Tag: السيادة

  • إذن

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

  • حزم

    حزم
    أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
    ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
    فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
    هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
    جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
    ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
    أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
    نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
    يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
    لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
    أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
    كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣

  • علاج

    علاج
    وأخيرا بحثت الوزارة فأطالت البحث ، ونقبت الوزارة فأكثرت التنقيب ، ثم هداها الله بعد الجهد الطويل والعناء الثقيل والإشفاق من سوء العاقبة وانتقاض الأمر عليها وفساد الصلة بين المصريين والأجانب عامة ، وبين المصريين والمبشرين بنوع خاص ، إلى شيء من الشجاعة يسير نهضت به لمعالجة التبشير ، فنفت مبشرة أجنبية من الأرض ، والله يعلم أنفتها نفيا مؤقتا يكون بعده رجوع قريب ؟ أم نفتها نفيا متصلا لا رجعة بعده ولا إياب ؟
    ولكنها نفتها على كل حال ، ووقفت مع المبشرين عند هذا الحد الذي لا تستطيع فيما يظهر أن تتجاوزه إلى أبعد منه . ثم بحثت وأطالت البحث ونقبت وأكثرت من التنقيب ، وهداها الله إلى شيء من الكرم والجود على المصريين بعد الإسراف في الكرم والجود على الأجانب ، فقررت أن تستنقذ الفتيات المسلمات من مدرسة التبشير في بورسعيد لتضمهن إلى مدارسها وملاجئها ، وإلى مدارس المسلمين وملاجئهم . وهذا حسن من غير شك ، بشرط ألا يكون من لهو الحديث ولا من هذه الوعود التي يقصد بها إلى التلهية والتسلية ، وإلى تهدئة الخواطر وتخدير الأعصاب كما يقولون . ومن المحقق أن الناس ينتظرون من الوزارة أن يكون برها بهذا الوعد صادقا ، لا التواء فيه ، سريعا لا إبطاء به . وهم يتمنون ألا يؤجل اعتماد هذا المقدار الذي وعدت الحكومة به أمس إلى الدورة البرلمانية المقبلة ، فإن شدة القيظ توشك أن تذيب هذا الوعد إن طال به الانتظار. وآية ذلك أن الإنجليز أشفقوا على اعتماد جيل الأولياء أن يذيبه الصيف ، فتعجلوا الحكومة في أن تمضيه لهم إمضاء ، وتختطفه لهم من المجلسين اختطافا . وآية ذلك أيضا أن الشركة الأمريكية التي تمهد لخزان تسنا أشفقَت على الخمسين ألفا أن يذيبها الصيف ، فتعجلت الحكومة في الإمضاء والوفاء . والحكومة تتعجل هذا المقدار ما وسعها التعجل ، ويقال — ولعل ما يقال أن يكون كذبا ، ولكنه يقال على كل حال — إن الحكومة قدمت الإمضاء على كل إجراء ، ودفعت خمسين ألفا قبل أن يأذن لها البرلمان في هذا الأداء . فالناس يتعجلون الاعتمادات المالية في هذه الأيام مخافة أن يذيبها حر الصيف أو يصيبها الحيف ، ومن حق المصريين أن يتعجلوا هذه الآلاف السبعين التي وعد بها وزير الداخلية أمس ، وأن يروا أمر هذا الاعتماد يسلك طريقه القانونية مسرعا ، أو ما شئت من الوزارات تنشئ هذه المدارس الموعودة ليكون الأمر عملا لا قولا ، وجدا لا هزلا ، وليخلص من المبشرين وإغرائهم عدد مهما يكن قليلا فهو مصري يحب أن يخلص لمصر وللإسلام .
    وما زلنا ننتظر قبل أن نصدق حتى يكون الوفاء ، فالوعد كثير والكلام يسير ، والحمد أكثر والثناء أيسر ، ولكن البر والتنفيذ هما اللذان يجب أن نرجوهما ، ولا نصدق حتى نظفر بهما .
    وبعد هذا كله نستأذن الوزارة في أن نلفتها إلى أن ما اتخذت من إجراء إلى الآن ، مهما يكن حسنا منتجا ، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون علاجا صحيحا مغنيا لهذه المشكلة الثقيلة ، مشكلة التبشير والمبشرين . فمهما تنف الحكومة من المبشرين والمبشرات فلن تستطيع أن تغلو في ذلك ، فسيكون خطر عظيم. وهناك تعليم حر ينشره قوم من رجال الدين الأجانب على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ، يقصدون به في ظاهر الأمر إلى التعليم والتثقيف ، وهو من هذه الناحية نافع حقا ، مفيد حقا ، ولكنه لا يقف عند التعليم والتثقيف ، وإنما يشارك التعليم الأجنبي في إضعاف القومية المصرية وبسط النفوذ الأجنبي ، ويتفرد بدعاية دينية ظاهرة أو خفية ، مقصودة أو غير مقصودة ، لها في الشعور الديني للأطفال أثر بعيد . فلابد إذن من أن تنهض الدولة بمراقبة هذه الأنواع المختلفة من التعليم لتعصم الأخلاق والقومية والدين من هذا الفساد الذي يسعى إليها سعيا قويا ملحا لا أناة فيه . وقد همت الوزارة القائمة بإصدار تشريع يمكنها من مراقبة التعليم الحر ، وجدت في ذلك حتى هيأت مشروع القانون وأذاعته في الناس لتعرف رأيهم ، لكنها سكتت عنه فجأة ، وانصرفت عن المضي فيه لأسباب غير ظاهرة . وأكبر الظن أنها لم تفكر حين وضعت هذا التشريع ، أو وجدت في إصداره إلا في شيء واحد سياسي ، هو بسط سلطانها على المدارس الحرة المصرية . فقيض الله لها من أشار عليها أن تبسط سلطان هذا القانون على المدارس المصرية والأجنبية ، وهناك كفت عنه وأهملته إهمالا ، وآثرت أن تترك هذا القانون على أن تقف من الأجانب موقفا لا يرضونه . وأنت تعلم مقدار ما أظهرته وزارتنا القائمة من الحرص على رضى الأجانب منذ نهضت بأعباء الحكم .
    مهما يكن من شيء فإن العلاج الصحيح لأمر المبشرين إنما هو في إخضاع مدارسهم ومدارس غيرهم من الأجانب للمراقبة المصرية الدقيقة ، بحيث يستطيع المفتشون المصريون أن يختلفوا إليها ويستمعوا لما يلقى فيها ، ويمتحنوا تلاميذها ويسألوهم عما يسمعون ، وعما يفعلون ، فإن أحسوا من بعض هذه المدارس خروجا بالتعليم عما يلائم منفعة مصر وحاجتها وكرامتها ودينها أذنوا وزارة المعارف بهذا الخروج ، وأنفذت وزارة المعارف في هذه المدارس حكم القانون .
    على هذا النحو ، وعلى هذا النحو وحده تأمن مصر ناحية من أخطر النواحي التي يسلكها الأجانب سواء منهم المبشرون وغير المبشرين إلى نفوس التلاميذ والطلاب . فلتتشجع الحكومة أو ليتشجع البرلمان أو لتتشجع الحكومة والبرلمان جميعا ، وليصدر هذا القانون ، فهو إن صدر أراح المصريين وأراح الأجانب أيضا . هو يريح المصريين لأنه يكف عنهم كثيرا من الشر ، وهو يريح الأجانب لأنه يحميهم من سوء ظن المصريين فيهم ، ويقيم الصلة بينهم وبين المصريين في التعليم على أساس من المودة والصفاء والتعاون القيم الذي لا ريبة فيه .
    ولكن أتظن الوزارة القائمة تجرؤ على إصدار هذا القانون ؟ أتظنها تستطيع أن تتقدم إلى الأجانب أصحاب الامتيازات تطلب منهم أن يخضعوا مدارسهم لمراقبتها وتفتيشها ؟ هذا عدل من غير شك ، هذا شيء من أوليات السيادة القومية والاستقلال الطبيعي ، ولكن العدل شيء وإقرار العدل شيء آخر . وإذا عجزت وزارة عن أن تقر العدل بين المصريين الذين لا يمتاز بعضهم من بعض أمام القانون ، فماذا تظنها تصنع بالقياس إلى الأجانب الذين يعتصمون بالامتيازات ويحتمون بما لبلادهم من بأس وسلطان ؟
    اللهم إن كل محاولة لإقصاء المبشرين لا قيمة لها ولا غناء فيها ما دامت معاهدهم حرة طليقة لا تستطيع الحكومة أن تدخلها أو تراقبها أو تصل إليها إلا بعد أن يقع فيها الشر ويصبح أمرا لا سبيل إلى تداركه أو منعه من الوقوع .
    كوكب الشرق ١٥\٠٦\١٩٣٣