تضامن
طه حسين
النداء
٤ نوفمبر ١٩٤٧
لم يكن عمر بن الخطاب — رحمه الله — يقدِّر حين صَدَر بالمسلمين من الحج سنة ثماني عشرة للهجرة، أنه يستقبل بالمسلمين من أهل بلاد العرب — ومن أهل الحجاز ونجد وتهامة خاصة — عامًا أسودَ قاتمًا، يُمتحَن المسلمون به في أنفسهم وأموالهم وأخلاقهم، وفيما أُتِيحَ لهم من الصبر على الشدائد والثبات للمكروه والنفوذ من الخطوب، وفيما أُتِيحَ لهم كذلك من هذا الشعور الكريم الممتاز الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويرقى به إلى المنزلة العليا من منازل الكرامة؛ وهو شعور التعاطف والتآلف والتضامن الاجتماعي، الذي يلقي في روع كل فرد — مهما تكن منزلته — أنه عضو من جماعة يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ويأخذ بحظِّه مما يصيبها من النعماء والبأساء، وما ينوبها من السراء والضراء.
لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر أن الغيب قد أضمر له وللمسلمين من أهل بلاد العرب هذه المحنة القاسية، يُمحِّص بها قلوبهم، ويُصفِّي بها نفوسهم، ويُعلمهم بها أن الحياة ليست نعيمًا متصلًا، ولا رضاءً مقيمًا، ولا خصبًا يتجدد كلما تجددت الفصول، وإنما هي مزاج من النعيم والبؤس، ومن اللذة والألم، ومن السعادة والشقاء، وأن سبيل المؤمن — الذي مسَّ الإيمان قلبه حقًّا — هو ألَّا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نُعِّم، ولا ييأس إذا امتُحِن بالبؤس والشقاء، وألَّا يُؤْثِرَ نفسه بالخير إنْ أُتِيحَ له الخير من دون الناس، وألَّا يترك نظراءه نهبًا للنوازل حين تنزل، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسائهم.
فالله لم ينشر ضوء الشمس ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون طائفة، والله لم يُجْرِ الأنهار ولم يُفجِّر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس وتظمأ إليها جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع قوم آخرون!
وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعًا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن لا ينبغي أن يُفرَض الحرمان على أحدٍ منهم مهما يَكُنْ شخصه، ومهما تَكُنْ طبقته، ومهما تَكُنْ منزلته بين مواطنيه.
لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر حين صدر من الموسم في ذلك العام أن الله سيرسل إلى المسلمين عامًا جديدًا يمتحنهم فيه بالجوع والظمأ والعري امتحانًا لم يعرفوا مثله منذ عهد بعيد أشد البعد. وكيف كان عمر يستطيع أن يقدِّر ذلك وأمور الدولة الناشئة تجري على خير ما كان المسلمون يحبون من العدل، والسعة، وبعد الصوت، وانتشار الفتح، وكثرة الفيء، وغزارة الرخاء؟!
ولكن العام الجديد يُقْبِل وإذا السماء تبخل بمائها حتى تحترق الأرض ظمأً إلى هذا الماء، وحتى تسوَدَّ كأنها الرماد، وحتى يضطر المسلمون إلى أن يسمُّوا هذا العام عام الرمادة.
بخلت السماء بالماء، وجادت الشمس بالحر، وعجزت الأرض عن أن تخرج للناس ما يأكلون وما يطعمون به ما كانوا يسومون من الثاغية والراغية.
وينظر عمر بعد أن استقر في المدينة، فإذا الأزمة تسعى متمهلة مستأنية، ولكنها مستوثقة من نفسها، مُلِحَّة في سعيها، وإذا أهل البادية قد أجدبوا واشتد عليهم الجدب، فلم يفكروا إلَّا في أن يُهرَعوا إلى خليفتهم يلتمسون عنده ما يطعمهم من جوع، ويسقيهم من ظمأ، ويكسوهم من عري. وما له لا يفعل ذلك وهو قد أخذ أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وكاسبيهم وعائليهم، فرمى بهم تلك الثغور، ودفع بهم إلى حروب يعرفون أولها ولا يعرفون آخرها؟! وما لهم لا يُهرَعون إليه وهم كانوا يشعرون بحبه، وعطفه عليهم، وبره يسعى إلى أقصاهم كما يسعى إلى أدناهم، لا يقصر عن السعي إليهم ساعة من ليل أو ساعة من نهار؟!
ثم ينظر عمر فإذا جزيرة العرب كلها ترسل إليه من بقي فيها من الشيوخ والنساء والأطفال والعاجزين الذين لا يقدرون على شيء، والقادرين الذين لا يجدون شيئًا يقدرون عليه … هنالك ينهض عمر للقاء هذه الأزمة العنيفة الجائحة نهوض الرجل الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد بعده، ويحمل العبء كما لم يحمله أحد بعده، ويواجه الخطب مصممًا على أن ينفذ منه أو يموت من دونه مهما تكن الظروف؛ حتى أصبح عام الرمادة ذلك كنزًا من كنوز المسلمين، لا ينفد ولا يدركه الفناء. يجد المسلمون فيه من العبرة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة ما لا يمتنع عليه قلب له حظٌّ من رفق ولين، إلَّا أن يكون من تلك القلوب التي وصفها الله — عز وجل — بأنها قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة.
وقد بدأ عمر — رحمه الله — بنفسه في مقاومة هذا الخطب، فأبى إلَّا أن يكون رجلًا من المسلمين؛ يشقى كما يشقون، ويجوع كما يجوعون، ويظمأ كما يظمأون، ويشتد على نفسه وعلى أهله بمقدار ما تشتد الأزمة على أشد الناس فقرًا وبؤسًا. يفعل ذلك لأنه مؤمن قبل كل شيء بأن من الحق عليه لنفسه ولله وللناس أن يفعل ذلك، ثم يفعله لأنه مؤمن بأن من الحق عليه أن يعلِّم الناس كيف يكون التضامن والتعاون والتعاطف حين تنزل المحن وتلم الخطوب، فيأبى إلَّا أن يعيش كما يعيش أفقر الناس!
رأى المسلمين لا يجدون السمن إلَّا في مشقة وجهد؛ فحرم على نفسه السمن حتى تجده عامة الناس … وفرض على نفسه الزيت والخبز الجاف. فلمَّا ثقل عليه الزيت ظنَّ أنه إنْ طُبِخَ له فقد يكون أخف على معدته احتمالًا؛ فأمر أن يُطبَخ له الزيت، وأكله مطبوخًا فكان أوجع له وأعسر هضمًا، حتى تغيَّرَ لونه واسْوَدَّ وجهه وكان شديد البياض.
ثم جعل يطعم الناس على الموائد العامة، ويجلس معهم إلى هذه الموائد يأكل مما يأكلون منه، ثم أمر المنادين أن ينادوا في الناس: من شاء أن يُقْبِلَ على هذه الموائد فيأكل منها فليفعل، ومن شاء أن يُقْبِلَ على هذا الطعام فيأخذ منه حاجته وحاجة أهله ليأكل معهم فليفعل.
وكان يُشْرِفُ بنفسه على إعداد الطعام، وربما علَّم الطباخين كيف يطبخون. ولكن الأزمة تشتد وتشتد، وأهل البادية يُهرَعُون إلى المدينة، وكثيرٌ منهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من أماكنهم، قد هلك الزرع وجف الضرع ونفقت الماشية، وأصبح من الحق على الخليفة أن يدرك هؤلاء الناس في مواطنهم، ويحمل إليهم أرزاقهم ما داموا عاجزين عن السعي إلى هذه الأرزاق.
هنالك يكتب عمر إلى عمَّاله في الأقاليم يأمرهم بأن يرسلوا إليه الأمداد. واقرأ هذا الكتاب القصير الرائع الذي كتبه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص رحمه الله، وانظر إلى ما في هذا الكتاب القصير الرائع من عنف عنيف، ملؤه الرحمة الرحيمة والرفق الذي ليس بعده رفق: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أمَّا بَعْدُ، أفتراني هالكًا ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟! فيا غوثاه! يا غوثاه! … يا غوثاه!»
فلم يكد عمرو بن العاص — رحمه الله — يقرأ هذا الكتاب الذي يزجره فيه أمير المؤمنين أشد الزجر، حتى كتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، أمَّا بعد، أتاك الغوث؛ فلبث لبث! لأبعثن إليك بعيرًا أولها عندك وآخرها عندي …
ثم نهض عمرو في إرسال هذا الغوث برًّا وبحرًا، وكتب عمر إلى عمَّاله الآخرين في الشام والعراق، فكلهم صنع صنيع عامل مصر. ثم أرسل عمر رسله إلى حدود بلاد العرب مما يلي الشام والعراق ومصر، وأمرهم أن يتلقوا هذه المعونات، فيميلوا بها إلى أهل البادية في أماكنهم وأحيائهم ليطعموهم ويكسوهم ويسقوهم. وعزم على رسله هؤلاء ألَّا يضعفوا ولا يلينوا ولا يُفَرِّقوا ما في أيديهم من الطعام دون أن يتبينوا أنه صائر إلى بطون الجائعين، لا إلى خزائن المختزنين. وأشد من هذا روعة وأعظم من هذا إثارة للعبرة أن عمر — رحمه الله — كان يقول: «نطعم ما وجدنا أن نطعم، فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم من لا يجد إلى أن يأتي الله بالحَيَا.»
ومعنى ذلك أنه — رحمه الله — قد فتح بيت المال على مصراعيه، وأزمع أن يرزق الناس منه، حتى إذا لم يجد فيه شيئًا كلَّف كل أسرة غنية أن تطعم مثل عددها من الفقراء، يأخذهم بذلك بسلطان القانون والدين، حتى يأتي الله بالفرج.
وما قصصت عليك هذا كله لأرفه عليك بروائع التاريخ، أو لأطرفك بهذه النوادر البارعة من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح، وإنما نحن نحيا في أيام سُود، ليست أقل نكرًا — ولعلها أن تكون أشد نكرًا — من عام الرمادة ذاك!
فقد كان المسلمون في أيام عمر — وفي ذلك العام — يجدون الجوع والظمأ والعري، فأمَّا المصريون في هذا العام فإنهم يجدون الموت ويجدون المرض، ويجدون بعد الموت والمرض ما كان يجد العرب في عام الرمادة من الجوع والظمأ والعري.
ومن حقِّ المصريين الذين صُبَّ عليهم الوباء أن يُدفَع عنهم هذا الوباء وأن تُرَدَّ عنهم آثاره؛ فلا يكون منهم من يشكو الجوع والظمأ والعري، وهذا الحق واجبٌ على الدولة ما وجدت في خزائنها من المال ما يمكنها من ذلك. لا ينبغي أن تفكر في شيء حتى تفرغ من هذه المحنة، فإن لم تسعفها خزائنها؛ فمن الحق عليها أن تسلك الطريق التي أراد عمر أن يسلكها، وأن تفرض على القادرين رعاية العاجزين حتى يأتي الله بالفرج.
يجب أن تعلم الدولة — ويجب أن يعلم الموسرون — أن التصدق بالمال خير في أوقات الرخاء والدعة واللين، فإن اشتدت الشدة وأزمت الأزمة وألمَّ الوباء؛ فالتصدق واجب يفرضه العدل. فإن لم ينهض به الأفراد من تلقاء أنفسهم وجب على الدولة أن تأخذهم به أخذًا.
يجب على الدولة أن تعلم أن الله قد أمر أئمة المسلمين في أوقات الرخاء والدعة أن يأخذوا من الأغنياء ويردوا على الفقراء؛ حتى لا يبقى بين الناس جائع أو محروم. فإذا جد الجد، وألمَّت الكارثة؛ فحرام على الموسرين أن يطعموا وأن يشربوا وأن يكتسوا، حتى يطعم الجائعون ويشرب الظامئون ويكتسي العارون من المعسرين. وعلى الدولة أن تقوم على هذا كله بسلطان القانون، فإن لم تفعل فهي آثمة أشنع الإثم في ذات الله، وفي ذات الوطن، وفي ذات المواطنين.
هذه دروس ألقاها عمر بن الخطاب على الحاكمين والمحكومين في التضامن الاجتماعي الذي لا يقوم على الاشتراكية ولا على الشيوعية، وإنما يقوم على قول الله عز وجل: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ).
فهل نطمع في أن تسمع الدولة وفي أن يسمع الموسرون، وهل نطمع في أن تتذكر الدولة ويتذكر الموسرون، وهل نطمع في أن نُعفى وتُعفى الكرامة الإنسانية من طلبات الصدقات في الصحف إلى قوم يؤثرون الأموال على الوطن وعلى المواطنين؟!
إن من الحق على الدولة أن تعلِّم البخلاء كيف يكون الكرم والجُود بسلطان القانون إذا لم يصدر عن يقظة الضمائر وحياة النفوس …
Tag: الرفاه العام
-
تضامن | Solidarity
-
إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه | The People Have Rights That Must Be Rendered to Them
إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٠
قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.
ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.
ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.
وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.
وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.
ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.
ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.
قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.
قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟
قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.
قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.
فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.
ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.
ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.
وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.
وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.
قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:
ولو أني حبيت الخلد فردًالما أحبيت بالخلد انفرادافلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا
قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.
وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.
قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.
وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.
قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.
ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.
أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.
وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.
لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.
وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.
قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث.