارة فتهاجمها، لأن الناس يظنون أن هذه الصحف إنما تكتب عن وحي من الوزارة. وهم يبيحون لأنفسهم أن يصفوا الوزارة بالضعف والتقصير إذا ظهر عجزها عن حماية الأمن وحفظ النظام، ولكنهم لا يحبون ولا يرضون أن يصفوا الوزارة بالكذب والمكابرة. والوزارة لا تكذب وإنما صحفها هي التي تكابر وتماري وتغلو في المكابرة والمماراة حتى كأنها تزدري عقول الناس.
    وهذه الصحف تريد أن تدافع عن الوزارة فتسخف، وتقول على الوزارة أشياء لو صحت لما كان بد من أن تستقيل لأن عملها قد تم، ومهمتها قد انتهت. فهذه الصحف تزعم أن الوزارة لا تخاف الوفد ولا تخشاه ولا تحسب له حسابًا، لأن الوفد قد مات! مات وشبع موتًا! مات وأصبح جثة هامدة تطؤها الأقدام ولا تنخفض إليها الأبصار!!
    كذلك تقول صحيفة من صحف الوزارة فتسيء إلى الوزارة من أنحاء كثيرة. تسيء إليها لأنها تكذب عليها، فالوزارة ما زالت تخاف الوفد وتخشاه وتحسب له ألف حساب وحساب، ولولا ذلك لما طوقت دار رئيسه بالجند ولولا ذلك لما عبأت وحشدت كلما هم رئيس الوفد بزيارة أو أداء صلاة.
    وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تجعل وجودها الآن غير نافع ولا مفيد، وتسحق الفوضى. ولعلها تتمنى للوفد طول الحياة ليتم لها طول البقاء، فالتحدث بأن الوفد قد مات مطالبة للوزارة بأن تستقيل. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تتحدث عن خصوم الوزارة في أدب أقل ما يوصف به أنه رفيع جدًّا كهذا الأدب الذي يتحدث به وزير التقاليد ووزير الزراعة عن المعارضين.
    وليس من مصلحة الوزارة في شيء أن يضيف الناس إليها هذا الأدب الرفيع. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تضيف إليها من الثقة بنفسها هذا النوع الذي يشبه ثقة المفلس في آخر عهده بالغنى وأول عهده بالإفلاس، وتخيل إلى الناس أن هذه الثقة
    ليست إلا متكلفة مصنوعة يراد بها التجلد والصبر وانتظار الأحداث، ولست أدري ما نفع وزارة المعارف إذا لم تعلم كتاب الوزارة كيف يدافعون عن الوزارة.
    فصحف الوزارة مرآة لها. ونؤكد للوزارة أنها تظهرها في مظهر لا يدل على قوة، ولا على أمن، ولا على استقرار. وإنما يدل على الضعف والخوف والاضطراب. فنحن نعلم حق العلم أن وزارتنا لا تنقصها الشجاعة ولا الرجولة، وأن الرجل الشجاع هو الذي لا ينكر الخطر الواقع وإنما يثبت له ويهجم عليه. وفساد الأمن أمر واقع لا تنكره الوزارة وإنما تعترف به، وتحاول أن تزيله. وليس ذنب الوزارة أنها لا تستطيع إزالة هذا الشر وتبقى مع ذلك في مناصب الحكم.
    ومثل هذا يقال عن دفاع صحف الوزارة في كل ما تحتاج الوزارة فيه إلى الدفاع. وهي محتاجة الآن إلى الدفاع في كل شيء. فكتابها يزعمون أنها قد فعلت في مسألة الدين أقصى ما تستطيع أن تفعل، وخصومها لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون إن هذا الذي فعلته ليس شيئًا. وما دامت لا تستطيع أن تفعل خيرًا منه فيجب عليها أن تستقيل.
    حسن جدًّا أن تثق الوزارة بنفسها، وأن يثق أنصار الوزارة بها، ولكن أحسن من هذا أن تكون هذه الثقة صادقة، وأن يكون تصويرها صحيحًا وكل شيء في أعمال الوزارة وأقوال أنصارها لا يدل على ثقة صادقة ولا يصور اطمئنان النفوس. ومن أشد الخطر أن يرى الناس رأي العين عجز الوزارة حتى عن أن تثق بنفسها.
    كوكب الشرق ١ — ٨ — ١٩٣٣

  • فكاهة

    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجَزَوْهُمْ على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لا حظّ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر ما زالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويرَيا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

  • إعلان

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣

  • رشوة

    رشوة
    لا تغضب الوزارة، ولا يغضب رئيس الوزراء، ولا تغضب النيابة، ولا يغضب البرلمان، فلسنا نحن الذين يذكرون الرشوة، ويفصلون أمرها تفصيلاً، ولسنا نحن الذين يسيئون إلى سمعة مصر، ويغضون من قدرها، ويصورونها للناس في هذه الصورة المنكرة التي تمثل حكومتها قائمة على الرشوة، تشتري ضمائر الناس، فيبيعها الناس ضمائرهم بالمال، ولسنا نحن الذين يقولون شيئاً من هذا أو يأتون شيئاً من هذا، بل نحن نكتب لنصف ما نجد من الألم اللاذع والحزن الممض، حين يقال عن مصر هذا الكلام، وحين تصور مصر للناس في مثل هذه الصورة.
    صحيفة إنجليزية من الصحف الكبرى، قد عُرفت بحبها للوزارة القائمة وإيثارها إياها، لا نقول بالمودة والعطف، بل نقول بالغلو في النصر والتأييد، لا تتحرج من أن تعلن أن رئيس الوزراء أحس ضعف وزارته قبل مرضه، ثم أحس تهالكها في هذا الضعف بعد أن أتاح الله له شيئاً من الشفاء، فأراد أن يسترد لوزارته شيئاً من القوة، فاصطنع في سبيل ذلك الرشوة، وتوسل إلى ذلك بشراء الضمائر، يشتريها من الموظفين بالعلاوات والترقيات! ويشتريها من الزراع بهذه الأموال التي زعم أنه ينفقها ليخفف ثقل الأزمة على الفلاحين!
    قالت الديلي تلغراف ذلك، وأضافت إليه أن رئيس الوزراء حين التجأ إلى هذه الرشوة قد أثقل الخزانة المثقلة، وأضاف إلى اضطرابها اضطراباً، وإلى ارتباكها ارتباكاً، ثم قالت إن هذا الأمر لا سبيل إلى المضي فيه. وكذلك يسجل اليوم على مصر في الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت تعلن حب الوزارة وموالاتها أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وبيع الضمائر! ومن قبل ذلك نشرت التيمس في الصيف الماضي شيئاً يشبهه. فأي دعاية هذه التي تذاع عن مصر، وأي ترويج هذا الذي يروج لمصر؟!
    إن الوزارة القائمة تسرف في أموال الدولة إسرافاً منكراً، لتعلن عن نفسها ألواناً من الإعلان، فهي تمنح الصحف الأجنبية مقادير ضخمة من المال لتنشر لها فصولاً تكتب في مصر، وتهيأ في مكاتب الحكومة حتى إذا نُشرت هذه الفصول، اشترتها الحكومة، وجاءت بها أكداساً مكدسةً فأذاعتها في دواوينها، على الموظفين ليقرأوها، وما هم بقارئين منها قليلاً ولا كثيراً! وما كان من أصالة الرأي ولا من حسن الفهم أن يكتب الموظفون للموظفين، ولا أن تدخر الوزارة لنفسها داخل مكاتب الوزارة، وبينما تنفق أموال الدولة في هذا السخف، وبينما يكتب الوزراء والموظفون لأنفسهم، وبينما يعلن الوزراء والموظفون عن أنفسهم عند أنفسهم، تنشر الديلي تلغراف هذا الفصل الذي تقول فيه إن رئيس الوزراء يقيم وزارته على رشوة الموظفين والفلاحين، وشراء الضمائر من الموظفين والفلاحين.
    وهذا الكلام يذاع في إنجلترا، ويذاع في أوروبا، ويذاع في أمريكا، ويقرأه الناس الذين لم يقرأوا ما أنفقت فيه الوزارة من ألوف الجنيهات لتعلن عن نفسها، وعن كفايتها النادرة، ومهارتها الباهرة! ولو أن بعض الذين يقرأون الديلي تلغراف قد قرأوا هذا السخف الذي تنشره الملحقات بالأجور الباهظة، والمال الكثير لكان ما تنشره الديلي تلغراف خليقاً أن يمحو آثاره من نفوسهم، وأن يدلهم على أنه ليس إلا نوعاً من الدعاية الكاذبة، والإعلان المتكلف السخيف.
    ولا تقف الحكومة عند هذا الحد، ولكنها تدعو المحاضرين، والخطباء، وتعقد المؤتمرات في القاهرة وترسل الوفود إلى المؤتمرات التي تعقد في غير القاهرة، وتنفق في ذلك كله أموالاً ضخمةً، لو أنها احتفظت بها وبأمثالها مما ينفق في هذه السخافات دعايةً لمصر، وإعلاناً عن مصر، وتكلفاً بإظهار مصر بغير ما هي عليه. لو أن الحكومة احتفظت بهذا المال الكثير الذي تأثم بإرساله كل يوم مع الريح لما احتاجت إلى أن تقف العلاوات والترقيات، ثم تستثني، ثم يفسد عليها الأمر، ويضطرها الحرج إلى أن تفتح باب العلاوات والترقيات على مصراعيه!
    نعم ولو أنها احتفظت بهذا المال الذي تنفقه على هذه الدعاية الكاذبة غير المجدية لهان عليها أن تخفف من أثقال الفلاحين في غير رشوة أو ما يشبه الرشوة، لكن الحكومة تجري في أعمالها على سياسة أقل ما توصف به أنها بعيدة عن الرشد، بريئة من التوفيق.
    هذا كله ولم نعرض لما قالته الديلي تلغراف لنعلم أصدق هو أم كذب؟ أخطأ هو أم صواب؟ هذا كله ولم نعرض لما نشرته الديلي تلغراف لنبين آثاره المنكرة في حياتنا الخلقية والسياسية، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح؟ فمن المحقق أن أحداً من الناس لم يفهم هذه السيرة المفاجئة التي سارتها الحكومة مع كبار الموظفين إلا على أنها نوعٌ من المكافأة والتشجيع، نوعٌ من المكافأة على بلائهم القيم في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام، ونوعٌ من التشجيع على المضي في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام! وإلا فمن ذا الذي يزعم أن أحداً من المديرين أو من كبار الموظفين في الداخلية كان في حاجة حقاً إلى أن يرقى أو يزاد؟
    لقد كان الناس ينتظرون أن يقصى بعضهم عن العمل، وأن يسأل بعضهم عما قدمت يداه، فإذا هم يكافئون على ما عملوا، وإذا هم يشجعون على أن يمضوا فيما يعملون، ولم تكن الحكومة موفقةً بحال من الأحوال في أمر هذه العلاوات ومنحها قبل رحلة صدقي باشا، إنما كان أمرها في ذلك أشبه بأمر المسافر الذي يوزع المكافآت قبل أن يبرح الفندق الذي كان يقيم فيه. فأساءت بذلك إلى نفسها، وأساءت بذلك إلى كرامة الموظفين، وأساءت بذلك إلى سمعة مصر، ومكنت الديلي تلغراف من أن تذيع في الذين يقرأونها، وهم كثيرٌ، أن أمر الحكم في مصر يقوم على الرشوة، وشراء الضمائر، وأن حال الخزانة لن تسمح بأن تمضي الحكومة في الرشوة وشراء الضمائر، وإن الخير في أن تزول هذه الوزارة وتأتي مكانها وزارة أخرى لا تشتري الضمائر، ولا تفسد الأخلاق، ولا تنفق أموال الدولة في غير منافع الدولة.
    وكلام الديلي تلغراف هذا لا يقرأ في إنجلترا وأوروبا وأمريكا فحسب، ولكنه يترجم في مصر، ويقرأه الذين يقرأون الصحف على اختلاف طبقاتهم وحظوظهم من الثقافة فيسوؤهم ذلك في كرامتهم القومية، ويملأ قلوبهم حزناً أن يكون هذا رأي الأجانب فيهم، وحكم الأجانب على الموظفين والفلاحين، ثم يشككهم هذا في نزاهة الوزارة، ثم يزيل هذا من نفوسهم الاطمئنان إلى إيثار الحكومة للعدل والقسط، ويضعف هذا في نفوسهم ما يجب أن يكون للحكومة من الهيبة والاحترام.
    وأنت تستطيع أن تقدر تأثير هذا كله في حياتنا الخلقية والسياسية، وتستطيع أن تفسر ما تزعمه الوزارة لنفسها من أنها تمحو الفوضى محواً، وتقر النظام إقراراً.
    كلا، إن سيرة الوزارة هذه تمهد أحسن تمهيد لأقبح صور الفوضى، ولهدم النظام هدماً منكراً، لأنها تملأ النفوس اضطراباً وشكاً، وتمحو منها الثقة بالمشرفين على الأمور العامة، والقائمين على تدبيرها.
    هناك حقيقة أخرى ليست أقل من هذه الحقيقة مرارة، ولا أضعف منها نكراً، وهي أن الإنجليز الذين كانوا يزعمون لأنفسهم الحيدة، ويعلنون أنهم قد تركوا أمور مصر للمصريين، قد أخذوا الآن يجهرون بما كانوا يسرون، ويظهرون ما كانوا يكتمون، ويعلنون أن حيدتهم لم تكن إلا خيالاً، وأن استقلال مصر بأمورها لم يكن إلا وهماً، ويقولون في صراحة مؤذية مخزية إن غياب المندوب السامي هو الذي يدعو إلى التردد في تغيير الوزارة القائمة. ولو أنهم قالوا ذلك كما نقوله لكان على ثقله ونكره محتمَلاً، ولكنهم يغلون في الصراحة ويغرقون في القوة، ويذكرون جلالة الملك، ويزعمون أن جلالته إن تردد في تغيير الوزارة، فمن مصادر هذا التردد أن المندوب السامي غائب عن مصر.
    وكم يحرص المصريون جميعاً مهما تختلف أحزابهم ومذاهبهم على أن يكون اسم الملك بمعزل عن هذه المناقشات والخصومات، لا في مصر وحدها، بل في خارج مصر بنوع خاص.
    ولكن سيرة الوزارة القائمة، وما انتهت إليه من إفساد لكل شيء، وتشويه لكل شيء، قد عرضت مصر بأن تؤذيها الصحف الأجنبية في كرامتها السياسية والخلقية فتذيع أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وأن جلالة الملك لا يقطع في أمر الوزارة لغيبة المندوب السامي عن القاهرة.
    أتظن أيها القارئ أن بقاء الوزارة في مناصب الحكم يعدل هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه مصر من راحتها وأمنها وسمعتها وكرامتها؟ كلا، إن بقاء الوزارة لأهون من أن يقال عن مصر ما يقال، وإن بقاء الوزارة لأهون من أن تلقى مصر ما تلقى، وإذا كان رئيس الوزراء لا يؤذيه ما يقال عنه في إنجلترا، وإذا كان الوزراء لا يؤذيهم ما يقال فيهم من أنهم غير أكفاء، ولا قادرين على البقاء في الحكم، ولا خليقين أن ينهضوا بأثقاله، إذا كان رئيس الوزراء وزملاؤه لا يسوؤهم هذا المأزق الذي اضطروا إليه، ولا يقنعهم بأن كرامتهم تضطرهم إلى الاستقالة، فإن مصر يؤذيها هذا الذي يقال، ويؤذيها هذا الذي يذاع، ويؤذيها هذا الذي يقع فيها، ويؤذيها أن تصبح حديثاً لقراء الصحف الأجنبية، يتندرون عليها ويتفكهون بها، ويسخرون منها، ويزدرون كرامتها.
    يؤذيها هذا كله، وهي واثقة بأن جلالة الملك أحب لها وأرفق بها، وأحرص على كرامتها من أن يدعها معرضة لهذا الازدراء، سواء غاب المندوب السامي أم حضر، سواء سافر رئيس الوزراء أم أقام.
    كوكب الشرق ٢١ – ٥ – ١٩٣٣

  • درس

    درس

    رئيسُ وزرائنا أستاذ، تلاميذه الوزراء، يعلّمهم كيف يحكمون، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه، ومن قصّر منهم أقصاه.

    ووزير داخليتنا أستاذ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا، ووجّه إليهم أسئلة. فمن فهم الدروس وأحسن الجواب، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها، رقّاه. ومن لم يظهر منه سبق الفهم، ولا مهارة في الجواب، ولا نشاط في السيرة العملية، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه.

    ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم.

    وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية، فسمعوا منه، وتحدّثوا إليه، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها. وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك، ولكن من المرجّح، إن لم يكن من المحقّق، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا، وعلى وزراء العالم كله، ورجال الإدارة فيه، كان موضوع الحديث في درس أمس.

    ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد.

    زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما، والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع، وطبق آفاق الدنيا، وتردّد في أجواء السماء، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له، ويفديه بالأمهات والآباء، وبالبنات والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء. فكيف التخلّص من هذه المظاهرة؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها؟

    فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه، فهو بهم كَلِف، ولهم مستجيب.

    هذه هي المشكلة التي كانت موضوعًا للتمرين يوم السبت. وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية! وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه. وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات، يأباها الدستور، وينكرها القانون، ويتحرّج منها النظام. تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم. تبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق. تبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب. تبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون.

    كانوا يعلمون هذا، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة، وربما تهالكوا عليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم، وإكباره لكفاياتهم، ما يريدون. وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة، ولون من ألوان السلطان، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم. والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب، ويعيد ذكرى الماضي، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم.

    فالخطف مظهر من مظاهر الضعف. والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر. وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق. والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها. والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام. فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة «الغاية تبيح الوسيلة» تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات.

    فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه، اضطربت نفوس المديرين، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم؟ أنخطف أم لا نخطف؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم؟ حتى كان درس أمس. وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات، ولكنه يُباح للحكومات، والحكومات الدستورية خاصة.

    ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت، فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل. والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل، لا بالمسرفين في الذكاء، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه!

    فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها. فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم. وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور، فساءت حالها، واضطربت أمورها، وأوشكت الفوضى أن تفسدها، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون، ويكلفون به، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر!!

    أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا. ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزعت منه انتزاعًا.

    فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف. وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف.

    هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها، وما تزال نفوسهم مضطربة، وآراؤهم مختلفة؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص.

    وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا، وحيثما توجّهوا. ولكن الحاجة تفتق الحيلة، كما قال القدماء. وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم، فمن يدري؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا، وأن يسير بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطير، ولا يؤمَن منها الضرر.

    كوكب الشرق ٢٧-٣-١٩٣٣

  • تلهية

    تلهية
    تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
    وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
    ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣