Tag: السياسة الحزبية

  • أزمة …! | A Crisis…!

    أزمة …!
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٤ سبتمبر ١٩٥٥

    يستطيع القارئ أن يتصور أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن، قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق؛ لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عُرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن البرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرِّق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلِّي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء، ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار!

    هذه هي التي نشهدها في فرنسا، كانت جمهوريتها الرابعة، ومنذ عَظُم الشر بينها وبين أقطار من الأرض قضى عليها نظام الاستعمار أن تخضع لسلطانها. ولست أعرف في تاريخ الحياة السياسية أثناء هذا القرن العشرين أزمة تُشبهها فيما تحمل من هذه المتناقضات التي تُغري بالضحك أحيانًا، وتُغري بالحزن العميق أحيانًا أخرى، وتثير من العِبَر والعظات ما ينفع الدارسين لها والمفكِّرين فيها على كل حال.

    وكان الفرنسيون وغير الفرنسيين يعيبون الجمهورية الفرنسية الثالثة بأنها لم تكُن تحب الاستقرار في شئون الحكم، وإنما كانت تلعب بالوزارات؛ توليها في الصباح وتُقِيلُها في المساء، ولا تحب بحال من الأحوال أن تطول أعمارها مهما يكن رؤساؤها وأعضاؤها. ولكن الجمهورية الرابعة فيما يظهر تريد أن تكون أكثر لعبًا بشئون الحكم وأكثر استخفافًا بأعبائه، مهما تثقل من تلك الجمهورية الثالثة التي قضت عليها الحرب العالمية الأخيرة.

    فالوزارات الفرنسية منذ صدر الدستور الأخير لا تكاد تنهض بأعباء الحكم حتى تُعفى من النهوض بها، ولا تكاد تأخذ في عمل من الأعمال حتى تُصرف عن المضي فيه صرفًا، بل هي قد تبقى في الحكم ولكنها لا تُمكن من إمضائه، وقد تملك السلطان ولكنها تمنع من إنفاذه.

    وقد نشأ عن هذا ما لم يحدث في الجمهورية الثالثة من انتشار الأمر واضطراب النظام واختلال التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى حَدٍّ خطير، حقًّا أضاع أو كاد يضيع ما ينبغي للحاكمين من الهيبة التي تجعل قراراتهم نافذة وأوامرهم محترمة وسلطانهم فوق اعتراض المعترِضين وخلاف المخالفين.

    ومصدر ذلك فيما يظهر كثرةُ الأحزاب السياسية وتناقض المنافع بين هذه الأحزاب، وتزاحُم السياسيين على أمور الحكم، وإقامة السياسة على الكيد للوزراء والمكر بهم، وانتهاز الفرص لإسقاطهم، وإقامة غيرهم ريثما تنتهز فرصة أخرى ليتجدد الكيد لهم أو المكر بهم والجِد في إسقاطهم.

    ولم يظهر هذا الاضطراب المنكَر منذ قامت الجمهورية الرابعة كما ظهر في هذه الأيام حين اشتدت الأزمة بين فرنسا وبين شمال أفريقيا، وحين كانت هذه الأحداث العظام التي روع العالم كله لها ترويعًا.

    وما أريد اليوم أن أتحدث عمَّا يحدث في الجزائر أو في مراكش من الأحداث على نُكرها وبشاعتها، وإنما أريد أن أصور هذه الأزمة التي تشقى بها الديمقراطية في فرنسا ليُنكر فيها من يُنكر، وليعتبر بها من يعتبر، وليكون فيها درس نافع للذين يُعْنَوْنَ بسياسة الشعوب وإقامة الحياة الديمقراطية فيها على أساس متين.

    ولينظر القارئ قبل كل شيء إلى الحقائق الواقعة، فهي وحدها تغني عن كل شيء وعن كل تفسير. في ذات يوم من الأيام تبيَّن للوزارة الفرنسية القائمة أن الأمور في مراكش متعثِّرة، وأن الثورة بالسلطان الفرنسي فيها يزداد خطرها من يوم إلى يوم، وأن ما أُتيح لتونس من هذه الحرية الضئيلة المنقوصة المشوَّهة قد أغرى الساخطين في مراكش والجزائر بأن يطمعوا في أن تتغير أحوالهم، وأن يخلصوا من الحكم الأجنبي المباشر على نحو من الأنحاء؛ فاشتد الاضطراب في المغرب الأقصى، ونظمت الثورة في الجزائر تنظيمًا مخيفًا.

    وقررت الحكومة الفرنسية أن تلتمس مخرجًا من هذا الضيق، وأن تحاول إرضاء المراكشيين؛ فأقالت المقيم العام ووضعت مكانه رجلًا آخر عُرف فيما يظهر بالحزم والمرونة ونفوذ البصيرة وشدة الذكاء، وكلفته أن يُداخل المراكشيين على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، وأن يعلم علمهم ويقترح على الحكومة ما يرى أنه يخرجها من هذا المأزق، ويقيم الصلة بينها وبين مراكش على أسس أقوم وأمتن من الأسس التي قامت عليها الحماية إلى الآن. ولم يَكَدْ هذا المقيم العام يصل إلى مراكش ويحاول أن يتصل بأهلها حتى اضطرب فيها كل شيء.

    ثار الأوروبيون لأنهم أحسُّوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأشفقوا على ما في أيديهم من المنافع الضخمة أن يصيبها بعض ما يكرهون. وثار المراكشيون لأنهم أحسوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأنه قد يُتيح لهم أن يخرجوا من هذه الظلمة التي هم فيها إلى شيء من النور. وجعل الفرنسيون المستعمِرون في مراكش ينتهزون الفرص ويخلقونها ليبطشوا بالمراكشيين ويدفعوهم إلى الغضب لكرامتهم وحرماتهم وحقوقهم. وجعل المقيم العام لا يزور مدينة من المدن أو لا يُلِمُّ بحي من الأحياء إلا إذا وقع الاضطراب وعظم النكر واقتُرفت الآثام وقُتل الأبرياء ونُكِّلَ بالعُزل الوادعين. كل ذلك لتشعر الحكومة المركزية في باريس بأن المستعمِرين الفرنسيين في مراكش ساخطون على هذا المقيم العام الجديد، منكرون لكل تغيير يمَس منافعهم من قريب أو بعيد، مستعدون لمقاومة هذا التغيير مهما تكن الظروف.

    ونظرت الحكومة المركزية فإذا هي أمام ثورتين في مراكش: إحداهما ثورة فرنسية خالصة تريد أن تُبقي الحماية في مراكش وأن يُحكم المراكشيون على غير ما يحبون مهما تكن النتائج ومهما ينشأ عن ذلك من الأخطار، والأخرى ثورة مراكشية تريد أن ترد الحقوق إلى أهلها وأن يَحكم أهل البلاد أنفسهم كما يريدون هم لا كما يريد الأجانب المستعمرون.

    وكان أغرب ما في الأمر أن أصحاب المنافع من الفرنسيين المقيمين في باريس وأعوانهم من الساسة وأعضاء البرلمان كانوا يشجعون الثائرين من الفرنسيين بالقول والعمل وبالإغراء سرًّا وجهرًا، ويُلِحُّونَ على الحكومة في أن تعزل المقيم العام الجديد، وأن تحافظ على مركز فرنسا في مراكش وتقويه، وتأخذ المراكشيين بالعنف حتى تستقيم قناتهم مهما كلَّفها ذلك من الجهد ومهما ينشأ عنه من إزهاق النفوس وإراقة الدماء والتنكيل بالأبرياء.

    ومضى المقيم العام في تنفيذ السياسة التي رُسمت له، وحاولت الحكومة المركزية أن تثبُت للثائرين بها والساخطين عليها، ولكن ثباتها لم يتصل؛ لأنها أحست أن كثرتها البرلمانية توشك أن تتخلى عنها، ولأن رئيسها أَحَسَّ أن بعض زملائه من الوزراء يوشكون أن يتخلوا عنه نزولًا على رأي أحزابهم. فاضطرت الحكومة إلى أن تخطو هذه الخطوة المنكَرة التي أسقطت هيبتها وأطمعت فيها الثائرين والساخطين؛ فعزلت المقيم العام وأرسلت مكانه رجلًا آخر، ولكنها في الوقت نفسه قررت أن تعالج المشكلة، وأن تلتمس لها حلًّا، وأن تتصل اتصالًا مباشرًا بالساسة من أهل مراكش لتسمع منهم وتعلم علمهم وتقيم سياستها على ما يتكشف لها من الحقائق الواقعة. والغريب أنها أشفقت من أن تعالج هذه المشكلة أثناء اجتماع البرلمان، فانتظرت حتى انتهت الدورة البرلمانية، وظَنَّ رئيسها أنه يستطيع — في حدود ما للسلطة التنفيذية من حق — أن يعالج المشكلة ويحلها ويتقدم بعد ذلك إلى البرلمان في أول الدورة المقبلة. لكنه لم يلبث أن تبين أنه كان مسرفًا في التفاؤل؛ فأعضاء البرلمان متفرِّقون في إجازة الصيف، ولكن الهيئات الإدارية للأحزاب مستقرَّة في باريس ترقُب الحكومة من كَثَب، وتسجل عليها كل ما تأتي من الأمر، ولا تتردد في أن تنبهها إلى ما تحب وتحذِّرها مما تكره، وتنذرها بالتخلي عنها إن خالفت عن أمرها. وكذلك تفرَّق البرلمان، ولكن الأحزاب أو هيئاتها الإدارية قامت مقام البرلمان وأرهقت الحكومة من أمرها عسرًا.

    ومع ذلك فقد مضى رئيس الوزارة في سياسته، وألَّف من وزارته لجنة خاصة اتصلت بالمراكشيين على اختلاف نزعاتهم، فقالت لهم وسمعت منهم، واتفقت معهم آخر الأمر على أن يُقصَى السلطان القائم على العرش ويُنقل السلطان المنفي إلى فرنسا، ويُنشأ مجلس للوصاية على العرش، وتؤلَّف حكومة تمثل الشعب المراكشي وتفاوض الحكومة الفرنسية في أمر النظام الجديد. واتفقت معهم كذلك على أن تُعرض كل هذه القرارات على السلطان المنفي؛ فليس من سبيل إلى إحداث أي إصلاح يقبله المراكشيون إلا إذا أَقَرَّهُ السلطان المنفي؛ لأن المراكشيين لا يؤمنون إلا له ولا يثقون إلا به ولا يصدرون إلا عن أمره وتوجيهه. ولكن الأحزاب ما زالت واقفة بالمرصاد ترقُب عمل الحكومة، فتعرف منه ما تعرف وتُنكر منه ما تُنكر، وتسخط على أكثره وترضى عن أقله، والوزراء الممثلون لهذه الأحزاب في الحكومة خاضعون لأمرها يرضَوْن إن رضيت ويسخطون إن سخطت.

    والحكومة تقدم رِجْلًا وتؤخِّر أخرى، وتُقدم مُصبِحة لتُحجم مُمسِية، وهي على كل حال تحاول أن تُتِمَّ ما بدأت، فتُذعن لما ليس بُدٌّ من الإذعان له، وترسل بعثة فرنسية لتفاوض السلطان الذي أنزلته فرنسا عن العرش ونفته إلى أقصى الأرض. وتذهب هذه البعثة فتفاوض السلطان وتعود راضية تحمل موافقة السلطان على كل ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة وبين الساسة المراكشيين، وتحمل من السلطان وعدًا مؤكَّدًا بأنه لن يفعل ما يعرقل السياسة الفرنسية، وأنه لن يترك فرنسا إذا نُقل إليها إلا بإذن من الحكومة الفرنسية؛ فقد استقام كل شيء، إذن لم يبق إلا تنفيذ ما تَمَّ عليه الاتفاق، وكل شيء يدل على أن الأمر قد بلغ غايته.

    ويجتمع مجلس الوزراء برياسة رئيس الجمهورية، ويقرِّر تنفيذ ما تم عليه الاتفاق، وإذن فسيُقصى السلطان القائم عن العرش وسيقيم في طنجة، وسيُنقل السلطان الشرعي من منفاه البعيد إلى فرنسا ليقيم فيها موفورًا. وسينشأ مجلس الوصاية وتؤلَّف حكومة المفاوضات. وهذا رئيس الجمهورية يكتب كتابًا إلى السلطان القائم، يُذكِّره فيه بالمصلحة العليا لمراكش، وبأن هذه المصلحة تقتضي أن يترك العرش وألَّا يعود إليه السلطان المنفي. ورئيس الجمهورية يكفل للسلطان القائم الأمنَ على نفسه وعلى أنصاره. وقد أرسل الكتاب إلى المقيم العام ليُبلغه للسلطان أولًا، وليتخذ ما يجب من إجراء لتنفيذ القرارات التي اتُّفق عليها ثانيًا. ولكن الأحزاب ما زالت قائمة بالمرصاد ترقُب الحكومة من كثَب، وتصدر الأمر إلى وزرائها، وتُنذِر وتُحذِّر وتُبرِق وتُرعِد.

    وقد كان الفرنسيون مطمئنين إلى أن المشكلة المراكشية ستُحل متى وصل كتاب رئيس الجمهورية إلى المقيم العام، ولكن الكتاب يصل فيتلقاه المقيم العام، ثم لا يبلغه إلى السلطان وإنما يبقيه عنده؛ لأنه تلقى أمرًا من غير رئيس الوزراء ومن غير رئيس الجمهورية بأن يحتفظ بالكتاب.

    تلقى هذا الأمر من وزير الخارجية، فكيف خالف وزير الخارجية عن أمر رئيس الجمهورية وعن أمر رئيس الوزراء وعن قرار مجلس الوزراء مجتمعًا؟! هذه هي المسألة ولها جوابان: أحدهما ظاهر رسمي، وهو أن وزير الخارجية لم يشارك في إنشاء هذا الكتاب ولم يقرأ نصه قبل إرساله، والآخر خفي وإن لهجت به الصحف، وهو أن الحزب الذي ينتمي إليه وزير الخارجية ليس راضيًا عن هذا الكتاب ولا عن عزل السلطان القائم ولا عن إحداث تغيير في النظام الذي تخضع له مراكش. وقد أُرسل كتاب رئيس الجمهورية منذ ستة أيام، وأنا أُملي هذا الحديث في السابع عشر من هذا الشهر، والكتاب نائم عند المقيم العام، والوزارة الفرنسية حائرة لا تدري أتُقدِم أم تُحجِم الصحف الفرنسية مضطربة بين السُّخط والرضى وبين الرجاء واليأس. والشعب الفرنسي مشغول بأمرين خطيرين أحدهما لا صلة بينه وبين مراكش، وهو الإضراب الذي ينتشر في مدن فرنسا كلها لأن العمال يطالبون برفع الأجور، والآخر يتصل بمراكش والجزائر جميعًا لأن الحكومة محتاجة إلى إقرار النظام في هذين القُطرين بعد ما كان فيهما من اضطراب خطير لم ينقضِ بعدُ. وهي من أجل ذلك في حاجة إلى مزيد من الجند؛ فليس لها بُدٌّ إذن من أن تستبقي الشباب الذين أتموا الخدمة العسكرية وآن لهم أن يعودوا إلى أنفسهم وإلى أهلهم وإلى منافعهم، ليس لها بُدٌّ من أن تستبقيهم تحت العَلَم كما يُقال، وليس لها بُدٌّ كذلك من أن تدعو فريقًا من الشباب الذين أتموا خدمتهم العسكرية وعادوا إلى أهلهم واستقبلوا حياتهم المدنية، ليس لها بُدٌّ من أن تدعوا فريقًا من هؤلاء إلى استئناف خدمتهم العسكرية من جديد؛ لأن القوة النظامية لا تكفي لمواجهة الأخطار التي يتعرض لها الأمن والنظام في هذين القطرين. وهنا يسخط هؤلاء الشباب ويحاول بعضهم العصيان جَهرة، وتسخط أُسَرُ هؤلاء الشباب، وتسخط طائفة غير قليلة من الصحف، وتحتج لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية لأنها لم تُستشرْ قبل دعوة هؤلاء الشباب إلى الجندية من جديد.

    ويستطع القارئ أن يتصور بعد ذلك أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن للبرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار. وليس أبلغ في تصوير هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا من كلمة قالها وزير الخارجية السابق الذي عزل السلطان المنفي، قالها في الصباح فشلَّ الحكومة في المساء لأنه أراد أن يشلها، وهذه الكلمة هي: «لقد أعطينا المراكشيين أكثر مما كانوا يطلبون وأطمعناهم في أنفسنا.» وأنا أقول هذا في الصباح حتى لا تتم الحكومة ما أزمعت في المساء، ولم يُقبِل المساء حتى عجزت الحكومة عن إتمام ما أزمعت عليه لا لشيء إلا لأنها تخشى أن يتخلَّى عنها حزب وزير الخارجية السابق فتفقد كثرتها وتفقد الحكم. وأغرب من هذا كله أن الكثرة البرلمانية الحقة في فرنسا وفي الجمعية الوطنية خاصة تريد مصمِّمة أن تحل المشكلة في مراكش على ما يُحب المراكشيون. ولكن هذه الكثرة مُقْصَاةٌ عن الحكم؛ لأنها لا تتم ولا تستطيع أن تحكم إلا إذا انضم إليها اليساريون من الاشتراكيين والشيوعيين، وهؤلاء قد أُبعِدوا عن الحكم منذ سنين. ونشأ عن ذلك أن تعتمد الحكومات الفرنسية على كثرة مرقَّعة تأتلف من أحزاب كثيرة. ويجب أن تشترك هذه الأحزاب الكثيرة في الوزارة، وأن تلائم الوزارة بين أهواء هذه الأحزاب على اختلافها، فإن قصَّرت في شيء من ذلك فقدت مناصبها. وكذلك تصبح الديمقراطية وسيلة لا غاية، وتصبح الحياة الحزبية هي الغاية، وتصبح الأهواء الحزبية هي المسيطرة على شئون الحكم تصرفها كما تشاء، وتصبح السلطة التنفيذية أشبه شيء بالرقيق الذي لا يملكه سيد واحد وإنما يشترك في ملكه سادة مختلفون. والحمد لله على أن في الأرض بلادًا أخرى يقوم فيها الحكم على النظام الديمقراطي ولا يتعرض لشيء من هذا الشر؛ لأنه لا يخضع لتحكُّم الأحزاب وإنما يخضع لمصلحة الشعوب.

    أما أنا فلست أُخفي على القارئ أني منذ جعلت أتتبع هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا قد غيَّرت ذلك البيت المشهور الذي قاله أبو الطيب في مصر منذ عشرة قرون ووضعت اسم فرنسا مكان مصر، فأصبح البيت:
    وكم بفرنسا من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

  • مقاطعة … | Boycott…

    حديث المساء: مقاطعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ يناير ١٩٣٤

    يجب أن نهنئ بها رئيس مشروع القرش إذا كان الشرُّ مما يُهَنَّأ به؛ فقد وفِّق صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم — مع الأسف الشديد — من حمل الناس على مقاطعة هذا المشروع والانصراف عنه، إلى شيء كثير جدًّا لم يكن ليوفق إلى بعضه لو أنه دعا إلى المقاطعة جهرة، ورغب الناس فيها ترغيبًا، وألح عليهم فيها إلحاحًا.

    نعم، يجب أن نهنئ رئيس مشروع القرش بهذه النتيجة السيئة التي انتهى إليها المشروع هذا العام، إذا كانت النتائج السيئة من الأشياء التي يُهَنَّأ بها الناس، ومَنْ يدري؟ فقد يكون بين الناس مَنْ يحرصون على أن يُهنِّئوا بالخير، فإن لم يوفقوا إليه، فهم حراص على أن يهنِّئوا بالشر؛ لأنهم يريدون أن يهنئوا على كل حال. وقد حفظت لنا الأساطير قصة ذلك الرجل اليوناني الذي أراد أن يذكره التاريخ رغم أنفه؛ فعمد إلى دار من دور الكتب فخمة ضخمة، فحرقها تحريقًا ليقول التاريخ عنه شيئًا، والنحويون يستشهدون في النحو ببيت لا يخلو من ظرف يجريه مجرى الأمثال:

    إذا أنت لم تنفع فضُرْ فإنما يُرْجَى الفتى كيما يضر وينفع

    وقد كان رئيس مشروع القرش نافعًا من غير شك، حين كان يعصم مشروع القرش من عبث السياسة، ويمضي به في الطريق البريئة التي أرادها له الشباب الأبرياء، فلما أَخَذَت السياسة الآثمة تندس إلى هذا المشروع، نَبَّهَ الناس الرئيس إلى ذلك، فتنبأ على استحياء، وأظهر العناية بما نَبَّهَهُ الناس إليه؛ ولكنها — مع الأسف — لم تكن إلا عناية ظاهرة لم تُغْنِ عن الحقائق الواقعة المؤلمة شيئًا، فظلت السياسة تمضي في طريقها إلى هذا المشروع حتى أصابته بعللها وآثامها، وحتى جعل الذين ينشطون له، ويحدبون عليه، يرون ويسمعون ما كان يؤذيهم في آرائهم وعواطفهم ومُثُلهم الوطنية العليا.

    هنالك أَلَحُّوا على رئيسهم أن يرد عنهم إثم السياسة وكيد السياسة، وأن يحفظ عليهم عملهم اقتصاديًّا بريئًا، شابًّا مثلهم، نقيًّا مثلهم، خالصًا مثلهم للوطن، ولكن الرئيس أعرض عنهم إعراضًا، وتجافى عن دعائهم المتصل وندائهم الملح؛ فاضطروا إلى أن يعصموا أنفسهم بأنفسهم من السياسة الآثمة، وإلى أن ينجوا بقلوبهم ونفوسهم وضمائرهم من هذا الفساد، ثم لم يكتفوا بهذه النجاة، ومتى اكتفى الشباب بالقليل؟ ومتى قنع الشباب باليسير؟

    لم يكتفوا بنجاة أنفسهم، بل أرادوا أن ينجوا مواطنيهم أيضًا من هذه السياسة الخفية، التي لا تستطيع أن تظهر للناس جهرة؛ فتسعى إليهم من وراء ستار، والتي لا تستطيع أن تلقى الناس وجهًا لوجه؛ فتندس إليهم من طريق الدين، ومن طريق الاقتصاد، ومن طريق الألفاظ الضخمة التي لا تدل على شيء؛ هنالك استقال الشباب من المشروع وأعرضوا عن تأييده، ودعوا مواطنيه إلى أن يقاوموه حتى يعود بريئًا كما بدأ بريئًا، وحتى يخلص للشعب كما بدأ للشعب، وحتى يرتفع عن خدمة الأغراض الخفية لأولئك الذين يتجرون بكل شيء، ويستغلون كل شيء.

    هنالك ظهر شيء لم يكن يُقدِّره الكائدون لهذا المشروع، والصائدون في الماء العكر. هنالك ظهر أن الشباب وإن كان هادئًا مستقرًّا لم ينس شبابه، ولم ينس قوته، ولم ينس جرأته في الحق، ولم ينخدع عن الذين يمكرون به ويريدون به السوء. نعم، وهنالك ظهر أن الشباب ما زال قادرًا على أن يريد فيفعل، وعلى أن يقول فيصدق، وعلى أن يدعو فيستجيب له الناس. نعم، وهنالك ظهر أن هذا العنف الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية جهرة، وأن هذا الكيد الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية غيلة؛ لم يبلغا من الحرية شيئًا في نفوس الشباب؛ لأن الحرية لا تقتل، ولأن الحرية لا تغتال، ولأن الحرية لا تخدع عن نفسها، ولأن الحرية جذوة مقدسة خالدة ليس إلى إخمادها من سبيل.

    نعم، وهنالك ظهر أن جماعة الشباب ما زالت كما كانت على عهد مصر بها، لا تخدع عن الحق، ولا تدفع إلى الباطل، ولا تبلغ منها الألاعيب؛ وهنالك اضطر الكائدون لمشروع القرش، والذين اتخذوه وسيلة للسياسة إلى أن يُلْقُوا به في أحضان هذه الأحزاب التي لا قوة لها إلا بالسلطان، ولا وجود لها إلا بالسلطان، ولا سند لها من حب الشعب وتأييد الجمهور.

    هنالك التمسوا لهذا المشروع دعاة وأنصارًا من الاتحاديين والشعبيين، هنالك التجئوا إلى صحف الاتحاديين والشعبيين لتؤيده وتذود عنه، بعد أن أعرضت عنه الصحف الوطنية، كما أعرض عنه شباب الوطن. هنالك نهضت الحكومة تحوط المشروع وتحميه، وهنالك أصبح المشروع عملًا حكوميًّا، أو شيئًا يشبه العمل الحكومي، ورئيس المشروع يسمع ويرى، ورئيس المشروع يشهد هذه المأساة المحزنة التي انتزعت من يد الشعب عملًا من أعمال الشعب، وألقت في أحضان الحكومة عملًا ما كان ينبغي أن تُشْرِفَ الحكومة عليه.

    فإذا كان مثل هذه النتيجة شيئًا يُهنَّأ به صاحبه؛ فإِنَّا نُقدِّم لصاحب السعادة علي باشا إبراهيم أصدق التهنئة؛ لأنه قد وُفِّق إلى هذه النتيجة حقًّا. هذا الجمال الرائع جمال الشباب المخلص قد اندفع إلى العمل النافع يستحيل الآن إلى جمال آخر ليس أقل من ذلك الجمال روعة، إلى جمال الشباب اليقظ يدافع عن نفسه، ويرد عن إخلاصه وحريته وصفاء ضميره كيد الكائدين، وعبث العابثين.

    إن رئيس المشروع ليعلم حق العلم أن الشر المحض لا يوجد في الأرض، فرُبَّ شرٍّ أنتج خيرًا، ورُبَّ ضرٍّ انتهى إلى نفع. وقد أُرِيدَ بالشباب شرٌّ فَجَنَى منه الشباب خيرًا، أُرِيْدَ بالشباب أن ينقاد لأغراض السياسة وكيد أصحاب الكيد؛ فأظهر الشباب أنه ليس سهل القياد. وليس هذا بالشيء القليل. أريد بالشباب أن يكون أداة من أدوات الفساد، فأظهر الشباب أنه لن يكون إلا أداة من أدوات الإصلاح، وليس هذا بالشيء القليل، فإذا كان صاحب السعادة علي باشا إبراهيم حريصًا على أن نُهنِّئه، فقد نستطيع أن نُهنِّئه؛ لأن موقفه الغريب قد أظهر لأصحاب الأغراض والمطامع أن الشباب المصري أعزُّ من أن يطمع فيه.

    وبعدُ، فكم كنا نحب لطبيبنا الفذ، وجراحنا البارع، ومدير جامعتنا الناشئة أن يكون عمله كله خيرًا، وأن يكون ذكره كله حسنًا، وأن يكون حديث الناس عنه كله ثناء، فقد كان طبيبنا الفذ وجراحنا البارع خليقًا بهذا كله؛ له مكانته العليا في الطب والجراحة، لا في مصر وحدها، بل في غيرها من أقطار الأرض في الشرق والغرب، له على كثير من المصريين يد الطبيب المسعف المنقذ، وله على مصر كلها يد الرجل الذي جعل لها اسمًا حسنًا في الطب والجراحة؛ فكان خليقًا أن يكتفي بهذا، وأن يستزيد منه، وكان خليقًا أن لا يلقى من مصر إلا ما هو أهل له من الحب والإعجاب والثناء، ولكنه أبى إلا أن يتجاوز الطب والجراحة، وأبى إلا أن يتورط في الإدارة والسياسة، وأبى إلا أن يُعَرِّضَ نفسه لنتائج هذا التورط؛ فيجعل للنقد واللوم وسوء الظن على نفسه سبيلًا.

    لقد كان سعد — رحمه الله — أنصح لعلي باشا إبراهيم، وأرفق به من علي باشا إبراهيم، حين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يرشح نفسه لمجلس النواب، وحين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ.

    فليت علي باشا إبراهيم انتفع بنصيحة سعد؛ فوقف نفسه وجهده على الجراحة والطب، ولم يتورط فيما تورط فيه من الإدارة والسياسة، ولم يتعرض لما تعرض له من الزلل الذي يدعو إلى النقد واللوم.

    على أن الرجل الذكي الحازم هو الذي لا يستكبر على الحق، ولا يدفعه العناد إلى اللجاج في الباطل، والمضي في الخطأ، وما زالت نصيحة سعد — رحمه الله — قائمة، وما زال الدكتور علي باشا إبراهيم قادرًا على أن ينتفع بها، وما زال الذين يحبونه — وهم كثيرون، ونحن من أشدهم حبًّا له، وضنًّا به على سخف الحياة — ينصحون له كما نصح له سعد بأن يخلص للطب والجراحة، ويدع السياسة والإدارة للذين يحسنونهما، ويحسنون حمل أثقالهما، ويصبرون على نارهما وعلى ما تجران من مكروه.

    هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع، وهو الآن يستريح في أسوان في الوقت الذي يعاني الشباب فيه ما يعاني من آثار تلك السياسة الطائشة التي لم يستطع لها دفعًا، هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع أن ينتهز فرصة هذه الراحة؛ ليفكر ويقدر لعله يقتنع بأن سعدًا — رحمه الله — قد نصح له، وبأنه يحسن إذا استقال من مشروع القرش، وترك أمره للذين يحسنون النهوض به؟

    سيقول قوم للدكتور علي باشا إبراهيم: لا بأس عليه؛ فإن المقاطعة لمشروع القرش لن تضره ولن تؤذيه، سيعرض عنه الشباب، ولكن ستؤيده الإدارة، سيعرض عنه الجمهور، ولكن ستغنيه الحكومة، فلا تخف ولا تستقل؛ فسيجمع المشروع قروشًا إن لم تجئ من أفراد الشعب؛ فستجيء من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.

    سيقول قوم من الناس هذا الكلام للدكتور علي باشا إبراهيم، ولكنا نحب أن يعلم أنا نكره له حقًّا أن يكون أداة من هذه الأدوات التي تعمل لحزب الشعب وحزب الاتحاد، وقوم آخرين يشبهون حزب الشعب وحزب الاتحاد؛ فليتقِ الله في نفسه، وفي أمته، فإن الله لم يرد له أن يكون رجلًا حزبيًّا، وإنما أراد له أن يكون للمصريين جميعًا، ليرحْ نفسه إذن من مشروع القرش، وليفرغ للطب وكلية الطب؛ فذلك خير له وللناس.

  • هزيمة (١) | Defeat (1)

    حديث المساء: هزيمة (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ ديسمبر ١٩٣٣

    ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

    عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

    وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

    وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

    وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

    لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

    كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

    فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

    وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

    وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

    ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

    كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

    كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

    فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

    وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

    ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

    لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

    هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

  • مفاوضات | Negotiations

    حديث المساء: مفاوضات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس موضوعها استقلال مصر؛ فقد انقضى — ولو إلى حين — ذلك العهد الذي كانت تُعنَى فيه الوزارات، أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنَى بالمفاوضة في استقلال مصر، وأصبحنا — والحمد لله — في عهد سعيدٍ تُشغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلُّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله، فإنما تفكر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تُؤلَّف الوزارات، أو لتدخله في خطبة من خطب العرش حين تفتتح دورة البرلمان. وقد يخطر للوزارات أن تهم بالتحدث إلى الإنجليز في أمر الاستقلال، فترد عن ذلك ردًّا رفيقًا، فإذا ألحت ردت عن ذلك ردًّا عنيفًا، فإذا ألحت قطعت بها الأسباب، وغلقت دونها الأبواب، ومهدت إلى استقالتها أو إقالتها السبيل؛ فالمفاوضات في أمر الاستقلال شيء يخاف منه على بقاء الوزارات وامتداد حياتها.

    وليست هذه المفاوضات التي تريد أن تتحدث عنها حول إلغاء الامتيازات؛ فقد كان الدكتاتور الذي هوى ينتظر أن تفرغ إنجلترا من مشاغلها الأخرى ليستعين بها على إلغاء الامتيازات، فهوى قبل أن يفرغ بال الإنجليز، ولم تكد تنهض الوزارة القائمة حتى ألقت ألمانيا قنبلتها في جنيف، فتعقدت الحياة الدولية، وشغل الإنجليز عن الامتيازات ووزارة عبد الفتاح يحيى باشا، كما كانوا مشغولين عن الامتيازات ووزارة صدقي باشا. وإذن فلن تكون الامتيازات موضوعًا للمفاوضات التي أريد أن أحدثك عنها الآن.

    وليست مسألة الدين العام موضوعًا لهذه المفاوضات، فمسألة الدين العام أمام القضاء، ووزير المالية الجديد يؤثر الانتظار؛ لأنه يريد أن يعرف حكم القضاء من جهة، ولأنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يطمئن إلى ما كان يطمئن إليه صدقي باشا من رأي المستشارين الملكيين المصريين. فلا بد له من أن يستشير رجال القانون والمال من الأوروبيين. فالمستشارون المصريون يستطيعون أن يشيروا على أوساط الناس لصدقي باشا وأمثاله. فأما أفذاذ الوزراء والنابهون منهم فيجب أن يكون الذين يشيرون عليهم من جوهر آخر غير الجوهر المصري، ومن عنصر آخر ممتاز. وإلى أن يحكم القضاء، وإلى أن يشير الممتازون من أهل أوروبا، فلن تكون مسألة الدين موضوعًا للمفاوضات.

    ومع ذلك فهناك مفاوضات طويلة، شاقة، معقدة، ملتوية، بعيدة الأثر في حياة المصريين، قد جرت وما زالت تجري، والشعب المصري كله مُعلَّق بين الأمل والرجاء؛ لأنه لا يدري أتنتهي هذه المفاوضات إلى الفوز فيعيش، أم تنتهي هذه المفاوضات إلى الإخفاق فيدركه الموت.

    لا تعرف رجلًا من المصريين ولا تتحدث إليه إلا رأيت نفسه مملوءة، وقلبه مشغولًا بهذه المفاوضات التي يتوقف على فوزها مصير هذه الملايين التي تعيش على ضفاف النيل. أفتريد أن تعرف هذه المفاوضات؟ وأي معنى لهذا السؤال فأنت تعرفها كل المعرفة، وأنت تستقصي أنباءها، وتتبع أطوارها مع الصباح والمساء؛ لأنك مصري، والمصريون جميعًا موقوفون على هذه المفاوضات.

    فقد علمت الآن أنها هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب.

    ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا، وأقامت مكانه وزيرًا آخر، وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقل ما يوصف به أنه يُسلِّي همَّ المحزون، أسقط رئيس حزب الشعب ومنشؤه وباعث الحياة فيه، وأقيم مكانه رجل كان عضوًا في الحزب، ونائبًا لرئيسه، وكان عضوًا في الوزارة، فلما أُخرِج من الوزارة أخرج نفسه من الحزب، ثم رفع إلى رياسة الوزراء فرَدَّ نفسه إلى الحزب.

    لم يرض صدقي باشا بخروجه من الحزب حين خرج، ولم يرتح صدقي باشا لعودته إلى الحزب حين عاد، ولكن باب الحزب مفتوح لعبد الفتاح يحيى باشا يخرج منه متى شاء، ويدخل منه متى أراد، والبواب ينظر إليه معرضًا عنه حين يخرج، مكرهًا على الترحيب به والوقوف له حين يعود. وكان البواب يظن أنه يستطيع أن يغلق الباب في وجوه أخرى غير وجه هذا العضو المستبد، الذي لا يحفل بالبوابين، وقد يعطف عليهم أحيانًا.

    ولأمر ما خُيِّل لرئيس حزب الشعب أنه يستطيع أن يفصل من الحزب رجلين كانا يعملان معه في الوزارة، ثم عملا مع خصمه دون أن يذعنا لرأي رئيسهما. فكَرِه هذان الرجلان ذلك وأنكراه، وتضامن معهما رئيسهما الجديد، وتضامن معهما بقية الوزراء من المستَقِلِّين والاتحاديين، ونظر حزب الشعب ورئيسه، فإذا الحرب في ناحية، والوزارة في ناحية أخرى، وظن رئيس حزب الشعب، صدقي باشا، أن الأمر إليه، وأنه يستطيع لا أن يفصل هذين الوزيرين فحسب، بل أن يسقط وزارتهما — إن شاء الله — حين يجتمع البرلمان، ولكن رئيس الوزراء هزَّ رأسه، ورفع كتفيه، ورسم على ثغره ابتسامة ليست أقل جمالًا ولا سحرًا من ابتسامة منافسه العظيم وانتظر.

    لم يُغْرِ أحدًا بالنواب والشيوخ، ولم يُسلِّط عليهم وزير الداخلية ولا رجال الإدارة، ولم يخطر له أن يدعو أحدًا من أعضاء الحزب إلى تأييده والانضمام إليه، وإنما هزَّ رأسه ورفع كتفيه وابتسم وقال: أنا رئيس الوزراء. وإذا قوم يفدون، وقوم يخطبون، ولم يدعهم أحد إلى وفادة وخطابة، وقوم يعتذرون ولم يدعهم أحد إلى اعتذار، ولم يلمهم أحد في شيء.

    وإذا عريضة أؤكد لك جاهدًا أن أحدًا من الناس لم يكتبها، ولم يُمْلها، ولم يعدد لها ورقًا، ولم يُجْرِ بها قلمًا، ولم يُرِق فيها حبرًا، وإنما نظر أعضاء حزب الشعب، فإذا هي قد نجمت من الأرض أو هبطت من السماء، وإذا الهواء يحملها في دقة وخفة، وفي رشاقة ولباقة، ويطوف بها عليهم. لا يراه أحد، ولا يحسه أحد، ولا يقرع بها بابًا، ولا يهتك بها حجابًا، وإنما ينظر العضو من أعضاء حزب الشعب، فإذا ورقة مبسوطة أمامه، وإذا صوت خفي يثور في أعماق نفسه لا يسمعه غيره، وهو يقول: رمض هذه العريضة؛ فإنها تأييد لرئيس الوزراء. ولا يكاد هذا العضو من أعضاء حزب الشعب يفكر ولا يقدر؛ لأن الهواء الرقيق الدقيق الرشيق قد حمل دواة وقلمًا، ثم غمس القلم في الدواة، ثم وضع القلم في يد العضو من أعضاء حزب الشعب، ثم أجرى هذه اليد بكتابة الاسم الكريم.

    ثم تنصرف العريضة مدبرة، عن يمينها القلم، وعن شمالها الدواة وهي تضحك، وهما يضحكان، وهي تقول، وهما يقولان: سيعلم صدقي باشا أن لرياسة الوزارة جندًا من الهواء يُكره الأعضاء على كتابة الأسماء، وما تزال هذه العريضة تخرج من بيت لتدخل في بيت، وتترك نديًّا لتلم بنديٍّ، حتى تصل إلى عضو من أعضاء حزب الشعب، يحب الحزب، ويحب الوزراء، يكبر الرئيس الجديد، ويرحم الرئيس القديم. فلا يكاد يرى هذا الوفد الغريب يدخل عليه محمولًا على أجنحة الهواء، قلم عن يمين، ودواة عن شمال، وورقة مبسوطة بينهما، حتى يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، وينهض من فوره وقد أقسم ليتوسطنَّ في الأمر، وليُصلحَنَّ بالمفاوضة والرضى ما تريد جنود الهواء أن تصلحه بالحيلة والمكر.

    ومن ذلك الوقت بدأت المفاوضات، وتُحدِّثنا الصحف بأنها تتقدم في سبيل الوفاق تقدمًا مرضيًا سريعًا لا يعوقه إلا بعض هذه الصيغ التي يكثر فيها القال والقيل، والتغيير والتبديل، والتفسير والتأويل، ويعمل في التوفيق بينها عقل وزير التقاليد من قريب أو بعيد. والظاهر أن مساء هذا اليوم لن ينقضي حتى تنتهي المفاوضات إلى فوز الوزارة، وإذعان حزب الشعب، ورجوع الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، كما رجع رئيس الوزارة إليها بعد أن استقال.

    والظاهر أن هذا الفوز أمر محتوم؛ لأن هذه الجنود الخفية، جنود الهواء التي تحمل القلم عن يمين، والدواة عن شمال، وتبسط العريضة بينهما بسطًا لم تُلقِ السلاح، ولم تخلد إلى الراحة، وإنما هي موفورة القوة، جمة النشاط، متأهبة للزحف إذا لم يذعن صدقي باشا إذعانًا. ومن لصدقي باشا بمقاومة هذه الجنود الهوائية التي لا تبلغها الأيدي، ولا تدركها العيون، وهي قادرة على تحريك الأيدي، وإغماض العيون.

    وأمر هذه الجنود غريب؛ فهي لم تظهر نشاطها الحازم الجازم إلا منذ أيام حين رست سفينة في الإسكندرية، ثم أقلعت منها؛ فالناس يظنون أن جنود الهواء هذه قد كانت تصطاف في بعض المدن من وراء البحر، أو من وراء المحيط، حتى إذا قضت وطرها من الاصطياف عادت إلى مصر، فلما رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، نهضت لتقويم العوج وإصلاح الميل والتوفيق بين المختصمين. ووفقت — أو هي ستوفق — حين يجتمع مجلس الإدارة لحزب الشعب مساء اليوم.

    وكذلك يصفو الجو، وتنحل المشكلات، ويتولى حزب الشعب الحكم رغم أنفه، ويؤيد الرئيس المستقيل صديقه العزيز الرئيس الجديد راضيًا بتأييده كل الرضى، مغتبطًا كل الاغتباط، ويحتمل تبعات الحكم بعد أن أبعد عن الحكم لا لشيء إلا لأنه رجل عظيم قد خلق لاحتمال التبعات. يفر منها فتقفو أثره وتتهالك عليه. وكذلك ينتصر عبد الفتاح يحيى باشا، ويُرغم صدقي باشا على أن يكون له مؤيدًا وظهيرًا، ولكن المسألة التي يلقيها بعض الناس على بعض، وينتظرون عليها جوابًا، يظهر أنهم لن يظفروا به قبل آخر العام، هي: ما خطب هذه الجنود الهوائية؛ أترابط في مصر إلى أجل بعيد، أم ترحل عنها إلى قطر من أقطار الشرق، أو بلد من بلاد الغرب قبل أن ينقضي العام؟

  • مغضب … | Aggrieved…

    حديث المساء: مغضب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ أكتوبر ١٩٣٣

    رئيس الوزراء مغضبٌ، مغضبٌ جدًّا، مغضب إلى حد يوشك أن يبلغ الثورة، ولكنَّا والحمد لله لسنا موضوع هذا الغضب إلى الآن.

    أولم يظهر أننا موضوع هذا الغضب إلى الآن؟! ومن لنا بالصبر والاحتمال إن غضب علينا رئيس الوزراء، أو تنكر لنا رئيس الوزراء؟! فرئيس الوزراء رجل حليم، وغضب الحليم شيء يُخاف.

    ومع ذلك فهو مغضب على صديقه وخصمه، على رئيسه وزميله، مغضب على صدقي باشا.

    والناس يعلمون أن غضب رئيس الوزراء اللاحق على رئيس الوزراء السابق قديم يرجع إلى أول هذا العام، حين بطش صدقي باشا بزميليه في الوزارة، فأخرجهما من الحكم إخراجًا. ولكن ذلك الغضب القديم كان غضبًا هادئًا لا يزعج، وأفلاطونيًّا لا يخيف، كان غضب المخالف في الرأي من جهة، وغضب الموتور المغيظ من جهة أخرى.

    ثم مضت أيام جاءت بعدها أيام، والتقى المختصمان في باريس — نستغفر الله! — بل التقى المختصمون في باريس. فتم بينهم جميعًا صلح بريء شريف غير له رئيس الوزراء الجديد رأيه في رئيس الوزراء القديم، واسترد له رئيس الوزراء الجديد استقالته من حزب الشعب، وجرت المياه صافية لا يشوبها الكدر، مضطردة لا تعترضها الصخور.

    ثم ماتت وزارة وتمخضت الأيام عن وزارة أخرى، وكان صدقي باشا رئيس الوزارة الميتة، وكان عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزارة الوليدة؛ فاستُؤْنِفَت الخصومة بين الصديقين، والخصومة مألوفة بين القبر والصدر، والخصومة مألوفة بين الموت والحياة. اختصم الرئيسان فأنكر صدقي باشا أن يكون عبد الفتاح باشا من حزب الشعب، وأنكر عبد الفتاح باشا أن يكون قد خرج من حزب الشعب!

    وكثر في ذلك الجدال وانتهى الأمر بعد أن ظهر أن القوة للحياة لا للموت وللصدر لا للقبر، إلى أن اعترف حزب الشعب ومعه رئيسه صدقي باشا بأن عبد الفتاح يحيى باشا عضو في الحزب، بل نائب لرئيس الحزب. ولكن هذا الاعتراف لم يصدر كما كان ينبغي أن يصدر في شيء من الرقة والظرف يلائمان رئيس الوزراء ويليقان بمكانته، وإنما صدرا في شيء من العنف والغلظة يلائمان رئيس حزب الشعب، ويصوران ما يملأ قلبه من إذعان المحنق وخضوع المغيظ؛ فقد قال صدقي باشا إن رئيس الوزراء طلب إليه العودة إلى حظيرة الحزب. ورئيس الوزراء لم يطلب شيئًا فيما يقول، وإنما طلب إليه صدقي باشا حين كان في باريس أن يعدل عن استقالته؛ ففعل. والله يعلم أي الرجلين كان الطالب، وأي الرجلين كان المطلوب.

    وأنا أرجح صدق رئيس الوزراء؛ فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يطلبون، وإنما يأمرون. ولو أن رئيس الوزراء لم يسترد استقالته في باريس وأراد أن يلغيها بعد أن تولى الحكم لما احتاج إلى أن يلتمس، ولا إلى أن يرجو، ولا إلى أن يطلب، وإنما كان يكفيه أن يصدر إلى رئيسه في الحزب أمرًا بإلغاء استقالته إلغاءً، واعتباره نائبًا لرئيس الحزب، أو رئيسًا للحزب إن أراد، ولكن تواضعه وظرفه ومجاملته تمنعه من أن يريد مثل هذا.

    على أن في تصريح صدقي باشا لفظًا آخر لعله أغضب رئيس الوزراء، فهو مجاز مألوف، ولكنه لا يلائم الظرف، ولا يلائم الرقة، وهو لفظ «حظيرة الحزب»؛ فالأصل في الحظيرة معروف إن رجعت إلى معجم من معاجم اللغة، ومهما قصدت بهذا اللفظ إلى المجاز فإنه يشعر بمعناه القديم. وهذا المعنى لا يليق برؤساء الوزارات، وبرئيس الوزارة القائمة خاصة؛ لأنه الإنسان المهذب بأدق معاني هذه الكلمة. والإنسان المهذب لا يُحشَر في الحظائر حشرًا، وإنما يُستقبَل في الصالونات، ويُسعَى إليه في مكاتب الرياسة، ولا هو يخالط الذين يُحشَرون في الحظائر، وإنما يصدر الأمر إلى الذين يسوسون الحظائر ومن فيها وما فيها.

    فصدقي باشا إذن لم يُوفَّق إلى حسن الذوق حين ذهب إلى هذا النحو من المجاز، ورئيس الوزراء مغضب من شيء آخر صدر عن صدقي باشا وهو لا يلائم كرامته ولا يلائم كرامة زملائه الوزراء، وأنا أؤيده في ذلك أشد التأييد، فقد نام التوفيق عن صدقي باشا حين كان يعرض لهذه المسألة الدقيقة التي تحتاج إلى اليقظة وحسن التعبير، فقد زعم صدقي باشا أن حزبه سيؤيد الوزارة إذا رضي عن خطتها وكفايتها، وأغضب هذا التعبير رئيس الوزراء، ومن حقه أن يغضب وأن يثور؛ فخطة الوزارات في الحكم من شأنها هي لا من شأن الأحزاب، أو قُلْ كما يقول رئيس الوزراء إنها من شأن السلطة التنفيذية وحدها، وليس لصدقي باشا في السلطة التنفيذية الآن ناقة ولا جمل، وليس لحزبه في السلطة التنفيذية نعجة ولا كبش.

    وإذن؛ فما تعرضه للخطة؟! وما تحكمه فيها؟!

    هذا اعتداء من سلطة على سلطة، والدستور يقرر الفصل بين السلطات، ومنتسكيو يدافع عن هذا الفصل، ولك أن تسأل رئيس الوزراء: فِيمَ وجود البرلمان؟! ولماذا تعرض الوزارات عليه برامجها؟! ولِمَ تُلقَى خطبة العرش؟! ولِمَ يناقشها الشيوخ والنواب؟! فسيقول لك رئيس الوزراء: كل هذا شيء وخطة الوزارة شيء آخر! فإذا أردت أن تعرف هذا الشيء الآخر؛ فسيجيبك رئيس الوزراء بذلك الجواب المشهور: هذا شيءٌ لا نعلمه نحن ولا أنتم، أما نحن فمن المحقق أنَّا لا نعرف خطة الوزارة لأنها لم تُنشَر بعد، وأما الوزراء فمن المحقق أنهم لا يعرفون خطتهم لأنهم لم يرسموها بعد، وإنما هم ينتظرون حتى إذا فرغوا من قهر الوفد وإذلال حزب الشعب درسوا الشئون العامة، ثم رسموا لها خطتهم، أما قهر الوفد فسيتم بعد أسبوع، وأما إذلال حزب الشعب فسيتم بعد يوم أو يومين، إن لم يكن قد تم بالفعل.

    وعلى كل حال، فليس لصدقي باشا وأصحابه أن يذكروا خطة الوزارة؛ لأن ذكرهم إياها اعتداء، ورئيس الوزراء آخر من يقبل الاعتداء، ولأن ذكرهم إياها مخالف للدستور، وغريب أن تصدر مخالفة الدستور عن واضع الدستور الجديد.

    ولم يقف صدقي باشا في عدوانه عن خطة الوزارة، بل ذكر كفاية الوزراء، وجعل نفسه وحزبه ممتحنين، يحكمون على الوزراء بالكفاية فيرضون عنهم، أو بالعجز فيسقطونهم. وهذا إسراف في الشطط لا يقره عقل، ولا تقره فلسفة حديثة ولا قديمة. فالكفاية صفة ثابتة لا تزول عن أصحابها، ورئيس الوزراء وحده هو الحكم في تقدير هذه الكفاية، وما دام رئيس الوزراء قد اختار زملاءه فهم أكفاء، ولو لم يكونوا أكفاء لما أخذهم كما يقول لمعاونته.

    وأنت تعلم أن رئيس الوزراء رجل كغيره من الناس قبل أن تُسنَد إليه الرياسة، فإذا أُسنِدَت إليه فهو معصوم، لا يجوز عليه الخطأ!

    وإذن؛ فليس من حق صدقي باشا وأصحابه أن يعرضوا لكفاية الوزراء. فمن شك في ذلك أو أنكره فليسأل أساتذة الفلسفة في الجامعة المصرية، أو في الأزهر الشريف عن الصفات الثابتة: هل تنتقل؟ وعن الصفات المتنقلة: هل تثبت؟ فذلك فن من فنون العلم لا يحسنه إلا النابغون النابهون الراسخون.

    رئيس الوزراء مغضب آخر الأمر لشيء ثالث أو رابع، وهو ما ذكره صدقي باشا عن سعي المديرين في صرف الشعبيين عن حزبهم، فصدقي باشا — فيما يقول رئيس الوزراء — قد حرَّفَ كلام الحكومة تحريفًا؛ لأن رجال الإدارة لا يزيدون على تنفيذ القانون بأمانة وإخلاص. وهذه لغة يجب أن يفهمها صدقي باشا حق الفهم؛ لأنه هو الذي وضعها، فقد كان رجال الإدارة ينفذون القانون في أمانة وإخلاص حين اقترفوا آثام البداري، واضطروا عبد الفتاح باشا إلى أن يخاصم فيهم صدقي باشا، وكانوا ينفذون القانون في أمانة وإخلاص، وما يزالون ينفذونه في أمانة وإخلاص حين يسلطون بأسهم وبطشهم على خصوم الحكومة من المعارضين. وإذن؛ فما ينبغي لصدقي باشا أن يشك في إخلاص رجال الإدارة وأمانتهم وهم تلاميذه الذين شهد منهم الأمانة والإخلاص.

    فأنت ترى أن رئيس الوزراء مغضب ثائر، وأنت ترى أن رئيس الوزراء مغيظ محنق، وأنت تشاركني إن كان قلبك رحيمًا في الإشفاق على صدقي باشا من غضب رئيس الوزراء وثورته، ومن غيظه وحنقه، ومع ذلك فقد كان يُقال إن الوفاق قد تم بين الرئيسين: رئيس الوزارة الميتة، ورئيس الوزارة الوليدة.

    أفنصدق ما كان يُقال صباح أمس أم نصدق ما نشرته لنا الأهرام عن رئيس الوزراء صباح اليوم؟ أما أنا فأصدق الأمرين جميعًا؛ فالرئيسان متفقان اتفاقًا لا شك فيه تقضي به الظروف، ما دام كل واحد منهما إنسانًا يشعر ويحس ويحرص على الجاه والسلطان، ويأبى الخضوع والإذعان. وقد تسألني: وكيف يجتمع على هذين الرجلين العظيمين أن يأتلفا ويختلفا في وقت واحد وحول موضوع واحد هو الحكم؟ فأجيبك بأن هذه مزايا العظماء تجتمع فيهم النقائص وتصطلح عليهم الأضداد.

    وبَعْدُ، فما أنت وذاك؟! وما سؤالك والإلحاح فيه؟! قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، يسرونك إذا أصبحت ويسرونك إذا أمسيت؛ فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلا أن تتفكه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخضت لك عن هذه الوزارة البديعة.