إلى مجلس الشيوخ
طه حسين
النداء
٣٠ مارس ١٩٤٨
يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:
قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.
فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.
فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.
ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.
والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.
من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.
وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.
والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.
نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.
ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.
فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.
فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.
بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.
والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.
فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.
وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.
فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»
فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!
Tag: الرقابة التشريعية
-
إلى مجلس الشيوخ | To the Senate
-
غرابيل٢ | Sieves 2
حديث الوادي
غرابيل…
لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.
ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.
كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.
وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.
فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.
فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.
كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.
وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.
وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.
وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.
ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.
وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ . -
رجوع | Retreat
حديث الوادي
رجوع …
يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
. طه حسين
الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ . -
حماية (١) | Protection (1)
حديث المساء: حماية (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٧ فبراير ١٩٣٤
ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.
وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.
ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.
والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.
ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.
ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.
وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.
أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب!