حديث المساء: تنظيم
طه حسين
كوكب الشرق
٢٨ يناير ١٩٣٤
وليست وزارة حازمة، ولا مشبهة للحازمة إذا لم تنظم كل شيء تنظيمًا يمكنها أن تبسط سُلطانها
عليه؛ تخضعه لما تُريد.
ومن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ وزارتنا ينقصها الحزم من قريبٍ أو مِنْ بَعِيدٍ، ومن ذا الذي
يستطيع أن ينكر أنَّ وزارتنا حَازِمَةٌ من جميع أطرافها، ومن جميع جهاتها، يأتيها الحزم من كل
مكان، وينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟! حزم عنيف مخيف.
قد ذاقه الوزراء المُفوضون وذاقه الإنجليز من الرجل الطيب فعرفوا أنه مُرٌّ ممض، ليس إلى
احتماله من سبيل وذاقه أهل المنصورة، وأهل القليوبية من وزير الداخلية فعرفوا أنه ملتهب محرق.
وذاقه الأساتذة والمعلمون، والطلاب والتلاميذ من وزير التقاليد فعرفوا أنه منغص يبعث الكآبة في
النُّفوس، ويُدْمِي القلوب حزنًا وألمًا. وذاقه المستشارون الملكيون من وزير المالية، فعرفوا
أنه يُثير الغيظَ أَوَّل الأمر ويُثير الابتسام آخر الأمر، وأَنَّه مُرٌّ عذب وحامض حلو. وذاقه
السماسرة من وزير المالية فأحبوه وكرهوه وخافوه وطمعوا فيه؛ لذلك غضبوا ثم رضوا ثم غضبوا وهم
يترجحون الآن بين الغضب والرضا. يريدون أن تطول اللذة وتتصل الغبطة ويبقى الابتهاج. وذاقه
المحامون من وزير الحقانية فكانوا إليه نهمين، وبه كلفين، يتهالكون عليه كما تتهالك الطير على
الماء بعد عبور الصحراء، لا يذيقهم وزير الحقانية منه لونًا إلا استزادوه وطمعوا منه في لون
آخر. أنذرهم فاستعذبوا الإنذار، ولم يقنعوا به، ولم يروا فيه إلا مُقَدِّمةً كهذه المُقَدِّمات
التي تسبق الطعام لتوقظ الميل إليه والرَّغبة فيه؛ فألحوا على الوزير في أنْ يَزِيدهم فتفضل
عليهم بقانون.
ويظهر أن طعام الوزير لذيذ، وأنَّ المحامين جياع، فلم يكادوا يذوقون القانون حتى كلفوا بقانون
آخر، أو بقوانين أخرى. انظر إليهم يتلقَّون القانون فرحين به، يكاد الفرح أن يطير بهم في الجو،
ويبلغ بهم السماء. يجتمعون فيدرسون ثم يعلنون إنكارهم للقانون، وخلافهم له، وامْتِنَاعَهُم عن
تنفيذه، يَزْعُمون أنه مخالف للدستور، وأن لا طاعة لحاكم في مخالفة الدستور، ويصرون على أن يظل
مكرم لهم نقيبًا، وقد أمرت الوزارة أن لا يكون مكرم لهم نقيبًا، ويكلفون نقيبهم أن يعلن موقفهم
هذا إلى الوزارة، فيفعل النقيب لا مترددًا ولا مصطنعًا للأناة.
وأنا مُعْتَذِرٌ إلى المُحامين إن أعلنت لهم أني لا أفهم موقفهم هذا، كما يعلنونه وكما يريدون
أن يفهمه الناس، وإنما أَفْهَمُه على وجهه الصحيح. فهم لا يُنكرون القانون إلا طمعًا في قانون
آخر، وهم لا يعصون الوزير إلا ليحرضوه على أن يُلح عليهم بالتشريع؛ لأَنَّهُم قد ذاقوا لذة هذا
اللون من ألوان الاضطهاد.
فالوزير مصري، والمصري كريم بطبعه [لا يُسأل] إلا أَعطى ولا يدعى إلا أجاب. وقد سأل المحامون
فأعطاهم الوزير، والمحامون يجددون السؤال والوزير يستأنف لهم العطاء. فَهَذا مَجْلِسُ الوزراء
قد اجتمع أَمس، وهذه الصحف تُنْبِئنا صباح اليوم بأن الأريحية قد هزت وزير الحقانية، ثم انتقلت
هذه الهزة من الوزير إلى زُمَلَائِهِ، فإذا الأريحية تهز المجلس كله هزًّا، وإذا المجلس كله سخي
كريم مُتَأَهِّبٌ للعطاء، مُتَعَجِّلٌ لإرضاء السائلين.
طلب المحامون الأهليون قانونًا، فستجُودُ الوزارة بقانونين: أحدهما للمحامين الأهليين، والآخر
للمحامين الشرعيين؛ لأنَّ الوزارة لا تُريد أن تعطي فريقًا وتحرم فريقًا، لا تريد أن تطعم
المحامين الأهليين وتدع المحامين الشرعيين تحرق قلوبهم الغيرة، ويتلهب ريقهم قرمًا إلى ما يأكله
إخوانهم الأهليون. طلب المحامون الأهليون قانونًا فسيظفرون به غدًا أو بعد غد، وسيظفر بمثله
المحامون الشرعيون.
ولن تعطل النقابة الأهلية وحدها، بل ستعطل معها النقابة الشرعية؛ رفقًا بها، وإشفاقًا عليها،
فَمَاذَا تَصْنَعُ وحدها بالحياة بعد أنْ تسبقها أختها إلى الموت؟! ستعطل النقابتان إذن،
وستعطلان بقانون — نستغفر الله — بل بقانونين. والمحامون جياع، فليعجل الوزراء في تهيئة الطعام،
وإذن فليعد القانون — نستغفر الله — بل القانونان في سرعة لا تُشبهها سرعة، وليقرهما الوزراء
اليوم أو غدًا، وليعرضا على البرلمان ولينظرهما عَجِلًا، وليُقرهما ولتصدرهما الدولة، وليقدم
الطعام إلى هؤلاء المُحَامِين الجياع قبل آخر الأُسبوع. وقد زَعَمَ أَصْحَابُ السِّياسةِ أَنَّ
الحكم إنما هو البصر بعواقب الأمور، والاستعداد للغد، والتهيؤ للطوارئ. ووزارتنا بارعة في
الحكم، تحسن العلم بغدٍ كما تحسن العلم بأمس.
وهي تقدر أن المحامين لن يشبعوا، وأن القانونين الجديدين لن يُهَدِّئا من هذا الجُوع الذي
يحرِّقُ أَجْوَافهم تَحْريقًا؛ وهي لذلك تُهيئ لهم قانونًا جديدًا، يصدر بعد هذين القانونين فيه
تنظيم لشئونهم، وإصلاحٌ لأُمورهم، وردٌ لهم إلى الصواب. ويظهر أنَّ هذا القانون الذي يهيأ منذ
زمن طويل سيكون مُقنعًا مُغنيًا، لا يجوع المحامون بعده أبدًا، سيعلمهم كيف تكون الطاعة،
وسيعلمهم كيف يكون الإذعان. سيخرج أمورهم من أيدي عامتهم إلى أيدي خاصتهم، وسيخرج اختيار هذه
الخاصة من أيديهم إلى أيدٍ أُخْرَى أبصر منهم بالاختيار. سيردهم إلى ما رد إليه المِصْرِيِّون
جميعًا حين غير الدستور، فإنَّ الدِّيمُقراطية الجامحة قد أفسدت الشعب فلم يكن بُدٌّ من رده إلى
الاعتدال. وهذه الديمقراطية الجامحة قد أفسدت المُحامين فليس بد من ردهم الاعتدال. وهي قد أفسدت
الطلاب، فلا بد من إغلاق أنديتهم وحل اتحاداتهم وأخذهم بأندية جديدة واتحاد جديد، لا يعبث بها
جموح الديمقراطية.
أرأيتَ أن وزارتنا حازمة حقًّا، ينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟ في كلِّ
يوم قانون، وفي كل يوم نِظَام، لكل شيء قانون ولكل شيء نظام: قوانين للمُحامين، قوانين
للمُعلمين، قوانين للطلاب، قوانين لما شئت، وقوانين لما لم تشأ.
وما قيمة الوزارة إذا لم تُهيئ القوانين؟ وماذا يصنع البرلمان إذا لم يشرع القوانين؟ وماذا
تصنع الجريدة الرَّسمية إذا لم تنشر القوانين؟ وكيفَ يَعِيشُ المِصْرِيُّون إذا لم تنظم حياتهم
بالقوانين؟ ولكن ما رأي الوزارة في أن المحامين سيظلون جياعًا لن تشبعهم القوانين التي ستصدرها،
كما لم تشبعهم القوانين التي صدرت إلى الآن؛ لأنهم جياع إلى العدل والحق لا إلى النظم
والقوانين. ستصدر القوانين إثر القوانين إنْ طَالَ عمر الوزارة وسيلتهمها المحامون التهامًا
وسيكون سباق بين المحامين والوزارة، هذه تشرع وأولئك يلتهمون، وسنرى أيُّ الفَرِيقَينِ يعجز
صاحبه، أهي الوزارة التي ستضطر المحامين إلى التخمة، أم هم المحامون الذين سيضطرون الوزارة إلى
العجز والإفلاس؟
أما أنا فناصح للوزارة، مُخلص في النصح لها وأود لو تسمع لما أقدم إليها من النصح؛ لِتَدَع
التشريع فلن تقنع المحامين ولم تبلغ به منهم شيئًا. إنما السبيل أن تُحيل المحامين جميعًا إلى
مجلس التأديب فهم جميعًا مُسْتَحِقُّون للإحالة إلى مجلس التأديب؛ صدر الأمر إليهم فعصوه، وهبط
الوحي عليهم فخالفوه، وما جزاء من يعصي الأمر ويُخَالِفُ الوحي إلَّا أَنْ يُساق إلى مجلس
التأديب. وسيكون طريفًا حقًّا أن يُحَال المُحَامون جميعًا إلى مجلس التأديب، وسيكون في ذلك
اعتبار لمن لا يعتبرون، ووعظ لمن لا يتعظون، وتأديب لمن لا يتأدبون.
وسيبحث المحامون عمَّن يدافع عنهم أمام مجلس التأديب فلا يجدون، فيلتمسون المدافعين عنهم في
بلاد الشرق والغرب؛ وتنشط لذلك حركة التجارة. وسيعجز مجلس التأديب عن مُحاكمة هذه المئات
فيُعيَّن قضاة ومستشارون، وتشهد مصر حركة لم يشهدها بلد من قبل، ونشاطًا لا عهد به للأمم
والشعوب، وتقيم الوزارة للعالم كله دليلًا على أنَّ مِصْرَ النَّاهِضَةَ قد أصبحت في مُقدمة
البلاد الحيَّة تشق لها سُبُل الرُّقي وتقودها إلى الكمال، وعلى أنَّ الإنجليز غُلَاة قُسَاة
مُسرفون حين يضنون على مصر بالاستقلال، وعلى أنَّ الأجانب كلهم غلاة قساة مسرفون حين يترددون في
إلغاء الامتيازات.
اللهم إني مخلص فيما أقدم للوزارة من نصح، فاجعل وزارتنا من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه!
Tag: الرقابة البيروقراطية
-
في وزارة المعارف رشد وغي | At the Ministry of Education: Wisdom and Folly
في وزارة المعارف: رشد وغي
طه حسين
جريدة السياسة
١٧ يوليو ١٩٢٣
زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبِّره، فإذا فسد الرأس فسد الجسم، وإذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم أيضًا. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمة عامة وحديثًا معادًا. ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التي تديرها وتشرف عليها، فإذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمرًا نكرًا، وإذا اضطربت وزارة المعارف لم يَبْقَ معنى للعجب حين يضطرب التعليم. زعموا ذلك، وقالوه، وأكثروا من قوله؛ حتى أصبح حكمةً عامةً وحديثًا معادًا، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه.
صلاح المدارس والتعليم إذن رهينٌ بصلاح وزارة المعارف. وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ؟ الحق أنه يدل على معانٍ كثيرة، وأن هذه المعاني قد أخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف؛ فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الإصلاح وإلى ضروب مختلفة من الإصلاح لا بدَّ منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم.
ويظهر أننا نريد ذلك، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة.
إنما يُقدِّر على الإصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة إليه، فإذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الإصلاح ولا تشعر بالحاجة إليه؛ فهي عاجزة عنه غير منتهية إليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة. ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الأخيرة أنها لا تفهم الإصلاح، ولا تقدِّر حاجتنا إليه، ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الإصلاح.
نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة. فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعيينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف، وهي لم تحدث عبثًا، وإنما هناك رأي من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعيِّنوا وحين أرادوا أن ينقلوا، ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأي وعن هذه النظرية. وإن كان وزير المعارف كغيره من الوزراء إنما يعتمد في مثل هذه الأشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة. فهو مسئول رسميًّا، ولكن المسئولين حقًّا هم أولئك الأعوان والمشيرون. فما هذا الرأي؟ وما هذه النظرية؟ وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ أستطيع أن أقول إن مصلحة التعليم ومنفعة الأساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تُتخَذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين، بل صُودِرَتْ هذه المنفعة مصادرة ظاهرة.
نعم! لم تُراعَ مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف. فلو أن هذه المصلحة رُوعِيَتْ مراعاة قليلة لأُسْنِدَت المناصب إلى الأكفاء، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم.
ولكنَّا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين، ونقرأ مناصبهم، ونقارن بينهم وبين هذه المناصب؛ فلا نجد صلة ما، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية، لا نجد عملة فنية، وإنما نجد شيئًا واحدًا؛ هو إرادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف.
نريد أن يشعر المنقولون والمعيَّنون بأنَّا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها، وإنما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع في غير ما خُلِقَتْ له. فهؤلاء المنقولون والمُعيَّنون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجيء. وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية.
وُضِعَ صاحب العزة علي حافظ بك مراقبًا للتعليم الأولي، وليس لصاحب العزة علي حافظ بك من التجربة في أمر التعليم الأولي حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما اشتغل طول حياته العامة بأشياء أخرى غير التعليم الأولي. ووُضِعَ صاحب العزة عوض بك إبراهيم مساعدًا لمراقب التعليم الأولي، وليس أكثر حظًّا من صاحبه في تجربة التعليم الأولي وممارسة الإشراف عليه. ووُضِعَ المستر «روب» مراقبًا للتعليم الابتدائي، ولم يشتغل المستر «روب» في أمر التعليم الابتدائي بشيءٍ منذ جاء مصر. ووُضِعَ المستر «سمسون» مراقبًا للتعليم الثانوي، ولم يشتغل المستر «سمسون» بالتعليم الثانوي منذ وفد إلى وادي النيل، وإنما فتش على التعليم في السودان، وأدار مدرسة المعلمين العليا في مصر.
ولست أشك في أن هؤلاء الأساتذة جميعًا من الكفاية بحيث يُوفَّقون إن شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التي كلفتهم إياها وزارة المعارف، ولكنهم سيتعلمون هذه المهن إن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، بعد تجربة، بعد تردد، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب في أمر المدارس وفي أمر التعليم، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذي كان يجب ألَّا يضيع.
وهنا أسأل نفسي: ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبًا من المناصب إلى شخصٍ من الأشخاص؟ أتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذي يشغله أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يُسند إليه؟ فإن كانت الأولى، فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها، وإن كانت الثانية فهو الشر كل الشر؛ لأنه إضاعة للوقت وعبث بالمنفعة. فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلِّم رجالها كيف يديرون التعليم الأولي أو التعليم الثانوي أو الابتدائي؛ لأن ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره.
وهؤلاء الناس موجودون، قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه، ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره.
في وزارة المعارف رجال خبروا في التعليم الأولي، وداروه وأحسنوا البلاء في الإشراف عليه أعوامًا طوالًا، وفي وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما. ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم، ووضعت كفايتها المختلفة في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد زمن طويل أو قصير.
لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثًا، فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها. وسر وزارة المعارف واضح جلي لا يخفى على أحد، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة. وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصًا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة، من أشد الوزارات حرصًا على أن تختلف مصالحها وتتعدد، وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأسٌ واحد، وتديرها يدٌ واحدة. فإذا وُضِع في التعليم الأولي من يفهم التعليم الأولي، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائي، وفي التعليم الثانوي من يتقن الإشراف على التعليم الثانوي؛ تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد.
أوشك هؤلاء الأكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالًا تامًّا أو ناقصًا، وهذا شرٌّ. فوزارة المعارف تريد المركزية، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها، فإذا تمَّ لهم تبوُّء هذه المناصب أدركتهم الحيرة في أمورهم، واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية في الدقيق والجليل من أعمالهم. وإذن؛ فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على أطراف الوزارة في كل فن من فنون الإدارة، وفي كل لون من ألوان التعليم.
النظرية في نفسها معقولة منتجة، ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تُتخَذ أصلًا في وزارة المعارف. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقتل الكفايات العلمية، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا في قتلها. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تستذل المشرفين على التعليم، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحرارًا. خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تقيم التعليم في مصر على سلطة الفرد، ومصلحة مصر — ولا سيما في عهد الاستقلال والدستور — أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية. ثم خطرة شديدة الخطر؛ لأنها تشعر المعلمين جميعًا بأنهم خاضعون لسلطان الفرد وتحكم الفرد. فما أسرع ما تفسد الأخلاق! وما أسرع ما تنمحي الشخصيات! وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مُسخَّرة لا رءوسًا مفكرة! وحسبك بهذا شرًّا على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر.
هذه نظرية المركزية وآثارها في وزارة المعارف، وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا، قابلة للبحث والمناقشة، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل في وزارة المعارف، وأكره أن أسمِّيها لأني أحب أن أجلَّ وزارة العلم والتعليم عن أن تُضاف إليها هذه النظرية. لا أسمِّيها إذن، وأترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيءٍ قليل من آثارها فيما حدث في هذه الأيام الأخيرة من نقل وتعيين.
في مصر مدارس ثانوية، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها، فبلوها وأحسنوا إدارتها، وكان من المعقول أن تُسنَد إليهم نظارة هذه المدارس، وأن يُرقَّى نظَّار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية، حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة أعوامًا فجرَّبوها وأحسنوا التصرف فيها؛ رُقُّوا إلى نظارة المدارس الثانوية. هذا هو المعقول الملائم للمصلحة، لمصلحة الأساتذة والتلاميذ والنظَّار والوكلاء والتعليم بوجه عام. ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيءٌ آخر، فهناك مدارس ثانوية رُقِّيَ إلى نظارتها نظَّار مدارس ابتدائية ليس لهم في التعليم الثانوي تجربة ولا بلاء.
ويُقال في هذه الترقية ما يُقال، ولكني لا أحفل بما يُقال، وإنما أحفل بالنظريات الفنية نفسها، وهي متشابهة في ديوان المعارف وفي مدارس المعارف. تدور حول شيءٍ واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلَّا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير، ونتيجة هذا ظاهرة؛ وهي اضطراب الأمر وفساده، وتعرض التعليم في نفسه لألوان العبث وضروب الخطر.
أفيرى وزير المعارف في هذا رشدًا؟! أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟! أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه إن تكن في مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وأن تستثمر الكفايات في عدل وفي إنصاف، وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين؟!
نقول: إذا كانت هناك وزارة خليقة بهذا كله، فهي وزارة المعارف التي وكِّل إليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر.