في وزارة المعارف: حركة الإصلاح
طه حسين
جريدة السياسة
١٠ أكتوبر ١٩٢٣
أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.
اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.
ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.
بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.
وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.
اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.
على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟
Tag: السياسة التربوية
-
في وزارة المعارف حركة الإصلاح | At the Ministry of Education: A Movement for Reform
-
العبث بالعلم والتعليم والمعلمين | Tampering with Learning, Education, and Teachers

في وِزَارَةِ المَعَارِفِ العَبَثُ بِالعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالمُعَلِّمِينَ
نَكْتُبُ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لِأَنَّنَا نَنْتَظِرُ الخَيْرَ العَاجِلَ مِمَّا نَكْتُبُ، فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ العَاجِلِ، مُقْتَنِعُونَ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلَ وَأَنَّ الأَرْضَ قَدْ تَنْدَكَّ مِنْ حَوْلِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ وِزَارَةُ المَعَارِفِ بِشَيْءٍ أَوْ تَحْفِلَ بِشَيْءٍ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. ذَلِكَ لِأَنَّ وَزِيرَ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ بِهَذِهِ الحَوَادِثِ الجِسَامِ وَالنَّكَبَاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنَالُ مِصْرَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ، هُوَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ بِمَا يُدَبَّرُ فِي مَجْلِسِ الوُزَرَاءِ مِنْ تَصْمِيمَاتٍ وَتَعْوِيضَاتٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ إِلَى آخِرِ هَذِهِ القَوَانِينِ المُخْتَلِفَةِ، هُوَ فِي شُغْلٍ بِالسِّيَاسَةِ عَنِ التَّعْلِيمِ. وَلَسْتُ أَقُولُ هَذَا مُتَحَلِّلًا لَهُ أَوْ مُتَكَلِّفًا إِيَّاهُ، وَلَكِنِّي أَذْكُرُ إِنِّي تَحَدَّثْتُ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فِي مُرَاقَبَةِ المَدَارِسِ الحُرَّةِ أَجَابَنِي بِأَنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ، وَلَكِنَّ الوِزَارَةَ الآنَ فِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ… وَأَذْكُرُ إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ فَطِنًا وَلَا حُسْنَ الرِّعَايَةِ لِمُقْتَضَى الحَالِ… فَسَأَلْتُ وَزِيرَ المَعَارِفِ: وَمَا شَأْنُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِيمَا يَقَعُ فِي مِصْرَ مِمَّا لَا يَمَسُّ التَّعْلِيمَ؟ فَأَجَابَنِي الوَزِيرُ فِي لُطْفٍ وَسُخْرِيَةٍ وَشَيْءٍ مِنَ الغَضَبِ قَلِيلٍ: أَظُنُّ أَنَّ لِوَزِيرِ المَعَارِفِ صِلَةً بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ!
نَعَمْ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا فِي هَذَا الجَوَابِ. فَلَهُ صِلَةٌ بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَمَجْلِسُ الوُزَرَاءِ فِي شُغْلٍ عَنِ التَّعْلِيمِ وَمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيمَ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِينَ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا تُوَجِّهُ أَمْوَالَ الدَّوْلَةِ إِلَى وَجْهٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ التَّعْلِيمُ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا. فَلَيْسَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ مَحْصُورَةً فِي شَخْصِ الوَزِيرِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الفَنِّيُّونَ وَالمُشْرِفُونَ وَالمُدِيرُونَ لِأُمُورِ التَّعْلِيمِ. وَهَؤُلَاءِ مَقْصُورَةٌ جُهُودُهُمْ عَلَى التَّعْلِيمِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ بِالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ وَأَخْطَارِهَا. فَإِذَا شُغِلَ وَزِيرُ المَعَارِفِ عَنِ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ لِرِجَالِ المَعَارِفِ أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنِ التَّعْلِيمِ. وَفِي الحَقِّ أَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ لَيْسُوا مَشْغُولِينَ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ، وَيُفَكِّرُونَ فِيهِ، وَيَعْمَلُونَ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّحَى فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ تَدُورُ إِلَى الشِّمَالِ لَا إِلَى اليَمِينِ، فَتَسْمَعُ لَهَا جَعْجَعَةً وَلَا تَرَى طَحْنًا. نَعَمْ، رِجَالُ المَعَارِفِ يَشْتَغِلُونَ بِالتَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. لِأَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ قَدْ أُخِذُوا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العَمَلِ وَالتَّفْكِيرِ، هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ. قَدْ أَلِفُوا سِيَاسَةً تَعْلِيمِيَّةً خَاصَّةً وَضَعَهَا «دَنلُوب»، فَلَيْسَ مِنَ اليَسِيرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَيْسَ مِنَ المُتَاحِ لَهُمْ، أَنْ يَتَبَدَّلُوا مِنْ هَذِهِ السِّيَاسَةِ سِيَاسَةً أُخْرَى، مَهْمَا تَتَبَدَّلِ الظُّرُوفُ وَتَتَغَيَّرِ الأَحْوَالُ، وَمَهْمَا يَقْتَضِ اسْتِقْلَالُ مِصْرَ وَدُسْتُورُ مِصْرَ أَنْ يَقُومَ التَّعْلِيمُ عَلَى أَسَاسِ الاسْتِقْلَالِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ الاسْتِعْمَارِ وَالاسْتِبْدَادِ.
وَزِيرُ المَعَارِفِ مَشْغُولٌ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَرِجَالُ المَعَارِفِ قَاصِرُونَ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا التَّعْلِيمَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الآنَ. وَإِذًا فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ نُطَالِبُ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمَ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. نَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ، وَلَكِنَّنَا نَرْجُو خَيْرًا كَثِيرًا مِنَ البَرْلَمَانِ. فَسَتُعْرَضُ عَلَى البَرْلَمَانِ أُمُورُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ جَلِيلُهَا وَدَقِيقُهَا، وَسَيَشْعُرُ البَرْلَمَانُ بِمَا بَيْنَ هَذِهِ الوِزَارَةِ وَبَيْنَ آمالِ الأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلِهَا مِنَ البَوْنِ الشَّاسِعِ وَالبُعْدِ العَظِيمِ، فَيُفَكِّرُ فِي إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ، وَيَعْمَلُ لِيُلَائِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيَاةِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ.
وَأَمَلُنَا فِي البَرْلَمَانِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ وَعَلَى أَنْ نُلِحَّ فِي الكِتَابَةِ. فَإِنَّ الوَاجِبَ الوَطَنِيَّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ بِأَنْ يُظْهِرَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ عُيُوبِ التَّعْلِيمِ وَالنِّظَامِ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ، لِيُعِدَّ الرَّأْيَ العَامَّ لِمَا لَيْسَ مِنْهُ بَدٌّ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ.
وَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَقَالٍ سَابِقٍ أَنَّ نَظَرِيَّةَ المَرْكَزِيَّةِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ قَدْ أَفْسَدَتْ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَضَاعَتْ فِيهَا كِفَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً كَانَ مِنَ الحَقِّ وَالمَنْفَعَةِ أَلَّا تُضَيَّعَ. فَكَلَّفَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الثَّانَوِيِّ العِنَايَةَ بِالتَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ، وَأَهْمَلَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ الإِهْمَالَ كُلَّهُ. بَلْ كَلَّفَتْ أَمْرَ التَّعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ صِلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ، وَوَكَلَتْ نُظَّارَ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفُوا المَدَارِسَ الثَّانَوِيَّةَ، وَخَالَفَتْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَصْلَحَةَ الأَفْرَادِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ وَمَصْلَحَةَ العِلْمِ نَفْسِهِ.
فَرَغْنَا مِنْ هَذَا فِي مَقَالٍ مَضَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الوِزَارَةِ حَوْلٌ وَلَا طَوْلٌ يَشْعُرُونَ بِنَفْسِ مَا نَشْعُرُ بِهِ، وَيَشْكُونَ مِنْ نَفْسِ مَا نَشْكُو مِنْهُ. وَلَكِنَّ الرَّقَابَةَ عَلَيْهِمْ شَدِيدَةٌ، فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجْهَرُوا بِمَا يَشْعُرُونَ، لِأَنَّ السُّلْطَةَ المَرْكَزِيَّةَ لَهُمْ بِالمِرْصَادِ، وَهِيَ تَبُثُّ عَلَيْهِمُ الجَوَاسِيسَ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَ أَصْدِقَائِي مِنَ المُعَلِّمِينَ طَلَبَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ أَكُفَّ عَنْ نَقْدِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ إِذَا كُنْتُ أُرِيدُ حَقًّا أَنْ تَظَلَّ الصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنِي قَائِمَةً مَتِينَةً، لِأَنَّهُ يَخْشَى عَوَاقِبَ هَذِهِ الصِّلَةِ إِنْ مَضَيْتُ أَنَا فِي هَذَا النَّقْدِ. وَرُبَّمَا كَانَ مَيْلِي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ شَدِيدًا، وَحِرْصِي عَلَى مَنْفَعَتِهِ عَظِيمًا، وَلَكِنِّي أَشَدُّ مَيْلًا إِلَى التَّعْلِيمِ، وَحِرْصًا عَلَى مَنْفَعَةِ التَّعْلِيمِ مِنِّي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ وَمَنْفَعَتِهِ. فَسَأَمْضِي فِي هَذَا النَّقْدِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى أَصْدِقَائِي المُعَلِّمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِيَاطَةِ وَالرِّعَايَةِ.
هَذِهِ المَرْكَزِيَّةُ الَّتِي بَيَّنْتُ آثَارَهَا فِي مَقَالٍ مَضَى قَدْ أَنْتَجَتْ آثَارًا أُخْرَى شَدِيدَةَ الشَّرِّ عَلَى التَّعْلِيمِ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَيْهَا. وَأُرِيدُ اليَوْمَ أَنْ أَذْكُرَهَا فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ وَلَا إِلَى تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْطِقُ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَيْسَ فَوْقَهُ شَرٌّ. فَكَّرَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ – فِيمَا يَظْهَرُ – فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِ وَمَنَازِلِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّفْكِيرِ إِلَّا الخَيْرُ. فَالتَّعْلِيمُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الإِصْلَاحِ، وَوِزَارَةُ المَعَارِفِ أَحَقُّ الوِزَارَاتِ بِالإِعْدَادِ لِهَذَا الإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّهَا سَلَكَتْ إِلَى هَذَا الإِصْلَاحِ غَيْرَ سَبِيلِهِ.
فَأَنْتَ لَا تَطْلُبُ إِلَى الحَدَّادِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الخَبَّازِ، وَلَا إِلَى الخَبَّازِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الحَدَّادِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صَانِعٍ صِنَاعَتُهُ، وَلِكُلِّ اخْتِصَاصِيٍّ فَنُّهُ وَاخْتِصَاصُهُ. ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لِلإِطَالَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، أَوْ هُوَ مَفْهُومٌ وَلَكِنْ أَحَدًا لَا يَحْفَلُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ المَرْكَزِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَلِّفَ لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ لِجَانًا مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. أَوَّلُ هَؤُلَاءِ الأَخَصَّائِيِّينَ هُمُ المُعَلِّمُونَ الَّذِينَ مَارَسُوا التَّعْلِيمَ، فَبَلَوْا حُلْوَهُ وَمُرَّهُ، وَعَرَفُوا خَيْرَهُ وَشَرَّهُ. وَقَدْ أُلِّفَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لِجَانًا لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ مَا رَأْيُكَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا أَوْ تَكَادُ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا مِنَ المُعَلِّمِينَ؟ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى المُفَتِّشِينَ وَرِجَالِ المَعَارِفِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسْ أَكْثَرُهُمُ التَّعْلِيمَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُمَارِسْهُ قَطُّ.
مَا رَأْيُكَ فِي هَذِهِ اللِّجَانِ الَّتِي سَتُصْلِحُ التَّعْلِيمَ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ التَّعْلِيمَ إِلَّا مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً تُؤْخَذُ مِنَ الكُتُبِ وَالأَسْفَارِ وَالتَّقَارِيرِ، لَا مِنْ مُعَالَجَةِ الطُّلَّابِ وَالتَّلَامِيذِ، وَالوُقُوفِ عَلَى نَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ مَعَهُمْ مِنَ المَنَاهِجِ المُخْتَلِفَةِ المُتَبَايِنَةِ. أَتَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ حَقًّا؟ كَلَّا. فَإِنَّ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ التَّعْلِيمِ، وَعَلَى فَهْمِهِ فَهْمًا عَمَلِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ وَطُولِ المُرَاسِ.
وَلَكِنْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَشِيرَ المُعَلِّمِينَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّ اسْتِشَارَتَهَا لِلْمُعَلِّمِينَ رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ، وَاعْتِرَافٌ بِمَكَانَتِهِمْ، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ لِلْمُعَلِّمِينَ قَدْرًا، وَلَا تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِمَكَانَةٍ. وَإِنَّمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ؛ لِأَنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُفَكِّرُوا، وَلَا أَنْ يَبْتَكِرُوا، وَلَا أَنْ يُشِيرُوا، وَهُمْ إِنْ فَكَّرُوا أَوِ ابْتَكَرُوا أَوْ شَارُوا فَقَدْ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ. وَأَيُّ تَجَاوُزٍ لِلْحُدُودِ شَيْءٌ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَضَ لَهَا إِنْسَانٌ إِلَّا بِالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَضُرُوبِ الإِعْجَابِ وَالتَّمْلِيقِ؟…
فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ مُضْحِكَاتٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّهَا خَالَفَتْ هَذِهِ القَاعِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكَ، فَأَدْخَلَتْ بَعْضَ المُعَلِّمِينَ فِي لَجْنَةٍ مِنْ لِجَانِ إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ. وَلَكِنِ انْظُرْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ:
أَلَّفَتْ لَجْنَةً لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ العُلُومِ، وَأَدْخَلَتْ فِيهَا مُعَلِّمًا. فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّهَا اخْتَارَتْ هَذَا المُعَلِّمَ مِنْ دَارِ العُلُومِ؟ مِنَ الَّذِينَ بَلَوْا تَلَامِيذَ دَارِ العُلُومِ، وَعَرَفُوا قُوَّتَهُمْ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمُيُولَهُمْ؟ كَلَّا.
اخْتَارَتْ مُعَلِّمَهَا مِنْ مَدْرَسَةِ المُعَلِّمِينَ العُلْيَا! مِنَ الأُسَاتِذَةِ الَّذِينَ قَدْ يُسْأَلُونَ عَنْ حَمَلَةِ الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ فَيُحْسِنُونَ الجَوَابَ؛ لِأَنَّهُمْ عَاشَرُوهُمْ، وَدَرَسُوا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشُّيُوخِ مِنْ طُلَّابِ الأَزْهَرِ لَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ أَمْرًا.
أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَسِّرَ هَذَا العَمَلَ الغَرِيبَ؟ أَمَّا أَنَا فَأُفَسِّرُهُ بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ:
الأُولَى : وَهِيَ الَّتِي أُرَجِّحُهَا؛ لِأَنِّي حَسَنُ الظَّنِّ بِوِزَارَةِ المَعَارِفِ – أَنَّهَا تَعْمَلُ دُونَ تَفْكِيرٍ وَلَا نِظَامٍ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الأَمْرَ لِلْمُصَادَفَةِ وَحْدَهَا.
الثَّانِيَةُ : الأَغْرَاضُ وَالأَهْوَاءُ، وَالمَيْلُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَتَأْلِيبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ شَيْئًا لَمْ تَقْصِدْ إِلَيْهِ وِزَارَةُ المَعَارِفِ، وَلَكِنَّهَا – مِنْ غَيْرِ شَكٍّ – شَيْءٌ تَوَرَّطَتْ فِيهِ.
فَلِمَاذَا يَسْكُتُ أُسَاتِذَةُ دَارِ العُلُومِ وَغَيْرُهُمْ، فَيُقْضَى فِي أُمُورِهِمْ، وَيُسْتَشَارُ فِي مَدْرَسَتِهِمْ، وَفِيهِمُ الكُفْءُ، وَفِيهِمُ الخَبِيرُ بِأَمْرِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ، وَفِيهِمُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُشِيرَ فِي أَمْرِهَا بِالخَيْرِ؟
تَحَدَّثْتُ مُنْذُ حِينٍ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ، فَأَنْبَأَنِي بِأَنَّهُ حَرِيصٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ رِجَالٌ مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَتَّى طَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أُسَمِّيَ لَهُ نَاسًا يَقْدِرُونَ عَلَى الخَيْرِ فِي هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. وَبَالَغَ فِي هَذَا فَأَعْلَنَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَعِينَ بِالأَخَصَّائِيِّينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، يُنْدِبُهُمْ لِذَلِكَ خَاصَّةً.
فَحَمِدْتُ لِلْوَزِيرِ هَذَا القَوْلَ الحَسَنَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فِطْنَتِهِ وَذَكَائِهِ وَحُسْنِ رَأْيِهِ فِي التَّعْلِيمِ. وَلَكِنَّنِي بَحَثْتُ عَنِ الأَخَصَّائِيِّينَ فِي رِجَالِ الإِصْلَاحِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الأَجَانِبَ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المِصْرِيِّينَ الخَارِجِينَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المُعَلِّمِينَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُهْتَمَّ بِهِمْ. بَلْ رَأَيْتُ شَرًّا مِنْ هَذَا: رَأَيْتُ أَنَّ لَجْنَةً قَدْ أُلِّفَتْ لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي دَارِ العُلُومِ، وَجُمِعَتْ بَيْنَ رِجَالِ المَعَارِفِ وَمُعَلِّمِي المَدْرَسَةِ، وَآخَرِينَ لَيْسُوا مِنَ المَعَارِفِ وَلَا مِنَ المَدْرَسَةِ. فَعُدِلَ عَنْ هَذِهِ اللَّجْنَةِ – لِأَنَّهَا كَانَتْ سَيِّئَةَ التَّأْلِيفِ – إِلَى لَجْنَةٍ أُخْرَى حَسَنَةِ التَّأْلِيفِ، لَيْسَ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الوِزَارَةِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الوَزِيرِ يَجِبُ أَنْ تُغْسَلَ فِي الوِزَارَةِ! وَلَيْسَ فِيهَا مُعَلِّمٌ مِنَ المَدْرَسَةِ؛ لِأَنَّ أُسَاتِذَةَ المَدْرَسَةِ يَجِبُ أَنْ يَشْعُرُوا بِأَنَّهُمْ جُنُودٌ فِي هَذِهِ المَدْرَسَةِ، يُؤْمَرُونَ فَيَأْمُرُونَ، دُونَ أَنْ يُسْتَشَارُوا، أَوْ يُشِيرُوا، أَوْ يُحْفَلَ لَهُمْ بِرَأْيٍ.
اقْرَأْ هَذَا وَفَكِّرْ فِيهِ، وَحَدِّثْنِي عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ مِنْ خَيْرٍ، وَحَدِّثْنِي عَنِ الوِزَارَةِ الَّتِي تَسْلُكُ هَذَا السَّبِيلَ مُلِحَّةً فِي سُلُوكِهَا مَهْمَا يُشِرْ عَلَيْهَا المُشِيرُونَ، وَيَنْصَحْ لَهَا النَّاصِحُونَ. أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ بِالتَّعْلِيمِ إِلَى الخَيْرِ؟
ثُمَّ حَدِّثْنِي: أَلَسْتُ مُحِقًّا حِينَ أَنْبَأْتُكَ فِي أَوَّلِ هَذَا المَقَالِ بِأَنِّي يَائِسٌ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ أَكْتُبُ فِي نَقْدِ هَذِهِ الوِزَارَةِ؟
وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَا يَقِفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَقَدْ أُحَدِّثُكَ بِقِيمَةِ المُعَلِّمِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا المَقَالِ.
طه حُسَيْن السياسة، ٣١ يُولْيَه ١٩٢٣م.