Tag: الرسوم الدراسية

  • شكاة | A Complaint

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • الجيل الضائع | The Lost Generation

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

  • مجانية التعليم | Free Education

    مجانية التعليم

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ١٥ أغسطس ١٩٤٦

    رئيس وزارتنا يستريح في ضيعة من ضياعه في كفر الدوار، واللورد ستانسجيت يستريح في ضيعة من ضياع الإمبراطورية البريطانية في جزيرة قبرص، وهذه الغانية الحسناء التي تسمى المفاوضات قد استعارت من إله الأساطير اليونانية القديمة نعليه المجنحتين، فهي تطير بهما حائرة بين الإسكندرية ولندرة وباريس. أمَّا الشعب المصري فهو لا يستريح؛ لأنه لا يملك ضيعة يستريح فيها، وهو لا يستريح؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن الشكوى من الألم، ولا أن يمتنع من المطالبة بالحق.

    وما أحب أن أزعج رئيس الوزراء في اعتكافه وراحته ومحاسبته لنفسه. وما أحب أن أزعج المفاوض البريطاني في تروضه واستمتاعه بما في قبرص من مناظر رائعة في القمم والسفوح. وما أحب أن أنغص على الغانية الحسناء المفاوضات تنقلها في أجواء السماء وتنزلها من السماء مرة بعاصمة الإنجليز ومرة بعاصمة الفرنسيين. وما أحب أن أدعوها إلى أن تعود إلينا، فأنا أشفق عليها من قيظنا المحرق وصيفنا المرهق، وأشفق على المصريين من هذا الإلحاح الذي لا يلائم كرامة الرجال، وهذا الإلحاف الذي لا يلائم عزة الشعوب العزيزة مهما تكن الغانية حسناء ومهما يكن حظها عظيمًا من رقة الشمائل وخفة الروح وسحر الجمال.

    ونحن قوم لا نحب التهالك حتى حين يكون الجمال رائعًا، ولا نحب التذلل حتى حين يكون الحسن بارعًا، ولا نحب إراقة ماء الوجوه حتى حين تكون الفتنة ساحرة للقلوب فتَّانة للعقول مستهوية للألباب. وإنما نحن كشاعرنا العربي القديم حين يقول في صاحبته الحسناء القديمة:

    أَرَثَّ جَديدُ الحَبْلِ مِنْ أُمِّ معبدِ بعاقِبَةٍ وأخْلفَتْ كلَّ موْعِدِ

    وبانَتْ ولَمْ أَحْمَدْ إليْكَ لِقَاءَهَا ولَمْ أَرْجُ منها رَجْعَةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ؟

    فلتبن أم معبد إذن إلى غير رجعة، ولتقم في ربوع أوروبا ما شاء الله لها أن تقيم، وليسترح رئيس وزرائنا في ضيعته ما أعجبته الراحة، وليتروض المفاوض البريطاني في قبرص أيامًا تقصر أو تطول، فليس في شيء من هذا كله غناء، وليس في شيء من هذا كله نفع، وإنما هي أيام تلهو وقوم يلعبون. ولنتحدث إلى وزير المعارف في شيءٍ غير هذا كله، في شيء لا يتصل بهذه الغانية الحسناء النافرة من قريب ولا بعيد، وإنما يتصل بغانية أخرى ليست أقل منها جمالًا باختلاف الناظرين إليها: فهو رائع بارع حين ينظر إليها الشعب، وهو سمج شائه حين ينظر إليه المترفون. وهذه الجميلة القبيحة والخفيفة الثقيلة والحبيبة البغيضة تسمى مجانية. قد تعلقت بها نفس الشعب منذ وقت بعيد، فسعى إلى ودِّها جادًّا في السعي، وطلب القرب منها ملحًّا في الطلب، وتجشَّم في سبيل ذلك أهوالًا، واحتمل في سبيله أعباءً ثقالًا. ونغَّص عليها حبها نهاره المشرق، وأرَّق عليه حبها ليله المظلم. ولم يكن في ذلك بدعًا من الشعوب، فالشعوب كلها مشغوفة بهذه الفتاة، هائمة بحبها، قد ضحَّت في سبيل الوصول إليها بالراحة والأمن، واحتملت للوصول إليها المشقة والخوف، وظفرت منها آخر الأمر بما كانت ترجو، ونالت منها آخر الأمر ما كانت تريد. ولم تكن الشعوب ترجو منها إلَّا ابتسامة راضية، ونظرة مرضية، وعطفًا يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا. وقد خُيِّل إلى الشعب المصري ذات يوم أنها قد أخذت تنظر إليه باسمة، وتلحظه مترفقة، فشاع في نفسه الرضا واستقر في قلبه الأمن. ولكن نظر فإذا هذه الغادة الحسناء الشوهاء تُزجر عنه زجرًا، وتُطرد عنه طردًا، وتُنفى من أرضه نفيًا مهينًا. وإذا هو يستأنف حزنه المهلك، وجرعه المضني، ويشكو همه وبثه إلى الله، ويطلب إلى الكتَّاب القادرين على أن يتوسطوا بينه وبين السادة الحاكمين أن يمنحوه المعونة ويؤثروه بالمعروف، ويرفعوا شكواه إلى الوزراء، لعل قلوبهم القاسية أن تلين، ولعل نفوسهم الصلبة أن ترق، ولعلهم أن يخلُّوا بين الشعب وبين هذه الغادة الحسناء الشوهاء التي سحرت لُبَّه سحرًا وفتنت قلبه فتونًا! وقد حدثني هذا الشعب البائس وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه الوزراء بأنه لم يشقَ قط بحب هذه الحسناء الشوهاء كما شقيَ به في هذه الأيام الشداد. فالحياة عسيرة، والضيق شديد، والبؤس جاثم على الصدور، والعين بصيرة واليد قصيرة، والنقد في مصر كثير، ولكنه لا يتاح إلا لقلة قليلة وجماعة ضئيلة من الناس. وفي قدرة هذه الغادة الحسناء الشوهاء إن أُتيحت لها الإقامة في مصر أن تسلي الشعب عن بعض همه، وأن تحط عن الشعب بعض ثقله، وأن تبسم له فيبسم له الدهر، وأن تعطف عليه فتعطف عليه الأيام، وأن يمسه بيدها الناعمة الخشنة فتنجلي عنه الغمرات وتنجاب عنه الخطوب.

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أتحدث إلى الوزراء بأنه يستقبل شهر الصوم محزونًا كئيبًا. وكلما مضى يوم من هذا الشهر الكريم ازداد حزنه واشتدت كآبته وتكاثفت أمامه الهموم واثَّاقلت عليه الخطوب؛ لأن هذا الشهر الكريم يحب الإنفاق والتوسعة على العيال، ولأنه لا ينتهي كما تنتهي الشهور إلى يوم من الأيام اليسيرة البسيطة، وإنما ينتهي إلى يوم معلوم قد جعله الله عيدًا للأغنياء والفقراء والموسرين والمعسرين على السواء. والأعياد تحب الإنفاق أكثر مما يحبه شهر الصوم، وتقتضي من التوسعة ما لا يقتضيه شهر الصوم، فلا بدَّ من كسوة النساء والأطفال وإمتاعهم القليل أو الكثير من الطرف. فإذا لم يفعل الآباء ذلك؛ عبست وجوه من حقها أن تبسم، وحزنت قلوب من حقها أن تفرح، وامتلأت بالدموع عيون من حقها أن تمتلئ بهجةً وسرورًا.

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن الآباء حائرون، لا يدرون كيف يوسعون على عيالهم في شهر الصوم، وكيف يرفهون عليهم حين يقبل العيد؛ لأن كثيرًا منهم لا يجدون ما ينفقون. وهم حائرون لا يدرون أيحتالون لنفقات رمضان، أم يحتالون لنفقات العيد، أم يحتالون لنفقات التعليم؛ لأن المدارس ستفتح أبوابها بعد العيد بقليل!

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن قد كان له حظٌّ من أمل حين أُتيحت للأطفال والصبية مجانية التعليم الابتدائي. وكان يظن، بل كان يعتقد واثقًا أن ستُتاح لهؤلاء الأطفال والصبية مجانية التعليم الثانوي، ولكنه ينظر فإذا ظنه يكذب وإذا أمله يخيب وإذا المجانية تُلغى إلغاءً ويُضيَّق عليها حتى لا تستطيع أن تتنفس. وإذا أضيق الناس يدًا وأشدهم بؤسًا مخير بين اثنتين: إمَّا أن يرد ابنه عن التعليم، وإمَّا أن يدفع لوزارة المعارف أكثر من سبعة جنيهات ثمنًا للغذاء والأدوات والعناية بصحته، وأجرًا للعبه أيضًا. وأين يريد وزير المعارف وزملاؤه أن تجد كثرة الشعب البائس هذا المقدار من المال لتؤديه إلى الدولة التي نيفت مصروفاتها على المائة من الملايين.

    ليس يعنيني أن تكون الوزارة القائمة قد سارت سيرة الوزارة الوفدية أو انحرفت عنها. وأمَّا الذي يعنيني هو أن الوفد قد وضع أساسًا لتيسير التعليم للمصريين جميعًا، وكان يجب البناء على هذا الأساس، وكان يجب أن تخطو الحكومات التي جاءت بعد حكومة الوفد خطواتٍ جديدة واسعة، ولكن الشيء المحقق أن هذه الحكومة لم تبنِ وإنما تأخرت. وليس يعنيني أن يكون مجلس التعليم الأعلى قد أقرَّ أو لم يقرَّ خطة وزير المعارف، فليس المجلس الأعلى معصومًا من الخطأ، وليس بين أعضائه من يضيق بسبعة جنيهات، وليس بين أعضائه من يعرف لذة الجوع، وليس بين أعضائه من يعرف انكسار النفس حين يُردُّ ابنه عن المدرسة؛ لأنه لم يدفع المصروفات، فيعود إليه باكيًا تغسل الدموع الغزار وجهه الصغير. فإقرار المجلس الأعلى لهذا النظام لا يجعله صالحًا، ورفضه لهذا النظام لا يجعله فاسدًا. والأصل الوحيد الذي ينبغي أن يرجع إليه وزير المعارف هو أن التعليم حق للناس جميعًا، وأن على الدولة أن تيسره لهم، بل أن تكفله لهم، وأن تزيل من طريقهم العقبات. وأن مصر هي البلد الوحيد في هذا العصر بين بلاد العالم، البلد الوحيد الذي يشقى الشعب فيه بنفقات التعليم. ولا ينبغي لوزير المعارف ولا لوزير المالية ولا لرئيس الوزراء أن يحتجوا بضيق الميزانية، فالميزانية الضيقة يمكن أن تتسع، بل يجب أن تتسع حين تقتضي ذلك مصالح الشعب. ولست أدعو إلى الشيوعية ولا إلى الاشتراكية، بل لست أتجاوز حدود الديمقراطية الضيقة المعتدلة الملحة في الاعتدال حين أطالب الحكومة بأن تعفي المصريين، لا من نفقات التعليم وحده، ولكن من نفقات الغذاء أيضًا. فإن ضاقت الميزانية فعلى الدولة توسيعها بفرض ما تقتضيه المصلحة من الضرائب، فإن لم تفعل الدولة فهي مقصِّرة، والحكومة التي تحتمل هذا التقصير ليست خليقة بالبقاء في مناصب الحكم.

    ليصدقني وزير المعارف وزملاؤه أنهم يزعمون أنهم يريدون محاربة الجهل والفقر والمرض. فالخطوة الأولى في سبيل محاربة هؤلاء الأعداء الثلاثة، إنما هي أن نعلم الصبية والفتية ونكفل لهم طعامًا مريئًا ولعبًا هنيئًا وصحةً موفورة، دون أن نتقاضى من آبائهم على ذلك أجرًا يعجز أكثرهم عن أدائه.

    فليتوكل وزير المعارف على الله، وليستقبل أمره حازمًا، وليهدِ إلى الشعب بقرارٍ من مجلس الوزراء هذه الهدية القيمة التي لا تكلفه ولا تكلف زملاءه شيئًا، وإنما تكلف الشعب نفسه أعباءً جديدة يحملها راضيًا. وهذه الهدية هي المجانية الشاملة الكاملة للتعليم. فإن لم يستطع — ولست أدري لماذا لا يستطيع — فلا أقل من أن يُعفى الناس من هذه النفقات الإضافية، فإن لم يفعل فليثق بأنه لا يحارب الجهل والفقر والمرض، وإنما يمنحها قوةً إلى قوةٍ وانتشارًا إلى انتشارٍ.

  • أخلاق سياسية | Political Morals

    حديث الوادي
    أخلاق سياسية
    وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين فيعفي من نفقات التعليم قوما لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة، لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين، ولأن للوزير أرباً في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم، وهؤلاء معسرون قد ألح عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسدت أمامهم مسالك الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاه.

    وهذا كله يقع في عهد كان يقال إنه عهد دستوري قوامه احترام القانون والدستور. وهذا كله يقع من وزير كان يقال له إنه مثقف ثقافة عالية حتى أنه ألف كتاباً في البيع، وكان يقال له الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعاً.

    وهذا كله لا يقع من الوزير وحده وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهاً منصفاً، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء، ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذ وقع هذا كله، إذ سرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراساً لأموالها، إذ وقعت هذه السرقة وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها آمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوز من عدوان الغني المترف، قيل إنه غير مجامل، وأن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئاً، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.

    كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضاً، ثم فساد يدعو إلى الرضى بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله، ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته، فليست الذمة الإنسانية شيئاً يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة. فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟.

    وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام، حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب، وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب أو ليشيروا به أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي لا يقدرون واجبهم ولا يقدرون حقهم وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم وجعلوا ضمائرهم تجارة لا قدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود، وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدنيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات، والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.

    والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرياسة لهذه المعاهد الدينية، لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أموراً ينكرونها وينكرها معهم الناس جميعاً وينكرها معهم الدين أيضاً، وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل واشترك في بعض آثامه، ويعلم بعد هذا أيضاً، أنه قد حمل ضميره، وحمل الأزهر معه عبئاً ثقيلاً حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل ولا خوف من سخط الله، وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى وإنه خارج أما غداً أو بعد غد، طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضاً، ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، أما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وأما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله ولا يريد أن يخرج إلا إذا أمر بالخروج، ومن الناس من يقول شيئاً غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة، لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة، ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جداً من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريباً شاذاً يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.

    وأمثال هذه الهنات التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تحصى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد ومن رجل قبل أن يسخر لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غداً، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج، لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس لأن العهد البغيض قد بث فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان، فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم، وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٥ نوفمبر ١٩٣٤.

  • عيسويات٣ | Issa-isms 3

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين
    الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤