Tag: السيادة المصرية

  • قرار | Decision

    قرار
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ يناير ١٩٥٧

    كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ).
    وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.
    وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.
    ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
    وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.
    فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.
    وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.
    كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.
    وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.
    فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.
    فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء.

  • دهماء | The Rabble

    دهماء

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ فبراير ١٩٤٦

    في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.

    ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.

    وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.

    ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.

    ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.

    الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.

    وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.

    وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.

    وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.

    فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.

    وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.

    من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.

    أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.

    والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.

    كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.

  • الى أين | To Where?

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.

  • أسرار | Secrets

    حديث الوادي
    أسرار

    يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن، فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معاً. بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع، فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معاً. ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ، ولا مسرف، إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلاً تاماً، كأنها لا تعنيه، ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قوماً آخرين، ليس بينهم وبينه صلة أو سبب. فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شؤون الشعب المصري، بل حول شؤونه الدقيقة بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشؤون شيئاً، ولا يتبين منها قليلاً أو كثيراً.

    يقال له إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيأون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما ينتدب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعداداً للطوارئ، وانتظاراً للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئاً، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظاماً يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تبرم أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

    ومع هذا فالإنجليز يتهيأون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند، وهي إذن ستطرأ في مصر وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيأوا لها كما يتهيأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها، كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تكتم حتى على أصحابها، ويجب أن تخفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

    هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال إنه عصر حرية ونور وأن أمور الشعوب فيه لا تدبر من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال إن له نظاماً دستورياً، يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم إلا في بلد يسخر أهله للسلطان تسخيراً، ويحرم أهله الحرية حرماناً، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين، كما ينظر الرعاة إلى القطعان، يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها، لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

    هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب، فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون لا ينبغي لأحد أن يسألهم عما يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات، فقد ينبغي أن لا يجهل أمره ولا تكتم دونه الأسرار، ولا يقال له إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جساماً قد تحدث، ونوائب عظاماً قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها، ويتهيأ لها فنم أنت واغرق في النوم، وكل أنت وأسرف في الأكل، واستمتع أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يصب عليك من هم، وعش أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

    ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال وألح في تعرف الحقائق قيل له إن مندوب الإنجليز يزور الحدود فسأل عن زيارة الحدود هذه ما أصلها وما سرها، وما معناها، وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون، ولم تكون، وبأي حق تكون؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدين العام، وأمر المحاكم المختلطة، والامتيازات، دون الوزارة المصرية التي أنشئت لتعالج هذه المسائل لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك وألح في الالتماس، ولكن أحداً لم يجبه، ولكن أحداً لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

    فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن الوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعباً ضخماً كالشعب المصري يجهل أدق شؤونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

    كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائراً يسأل نفسه ويسأل الناس، عن مرافقه وعما يراد بها، وعن حقوقه وعما يدبر لها وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك أن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

    من الذي يستطيع أن يزعم أن شؤون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا راد لما يريدون.

    ألم يأن لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين فيرى الشعب المصري ما يراد به وما يكاد له، ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز، ولا الوزارة ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ وما قد يعرض من المفاجآت؟

    طه حسين
    الوادي، ٢٧/٨/ ١٩٣٤.

  • تفتيش | Inspection

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.

  • تسليم | Compliance

    حديث الوادي

    تسليم…

    أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء. وألحت الصحف في إذاعة هذا النبأ وطلبت إلى الوزارة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وألحت في هذا الطلب أيضًا.

    ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب لم يغنيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.

    هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه. ثم أخذ بعضها يتحدث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة: ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف، ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.

    ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم. وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة، لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها، إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحب أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمس الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية. لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير. ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي، تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتبيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.
    فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص، هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبين لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شؤون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فرد أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟

    الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة. فأما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية، واحتفاظًا سلبيًا بالكرامة. وإما أن تحول هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.

    هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيفه الإنجليز.

    ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر، فنحن مستقلون ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يرد وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟

    إن الأمر خطير حقًا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحب أن نعلم: أحقًا أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شؤون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟

    فإن كان هذا حقًا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري. وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشؤون المصرية الخالصة.

    وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها. فلتبين لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شر إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.

    أما بعد، فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصر في القيام به، وهو أن تلح وتلح حتى تحمل الوزارة على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

  • عاصفة … | A Storm…

    حديث المساء: عاصفة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ أبريل ١٩٣٤

    ليست هذه التي ثارت عنيفة يوم الأحد فأفسدت الجو، وجعلت التنفس فيه شاقًّا عسيرًا؛ فإن ثورة الريح مهما يبلغ بها العنف تنتهي إلى الهدوء، كما أن الجو مهما يبلغ من الفساد ينتهي إلى الصلاح، ثم يستطيع الناس أن يستأنفوا حركتهم ونشاطهم، وأن يتنفسوا ملء رئاتهم لا يضيقون بشيء، ولا يشفقون من شيء، ولا يُحرَمُون لذة الهواء الطلق النقي.

    وليست هي هذه العاصفة التي أثارتها الوزارة فجأة حول استبدال المعاشات؛ فزادت بها الجو السياسي فسادًا إلى فساد، وأضافت بها في قلوب الناس شكًّا إلى شك، وأفسدت بها رأي الناس في الحكم وفي فريق ضخم من الحاكمين؛ فليس في هذه العاصفة شيء جديد، وقد كان الناس يعلمون من أمرها أكثر مما تظن الوزارة ومما كشفت لجنة التحقيق.

    وليست هذه العاصفة هي الوحيدة من نوعها، فهناك عواصف أخرى شديدة هوجاء، ليست أقل منها شرًّا ولا نكرًا، قد أُثِيْرَتْ وقد تُثَار، والمصريون يألفون هذه العواصف فيحتملون شرها، سواء أرضاهم ذلك أم لم يرضهم؛ لأنهم يعلمون أنها ملائمة لطبيعة الأشياء في هذه الحياة السوداء التي يحيونها، وفي ظل هذا العهد السعيد الذي يقاسون فيه عبث المصريين وتحكم الإنجليز!

    وإنما هي هذه العاصفة التي أثيرت منذ حين حول موقف القضاة المصريين في المحاكم المختلطة من زملائهم الأجانب، وموقف هؤلاء الزملاء منهم؛ فهذه العاصفة شر كلها لا تثير غبارًا ولا هباء في الجو، وإنما تثير سُمًّا خطرًا مفسدًا أقبح الفساد لهذه الصلات القائمة بين الأجانب والمصريين عامة، والتي يحرص الأجانب — فيما يقولون — على أن تكون صفوًا كلها، ونحرص نحن — من غير شك — على أن تكون بريئة من كل فساد.

    هذه العاصفة خطرة حقًّا. كنا نود لو فكَّر فيها الأجانب وقدَّروها حق قدرها، وعنوا بتَبيُّن الآثار السيئة التي قد تنتهي إليها، وما زلنا نود لو فعلوا ذلك، وفعلوه في رَوِيَّةٍ وأَنَاة وإخلاص؛ فإن أعراض الحياة التي تعرض، وحوادث الحياة التي تطرأ لا ينبغي أن تشغلهم عن الحياة نفسها، وعن قوام العلاقات التي يجب أن تكون بينهم وبين المصريين.

    ومن الخطأ الشنيع أن يعتمد الأجانب على حسن الصلات الرسمية بين الحكومة المصرية والحكومات الأخرى، أو أن يعتمد الأجانب على ما قد يظفرون به بين حين وحين من انحياز بعض الوزارات المصرية إليهم، وتعصبها لهم، وإيثارها إياهم بالمودة والبر، وتقديمها إياهم على المصريين، أو أن يعتمد الأجانب على هذه الحياة الظاهرة التي ينظمها القانون، ويحمي فيها بعض الناس من بعض، ويرد فيها شر بعض الناس عن بعض، ويكفل فيها الإنصاف الرسمي لمن اعتُدي عليه أو أصابه الشر؛ فكل هذه الأشياء لا تصور إلا ظاهرًا من الحياة، ولا تغني عن حقيقة الأمر شيئًا.

    وحقيقة الأمر هي أن حياة الأجانب في أي بلد من البلاد لا تفيد أصحابها ولا تنفعهم، ولا تكفل لهم الراحة الصحيحة والقدرة على تحقيق المنافع المتصلة، إلا إذا اعتمدت على صلات صافية نقية، قوامها الحب والاحترام بين الأجانب وأهل البلد الذي ينزلون به ويقيمون فيه.

    والأجانب يوافقوننا من غير شك على أن هذه العاصفة الأخيرة التي أثيرت حول القضاة، حول المصريين والأجانب في المحاكم المختلطة، خليقة أن تنشئ بينهم وبيننا جوًّا سيئًا كل السوء، لا خير فيه، ولا أمل في أن ينتهي إلى خير؛ فالمصريون يطمعون في أيسر ما يطمع فيه كل شعب متحضر حر، وهم يعتقدون أنهم أهل للحضارة والحرية، وهم يريدون أن يكونوا سادة في بلادهم، لا يؤذون أحدًا، ولا يؤذيهم أحد، يكرمون نزلاءهم بشرط أن يكرمهم هؤلاء النزلاء.

    والمصريون يؤمنون إيمانًا قويًّا جدًّا أقوى ألف مرة ومرة مما يظن الأجانب، بأن قد انقضت تلك العهود التي كان المصري يقبل فيها أن يُسَامَ الضيم في بلده، أو يحتمل الخسف من الطارئين عليه. وكان من المعقول أن يلاحظ الأجانب هذا التطور الذي طرأ على حياة المصريين؛ بل أن يلاحظوا هذه الثورة التي غيرت نفوس المصريين تغييرًا، وأقنعتهم بأنهم ناس كغيرهم من الناس لا يرضون لأنفسهم من أحد ما لا يرضاه الناس منهم.

    والأجانب إن فعلوا ذلك أراحوا أنفسهم، وأراحوا المصريين من هذا العناء الثقيل الذي يحتملونه في هذه الأيام، ومن هذا الشر العظيم الذي تتعرض له علاقاتهم في هذه العهود السود، والأجانب إذ خلوا إلى أنفسهم، ونزلوا بعض الشيء عن كبريائهم، وآمنوا في مصر بما يؤمنون به في بلادهم من أصول الحق والعدل والمساواة، يعتقدون أن هذه العاصفة التي تهز المحاكم المختلطة الآن لا تقوم على إيثارهم للعدل، أو حرصهم على الحق، أو إيمانهم بالمساواة، أو تقديرهم لكرامة المصريين.

    فالقضاة الأجانب في المحاكم المختلطة يعترفون بفضل زملائهم المصريين وكفايتهم، ويسجلون ذلك في محضر الجمعية العمومية، ويكتبه رئيسهم إلى الوزارة المصرية، وليس في نظام المحاكم المختلطة وقوانينها ما يحول بين هؤلاء القضاة المصريين — الذين لا يشك أحد في فضلهم وكفايتهم — وبين رياسة الدوائر، ولكن هؤلاء القضاة المصريين — على هذا كله — لا يُخَلَّى بينهم وبين هذا الحق، وإنما يُرَدُّون عنه ردًّا، ويُصْرَفُون عنه صرفًا عنيفًا؛ فإذا أنكروا ذلك وطالبوا بحقهم، وأقرهم وزير الحقانية على ما طلبوا، لم يلقوا إلا الرد العنيف، والصرف الذي لا رفق فيه ولا مجاملة، والإنذار بمجالس التأديب إذا لم يستردوا طلبهم —إن صح ما نشرت الصحف من الأنباء.

    ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يكتب الوزير إلى الجمعية العمومية مؤيدًا وجهة نظر هؤلاء القضاة، معتمدًا في تأييده على الحق والعدل والقانون، ويعلن ذلك في البرلمان؛ ليهدئ الناس، وليلقي في روع المصريين أن ليس على كرامتهم بأس، فإذا فعل ذلك تلقى من رئيس محكمة الاستئناف المختلطة — إن صح ما نشرت الصحف — كتابًا شديدًا قاسيًا، لا ينبغي أن يصدر من رئيس محكمة إلى وزير، فيه دروس تُعِلِّم الوزير — في رأي صاحبها — كيف يعالج مثل هذه المسائل، وتلفت الوزير إلى أن من الخطأ التعرض لمثل هذه المسائل في البرلمان، أو في الصحف.

    ومعنى هذا أن المصريين — وزارة وبرلمانًا وصحافة وشعبًا — لا ينبغي لهم أن يعرضوا لمثل هذه المسائل، أو يعلنوا لأنفسهم فيها رأيًا، أو يظهروا إنكارهم — إن أحسوا ما ينبغي أن ينكروه — فإن فعلوا ذلك أدركهم اللوم، وأُلْقِيَتْ عليهم الدروس من رجل مهما تكن مكانته عالية، ومهما يكن منصبه ساميًا؛ فهو موظف مصري؛ ينبغي أن يرعى للمصريين حرمتهم وكرامتهم، وحقهم المقدس في أن يكونوا سادة في بلادهم.

    نظن أن الأجانب إن خلوا إلى أنفسهم، وفكروا في هذا كله لم يسعهم إلا أن يشاركونا في الأسف لهذه العاصفة الهوجاء، التي ما كان ينبغي أن تُثَار، والتي ما كان ينبغي أن تدفع الأمور إلى هذا الحرج، والتي ما كان ينبغي أن تعرض الصلات بينهم وبيننا لهذا الفساد. وإنه لمن المؤلم حقًّا أن ينظر المصريون إلى أي ناحية من نواحي الحياة المصرية فلا يكادون يخطون خطوة إلى تحقيق أمل من آمالهم، أو منفعة من منافعهم، إلا رأوا عقابًا وصعابًا ومشاكل وأهوالًا قوامها: الأجانب، ومصالح الأجانب، وامتيازات الأجانب، وقيام الإنجليز دون مصالح الأجانب، يزعمون لأنفسهمم حمايتها، ويتخذونها وسيلة لمحاربة المصريين، وإقامة العقبات بينهم وبين ما يريدون من الحرية والاستقلال.

    هذا كثير، وليس من شأنه أن يحقق ما ينبغي من التعاون الصادق بين المصريين والأجانب، بل ليس من شأنه إلا أن يزيد الهُوَّةَ بينهم بعدًا، والخلاف بينهم شدة، ويملأ القلوب بما لا ينبغي أن تمتلئ به من الشك والريبة وسوء الظن.

    أما بعد، فالأجانب أحرار بالطبع في أن يُقدِّروا أو لا يُقدِّروا هذه الأمور التي ندعوهم إلى التفكير فيها، ولكن من الحق عليهم أن يعلموا أن المصريين يقدرون هذا حق قدره، وأنهم مصممون على أن ينكروا كل اعتداء على حقوقهم، وكل امتهان لكرامتهم، وكل انتهاك لحرماتهم، مهما يكن مصدره، ومهما تكن النتائج التي ينتهون إليها حين يذودون عن الحق والكرامة والحرمات.

    أما بعد، فإن المصريين قد رأوا موقف الجمعية العمومية في المحاكم المختلطة، وما يقال عن مسلك رئيسها مع القضاة المصريين ومع الوزير، وعن رأيه في الصحافة والبرلمان، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الوزارة من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف البرلمان من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الصحافة من هذا كله.

    وهم ينكرون أشد الإنكار أن تُلْقَى عليهم مثل هذه الدروس مهما يكن الأساتذة الذين يُلقونها، وهم يُلحُّون أشد الإلحاح في أن يستمتع القضاة المصريون بالمساواة بينهم وبين زملائهم الأجانب، وهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف يُطلَب إلى القاضي المصري أن يحقق المساواة بين الناس إذا لم يظفر هو بحقه في المساواة.

  • حماية (٣) | Protection (3)

    حديث المساء: حماية (٣)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣ مارس ١٩٣٤

    إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.

    فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.

    ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.

    نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.

    ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.

    وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.

    ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.

    والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.

    كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.

    لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.

    والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.

    وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.

    ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.

    إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.

    ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام.